أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - شريف حتاتة - تأملات مسافر















المزيد.....

تأملات مسافر


شريف حتاتة

الحوار المتمدن-العدد: 7287 - 2022 / 6 / 22 - 23:49
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


-------------------------------
أجلس في مطار القاهرة الدولي. الساعة تجـاوزت الثالثة صباحا. في مواجهتي، على بعد قليل، "فترينـة " زجاجية تعرض وراءها حليا مـن الـذهب والفضـة ، مرصعة بأحجار سوداء وقرمزيـة اللـون، وسـاعات "حريمي" صغيرة الحجم. أمامها توقـف رجـل مـربـع الجسم، أصلع الرأس تبرز بطنه المنتفخة أعلى الحزام الجلدي الهابط أسفل الخصر مع البنطال "الجينز". تتدلى فوق ظهره حقيبة من التيل كبيرة، كحليـة اللـون. يرتدى عوينات ماركـة "بوليس" صـغيرة الحجـم، بيضاوية الشكل، سوداء مثل الليل بلا ضـوء. صـار يفحص محتويات "الفترينة" بنظرة مدققة مائلا إلـى الأمام، مرتدا إلى الخلف، ثم فجأة انطلق بسرعة نحـو بوابات الإقلاع والحقيبة تتأرجح وراءه.
على يسار "الفترينة" ملحق للصالة محاط بجدار منخفض مفتوح عند منتصفه. قرب الفتحة وقف شرطي. انحنى وأخرج قدحا كبيرا من الصيني من نوع "المج". نظـر إلـى الضـابط الشاب الجالس خلف مكتب صغير وضع عليه تليفون بقـرص. أشار إليه الضابط بحركة من يده فاختفى في مكـان بـالـداخل.
عاد وليس بين يديه شيء، وأخذ ينظر حوله ، كأنه يفكـر فـي الخطوة القادمة التي سيقدم عليها.
وقف ضابط البوليس فاردا قامته الطويلة وذراعيه إلى آخر مداها ، ثم جلس من جديد. أمسـك بسماعة التليفـون وأدار القرص. مال إلى الوراء، ومد ساقيه. في تقاطيعه تلك الوسامة التي لا يعيبها شيء، وسامة فتى الشاشة معبـود المراهقـات الباحثات عن الشكل، بلاعمق. أحسست أنـه يتأهـب لـحـديث طويل فانصرفت عنه. فتحت حقيبتي، وأخرجت منها الروايـة التي حملتها معي.
مر ما يقرب مـن نـصـف السـاعة. تـردد صـوت فـي "الميكروفون" ينطق الكلمات مبهمة بحيث يصـعب التقاطهـا. فحصت شاشة المواعيد باحثا عن الطائرة التي سأصعد إليهـا. مازال أمامي متسع من الوقت. تلفت حولي. الضابط الشـاب مازال يهمس في سماعة التليفون، مستغرقا في الحديث بكـل كيانه. الصالة شبه خالية، انتشرت فيها رائحة مألوفة، رائحة تفوح من مباول المراحيض التي لم يتم تنظيفها، تتسلل إلىّ من خلف الكافيتريا جلس فيها بعض الرواد. رائحة أجدها في كل مكـان أذهب إليه. في نادي الجزيرة، ومقر الحـزب، فـي الصـحف القومية، والمعارضة وفـي دور النشـر، فـي المستشفيات، والفنادق، والمدارس، في الجوامع والبنوك والبيوت بما فيهـا الفاخرة منها. إنها رائحة لصيقة بحيــاتي، لصيقة ببلادنـا.. تذكرني بالسجون التي ذهبت إليها، بوزارة الصحة التي عينت فيها عندما خرجت من السجن، بـإدارة الوحـدات الريفيـة ، خصصت لها حجرة ملاصقة للمراحيض أسفل السلم الرخـامي العريض ، الذي يرتفع إلى مكتب الوزير في الدور العلوي.
كلما أستنشقتها أتساءل متى ندرك أن التقدم الحقيقي ليس في أثاث مكاتبنا، وفخامة بيوتنا، وشكل سياراتنا، والعطـور التي نسكبها على أجسامنا لنخفى عرقنـا ، ولكـن فـي نظافـة حماماتنا، في التخلص من الروائح الكريهة في حياتنا، بدلا من التغاضي عنها ، أو محاولة اخفائها، بدلا من إهمـال الجـوهر، والاهتمام بالشكل.
صعدنا إلى الطائرة. كنت قد حجزت مقعدا إلى جوار النافذة قرب منتصفها عند مخرج الطوارىء . ففي هذا المكـان تتسـع المسافة بين صفى المقاعد، وتسمح بمد السـاقين إلـى آخـر مداهما، وإراحة الجسم. إلى جواري جلسـت امـرأة شـابة، بيضاء البشرة، مستديرة الوجه، بدينة الجسم. كتلة مكتنزة من اللحم ملفوف في جلباب كُحلي اللون، وحجاب طويل من الحرير الأبيض مُحلى عند أطرافه بشريط من "الدانتيلا". خلف العوينات التي كانت ترتديها ، لمحت عينين جاحظتين قليلا فيهما لمعـة. كانت تتطلع بثبات إلى ظهر المقعد المنتصـب أمامهـا ، كـأنـهـا تتفادي الالتفات إلى الجالسين بجوارها. أخرجت من حقيبتهـا الجلدية السوداء كتابا وفتحته. لمحت كلمـات العنـوان تمتـد ببنطها الغليظ فوق الغلاف. "زوجة المسلم التائـب". تملكنـي الفضول، ورغبة في استعارة الكتاب منها. تعودت الحديث مع منْ يجاورني في الطائرة ، يتيح لى التغلغل إلى عوالم قد لا أجد فرصة للاطلاع عليها. فكم من الأحاديث الممتعة، والمدهشـة استغرقت فيها وأنا مسافر من بلد إلى بلد . لكن منظر جـارتي هذه ، وعنوان الكتاب الذي تقرأ فيه حذرانني من مخاطر الإقدام على التحدث إليها. أما هی فقد حسمت الأمر. بعـد أن قرأت بضعة سطور أغلقت عينيها وسقطت في نوم عميـق ، تـاركـة الكتاب ليقع عند قدميها على الأرض.
قررت أن أترك نفسي لذلك السرحان اللذيذ ، الذي يستولى علىّ عندما أشعر بأنني معلق في الفضاء الكوني بعيـدا عـن الأرض ومشاغلها، تذكرت أنه قبل أن أسافر بما يقـرب مـن شهر ، اتخذت قرارا صعبا ، وهو أن أتدرب علـى استخدام الكومبيوتر في عملي الكتابي، فأنا من ذلـك الجيـل الذي لم يتعود التعامل مع الوسائل التكنولوجية الحديثة. عندما كنت شابا كان أقصى ما وصلنا إليه المذياع، والتليفون العادي. لكن في الفترة الأخيرة تملكني الإحساس بضرورة كسر الجمود والعادات الذهنية التي استولت علىّ، وبأهمية اقتحام العـوالم الجديدة التي تفتحت أمامنا مع التقدم الذي حدث في المجـال الإلكتروني، في فيزياء الأمواج، والطاقة الكونية، أن أستفيد من إمكانيات الاتصال السريع، والمعرفة التي يوفرهـا لنـا استخدام الكومبيوتر في عملنا.
أنا لست من عبدة التكنولوجيا الحديثة، ولا ممنْ يظنـون أنه يمكن أن تكون في ذاتها مفتاحا للتقدم ، اذا لم نـهـتـم بنـوع الفكر الذي يحركها، وإذا لم نربطهـا بواقعنـا، وبامكانياتنـا البشرية. مع ذلك أحسست أن التخلف فـي اسـتخدام وسـائل العصر الذي أعيشه ، حتى في المرحلة المتأخرة من العمر التـي وصلت إليها، وابتعادى عن الاستفادة من الامكانيات العلمية الجديدة ، هو بمثابة الاستسلام لنوع من الموت النفسي، والذهني.
لجأت إلى أحد أصدقائي، فأرشدني إلى مهندس لأستعين به في تركيب الكومبيوتر المناسب في بيتـي، وأعطـانـي بعـض المعلومات الأولية اللازمة لتشغيله، ثم رشح لي هذا المهندس ، شابا يستطيع أن يحضر الى بيتى لمدة أسبوعين في مواعيد يومية منتظمة ليطلعني على أسرار الجهاز، وكيفية الاستفادة مـن إمكانياته. كما صرت أتدرب يوميا لمدة ساعة ونصـف عند الكتابة باللغة الانجليزية، والعربية . بعد قليـل تعلمـت كيـف استقبل الرسائل الإلكترونية، وأبعث بردود عليها، كيف أقـوم بفتح ملفات في الكومبيوتر لتخزين المعلومـات، والوثائق، والدراسات التي أرغب في الاحتفاظ بها، كيف أنقـل دسكات الموسيقى، أو أفلام الفيديو إليه، وكيف أبحـث فـي مـواقـع "الانترنت " المختلفة عن المعلومات والأبحاث، والكتـب التـي أحتاج إليها.
في مدة قصيرة أصبح ما بدا مستحيلا قـدرة عظيمة أضيفت إلىّ، دون عناء كبير، أو جهد. وجدت نفسـى وقد دخلت الى عالم مبهر ، لم أكن لأتخيل مدى الأفاق التي يمكن أن يفتحها أمامي. فأنا أستطيع الآن أن أستفيد مـن كـنـوز للمعلومات مختزنة في أماكن بعيدة، وعلى نطاق الكرة الأرضية ، تسهل لي البحث في أي موضوع أحتاج إليه. أستطيع أن أتصل بأي شخص، أوجهة في العالم، وأتخاطب معه أو معهـا عـن طريق ما أصبح يسمى بالبريد الالكتروني، ولا تستغرق مثـل هذه الاتصالات أكثر مـن دقـائق أو حتـى ثـوان مـعـدودة. "الكمبيوتر" جهاز من نوع فريد، لا بسبب إمكانياتـه فحسـب، ولكن لأنه يجمع بين الجد واللعب، بين الجهد الذهني، والمتعـة غير المحدودة . هكذا تخلصت من شعور بالعجز كان قد أصابنى ، من إحساسى بأن الحياة تسبقني وأنا اتفرج عليها.
قلت لنفسي وأنا جالس في مقعدي أطل على جبال وسهول إيطاليا الشمالية ، حقا أنه عالم مثير، وغريب. ها أنا أطرق لأول مرة وبعد عمر طويل هذه الآفاق العريضة، بينما إلى جـواري تجلس هذه المرأة الشابة ملفوفـة فـي الحـجـاب، والجلبـاب الكُحلي، غارقة في نوم عميق، وعند قدميها يرقد كتاب طبـع عليه بالبنط الأسود الغليظ "زوجة المسلم التائب".
انه تناقض يمزق المجتمع الذي نعيش فيـه، ويجعلنـا عـاجزين عـن استكشاف الطريق الذي يجب أن نسير عليه. فما زالت تتقاذفنا التيارات التي تهرول لاستيراد التكنولوجية الحديثة، ومحاولـة تقليد أنماط الحياة السائدة في الغرب اكتفـاء بقشـورها دون التعمق فيها، وتيارات فكرية أخرى تريد أن تعـود بنـا إلـى عصور مضت، ظنا منها أن التاريخ يمكن أن يعيد نفسـه، أن يقوم بتكرار ما عفى عليه الزمن .
فأصبح مجتمعنا بسبب هذا التمزق والتناقض ، عاجزا عن مواجهة رأس المال العالمي، والتكانولوجيا الحديثة، وتركـز المعرفة العلمية بين يدى الشركات الرأسمالية متعددة الجنسية ، عبرة الحدود والقارات والأنظمة والثقافات .
من كتاب " يوميات روائى ترحال " 2008
-------------------------------------------------------------------------



#شريف_حتاتة (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة اللبنانية د. عايدة الجوهري حول مشروع الدولة المدنية العلمانية وأوضاع المرأة في لبنان
حوار مع د.سامي الذيب حول الأديان ومعتقداته الدينية وطبعته العربية وترجماته للقرآن والقضية الفلسطينية


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كنا أربعة فى قارب
- - نون - و - مُنى - بنت الطبيعة والرومانسية الساذجة
- القاتل .. مارلبورو
- فلسفة المِشرط
- المعذبون فى - مارينا - ضجيج الارهاب وضجيج - الجت سكى -
- قلبى ينبض مع أبعد نجمة فى السماء
- ماذا وراء التحالف الدولى لمقاومة الارهاب ؟؟؟
- - بغداد - قطرة فى بحر العذاب
- العلم والثقافة
- - تونى بلير - وفك الحصار عن العراق
- هكذا تكلم البحر
- القنبلة العقائدية
- سمك القرش
- على شرف الأحلام .... قصيدة
- يغذى الدودة فى الحجر
- مجاهدى خلق ورحلة الى لندن
- خواطر مغترب
- يوميات أستاذ زائر
- فى الأصل كانت الذاكرة
- دفاعا عن الحلم


المزيد.....




- -تصرف غير مقبول-.. حكومة لبنان عن مسيرات حزب الله فوق حقل مت ...
- قُطعت يده وطارت بعيدًا.. شاهد ما حدث لرجل حاول إشعال ألعاب ن ...
- -تصرف غير مقبول-.. حكومة لبنان عن مسيرات حزب الله فوق حقل مت ...
- آمبر هيرد تطالب بإلغاء قرار المحكمة في قضية جوني ديب
- المغرب يقاضي صحفيا إسبانيا اتهم الرباط بالتجسس على هاتفه
- -واتس آب- يحصل على ميزات جديدة قد تهم الكثيرين
- إنهم أغضبونا
- الإمارات تعتزم زيادة المعونات الاجتماعية للأسر ذات الدخل الم ...
- روسيا وأوكرانيا: بوتين يدعو قواته إلى تعزيز الهجوم بعد الاست ...
- الإمارات تضاعف الدعم المالي للأسر محدودة الدخل من الإماراتيي ...


المزيد.....

- التآكل الخفي لهيمنة الدولار: عوامل التنويع النشطة وصعود احتي ... / محمود الصباغ
- هل الانسان الحالي ذكي أم غبي ؟ _ النص الكامل / حسين عجيب
- الهجرة والثقافة والهوية: حالة مصر / أيمن زهري
- المثقف السياسي بين تصفية السلطة و حاجة الواقع / عادل عبدالله
- الخطوط العريضة لعلم المستقبل للبشرية / زهير الخويلدي
- ما المقصود بفلسفة الذهن؟ / زهير الخويلدي
- كتاب الزمن ( النظرية الرابعة ) _ بصيغته النهائية / حسين عجيب
- عن ثقافة الإنترنت و علاقتها بالإحتجاجات و الثورات: الربيع ال ... / مريم الحسن
- هل نحن في نفس قارب كورونا؟ / سلمى بالحاج مبروك
- اسكاتولوجيا الأمل بين ميتافيزيقا الشهادة وأنطولوجيا الإقرار / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - شريف حتاتة - تأملات مسافر