أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد محمد مهدي غلام - وقفة تأمل مع زرقاء شلال عنوز















المزيد.....


وقفة تأمل مع زرقاء شلال عنوز


سعد محمد مهدي غلام

الحوار المتمدن-العدد: 7366 - 2022 / 9 / 9 - 19:35
المحور: الادب والفن
    


يا للعراق!
يا للعراق!أكاد ألمح، عبر زاخر البحار،
في كل منعطف، ودرب، أو طريق، أو زقاق 
عبر الموانئ والدروب،
فيه الوجوه الضاحكات تقول:(قد هرب التتار
والله عاد إلى الجوامع بعد أنْ طلع النهار،
طلع النهار فلا غروب!)
"بدرالسياب"
"أمبرتو إكو" يكتب في النص المفتوح فيقترح أهل الاختصاص من المعاصرين بالشعرية "البوطيقا" في مجال البنيات التي تتحرك داخل بنيات النص الموصوف "إيكويًا" وضمنها نتحرك نحن، يقترحون مجموعة من الأشكال التي تستدعي حركية الأفاق وتعددية التأويلات، ولكن من الجلي؛ إنَّ أي عمل فني ليس حقًا مغلقا، وإن كل نص بمفرده يتضمن، بصرف النظر عن أي تحديد ظاهري، لا نهائية من القراءات الممكنة. تمسي الحاجة للبحث عن المعنى أعمق في الاستعارات الأسطورية.
يحدثنا "ستيفن نورد إبل لاند" "إنَّ الأدب ليس سوى تقنية الدلالة: إنَّ وجوده كائن في شكله، وليس في المحتوى أوالرسالة الإيجابية للخطاب: في إنتاجه للمعنى وينجم عن هذا ؛إنَّ كل تحول للموضوع ينبغي بالضرورة أنْ تثير تحوًلا مساوقًا لنمطية التفكير والاصطلاح: للمنظومة المتعلقة به، تمامًا كما كل تحول في النظام النظري-الاصطلاحي لامناص يمس طبيعة الموضوع". "إنَّه لمن الممكن، بالفعل، تقليص معنى الكلمات: ويمكن إذن ترجمة كل شئ إلى عبارات أخرى كأن نقول: لم لا نقلص الأنا الأعلى الفرويدية إلى الوعي الأخلاقي لل"سايكولوجيا "الكلاسيكية؟ "ماذا! أهذا كل ما في الأمر؟ أجل إذاما ألغينا الباقي مثلما يقول "رولان بارت":" الأدب نظام من العلامات دليل مماثل للنظم الدلالية الأخرى، شأن اللغة الطبيعية، والفنون و"الميثولوجيا"...إلخ" ومن جهة أخرى، هذا ما يميزه عن بقية الفنون، فإنه يبني بمساعدة بينية، أي لغة. إنه إذن نظام دلالي في الدرجة الثانية، وبعبارة أخرى؛ إنَّه النظام التعبيري الخلاق وفي نفس الوقت، فإن اللغة تستخدم كمادة لتكوين وحدات النظام الأدبي، والتي تنتمي. إذن، حسب الاصطلاح "الهمسليفي"، إلى صعيد التعبير لا تفقد دلالتها الخاصة/ مضمونها. وينبغي، علاوة على هذا، الأخذ في الاعتبار مختلف الوظائف الممكنة للمادة المحمولة و عدم حصر معناها في وظائف مرجعية وشعورية.
إنَّ صيغة الوظيفة الشعرية أو الجمالية التي تقبل المحمول نفسه، والتي أدخلها "ياكونبسكي" وبلورها "ياكوبسون" و"موكاروفسكي" والمدمجة في النظام الصيغي للسانيات على يد "ياكوبسون" هذه الصيغة تتدخل في نظام الأدب كما تفعل في تظام اللغة وتخلق توازنًا معقدًا للوظائف ولنسجل بإن كِلا النظامين، متشابهُ، على الأغلب مسبقًا ليسا متطابقين كليًا، أضف إلى أن الأدب يستعمل سننًا اجتماعية ليست مستمدة في تحليلهامن الدر اسة الأدبية. كما يقول "تودوروف":"إنَّ الكاتب لايستطيع شيئًا في العالم، وبسبب القانون الخصوصي نفسه:الكلام، المشوش، الناجم عن نظام دالة بالأصالة: اللغة. من هنا يأتي الطابع "التوتولوجي" للفعل الأدبي، وبعده التخطيطي: إنَّ الرسالة الأصلية للكاتب هي إبداعيةغيرية، قول مخدوم بلا انقطاع، وبمعزل عن كل محمول إجرائي". من هنا، بالذات غير قابل للتعديةكما يصرح "ستيفن نورد إبل لاند". و"د. محمد الصغير" يتناول مايعنيه التفسير الاصطلاحي المتسلسل عن الأصل اللغوي وهو الاجتياز والتخطي من موضع إلى موضع، وهذا يكشف عن وجود علاقة بين استعمال المجاز لغة واستعماله اصطلاحًا. في نوعي المجاز العقلي واللغوي مبحثنا يستعرض أقوال كبار النقاد في العالم. كذلك في تدارس حدود التشبيه والتي هي من أصول التصوير البياني ومن مصادر التعبير الفني وهو كما يقول "القزويني":" في الإيضاح مشاركة أمر لآخر في معنى" وقد فصل "السكاكي" في "مفتاح العلوم" ذلك إذْ يقول:"إنَّ الشبيه مستدع طرفين:مشبهًا و مشبهًا به، وأشتراكا بينهما في وجه وافتراقا في أخر. إنْ يشتركا في الحقيقة ويختلفا في الصفة، أو بالعكس".كما يوجب فهم الاستعارة على ما استقر الفقه اللغوي والبيان في أعاجيزه عليها يقول "الرماني": في النكت " الاستعارة تعليق العبارة على غير ما وضعت له في أصل اللغة على جهة النقل للإبانة "، ولما كنا مزمعين على تناول نصًا مستغرقًا بتضمين آسطوري أو حتى، وأنْ كان حقيقة ، فعلينا استشفاف وجهة نظر النقاد الكبار ونعرج على الشعراء ونأخذ نماذجًا للإبانة والاستبيان.
"تودوروف" يقول: في المجتمعات التقليدية تجد الأسطورية تعبيرها في الآساطير ومختلف أشكال الممارسات الدينية. في المجتمعات الحديثة، يضطلع بهذا الدور ما نسميه الثقافة، ومعها في وسطها الفنون، وبشكل أكثر خصوصية الأدب. من الإشكلات المعضلة، إنه إذا صدق القول، بأن كل لغة تحتوي على عناصر تصور العالم وعناصر الثقافة، فصادق أيضا، أنَّ لغة كل شخص تكشف عن مدى التعقيد في تصوره للعالم. فالذين لا يتكلمون سوى ا للهجة العامية أو يفهمون اللغة القومية فهما متوسطًا مفرداتيًا ومصطلحيًا يتسمون ضرورة بحدس للعالم متفاوت الضيق والإقليمية ومتحجر وغير منسجم مع العصر إزاء تيارات الفكر الكبرى المسيطرة على التاريخ العالمي كما يقول "غرامشي": "كل كاتب يعبر في عمله عن طريقته في النظر إلى العالم وفي الاحساس به وتخيله". غير أن هذا العالم، حسب مزاج الكاتب وشخصيته، يمكن أن يتم الاحساس به بطريقة مباشرة أو على العكس، بطريقة مدركة من خلال الوعي، والفكر التصويري، بدرجات متفاوتة. في الحالة الأولى يكون الخطر متمثًلا في إنجاز عمل فني جزئي وذي قيمة ذاتية محض، وفي الحالة الثانية يتمثل الخطر في البقاء على الصعيد التصوري ،والمجرد، ولا حاجة إلى القول بأن الكتاب الكبار يتوصلون إلى تجنب هاتين العقبتين ،وفقًا ل"لوسيان غولدمان".
إنَّ العلاقات الحوارية تكون ممكنة ليس فقط بين التعبيرات الكاملة نسبيًا، ولكن التناول الحواري ممكن لأي كلمة بمفردها بشرط أنْ يتم استيعابها لا على أنها كلمة غير مسندة، بل على أنها ممثلة لتعبير يخص إنسانًا أخر، أي بشرط أنْ نحس فيها بوجود صوت إنسانًا أخرًا.ولهذا السبب فإنَّ العلاقات الحوارية تستطيع التغلغل إلى أعماق التعبير بله إلى أعماق الكلمة المفردة بشرط أن يصطدم فيها صوتان اصطدامًا حواريًا" الحوار المجهري" حسب "باختين" إنَّ المذهب العميق للنقد يجب أنْ يحترم غرابة اللفظ الشعري ويقتصر عملياته على حقل منفصل من النثر العقلاني، ولغرض إبهام الأثنين يتوجب تحطيم القلق المبدئي الذي يكافح للحفاظ على انضباط مصداقية الغموض الشعري كما يقول، "دريدا". والحالة، إنَّ السلوك هو مصدر العمليات ليس لأنه يحتوي هذه العمليات مسبقا، كما ليس لأنه يحتوي كل السببية، بل لأن أرتباطاته العامة تحتوي على بنيات كلية وجزئية كافية لأن تشكل نقطة انطلاق للتجريدات العاكسة وإلى البناءات اللاحقة، ولكن ذلك يوصلنا إلى البينات "البيولوجية". ذلك ما علق به "جان بياجيه". التطورات التي قدمها "دي سوسر" قادت إلى التقدم الدلالي في الحداثوية المنهجية ،والدلالي ذاته محور بحوث "جومسكي" في التوليدية التحويلية ومنها كانت ما قدمه اللغوي اللامع "فلمور" والتي وضع المعاني من الدرجة الأولى من الافضلية في التحليل اللغوي...
يتحدث "البياتي" في مقدمة الجزء الثاني من المجموعة الكاملة له:"هذه الأقنعة في التاريخ والرمز والأسطورة، وكان اختيار بعض شخصيات التاريخ والأسطورة والمدن والأنهار وبعض كتب التراث للتعبير من خلل قناع عن المحنة الاجتماعية والكونية من أصعب الأمور…"والقناع هو الاسم الذي يتحدث من خلاله الشاعر نفسه، متجردًا من ذاتيته، أي إنَّ الشاعر يعمد إلى خلق وجود مستقل عن ذاته، وبذلك يبتعد عن حدود الغنائية والرومانسية التي تردى أكثر الشعر العربي فيها. فالانفعالات الأولى لم تعد شكل القصيدة ومضمونها، بل هي وسيلة إلى الخلق الفني المستقل. إنَّ القصيدة في مثل هذه الحالة، عالم مستقل عن الشاعر- وإنْ كان هو خالقها- لا تحمل آثار التشويهات والصرخات والأمراض النفسية التي يحفل بها الشعر الذاتي الغنائي ...
تلك هي المدخلات الضرورية كما نرى للولوج إلى عالم" شلال عنوز"وستكون البداية "قصيدة زرقاء اليمامة"، وقبل أنْ نتعامل معها سنضع جزءاً من قصيدة "أمل دنقل " قد تكون الثيمة مغايرة ولكن الواقع الموضوعي والبعد الرؤوي يتطلب المرور عليها ومنه يكون لنا أن ندلف "لقصيدة العنوز". "دنقل "مواليد" قنا "من صعيد مصرعام 1940 وتوفي عا1983وأول ديون له عنوانه هو اسم هذه القصيدة التي بين أيدينا .
ربما يتسائل البعض لما لم يختار الشعراء "حذام "المرأة التي مشهود لها حدة البصر والحذق وبعد معركة لقومها وانسحاب العدو اعتقدوا أنهم بمأمن ولكن :حذام" وجدت "القطا" يهيج ويطير، فقالت، لقومها إنَّ عدوكم يتربص بهك ألا يا قوم ارتحلوا وسيروا فلو ترك "القطا" ليًلا لناما فلم يستمعوا إليها فقال، زوجها إذا قالت ،"حذام" فصدقوها فإنَّ القول: ما قالت: "حذام" و أصبح مثلا، وذكره الكثير منه "المبرد" واستعاره شعراء منهم "المعري" إذ يقول: إذا ما جاء رجل" حذام" فإنَّ القول، ما قالت، "حذام"،أتراه محض اختيار ولو طبقنا عليه ما قدمنا من دروس كبار النقاد ومنهم في الدلالة والإشارة والأبعاد الأدبية و"قناع البياتي" فلماذا "الزرقاء" لا "حذام"؟ نعتقد لإنَّ الأمر يتعلق بالبصيرة وليس الإبصار والعرفانية.
يطلب من رجل ضرير أكتع طلب تسلق نخلة؟ فهل له سوى الاستعانة بالبصيرة؟!... الأشباح تطاردنا في الأزقة الملتوية فما نفعل سوى استدعاء بصائرنا حيث لا تنفع أبصارنا!! . "الزرقاء"امرأة من "جديس" في "اليمامة" كانت حادة البصر يقال، أنها ترى الرجل عن مسيرة ثلاثة أيام. شاهدت الأشجار وخلفها البشر فأخبرت قومها فقالوا، لها تكذبين أوكذبتك عينيك فلمّا ناموا دهمهم العدو وأوقع بهم القتل، ويقال، اقتلعت عين " حذام" فوجدت محشوة بالإثمد... ورد ذكرها في الأمهات في "العقد الفريد" حيث قال :إنها ترى الشعرة في اللبن وكتاب "أخبار البلاد وآثار العباد" يقول: إنها انشدت:
خذوا خذوا حذركم يا قوم ينفعكم
فليس ما قد أرى حل أمر يحتقر
إني أرى شجرًا من خلفها بشر 
لأمر اجتمع الأقوام والشجر

وذكرها" الأصفهاني: صاحب" الأغاني"...
أما :الزرقاء" التي  
قال "المتنبي" فيها:
بَرَتني السُرى بَريَ المُدى فَرَدَدنَني
أَخَفَّ عَلى المَركوبِ مِن نَفَسَيْ جِرمي
وَأَبصَرَ مِن زَرقاءِ جَوٍّ لِأَنَّني
إِذا نَظَرَتْ عَينايَ شاءَهما عِلمي
من الأبيات أعلاه نخلص إلى مبحثنا لنلخص ما نعنيه: وهو البصيرة وليس البصر، وهو جلي فيما
قاله، "المتنبي"، وعلى ذاك الصراط سلكنا درب المبحث في رؤية "دنقل "ورؤيا" شلال عنوز".
من قصيدة" أمل دنقل"
"بكاء بين يدي زرقاء اليمامة"
تكلَّمي أيتها النبية المقدسة 
تكلمي. . باللهِ. . باللعنةِ. . بالشيطانْ 
لا تغمضي عينيكِ، فالجرذان. . 
تلعقَ من دمي حساءَها. . ولا أردُّها ! 
* * * 
أيتها النبية المقدسة. . 
لا تسكتي. . فقد سَكَتُّ سَنَةً فَسَنَةً. . 
لكي أنال فضلة الأمانْ 
قيل ليَ “اخرسْ. .” 
فخرستُ. . وعميت. . وائتممتُ بالخصيان ! 

فأين أخفي وجهيَ المُشَوَّها 
كي لا أعكِّر الصفاء. . الأبله.. المموَّها. 
في أعين الرجال والنساءْ !؟ 
وأنت يا زرقاء. . 
وحيدة. . عمياء ! 
وحيدة. . عمياء !
الدرس نتعلمه أنَّ البحث يجري عن مبيت خلف طريق العتمة في قناع من نلوذ به... في العتمة والخوف لانبتغي أن نرى ولا لن نشاهد الذبيحة و سلخها... سنكون من المؤبنين بعد أن نواريها الثرى... الواقع إننا نريد أن نتجنب الضجيج و الصراخ والألم الممض...
السكين تأكل القلب بقسوة لا رحمة فيها...
نقاوم النفس التي تتمنع عن فتح نافذة البصر عبر البصيرة في هذا الديجور المقيم الذي خيم علينا وعلى حيواتنا وبسط سطوته على كل حياتنا لنعرف ونفهم فعسى ذلك يجينا من جسارة الظلام ...
نتستر بعباءة الخان ونحن من يحترق وليس "حذام" من نرجوها رداءً للحروف. نريد "الزرقاء" "فالإثمد" تخفية بعناية تحت أجفانها لا نملك سوى الوجع خذيه قربانًا وأضحيةً وأعيدي الأمان... شبت النار فينا وفي الأشجار التي عنها تخبرينا ونحن نسدر في النوم مخدرين بالوعد ... خلف مقابر الضوء هناك عند الأفق البعيد حيث يستوطن السراب والأسئلة المحرجة تقف أرواحنا المتعبة لتقاوم اليأس... أهي الخاتمة؟ تجيب "زرقاء" مقهقه لم تبدأ بعد فكيف تنتهي؟ آه ويحنا ما ننتظر بعد أهناك من يتبع ظلنا المطرود؟ تجيب، إنكم نصب عينيه وسيعود أشجارًا وأكمات وعتمة ويطيح بكم... يوقع الضرب المبرح انفسكم ويسدد الصفعات لقلوبكم وسكينتكم ومستقبلكم، وبالمشرط يقطع أجسادكم يطعم الكلاب والذئاب من الأشلاء. سيهاجمكم الرصيف والصريف وفي كمه التمرة والرغيف ذاك من المعجون عرقكم الذي صادره من عقد مخرب دوركم وناهب أموالكم وزاهق أرواح أعزمكم...يخرج من ظهرانيكم الدجال ...
سيسلط البعض على البعض وهو يرتكن ظل نخلة على ضفة "الفرات"،يمتج دخان سجارة يلف بها من سنوات عمركم و ستبكون وتتألمون... ولن تغفر لكم نفوسكم ما فعلتم حينها من موبقات الشر المستطير والقلوب التي أترعت أحقادا، وكل زفير العصور وزنخ التاريخ العفن ستقدموه على موائدكم وستلاقون ما فعلت أيديكم بأنفسكم.
لم يقل "دنقل" ذلك شكى حاله وما آل إليه مقطوع الساق ومتمسك بالراية وقد تهرأت. صعلوك لايتذكره المتنفذون إلا في الملمات يتصدر جحافل الموت ويتصدى لكل ما يثير الذعر وعليه هدر الكرامة ودفع ثمن هزائمهم، ولكن عندما يقتات ويسكن ففي الكهوف النائية وما تجود به المكبات. أخبرت "الزرقاء" بما تنوء الجمال من أثقال أخبرت عن واقع الحال والمأساة والمجزرة صورتها بالألوان وبأدق التفاصيل ولكن قلب الصعلوك يخشع ويتمرد ويثور ويضج بالثبور، أما هم الأسياد موائدهم عامرة يتجاذبون الحديث عما جرى في مؤتمرات وبعيدًا عن العيون، يتناولون بها الوجبات الفاخرة وهم في أبهى زي وعلى وثير الأرائك يجلسون وباذخ الأسرة يقيلون ويختمون مجالسهم بالقذف الفارغ للقدر والشجب والتذمر. الصعاليك تحت المطر في الشتاءات وتحت لهيب الشمس في الصيف هم في العراء عراة وجياع والصبيات من بناتهم سبيات مع النهار يتجهن صوب الحتف إلى بحر يدفن الأنهار ويوقف نزف الشكوى. وصمها بالعمى وقد أخبرت بالواقعات المنتظرة أنه السأم واليأس وقد اعتراه وأصابه بمقتل فماعاد يرى الغد المصيبة ...
يا"دنقل" ليس ما جرى بل ما سيحدث غدًا ،فارقتنا ولم ترَ النكسة التي لم تكن إلا عقصة لضفيرة ولدغة لذبابة بقياس حادث اليوم حيث الناب والمخلب...
(من مأثور حكاياتنا الشعبية، أن مخرزا نسي تحت الحمولة على ظهر جمل..)
قالوا وظل.. ولم تشعر به الإبل
يمشي، وحاديه يحدو.. وهو يحتمل..
ومخرز الموت في جنبيه ينشتل
حتى أناخ بباب الدار إذ وصلوا
وعندما أبصروا فيض الدما جفلوا
صبر العراق صبور أنت يا جمل!
وصبر كل العراقيين يا جمل
صبر العراق وفي جنبيه مخرزه
يغوص حتى شغاف القلب ينسمل
ما هدموا.. ما استفزوا من محار مه
ما أجرموا.. ما أبادوا فيه.. ما قتلوا
وطوقهم حوله.. يمشي مكابرة
ومخرز الطوق في أحشائه يغل
رحم الله الشاعر "عبد الرزاق عبد الواحد"
هم دخلوا بالبسطال جوامعنا،
وسنابكهم الفولاذية تدوسنا،
تطأ جماجمنا.
أتسمع صوت فرقعتها وأنت تحت التراب؟
وهم هم أصحاب الجلالة والسمو الشيخ ابن الشيخ أخ الشيخ لا أحد يقول: صه فالرجل الذي أنزل بنطالهم هو اليوم معتكف في الخاتمة المزرية أهذا ما كنت تنتظره؟ أهو الربيع الذي تأتي به "العواسج" و"صبار" "نيفادا" وتموت الأزهار وتسحق حقول الياسمين. تزهق أرواح الشقائق وتقطع أعناق الليلك ،كيما ترفع الرايات السود. عن أي صفاء تتحدث حتى الهواء قد تلوث فسد حتى الملح . قم الآن لتتحدث لم تكن "الزرقاء" عمياء يا"دنقل" القناع أسدل على عينيك فلم يعطيك خرم لترى الآن. لقد كانت نكسة فقدنا فيها الأرض وضيعنا القدس وقتل منا الأطفال في العراء والخوذة على رؤوسهم. تعال اليوم لترى كل المدن الكبرى بلا بكارة وكل الأرصفة مزروعة بمن ينتظر الدور للموت أوالفرار. تلكم الخاءات هي التي تتحكم بخانات عوامنا تدفعنا لنستجدي في ااطرقات المعبدة ولكن لانأكل على موائدهم الكبار فلانزال صعاليك كما كل أبناء الشعوب المغلوبة في هذه الأمة المغضوب عليها. فاقت الحدود فاقتنا ،و سنابك الحرمان تطاردنا وقهر الكرامة المهدورة ثمن الصمت والخنوع ، لم يظل لنا سوى بضعة من حروف نسربها ولا أحد يسمعها فالكل يجري خلف حبات الرمان يجمعها ويحصيها وواحدات الخلال من الحشف اليابس "لتمر" تساقط بعد أنْ يبس. ليس أوان الشعر والرؤيا ولا وقت الندم والدموع. اليوم فارهات الأجنحة في أرقى الفنادق يقطنها الحفاة ليس من جماعتنا صعاليك الكهوف، بل من قطاع الطرق العياريين والشطار الذين جاء بهم المحتل وهم أهل الدار صاروا ونحن الضيوف ...تجوب سماواتنا طيور الكواسر، كل حمام المراقد إما مات أو هاجر أو في صدوع الجبال يترقب ساعته هناك ولا نوارس على الشط ولا إوز في أهورانا الجافة وحتى السنونوات غيرت طريق مرورها فما عدنا نرى لها على جدران بيوتنا أعشاشا .
البحر أصابته التخمة من غرقانا وعواصم العالم تضع العلامات الحمراء على جوازات سفرنا. كلنا نرهص بالبترول تعرف لماذا؟ كي تشمنا الكلاب وبعد أنْ ينضب وينشف عن أجسادنا ما دلقوه علينا حتى نكاد لانرى و عندها عود ثقاب يلقى علينا لتشب فينا النار... تشكو ماذا ومن ولمن ومتى؟ "دنقل" حقا "الزرقاء" عندك عمياء لم تبصر وليست من أهل البصيرة أو إنك من تفجر الكراهية والقهر لم تلحظ ما تؤشر له وتشير وتلمح وتصرخ. إنّك لم تسمع أمتك اليوم بلاقع من قبور ومتاهات من ثبور قايضوا بنا وألتمسوا النجاة ولكن المصيبة ليس بما تذكر لأنّ قد أصابهم البوار وأكلتهم الديدان .من هم حقًا خلف كل ما صار ويصير وسيصير يتربعون المجلس الآن ويتصدرون الفتوى بدمنا أو حياتنا وآوان أنْ نترك للضباع أو القرش أوالضياع.تقول، ماشهدت لم تتبصر الغد أما" عنوز" نراه لم يُجَارِك في التوصيف ورؤيته ليست كما أنت رأيت ولكنه أكثرمنك استبصارًا لرسم اليوم والغد من قبل عقود حتى وإنْ لم يعنيها !!
هي "نستراداموسيات" تقرأ بكل اللغات ولها ألف وجه وتعطينا مئات الملامح عما يحصل اليوم. لانقارن شاعرية ولا نحتكم للبلاغة والبيان والمجاز وراء التشبيه والصور والاستعارات والتمثيل. إنُه إقرار بما نرى حتى ولوكان لغطًا أو تهويما، قال: أهلونا خذوا الحكمة من المجانين ولانرى صاحبنا بمعتوه لكنه أخبر بما قالته: له "الزرقاء" أنت اسملت عيونها وهو فتحها واسعا. أنت أسدلت جفونها وهو رفعها عاليا. نصدق ما كان وأنت محق وصادق ونقلت للتاريخ خارق الواقع المزري، ولكن ما يحدث الآن لم تدع "الزرقاء" تبح لك به و حجبت عنها الرؤية وصاحبنا أعطاها كل الوقت لترى وتقول، ما ترى من علم العرفان وليس الإبصار وحسب ،و قد تكون أكثر حنكة بالتقنع من صاحبنا ولكنك حذفت الكثير وأنت المشغول بالقناع ورغم أن صاحبنا ليس بمكين بالتقنع ولكن استمع مليًا، ونقل لنا ما صدقت "الزرقاء" به وكانت بلا قناع ،لقد نقل لنا ما باحت به من الصريح والفصيح يقول "شلال عنوز" في "قصيدة زرقاء اليمامة" عام 1991
خذ وجعي
دعني اتوارى
خلف اقبيةٍ
طرقاتٍ
وحوار بنيوي
ومآذن
لا تخف موتي
فللاهات موقد
لم يزل يرسلُ جمراً
وحريقاً
وخرابا
وعلى فوهة بركان جنائز
كان ينتظر القيامة
هاتِ زرقاء اليمامة…
ابحري, وافتحي عينيك
للآتين
أفصحي…
ثرثري…
ماذا ترين…
القادمُ الليليُّ
غبشٌ تسربلَ بالضجيج
ماذا أرى؟
أأشجار تسيرُ إلى الحتوفِ
ام الضحايا
ماذا أرى؟
واحانكم زحفت اليكم
يابني أمي
وها قد حان موعدنا 
صحرائكم مدد عليكم
لا إليكم
فلتفق الآن اجراس المآذن
ولتمد الارض
تستجدي هوى الاجداد…
موتانا
مدد عليكم يابني امي
فخلوا النوم للحالم
دعو الغثيان واستبقوا…
أعاصير جنون النوم 
والغفلة
صحرائكم زحفت اليكم
يابني امي
نموراً ثعابينَ
منايا
صدقوني انه الخبرُاليقين
لا تهزؤا..!!
فالهازئون الخاسرون
جيوش الليلِ تزحفُ
وهي في مرمى بصر
أسرجوا كلُّ الخيول
تمنطقوا
ودعوا الهراء
هاتِ زرقاء اليمامة
نحن أميون عميٌ
لانرى الا وجوه الفاتنات
…موائد السُمّار
فاتورة الملهى…
نقيق الادميّين
سُكارى
وصراخ السوق
والدولار
والحُمّى
عُميٌ نحن يازرقاء
قد مُسخت رؤانا
واستبدّت في دمانا
سرطانات البضائع
أرَضات نحن يازرقاء
نعتاشُ على بعض دمانا
صُمَّتْ مسامعنا
فلا صوت سوى الحوذيِّ
يرعدُ في دروب الليل
ترقصنا اغانيه البليدةِ
كالعواءِ
ونعانق الاشباح في كبدِ
النهار
نيام نحنُ يازرقاء
ما برِحت وسائدنا تنوءُ وتستجير
يالهول الامس
في أسمالِ من مرّوا
من أفاقَ ومن يفيق
أزفت الآزفة
وانشقَّ القمر
أمحاصر هذا الزمان
فلا غرابة…..
هاتِ زرقاء اليمامة
هل ترينَ اليوم (بيجماليون)
يعدو في أزقتنا
وينحت وجه إمرأةٍ
بتول
لم تلدها الأمهات
هل ترين الآن ابخرةً
شموعاً
وذراعاً ممسكاً وجه الحبيبة
وإحتراقاتِ قصيدة
هل ترين؟
إنها من قبلةِ الشمس
ومن طفحِ الفرات
لم ندرس الصور ولاتعرضنا للمفردات والجزالة كان ما يعنينا البصر والبصيرة ونترك القارئ ليحكم عما في المقابلة: بين" زرقاء" عمياء وأخرى دفن تحت أجفانها الإثمد الثمين. "دنقل": لذات الأسباب لم يختر صاحبتنا "حذام" ولكنه أصاب وأنت كان عليك أن تختار "حذام" أثقف في الرؤية وأصدق في القول وقد نقلت ولكنك وضعت قناعها، أما صاحبنا بقصد أو لا قصد بلا قناع نقل لنا ما لاح "للزرقاء" من بعيد. لم نغبطك ماأنت تستحق فالصورة والتصوير من البراعة والروعة بمكان يفوق ما يتوقع المتلقي وأنت في كل مسيرتك كنت في نمو وتصاعد حتى في بعض قصائدك بلغت الذروة. صاحبنا لم تصاحبه سلالم الإرتقاء دوما نراه وخصوصًا في العقد الأخير. حتى لم يضع قدم له على السلم، فراح يتخبط عشواء في مرات ليساير ويبقى قائم وهو ليس بالمصيب فالكبير وأنْ غاب هناك من يعده الكبير ويذكر في سجل ليس " أنطولوجيات" اليوم التي يدبجها العيال والأحداث، ومن يسرق التاريخ رونق الصدق ،و الحقيقة. لكن الآن نحن مع "الزرقاء" وهذا ما نحن شاهدناه وشهدناه نشهد به لكن الرحمة يا "دنقل" كنت الكبير وقد تكون عنيت أنْ تقتصر عما حدث. وليس كما جاء في قصائد لاحقة لك من رؤيا لما سيكون، ولكنك أنت من استقرله البال أنْ يطرق خيمة "الزرقاء" نجدك كان الأجدر أنْ تطرق خيمة "حذام" وأنت ممن يعنون ويتعنون ، سيرك على درب التقليد في مسلك القول، في الشعر قد يكون هومن دعاك إلى ذلك. لكن صاحبنا قد محض قدح رماه فحن له و أصاب الخيمة...
قد يكون لقصيدة النثر وما تمنح من أفق لامحدود سانحة امتطاها فعبر حبل النهاية الكل معقول ولا يقلل من بلاغة التضمين وعمق الصورة وجسارة التناول وبيان المفردات وسمو القول. لكننا كما أسلفت وأعيد بحثنا عن العرفان الذي لم تأته وقد تكون عنيته لايهم صاحبنا وأنْ لم تعنِه أصابه صاحبنا، ورب رمية من غير رام وأن كنا نعتقد أن الرامي موجود وأهدافه واضحة للعيان. أنت يا"دنقل" أصميت حيث ثقفت فأصبت أنْ كنت عنيت الطريدة تلكم الأوانات. صاحبنا ثقف فأصمى هذا الزمان …



#سعد_محمد_مهدي_غلام (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- درس الاستعارة في المجاز والفهم والتأويل لمعالجة نصوص شلال عن ...
- توطئة /-نصوص- شلال عنوز:على طاولة النقدُْ-
- -شلال عنوز وأردان العبق الثقافي النجفي-
- -مُقَدِّمة عَامة عن النقد وتوقف عند مَفْهوم النَّصّ - ًَّّّْ ...
- النجف ليست مقبرة،بل دار الشعر والسلام
- عَشِيَّةٌ وَرْدَةٌ،  وإذْ زَرْبِيَّةُ بينيلوبي تَفَقَّأَت * ...
- *إكليلٌ من بَثِّ -القَلْب المُنْكسِر-*
- قراءة فنية في نصوص نقدية ( الأفياء نخلة والأريج عنبر) الأستا ...
- وَجْد
- خائن
- هامش عن الايديولوجيا
- تَصْدِيَة بائِرة*
- أُنْشُوطة *
- تسبيح
- من كَهْف* إلى كَهْف* تَأَبَّطْتُ السِّيرَةَ وأَدَّلَجْتُ * َ ...
- من كَهْف* إلى كَهْف* تَأَبَّطْتُ السِّيرَةَ وأَدَّلَجْتُ *7 ...
- من كَهْف* إلى كَهْف* تَأَبَّطْتُ السِّيرَةَ وأَدَّلَجْتُ *8ْ ...
- من كَهْف* إلى كَهْف* تَأَبَّطْتُ السِّيرَةَ وأَدَّلَجْتُ *6ُ ...
- من كَهْف* إلى كَهْف* تَأَبَّطْتُ السِّيرَةَ وأَدَّلَجْتُ *5َ ...
- حَضْرتك دَعْوة مُسْتجابة* َََََََُِْْ


المزيد.....




- في شهر الاحتفاء بثقافة الضاد.. الكتاب العربي يزهر في كندا
- -يوم أعطاني غابرييل غارسيا ماركيز قائمة بخط يده لكلاسيكيات ا ...
- “أفلام العرض الأول” عبر تردد قناة Osm cinema 2024 القمر الصن ...
- “أقوى أفلام هوليوود” استقبل الآن تردد قناة mbc2 المجاني على ...
- افتتاح أنشطة عام -ستراسبورغ عاصمة عالمية للكتاب-
- بايدن: العالم سيفقد قائده إذا غادرت الولايات المتحدة المسرح ...
- سامسونج تقدّم معرض -التوازن المستحدث- ضمن فعاليات أسبوع ميلا ...
- جعجع يتحدث عن اللاجئين السوريين و-مسرحية وحدة الساحات-
- “العيال هتطير من الفرحة” .. تردد قناة سبونج بوب الجديد 2024 ...
- مسابقة جديدة للسينما التجريبية بمهرجان كان في دورته الـ77


المزيد.....

- صغار لكن.. / سليمان جبران
- لا ميّةُ العراق / نزار ماضي
- تمائم الحياة-من ملكوت الطب النفسي / لمى محمد
- علي السوري -الحب بالأزرق- / لمى محمد
- صلاح عمر العلي: تراويح المراجعة وامتحانات اليقين (7 حلقات وإ ... / عبد الحسين شعبان
- غابة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- اسبوع الآلام "عشر روايات قصار / محمود شاهين
- أهمية مرحلة الاكتشاف في عملية الاخراج المسرحي / بدري حسون فريد
- أعلام سيريالية: بانوراما وعرض للأعمال الرئيسية للفنان والكات ... / عبدالرؤوف بطيخ
- مسرحية الكراسي وجلجامش: العبث بين الجلالة والسخرية / علي ماجد شبو


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد محمد مهدي غلام - وقفة تأمل مع زرقاء شلال عنوز