أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - شريف حتاتة - يا سعادة المندوب السامى !















المزيد.....

يا سعادة المندوب السامى !


شريف حتاتة

الحوار المتمدن-العدد: 7304 - 2022 / 7 / 9 - 01:32
المحور: الارهاب, الحرب والسلام
    


يا سعادة المندوب السامي !
------------------------------------

منذ الأيام الأولي في حياتي وأنا أحلق بعيدا مع الخيال . كنت أبقي وحدي في غرفتي لأستمع إلـى الموسيقي المنبعثة من المذياع "الجروندنج" مدة ساعات. أقـف أمامه محركا ذراعي، ورأسي مع الأنغام، حالما بـأتـي سأصعد في يوم من الأيام فوق المنصات، لأقود فرقـة موسيقية عالمية تعزف السيمفونيات.
لم تتوقف الأحلام. حلمت بأنني سأكون بحـارا أجوب البحار وأرحل إلى أبعد البلاد، أو طبيبا أعـالـج المرضي في قريتي ليشفوا من الأمراض، أو مهندسا يقيم الكباري فوق النيل، ويبني المنشآت، أو ممـثـلا يقف فوق خشبة المسرح ويلقي الأشـعار، أو بنـاءّ يرص الطوب والأسمنت، أو نجارا يصـنع أثاثـا مـن خشب الورد.
انا مازلت في المدرسة . أقنعني تلميذ من لبنـان كـان اسمه كوسة أنني أستطيع أن أطير مثل الطيور في السماء . ثم أشار إلى أربعة من الصبيان في الفصل بأن يرفعوا جسمي . طلب ِمني أن أدير ذراعي بسرعة في الهواء، عندما تركـوني لأنطلق سقطت على الأرض، فتورم وجهي، ونزفت من الأنف. كررت التجربة عدة مرات قبل أن أقلع عنها. كنت أعود إلـى بيتنا كأنني جريح عائد من الحرب.
حلمت بالحب، والجنس، بأشياء لا حصر لهـا ولا تعـد، بالمصائب تلم بمنُ أساءوا إلى، لكني لم أحلم أبدا بأن أصـبـح وزيرا، أو شرطيا، أو ضابطا، أو مأمورا للسجن، أو رقيبا على الفنون، أو النشر، أو شيخا من شيوخ الفقـه أو الشـرع، أو قاضيا حتى لو ظننت أنني يمكن أن أحكم بالعدل.
الحرية كانت حلمي، وليس المنع، حرية التعبير، والفعل ، حرية الخلق . لكن الأحلام قادتني إلى مسـالك، وتجـارب لـم أتوقعها، بعضها أنا معتز بها، راض عنها، وبعضها أنا كـاره لها، ساخط عليها.
في كل هذا تعلمت ، أنه لكي يدافع الإنسـان عن حريته يجب أن يكون مستعدا لفقدانها. الكتابة الروائية استعاضة عن الواقع المكـروه بـالحلم،محاولة للهروب من الرقابة، أو العقاب، أو المنع. فـإذا قـال الحاكم، أو الرقيب للروائي: " ما هذا الـذي تكتبـه؟ ". يمكنـه أن يقول: "الرواية شخوصها وأحداثها خيال، أو حلم. فكيف أحاكم على ما قالوه أو فعلوه هم. على ما لم أقله، أو أفعله أنـا؟ .. إن كل هذا بعيد عن الواقع الذي نعيشه".
ربما لذلك قد يزدهر الإبداع الروائي في فترات الظلمـة والقمع، قد يدفعان إلى الحلم، لكن في أغلب الأحيان يصيبه الوهن فيضمحل. في ظل القمع يجـف الخيـال خوفـا مـن عواقبه، ويكف الإنسان عن الحلم، ويرهق من استئناس خياله.
في فترات القمع يحل الكابوس مكان الحلم، والكابوس هو الواقع القبيح الذي نريد أن نتخلص منه بالقول أو الفعل. لكننا عندما نفشل يختزن في أعماقنا، ويقلق منامنـا. وقـد يـكـون الكابوس موحيا بالفن . لكن عندما يزيد عن الحد أشعر بالعجز في التعبير عنه. تبدو الكتابة الروائية، كأنها ترف لا أستطيع أن أمارسه، كأن الحقيقة يجب أن تعبر عن نفسها بشكل مباشر متحررة من إيحاءات، وغيوم الفن.
ما يحدث في أيامنا هذه كابوس بالغ القبح، تنقلـه إلينـا وسائل الإعلام يوما بعد يوم. إنها تحدثنا طوال الوقـت عـن القتل، عن جثث ملقاة في الشوارع يسيل منها الدم، عن أطفال تمزقت أحشاؤهم، أو يبكون أبا أو أما أو أخا أو أختا سـقطت عليها قنبلة فأودت بحياتها، أو يقفون أمام بيـت تحـول إلـى ركام، وانهار فيه كـل شـيء، عـن مسـجونين مربـوطين بالسلاسل، أعميت عيونهم، يساقون إلى الـدفن تحـت تـراب الأرض، أو يختنقون في شاحناتهم، عن معسكرات يتم فيهـا تعذيبهم بعيدا عن الأهل، عن رأي عام، أو محامين، أو هيئات تدافع عنهم، عن محاكم عسكرية تعقد في السر، وجواسيس يتسللون إلى كل ركن في حياتنا، عن طائرات تلقي قنابل وزنها طن، عن صواريخ "ذكية" تتبع منُ تبحث عنهم، لتهدم البيـوت فوق رؤوسهم، عن حرب دائرة، واستعدادات لشـن حـروب جديدة على بلادنا.
كل صباح نستيقظ على وجوه تطل منها القسوة، والتعطش للقتل، ساهمت في صنع الإرهاب، وتسليحه ليخدم أغراضـها، والآن تفـرض إرهابهـا بـاسـم القضـاء عليـه، و"تجفيـف " مستنقعاته ، تقف فوق المنصات، محاطة بوسائل إعلامها، وتتوعدنا بالجوع، والعطش، والإبادة، والقتل، إن لم تخضـع حياتنا لمصالحها. تريد للشعوب أن تحيا في رعب ، فلا يجـرو أحد على رفع رأسه والاعتراض على سياساتها.
تشجيع الإرهاب
------------------
منذ أيام جاءني كابوس، مازلت أعاني مـن تـأثيره. حلمت أنني دخلت قصرا كبيرا محاطا بالجند ، توجد حول جداره العالي متاريس مربعة الشكل. كان الوقت ليلا عندما أحضروني إليه في "البوكس". كادت الشوارع أن تكون خالية إلا من بعض السيارات، تخترق الظلام بكشافاتها، وكأنها تبحث عـن صـيد هائل تقتنصه. عندما هبطت من "البوكس" ، اقترب مِني حارس ضخم يرتدي " كابا"، وحول وسطه حزام عريض من الجلد، تتدلى منه عصاة قصيرة سوداء اللون ، طلب مِنى بطاقتي وبعد أن فحصها سألني:
"هل أنت مثقف؟".
فهززت رأسي في وهن حتى لا أؤكد أو أنفي شيئا .
قال:
"تكتب في الصحف؟".
قلت :
"أحيانا" . ثم استدركت وأضفت "نادرا". غمغم بصوت منخفض يوحي بالضيق. قادني خلال دهليـز طويل، عند آخره باب، فتحه وأدخلنـي فـي غرفـة كبيـرة، وأجلسني على مقعد من الجلد ثم قال:
"المندوب السامي سيأتي بعد قليل".
سألته:
"أي مندوب سامي؟"
ألقي إلىّ بنظرة تشكك، كأنه يظن إنني أستغفله ثم قال: "ألم تسمع عنه؟ ، وهل يوجد غيره؟". احتميت بالصمت حتى لا يضربني بالعصاة المعلقة في حزامه. وأنا جالس، تذكرت صورة السـيد " مايلز لامبسون" . لكني قلت لنفسي يستحيل أن يكون هو. نحن الآن في زمن آخر ، وفات على تلك الأيام أكثر من نصف قرن. ثم انشغلت بشيء آخر، وفجأة لاحظت أنني أرتدي جلبابا وخفا من المطاط ، فأحسست بالخجل. كيف أقابل الرجل الذي سيأتي إلـىّ بعد قليل وأنا بهذا الحال؟.
انقطعت تأملاتي عندما سمعت بابا منزلقا ُيفتح . دخل منه رجل طويل القامة، نحيل الجسم، يرتدى عوينات، ورباط عنق لونه أحمر وأزرق، وعليه عشرات النجوم، والخطوط البيضاء. كان وجهه يشبه الساطور كأنه مضغوط من الجانبين . وكانـت جبهته كروية بارزة. جلس بعيدا عني دون أن يسلم علىّ كأنه يتأفف من الاقتراب مني، أو يريد ألا أراه جيدا، وبعـد قليـل غامت ملامحه بين الظلال التي انتشرت في الغرفة ، كأن الأنوار خفتت فجأة. عندما تكلم اخترق صوته فراغ الحجـرة بـرنين معدني:
"هل قرأت ما نشرته في إحدى الصحف عما يكتبـه بعـض الكتاب والأساتذة المثقفين، ويلقي الشكوك حول هويـة الـذين خططوا ونفذوا الهجمات الإرهابية يـوم 11 سبتمبر؟ ، إنهـم يشيعون أنها مؤامرة دبرت من قبل دوائر حاكمة أو "جماعات" ليست هي "القاعدة" . فوجئت بالسؤال وتوجست، فلماذا يسألني هـذا السـؤال أنـا بالذات ؟.
لم أكن أتذكر ما أشار إليه ، و قلت لنفسي على أي حال، أفضل الإنكار، حتى لا يدخلني في تفاصيل لست عالما بها .
قلت :
" لا لم أقرأه ".
قال: " كيف؟ ألا تقرأ الصحف الحكومية ؟ ".
قلت :
"أقرأها في أغلب الأحيان".
سألني:
"بصرف النظر عن ذلك، ما رأيك أنت في هذا الكلام؟".
أحسست بمزيج من الزهو والتوجس، فمن الواضح أنه رجل مهم، المندوب السامي الذي يمثل دولة لها وزن. قلت: "إنه موضوع قد تختلف حوله الآراء مثل أي موضوع أخر في العالم. لكن بصرف النظر عن الحقيقة الكاملة لما حدث توجد مسألة تبدو لي واضحة".
قال:
"وما هي؟"
"أن هناك دوائر حاكمة في بلادكـم تـسـتغلها لتنفيـذ مآربها علي نحو قد لا تكون له علاقة بمحاربة الإرهاب".
جاءني صوت نقرات أصابعه على مسند المقعـد، ولمعـت عويناته في الظلام المحيط بنا. قال : "إذن أنت أيضا مع الإرهابيين" . قلت : "إطلاقا. أنا طول عمري ضد الإرهاب، أيا كـان مصـدره، وأيا كان الذين يمارسونه، ثم هناك مسألة أخري".
سألنى : " وما هي؟" . قلت : " لماذا رغم التنبيهات المتكررة، والأخبار التي تسربت قبـل أحداث 11 سبتمبر بمدة بأنه سيحدث هجوم بالطائرات المدنية على مركز التجارة العالمي أو غيره ، ظلت أجهزة الاستخبارات في بلادكم، وهي المشهود لها بالخبرة، والمزودة بإمكانـات هائلة، ظلت لا تحرك ساكنا؟" . قال : " إننا نحقق في هذا التقاعس ، ونتخذ الإجراءات لكي لا تتكررأي أحداث مماثلة في المستقبل".
قلت : " التقاعس احتمال، لكن ألا يوجد احتمال آخر؟"
ظل صامتا ينتظر أن أكمل كلامي. أكملت : "أنه كانت هناك دوائر ترحب بأن يقع مثـل هـذا الـحـادث الإرهابي، فتركت الإرهابيين ليخططوا لـه وينفذوه. اكتفـت بالمشاهدة من قريب أو بعيد وذلك حتى تستغلها فيمـا بعـد لأغراضها. يعبرون عن ذلك في بلادكم بمقولة "ترك الآخـرين ليخرجوا الجمرات المشتعلة من النار، حتى لا نحرق أصـابعنا نحن".
أحسست فجأة بيد حديدية تقبض على عنقي من الخلـف، بأنني أطير في الهواء. أصطدم جسمي بشيء صـلـب كـأننى وقعت في الشارع. استيقظت لأجد نفسي راقدا على سريري، وضوء الصباح يتسلل من فتحة في الستارة ، فتنفست الصعداء.
في الأيام القليلة التي تلت هذا الكابوس استرجعت تفاصيله، فأوحي إلىّ بكتابة هذا المقال . لكن قبل أن أرسله إلـى رئـيـس التحرير ، عدت إلى الصحف القومية لأستعيد ما يكون قد فاتني. تساءلت: " هل سيوافق على نشره، أم سيخشـي علـى سـمـعة صحافتنا في وسائل الإعلام العالمية، واضـعـا فـي اعتبـاره التحذير الذي وجهه السيد السفير إلى الذين تناولوا أحداث 11 سبتمبر ۲۰۰۱ بالتعليق ؟ ".
من كتاب " يوميات روائى رحّال " 2008
------------------------------------------------------------------------



#شريف_حتاتة (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مدينة روائى رحّال
- يجب أن تكون أحلامنا كبيرة
- تأملات مسافر
- كنا أربعة فى قارب
- - نون - و - مُنى - بنت الطبيعة والرومانسية الساذجة
- القاتل .. مارلبورو
- فلسفة المِشرط
- المعذبون فى - مارينا - ضجيج الارهاب وضجيج - الجت سكى -
- قلبى ينبض مع أبعد نجمة فى السماء
- ماذا وراء التحالف الدولى لمقاومة الارهاب ؟؟؟
- - بغداد - قطرة فى بحر العذاب
- العلم والثقافة
- - تونى بلير - وفك الحصار عن العراق
- هكذا تكلم البحر
- القنبلة العقائدية
- سمك القرش
- على شرف الأحلام .... قصيدة
- يغذى الدودة فى الحجر
- مجاهدى خلق ورحلة الى لندن
- خواطر مغترب


المزيد.....




- -كاذب-.. نواب جمهوريون يهتفون خلال خطاب بايدن عن حالة الاتحا ...
- أكبر غواصة في العالم لا تزال ضمن تشكيلة البحرية الروسية
- تطبيق جديد يراقب مكان تواجد أطفالك في الوقت الفعلي عبر ساعة ...
- زلزال تركيا وسوريا: صورة رجل يمسك بيد ابنته بعد وفاتها توضح ...
- الزلزال يمنح تركيا وسوريا فرصة للصلح
- ياكوف كيدمي: أوكرانيا لن تحصل من إسرائيل على مال أو سلاح
- لم يبق لديهم جيش محترف: خسائر القوات الأوكرانية
- على وشك بلوغ -النقطة الحرجة- في العملية الخاصة
- العفو المعلن في إيران سيكون مرحلة في مكافحة الاحتجاجات
- زلزال تركيا وسوريا: حصيلة القتلى تقترب من 8 آلاف وعمليات الإ ...


المزيد.....

- الانتحاريون ..او كلاب النار ...المتوهمون بجنة لم يحصلوا عليه ... / عباس عبود سالم
- البيئة الفكرية الحاضنة للتطرّف والإرهاب ودور الجامعات في الت ... / عبد الحسين شعبان
- المعلومات التفصيلية ل850 ارهابي من ارهابيي الدول العربية / خالد الخالدي
- إشكالية العلاقة بين الدين والعنف / محمد عمارة تقي الدين
- سيناء حيث أنا . سنوات التيه / أشرف العناني
- الجدلية الاجتماعية لممارسة العنف المسلح والإرهاب بالتطبيق عل ... / محمد عبد الشفيع عيسى
- الأمر بالمعروف و النهي عن المنكرأوالمقولة التي تأدلجت لتصير ... / محمد الحنفي
- عالم داعش خفايا واسرار / ياسر جاسم قاسم
- افغانستان الحقيقة و المستقبل / عبدالستار طويلة
- تقديرات أولية لخسائر بحزاني وبعشيقة على يد الدواعش / صباح كنجي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - شريف حتاتة - يا سعادة المندوب السامى !