أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - محمد عمارة تقي الدين - مقدمة موسوعة الصراع العربي الصهيوني















المزيد.....


مقدمة موسوعة الصراع العربي الصهيوني


محمد عمارة تقي الدين

الحوار المتمدن-العدد: 7330 - 2022 / 8 / 4 - 15:14
المحور: اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
    


دكتور محمد عمارة تقي الدين
مقدمة:
"مأساة فلسطين ليست مأساة محلية، بل هي مأساة العالم، فهي ظُلم يُهدِّد السلم العالمي"، هكذا يدفع الفيلسوف والمؤرخ الكبير أرنولد توينبي في تلك المقولة بالغة الدلالة نحو حقيقة مفادها أن ارتدادات الصراع العربي الصهيوني ستضرب العالم أجمع، فالظلم المفرط والكيل بمكيالين هو أمر من شأنه أن يؤجِّج العنف والإرهاب كقنبلة عنقودية انشطارية وككرة ثلج متدحرجة تكبر يومًا بعد يوم، أو كنظرية الأواني المُستطرقة حيث ينتقل الإرهاب من الأماكن الأعلى إرهابًا(الكيان الصهيوني) إلى الأدنى(سائر العالم).
ونحن نعتقد أن هذا الصراع هو في عمقه تجسيد لمأساة البشرية كلها، وإخفاقاتها في تغليب الروح على المادة، والقيمية على النفعية، والحق على القوة، وإن لم يتكاتف الجميع لإنهائه بشكل عادل وإنساني فالأمر منذر بعواقب وخيمة.

وإذا ما كانت الحضارة الغربية تحمل بين طياتها معسكرات الموت والإبادة الجماعية على حد تعبير ريتشارد روبنسون، ففي يقيني أن الكيان الصهيوني هو أكثر تلك المعسكرات جُرمًا ووحشية، ومن ثم فالتصدي لهذا الكيان الغاصب هو معركة يخوضها الفلسطينيون نيابة عن البشرية كلها ودفاعاً عن إنسانيتها المُهدرة.

فها هو المشروع الصهيوني وقد تم تعميده بالدماء، دماء الفلسطينيين وإخوانهم من العرب، مع حاجته المستمرة لمزيد من الدماء ليواصل نموه وتمدده الشيطاني ككائن دراكولي نهِم، وهكذا عمّدت الحضارة الغربية كل مشروعاتها التوسعية الاستيطانية، وهكذا ستفعل مستقبلًا عبر إنتاج مشروعات استيطانية جديدة إن ظلت تسير بذات الاتجاه وتتبنى نفس القناعات.

ليس من حل إذن إلا بتفكيك هذا الكيان الصهيوني وإعادة تركيبه مرة أخرى على أسس قيمية إنسانية، وهو أمر لن يتأتى من دون ممارسة ضغوط حقيقية عليه، وفي القلب من هذه الضغوط تأتي المقاومة الفعلية للمُغتصِب كأكثر الأعمال نُبلاً وأخلاقية على الإطلاق، إذ تبقى التضحية بالنفس من أجل الأوطان هي قمة مشاعر السمو الإنساني، فمن شأنها أن تُبقي جذوة التوق الإنساني لتحقيق العدل متقدة على هذا الكوكب.
ومن ناحية أخرى فإن مراكمة الخبرات التاريخية ووضعها تحت مجهر البحث والدراسة، هو أمر من شأنه أن يدفعنا للتفرقة بين اليهودية والصهيونية، فالحقيقة أن ليس كل اليهود صهاينة، كما أن ليس كل الصهاينة يهود، لقد طرحت الصهيونية نفسها باعتبارها الممثل الحقيقي للدين اليهودي، وهو طرح زائف ومخادع، من هنا أهمية كشف عُمق التناقض بين اليهودية والصهيونية، فالكيان الصهيوني بصيغته الحالية لم يخرج من بين دفِّتي العهد القديم كما يزعم البعض، بل من رحم الحضارة الغربية، لكنه اقتات على المُقدَّس وتغذَّى من روحه.

كما أنه ليس من المبالغة القول أن: اليهود كأمة على حافّة الانتحار إذا ما ظلت قوى الدفع تسير بذات الاتجاه دون تدخُّل من أحد.
فاليهود محاصرون بين انتحارين:
انتحار مادي وجودي: إذ أنهم على وشك التورط، بفعل ممارسات الكيان الصهيوني الإجرامية، في معارك وحروب مُميتة، من شأنها القضاء على معظم الوجود اليهودي على الأرض.
وانتحار روحي قيمي: أي ذوبان مُطلق في الطرح المادي للصهيونية، وفُقدان ما تبقّى من الرسالة الروحية الأخلاقية لليهودية كديانة سماوية.
وقد قطعوا أكثر من نصف الشوط في كلا الاتجاهين.

إن ما نُريد له الانتحار هو الفكر الصهيوني بكل تجلياته العنصرية ونزوعه الإجرامي، لتتخلص اليهودية واليهود منه، وتنجو الإنسانية من بين براثنه، يقول المفكر الألماني إدوارد بيرنشتاين:"الصهيونية أشبه بالمُسكرات وتعاطي المخدرات الذي يفعل فعله كالوباء"، إذ تُفقد اليهود عقولهم، تُفقدهم قيمهم وروحهم التي ادَّعوا أنها طالما حفظت وجودهم وهويتهم طويلاً.

بل إن تأثير الصهيونية المدمر لا يقتصر على الديانة اليهودية واليهود فحسب، بل يزحف فكرها العنصري والمدنس على العالم في موجات ارتدادية هائلة، لتصيبه لعنة الشيفونية والعداء المُزمِن للآخر.
والحقيقة أن الكيان الصهيوني بفعل الصهيونية أضحى يُجسِّد كل مآسي البشرية وإخفاقاتها: توظيف سياسي مصلحي سلبي للدين، تبْنِّي الرؤى الداروينية وأطروحة البقاء للأقوى في أعنف تمظهراتها، سيادة النزعة النتشوية وفُقدان الرحمة الإنسانية، إنتاج نسخ عنيفة من الأديان، إفقاد الإنسانية قيمها الأخلاقية، تعظيم الرؤية العنصرية المُتعالية للآخر، تَفاقُم النزعة الاستهلاكية، الانفلات والسعار الجنسي، تزايد مُعدلات القلق والاضطرابات النفسية.
غير أنّ الغوص في أكثر مستويات التحليل عُمقًا هو أمر من شأنه أن يُخبرنا أن تلك الموبقات هي ذاتها مُنتجات ومثالب الحضارة الغربية الحديثة، غير أن الصهيونية دفعت بها إلى حدودها القُصوى.
هو إذن صراع يُجسِّد كل إخفاقات الحضارة الغربية في طورها ما بعد الحداثي، فلا عجب إذن أن يبدأ كثير من المفكرين الكبار أطروحاتهم العظيمة بتحليل ودراسة هذا الصراع، ومن ثم ينطلقون لبلورة رؤية إنسانية عامة، لعل أقرب الأمثلة: جمال حمدان، وإدوارد سعيد، وعبد الوهاب المسيري، وزيجموند باومان، وحنا أرندت وغيرهم.

هو إذن هَمُّ الإنسانية جميعها، هو عورتها التي تبحث عمن يسترها، هو مكبوتاتها الحيوانية وقد تفجَّرت في أبشع صورها.

والحقيقة أن هذه الموسوعة، هي باعتقادي سِفْر في هوى الإنسان، في عشق الإنسانية، تلك الملحمة الرائعة التي أبدعها الله عز وجل وقذف بها إلى حيِّز الوجود، إذ أن التصدي للمشروع الصهيوني هو في عمقه دفاع عن القيم الإنسانية الخالدة لكي لا يلتهمها تنين ما بعد الحداثة غربي المنشأ صهيوني التجليات.

وفي هذه الموسوعة ستجري المحاولة على بلورة ملامح وأُطُر الإدراك العالمي لهذا الصراع العربي الصهيوني من ناحية، أي كيف يرى العالم هذا الصراع، والإدراك الصهيوني للعالم من ناحية أخرى، أي كيف يرى الصهاينة هذا العالم، كذلك الإدراك العربي الراهن لهذا الصراع، وهو باعتقادي إدراك زائف، من هنا حاجتنا لخريطة إدراكية جديدة .

يفرض علينا هذا الإدراك الذي نتغياه أن ننظر لهذا الصراع باعتباره أحد منتجات الحضارة الغربية، فهو وكما سبق القول، ليس صراعًا دينيًا كما يزعم البعض، ولكنه صراع براجماتي نفعي يضرب بجذوره عميقًا في قلب الحضارة الغربية(تلك الحضارة التي بلا قلب)، غير أنه صراع متدثر بعباءة الدين ببراعة فائقة، بشكل أعمى كثيرين عن قراءته بشكل حقيقي.

كما تُسلط هذه الدراسة الضوء على ظاهرة تآكل الحلم الصهيوني، إذ أصبح هذا الكيان بمثابة (كابوس مُكيَّف الهواء)، إذا جاز لنا أن نستعير من هنري ميللر، فالكيان الصهيوني هو بحق كيان قلق، ولا تلوح في الأفق أدنى سحابة أمل تُنبئ باستمراره الوجودي لعقود قادمة، فالمخاطر المُحدِقة به أكبر من أي وقت مضى:
تكنولوجيا تتطور بسرعة، وبخاصة فيما يتعلق بإنتاج السلاح ووصوله بيسر للمقاومة الفلسطينية، التي باتت تهدد به أمن الكيان الصهيوني.
شعب فلسطيني يزيده الوقت صلابة وتمسكاً بحقوقه التاريخية، وتضخُّم الإحساس لديه بقيمة فعل المقاومة، بل وأضحى كثيرون في هذا العالم يثنون على هذا الشعب وينظرون إليه بإعجاب باعتباره واقفاً على تخوم الكرامة الإنسانية.
شعوب عربية غاضبة وأكثر وعيًا مما مضى، وفي طريقها للخلاص من أنظمتها الديكتاتورية، واستعادة رونق ضميرها الحي، ومن ثم التفرَّغ للمشروع الصهيوني.
وعي عام عالمي آخذ في التبلور، وقد أصبح لا يقبل بممارسات الاحتلال الصهيوني الإجرامية، وقد ضاق ذرعًا بانتهاكه الفجّ لحقوق الإنسان.
أعراض مرضية آخذة في التبدِّي على قاطني الكيان الصهيوني، تلك الناجمة عن شعور المُجرِم الدفين بأن أمره حتمًا سينكشف، وأنه لن يفلت من العقاب.
مُعدلات هجرة عكسية إسرائيلية متزايدة لبلدان أكثر أمنًا، في مقابل تزايد مُعدلات النمو السكاني بين الفلسطينيين، ومن ثم انقلاب الميزان الديموجرافي بشكل جذري لصالح الفلسطينيين.
وهو أمر يؤذِّن بفشل المشروع الصهيوني برمته وسقوطه في هوّة العدمية، فهناك أكثر من نصف مليون إسرائيلي يحملون جوازات سفر أمريكية، والعدد في تزايد نتيجة الخوف من نهاية مُفجِعة لإسرائيل، مثلها مثل كثير من التجمعات الاستيطانية التاريخية.
أضف إلى ذلك اعتمادها المُزمن على قوة خارجية، فالحقيقة أن إسرائيل تبدو كمريض موضوع على جهاز التنفس الصناعي الذي لا يمكنها العيش بدونه.
ومع ذلك تبدو إسرائيل عصيِّة على السلم لعدة متغيرات:
داخليًا، حيث تصاعد اليمين المتطرف: الديني والعلماني على السواء.
وإقليميًا، حيث الوضع العربي والإسلامي ممزق ومنكفئ على الذات بشكل كبير.
وعالميًا، في ظل نظام عالمي يُمجِّد القوة ولا يعبأ كثيرًا بالقيم الإنسانية، مع تنامي تيار المسيحية الصهيونية، هذا التيار الداعم بشكل مُطلق لإسرائيل، والذي يواصل تمدده عالميًا تزامنًا مع تصاعد أطروحاته المتطرفة.
لقد أصبح العالم ككتلة حجَريّة صماء، فهو بحق عالم بلا قلب أو روح، عالم تحكُمه معادلة "أسماك صغيرة تتغذّى عليها حِيتان كبيرة"، فالبقاء فيه للأقوى، في حين نريد إعادته كما كان سابقاً، أو كما أراده الله عالمًا تراحميًا إنسانيًا.
ففي مقابل (حق القوة) والذي تُمثِّله إسرائيل، ومن خلفها الصهيونية العالمية، نُريد التأسيس لـ (قوة الحق)، والذي يُمثِّله الفلسطينيون وكل دُعاة الإنسانية.

إن ما نأْمله هو خلْق مناخات مُواتية لسلام حقيقي يقود لقيام دولة فلسطينية كاملة السيادة، سلام الشعوب وليس سلام الأنظمة السلطوية الذي كان خنوعًا أكثر منه سلامًا، يقول الروائي الإسرائيلي ديفيد جروسمان:"لقد صنعنا سلامًا مع السادات وحاشيته، وليس مع المصريين"، وهو ذاته ما رددته جولدا مائير حين قالت:"بيجن والسادات يستحقان جائزة أوسكار للتمثيل وليس نوبل للسلام".
فالمشاعر الحقيقية نائمة في أعماق الشعوب، وذاكرة الشعوب ذاكرة حديدية لا تسقط الجرائم داخلها ولا تُنسى بالتقادم، وفي القلب منها جرائم الإبادة الجماعية التي ارتكبها الصهاينة ضد الفلسطينيين مع بداية المشروع الصهيوني، فما كان يراهن عليه بن جوريون من أن الكبار من العرب سيموتون والصغار سينسون قضيتهم، هو محض أوهام وأمنيات مسكونة بالخرافة.

لقد انتقل اليهود بفعل الأطروحات العنصرية من وضع الجماعة المؤمنة إلى وضع الجماعة الوظيفية ذات المهام القذرة ، وأخيراً وضع الدولة الوظيفية ذات المهام الأكثر قذارة في ظل تصاعد معدلات الصهينة بينهم، إذ تضخم الدور المُشين الذي أوكلتهم الحضارة الغربية به بقدر النقلة ما بين الجماعة والدولة، تلك هي إسرائيل ما بعد الحداثة وعصر السيولة.

كما انتقل الكيان الصهيوني من التطرف إلى جنون التطرف، إذ يخلع الوجدان الصهيوني على العرب كل صفات الشيطان لتبرير عنفه المفرط ضدهم، فالإجماع الصهيوني الوحيد الذي لم يتآكل بعد، هو الرغبة في الخلاص المادي الوجودي من الفلسطينيين جميعهم، ذلك الإجماع الذي يتزايد يومًا بعد يوم.

لقد أضحى هذا الكيان الصهيوني المُشبَّع بالأطروحات العنصرية، يعيش حالة من الإرهاب اللا إرادي، ولا يعرف كيف يتوقف، كسيارة تندفع من فوق جبل شديد الانحدار.
حقيقةً أن الإيقاف الذاتي لتلك السيارة هو من قبيل المستحيل.
الحل إذن في تدخُل خارجي شبه إعجازي لكبح جماحها، تدخُل خارجي عربي أو دولي، أو ما نُسميه تغيُّر موازين القوى الإقليمية والدولية، لتسير في اتجاه معاكس للتوجهات الإجرامية للكيان الصهيوني.
ولكن في ظل فيوضات العنف والغطرسة داخل الكيان الصهيوني، ما العمل؟ فلديه فائض عنف أين سيوجهه؟ وكيف يمكن التصدي له؟ أما من فِعل مضاد في ظل تحوُّله لكيان هِتلري غير أنه في نسخة أكثر عنفاً ورداءة؟
ما يبعث على الأمل ويجعل جذوته متوقدة هو تصاعد فعل المقاومة بشكل أسقط نظرية الحرب الإسرائيلية في نسختها القديمة، إذ تلاشت تماماً في ظل التطور التكنولوجي الحاصل، تلك النظرية التي كانت عناصرها: حرب سريعة وخاطفة، خارج حدود أراضيها، رادعة وقوية.

إذ أنّ هذا لم يعد بالإمكان، فقد جرى تقويضه تماماً وأصبح محض خيال بفعل الطفرة الهائلة في إنتاج السلاح التي شهدتها البشرية في السنوات الأخيرة، والتي هي مُرشّحة للتزايد مستقبلًا، وفي ظل تطوير المقاومة الفلسطينية تكتيكاتها القتالية، وامتلاكها لأسلحة متقدمة وطويلة الذراع باتت تهدد عمق الكيان الصهيوني بشكل مباشر، إنها لعنة التكنولوجيا وقد وجّهت سهامها المسمومة لكبد هذا الكيان الغاصب.
جانب من هذه االموسوعة، هو دفاع عن الأديان السماوية في إصدارها الأول، إصدار السماء، في صفائه ونقائه وحمولته الإنسانية الرائعة.
إذ يتمركز هذا الدفاع حول فضح استراتيجيات الزحف غير المُقدَّس للأيديولوجيات الفاشية العنصرية على الدين، كالأيديولوجية الصهيونية، إذ حوَّلته من دعوة محبة وسلام إلى بيان حرب وانتقام، فما الذي يريده الله منا؟ هل يريدنا في حالة صراع أزلي؟ اقتتال ودماء، حروب ودمار، أم أمن وسكينة وطمأنينة، واستخلاف وإعمار لهذا الكون؟

لقد أضحى الكيان الصهيوني، بفعل الأطروحات الصهيونية التي تلاعبت بالديانة اليهودية، بمثابة العجل الذهبي الذي عبده اليهود من دون الله، بل وأضحوا على استعداد تام لقتل العالم من أجله.
ومن ثم سنعمد إلى تعرية استراتيجيات قومنة الأديان وأدلجتها، تمامًا كما فعلت الصهيونية باليهودية، وهكذا تفعل الأيديولوجيات العنصرية بكافة الأديان، إنها تقتات على المُقدَّس، تتسربل به وتتغذى من دمه وروحه.
لينتهي الحال بالدين وكأنه (مانفستو) قتْلْ أو بيان إذعان، من هنا رأى فريدريك نيتشة أن الدين هو اختراع الفقراء لابتزاز الأغنياء، فيما رأى كارل ماركس أنه اختراع الأغنياء لإخضاع الفقراء، والحقيقة أنه ليس هذا أو ذاك، أو ما هكذا يجب أن يكون.
هكذا أضحى كل شيء في الصراع العربي الصهيوني قابلًا للانخراط ضمن فضاء المُقدَّس، على حد تعبير الفيلسوف وعالم الأديان الروماني مرسيا إلياد، وهو أمر من شأنه أن يجعل من إمكانية الحل العادل أمر من قبيل المستحيل، لذا فهذا الصراع بحاجة لنقلة نوعية من المُقدَّس للحقوقي.
(ولا يعني هذا تفريغاً للقضية الفلسطينية من جوهرها الديني، فذلك الجوهر هو ما حفظها متألقة وحاضرة بقوة في وعي الجماهير العربية والإسلامية منذ بدايتها وحتى اللحظة الحاضرة، وإن ما نقصده بالحقوقي هي لغة الخطاب مع الغرب، ذلك الغرب الذي لا يعبأ كثيراً بهذا الجوهر الديني وإن اهتم به فيكون أكثر انحيازاً للرواية الدينية الصهيونية بسبب خلفيته المعرفية)

كما أن وظيفة هذه الموسوعة في بعديها التفكيكي ومن ثم التركيبي، هو تحويل كم المعلومات اللانهائي حول الصراع العربي الصهيوني إلى معرفة حقيقية، إلى خريطة معرفية وإدراكية لهذا الصراع ومحدداته وديناميكية الحركة داخله وآليتها، والقوى المُتحكمة في خيوط اللعبة داخليًا وخارجيًا، فهي كأداة من شأنها أن تعيننا على تحليل الواقع المُتعيّن مهما بلغت درجة تركيبيته، ودون الاعتماد على الخطاب الصهيوني الزائف دائمًا والمراوغ أبدًا.
في تلك اللحظة، لحظة المعرفة القصوى بحقيقة هذا الصراع بكل أبعادة، يمكن وضع أكثر من سيناريو للحل، ومن ثم محاولة إنفاذ أحدهم على أرض الواقع.

كما ستحاول هذه الموسوعة، إضاءة حقيقة مفادها أن هناك حضارة واحدة(وليست حضارات عدة)، هي الحضارة الإنسانية، لها مركز وأطراف، المركز والعاصمة الآن هو الغرب، لكنه وضْعٌ مؤقت، فإن كان هو قاطِرتها في تلك اللحظة فإنها وضعيّة ليست أزليّة، وعلى الغرب أن ينظر للعالم من تلك الزاوية، فالأيام دول، والزمان سمته المركزية التقلُّب، إذ من شأن تلك النظرة أن تجعل هذا الغرب يتخلى عن رؤيته الاستعلائية التي طالما سيطرت عليه، وسكنت وجدانه طويلًا، والتي من رحمها خرج الانحياز الغربي للكيان الصهيوني.

عبر هذه الموسوعة سنرى كيف وأن الوضع القائم للكيان الصهيوني يعكس خللًا في بنية الفكر الصهيوني ذاته، كما أن المقولات التحليلية الصهيونية لا يمكنها الصمود أمام البحث العلمي الجاد رغم بريقها الزائف، ومن هذه المقولات: الشعب اليهودي، العودة لأرض الأجداد، النقاء العرقي لليهود، أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، الحل الإنساني عبر نشر الديمقراطية في أحراش الشرق الأوسط.
وهي تأتي في سياق هيمنة المقولات والأطروحات الغربية على العقل الإنساني، ومن ثم يتحتم ألا نتبنى دون وعي منا المفاهيم والمقولات التحليلية الغربية حول الصراع العربي الصهيوني، بل الشروع في صك مصطلحات ومقولات أكثر دقة وتعبيرًا عن الواقع، ومن ثم إعادة تجذيرها في الوعي والوجدان العالمي.

والحقيقة أن هذه الموسوعة تأتي في لحظة تاريخية فارقة، فكل الأمور موضوعة على الحافة: أمة عربية على حافة الانتحار، وحضارة غربية على حافة الجنون، وكيان صهيوني على حافة أقصى التطرف.
وهي من النظرة السطحية لحظة داعية لليأس، لكنها في أقصى مستويات التحليل عُمقًا تُجسِّد مشهد ولادة، ولادة الأمل من رحم المستحيل.
إذ أراهن على مخزون العبقرية الكامن في أعماق أعماق الشعوب، ومقدرة الإنسان على صُنع المستقبل كما يريده بالضبط، إن هو امتلك زمام إرادته، فالإنسان إرادة، ومن ثم فالشعوب ما هي إلا مجموع تلك الإرادات.
لذا أقول للمتعاطين لحشيش الصبر وأفيون التواكل، منتظرين عسى أن يتدخل الله في أحداث التاريخ لصالحهم، إن ذلك لن يحدث، وإلا انتفت مسؤولية الإنسان في هذا الوجود، وفقد غاية وجوده في اختبار قدرته على التغيير، الصبر بمعناه الأكثر عمقًا ومقاصدية هو صبر على مشاق الفعل، فبعد أن يعطي الإنسان كل ما بوسعه وتفشل كل حِيَلَه يأتي دور الصبر فى التريُّث قليلًا ثم البدء بتجريب وسيلة جديدة للتغيير، الوسيلة تلو الأخرى دون كلل أو ملل، فالصبر هو اللايأس، هو مواصلة الفعل بكل دأب، هو اختبار كل الفرضيات وابتداع أخرى، هو البحث عن بذرة الأمل في رحم الوجود اللامتناهي.
ويبقي تساؤل آخر يُطِل برأسه: هل هذا العمل يمكن اعتباره موسوعة علمية بالمعنى التقليدي المعروف؟
الحقيقة أنه ليس كذلك، فهو ليس مصفوفة معلومات شاملة ومُرتَّبة ومصنَّفة حول موضوعها.

إذ لم تعد البشرية بحاجة للموسوعات المعلوماتية في إطارها التقليدي، فكل المعلومات أضحت متاحة على شبكة المعلومات الدولية، وإنما حاجتها الحقيقية هي إلى موسوعية الرؤية، ليكن باستطاعة تلك الدراسة تقديم رؤية شاملة ومتماسكة حول موضوعها الأساسي، بمعنى آخر بناء خريطة إدراكية غير متخمة بالتفاصيل حول الموضوع المطروح لتنقذ القارئ من كم المعلومات اللانهائي التي من شأنها إغراقه في الجزئيات الفسيفسائية بشكل يعميه عن إدراك المشهد برمته، ومن ثم عجزه عن تبني توجه أو قناعة محددة بشأنه.

واحدة من قناعاتي أن التخصص الدقيق مع كل مميزاته أصبح يمثل لعنة، نعم لعنة بكل ما تحمله الكلمة من دلالات، فعلى سبيل المثال، وفيما يتعلق باليهود واليهودية، يبدأ الباحث في دارسة موضوع دقيق جدًا كفكرة ما عند حاخام ما، أو تأثير عقيدة ما لدى اليهود في فترة زمنية ما، أو تأثير حزب سياسي إسرائيلي ما في وقت تاريخي محدد، أو ملامح فكرة معينة عند أديب يهودي أو إسرائيلي ما، وهكذا، فيغرق الباحث في تلك التفاصيل ويعيش عمره البحثي تائهًا في دروبها بشكل يعوقه عن بلورة رؤية عامة لمجريات هذا الصراع العربي الصهيوني.
ومع أهمية تلك الدراسات التخصصية الدقيقة، إلا أن الأمر، لا يغني عن حاجة ماسة من حين لآخر لمن يجتهدون في سبيل بلورة رؤى عامة وموسوعية حول الموضوع المستهدف، من هنا رغبتي في إنجاز هذا العمل الذي سأحرص قدر الإمكان على ألا يتضخم مني، في زمن سمته الأساسية رفض المُطوَّلات، بل يُراد لكل شيء أن يكون مُوجزًا

وإن أردتَ قولاً آخر فهذا العمل هو موسوعة قضايا وإشكاليات الصراع العربي الصهيوني، وهذا قسمها الأول، إذ سأشرع قريباً في كتابة القسم الثاني بإذن الله رب العالمين.
وفيما يتعلق بالإطار الفلسفي للموسوعة باعتباره الخيط الناظم الذي يربط موضوعاتها ويشدها إلى بعضها البعض، أو هو التيار الكهربائي الذي يسري في بنائها الشبكي فيجعلها قادرة على أداء غايتها التي من أجلها كُتِبت، فهو موزع على طول الموسوعة، وهو في مجمله يتحدث عن حتمية الحل الإنساني للصراع العربي الصهيوني وفق نظرية(الحتمية الإنسانية)، تلك النظرية التي حاولنا بناءها.

وقد اعتمدتُ عبر مسيرة هذه الموسوعة فلسفة تداخل وتشابك الموضوعات ودون تقسيم الموسوعة لأجزاء صريحة، فهي في حقيقة الأمر مكونة من ستة أجزاء، لكنه تقسيم مضمر وغير صريح، وهذه الأجزاء الست هي: الإطار الفلسفي للموسوعة، القضايا المتعلقة بالشأن العربي، القضايا المتعلقة بالشأن الصهيوني، القضايا المتعلقة بالشأن اليهودي، قضايا المواجهة والاشتباك، القضايا المتعلقة بالشأن الدولي والنظام العالمي القائم.
وقد كانت الرؤية الأولى وفي طورها الجنيني هي أن أُصنِّفها وأُقسِّمها هكذا تقسيماً صريحاً، غير أني تراجعت في نهاية الأمر إذ أردتها هكذا في تداخلها وتركيبيتها بحيث يتفهم القارئ مدى تشابك هذه القضايا مع بعضها البعض، فهي ليست منفصلة البتة، ومن ثم إمكانية بلورته للخريطة الإدراكية التي نريد حول هذا الصراع، تلك الخريطة الإدراكية التي لا يجب أن تأتي في شكل جزر منعزلة بل في إطار وحدة كلية شاملة.

وبالمجمل تطرح هذه الموسوعة رؤية ذات أبعاد ثلاث: إنسانية ــ كونية ــ مستقبلية:
إنسانية: تجسد أزمة النظام العالمي القائم، والخارج من رحم الحضارة الغربية، تلك الأزمة التي تتبدّى في أبشع تجلياتها في الصراع العربي الصهيوني، والذي هو بحاجة لحل إنساني يعيد لهذا العالم روحه وإنسانيته وقيمه المفقودة، ومن ثم أردتها دراسة مُفعَّمة بالهمّ الإنساني العام، والتسامح الديني والقومي، وسط حالة الاستعصاء الإنساني والقيمي التي نحياها في ظل هذا النظام العالمي القائم بكل إخفاقاته.
كونية: لا تنغلق على الأوضاع الدائرة في فلسطين أو الكيان الصهيوني، بل تمتلك رؤية عين الطائر، أي رؤية عامة كلية من شأنها أن تأخذ في الحسبان النظام العالمي القائم بكل تعقيداته ومكوناته، ومدى تحكُّمها في مجريات هذا الصراع العربي الصهيوني وإدارتها له، فعلى سبيل المثال، بدون فهم دور المسيحية الصهيونية، والديكتاتوريات العربية في هذا الصراع، لن نتمكن من بلورة خريطة إدراكية حقيقية لواقع هذا الصراع.
مستقبلية:أي عينها على المستقبل، عبر اقتراح سيناريوهات للخروج من الواقع الراهن، ودون الغرق في تفاصيل الحاضر، أو التركيز على الماضي إلا بقدر العظة والدرس، شريطة الإيمان بمقدرة الإنسان على صُنع مستقبله كما يتغياه، والتصدي لثقافة الهزيمة والانكسار التي ألقت بظلالها الكثيفة على البشرية.

وفي التحليل الأخير، فهذه الموسوعة، أردتُ منها أن تقدم للقارئ موجزاً مختصراً للصراع العربي الصهيوني ومسارات تطوره، وما يُثار من جدل حوله بأسلوب مبسط، ودون تعقيدات لغوية أو علمية، أن تقدم له خريطة إدراكية حول هذا الصراع، برؤية إنسانية، باعتباري كاتب أزعم أنني مشغول بالهمّ الإنساني أولًا وأخيرًا، لذا فإنني أعكف في ذات الوقت، وبالتزامن مع هذه الدراسة على إعداد كتاب آخر بعنوان(قارب الإنقاذ الأخير)، فهو محاولة وجلة لإيجاد سيناريو لكيفية خروج البشرية من واقعها البائس، ذلك الواقع الذي قادها إليه فقدانها لعمق أخلاقي قيمي إنساني عام، وبحثها الدائب عن المصلحة والمنفعة الآنية، فهي حالة من قِصر النظر المزمن التي أصابت الحضارة الحديثة، وقد أوشكت أن تصبح عمى أخلاقي تام.
وباعتقادي أن هذا الصراع العربي الصهيوني، هو أحد تمظهرات هذا الواقع البائس، هو أحد منتجات الحضارة الغربية في طورها الأكثر رداءة، من هنا فأي محاولة لعلاج الوضع المتردي للبشرية يجب أن تبدأ من هذا الصراع، تغوص في أعماقه، وتُبحِر في شرايينه.
والله أعلم
القاهرة، 2022م



#محمد_عمارة_تقي_الدين (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الاستبداد ... إيدز الحضارة الإنسانية
- إدوارد سعيد... المثقف المُنشقّ
- القضية الفلسطينية...ترمومتر إنسانيتنا
- في حب أطفال فلسطين: قصيدة قال الحجر للرصاصة
- الحتمية الإنسانية : نحو نظرية فلسفية جديدة
- قصيدة حوار مع القدس
- إيلان بابيه.. إذ يوثِّق المجازر الصهيونية
- نهاية إسرائيل...هل ذلك ممكن؟
- دستور النِضال الفلسطيني
- علم اجتماع الاستبداد
- مركزية القضية الفلسطينية في حياة البشرية
- شلومو ساند وتفكيك الأساطير الصهيونية
- الدين والعنف..علاقة جدلية
- في ذكرى مذبحة الحرم الإبراهيمي
- نحو نظام عالمي جديد أكثر تراحمية
- فلسطين والحرية
- ثالوث النِضال الفلسطيني
- الإعلام واغتيال عالم البدائل
- حوار مع القدس
- قانون الحركة التاريخية


المزيد.....




- -زخم- يلف كتاب آيات شيطانية وآراء من قرأه.. مهاجمة سلمان رشد ...
- -زخم- يلف كتاب آيات شيطانية وآراء من قرأه.. مهاجمة سلمان رشد ...
- فيديو: الأمطار الغزيرة تلحق أضراراً جسيمة بالبيوت في ولايات ...
- روسيا وأوكرانيا: ما هي الأسلحة التي تمنحها المملكة المتحدة ل ...
- طعن سلمان رشدي: الكاتب -على جهاز تنفس صناعي- بعد تعرضه لإصاب ...
- ماكرون: نضال سلمان رشدي -هو نضالنا- و-نحن إلى جانبه-
- سلمان رشدي على جهاز التنفس الاصطناعي
- منع الصحفيين الروسيين المحتجزين في إستونيا من دخول الاتحاد ا ...
- كوريا الشمالية تنهي العمل بإلزامية وضع الكمامات
- خبير يحدد أفضل طريقة لحفظ الخضار لفصل الشتاء


المزيد.....

- اليسار المناهض للشيوعية - مايكل بارينتي / دلير زنكنة
- العنصرية والإسلام : هل النجمة الصفراء نازية ألمانية أم أن أص ... / سائس ابراهيم
- كلمة اﻷمين العام اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اليونا ... / الحزب الشيوعي اليوناني
- ثورة ثور الأفغانية 1978: ما الذي حققته وكيف تم سحقها / عدنان خان
- فلسفة كارل ماركس بين تجاوز النظم الرأسمالية للإنتاج واستقرار ... / زهير الخويلدي
- كرّاسات شيوعيّة - عدد 2- الحزب الشيوعي (الماوي) في أفغانستان ... / حزب الكادحين
- طريق 14 تموز / ابراهيم كبة
- بعد 53 عاماً توضيح مهم حول عملية الهروب وطريقة الهروب والمكا ... / عقيل حبش
- إقتصاد سياسي الصحة المهنية أو نظام الصحة المهنية كخلاصة مركز ... / بندر نوري
- بيرني ساندرس - الاشتركية الديمقراطية ،الطريق الذي أدعوا له / حازم كويي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - محمد عمارة تقي الدين - مقدمة موسوعة الصراع العربي الصهيوني