أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نايف سلوم - في استعمال غرامشي كـ “أدب مضاد-!















المزيد.....


في استعمال غرامشي كـ “أدب مضاد-!


نايف سلوم
كاتب وباحث وناقد وطبيب سوري

(Nayf Saloom)


الحوار المتمدن-العدد: 7289 - 2022 / 6 / 24 - 22:41
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


سنتكلم بمناسبة "سوء استعمال" غرامشي في مقال ديفيد أرنولد (غرامشي وتبعية الفلاحين في الهند) عمّا يُسمى "اليعقوبية" في تكتيك الحزب الاشتراكي الماركسي عموماً.
ليست اليعقوبية "لكنة" غرامشيّة، بل تقليداً ماركسياً. فاليعاقبة هم الحزب اليساري الراديكالي في الثورة الفرنسية بقيادة ماكسيميليان روبسبير، وهم نادي سياسي يساري تحت اسم جمعية أصدقاء الدستور. وأصبح النادي يدعى لاحقاً باسم نادي يعقوب لأن أعضاءه كانوا يجتمعون في دير يعقوب في باريس.
كان لليعاقبة دوراً مهماً في بداية الثورة الفرنسية 1789. نادوا بقلب الملك واعدامه وإقامة جمهورية فرنسية تستمد سلطتها من الشعب. دافعوا عن حق الاقتراع الشامل والتعليم الشعبي العام والفصل بين الكنيسة والدولة. أرادوا المواطنة التي تتعامل مع الأفراد بشكل متساو أمام الدستور، وهذا معناه إلغاء كل امتياز للفرد في المجتمع الديموقراطي البورجوازي الجديد. الأفراد في الدستور الجديد متساوون في الحقوق والواجبات تجاه المجتمع المدني البورجوازي وتجاه الدولة السياسية الحديثة المتخلصة من الامتيازات الدينية والعسكرية والعائلية. لقد دفع اليعاقبة الدكتاتورية البورجوازية أو الديمقراطية البورجوازية (يصح الوجهان) إلى حدود قصوى. فقد تبنى اليعاقبة إعلان حقوق الانسان والمواطن والدستور الفرنسي البورجوازي الليبرالي لعام 1793 وتبنوا سياسات اقتصادية تدخليّة من قبل الدولة لضبط الأسعار لمصلحة الطبقات الشعبية الفقيرة كالعمال والفلاحين الفقراء والحرفيين.
بدأت الثورة بتمرد علني في صيف 1789 بما في ذلك اقتحام الباستيل في 14 تموز. سيكون في مقدور هذا التمرد وخلال وقت قصير أن يطيح بملكية لويس الرابع عشر المطلقة ويقوّض تماماً التأثير السياسي للكنيسة الكاثوليكية ويهدم هيمنتها الفكرية. ويجرّد النبلاء من قوتهم الموروثة (ملكية الأرض) بفعل تحالف البورجوازية الراديكالية اليسارية مع الفلاحين المدقعين. ويُعزى اصطفاف البرجوازيين ضد النبلاء في الثورة إلى إقصاء البورجوازيين عن الطبقة الثانية الّتي تشمل النبلاء، والمعفاة من الضرائب، في المجلس العام في 1789. هذا التحالف بين البورجوازية الصاعدة من جهة والفلاحين المحرومين من ملكية الأرض من الجهة الأخرى هو الذي أعطى تاريخياً ما سمي عند ماركس ومن ثم لينين ومن ثم غرامشي "بالنزعة اليعقوبية" في الثورة البروليتارية، أي تحالف العمال مع جموع الفلاحين الفقراء. هذه النزعة اليعقوبية ليست بدعة من غرامشي بل هي تقليد ماركسي كلاسيكي ظهرت تنظيراته في تحليل ماركس لأسباب فشل ثورة 1848 في فرنسا في كتابه "الصراعات الطبقية في فرنسا 1848"وفي كتابه الهام الآخر "الثامن عشر من برومير-لويس بونابرت" 1851. وقبل ذلك في البيان الشيوعي. فقد صاغ ماركس من أجل تكتيك النضال السياسي المبدأ الأساسي التالي للماركسية: إن الشيوعيين يكافحون في سبيل مصالح الطبقة العاملة وأهدافها المباشرة، ولكنهم يدافعون في الوقت نفسه عن مستقبل الحركة القومية (الأمة كلّها). ومن أجل هذا ساند ماركس في 1848 حزب "الثورة الزراعية في بولونيا " أي الحزب الذي اثار انتفاضة كراكوفيا سنة 1846 وفي 1848-1849 ساند ماركس في المانيا (حزب) الديمقراطية الثورية (الفلاحية) المتطرفة، ولم يتراجع قط عما قاله حينذاك عن هذا التكتيك. وكان يعتبر البورجوازية الألمانية عنصراً "كان يجنح منذ البداية إلى خيانة الشعب، وإلى اجراء مساومة مع الممثلين المتوّجين للمجتمع القديم (اليونكرز الاقطاعيين)". فقط التحالف مع جماهير الفلاحين كان يتيح للبورجوازية بلوغ أغراضها كاملة (في الثورة الديمقراطية البورجوازية) (لينين: المختارات 5) إن تعليق ماركس التالي على الوضع في المانيا 1856 في مرحلة الرجعية الأشد اسوداداً يبين بأيّة روح كان ماركس يرغب في أن يتم هذا العمل، يقول: "سيتوقف كل شيء في المانيا على إمكانية دعم الثورة البروليتارية بطبعة ما جديدة لحرب الفلاحين (كتاب انجلس: حرب الفلاحين في المانيا)" وطالما لم تنته الثورة الديمقراطية البورجوازية في المانيا ، وجّه ماركس كل انتباهه ، فيما يتعلق بتكتيك البروليتاريا الاشتراكية ، إلى تطوير طاقة الفلاحين الديموقراطية " (لينين: المختارات 5 )
يقول لينين: لا بد أن نشير فيما يخص موقف اشتراكية ماركس من الفلاح الصغير الذي سيبقى موجودا أيضاً في مرحلة انتزاع الملكية من مغتصبيها (الذي تقوم به الدولة الاشتراكية (رأسمالية الدولة الاشتراكية) باعتبارها ممثلاً فعلياً للمجتمع بأسره). ويضيف: لا بد أن نشير إلى هذا البيان من انجلس الذي يعبر عن رأي ماركس: عندما نستولي نحن الاشتراكيين الماركسيين على سلطة الدولة لن يكون في نيتنا انتزاع ملكية الفلاحين الصغار بالعنف (بتعويض أو بغير تعوض) الأمر الذي نكون مضطرين للقيام به بحق كبار الملاكين العقاريين. إن مهمتنا تجاه الفلاح الصغير ستكون قبل كل شيء توجيه انتاجه الخاص وملكيته الخاصة في السبيل التعاوني، لكن لا بواسطة العنف، بل عن طريق المثل وتقديم مساعدة المجتمع لهذا الغرض. ومن المؤكد أنه سيكون لدينا ما يكفي من الوسائل لإقناع الفلاح بجميع المزايا التي يتسم بها هذا التحول والتي لا بد من توضيحها له منذ الان. (لينين: المختارات 5)
كانت استراتيجية لينين الاشتراكية-الديمقراطية بعد انتصار الثورة الاشتراكية في روسيا هي الحفاظ على هذا التحالف بين البروليتاريا الظافرة بسلطة الدولة والفلاحين الفقراء. وهذه القاعدة الراسخة للديمقراطية الاشتراكية هي التي انتهكها ستالين لاحقاً بسياساته التجميعية القسرية العنيفة اعتبارا من سنة 1929 حتى 1933.
أما غرامشي فقد اتخذ طريقاً يعقوبياً ايضاً على درب ماركس انجلس ولينين. وكذلك فعل ما ماو تسي تونغ. يكتب ماو في مقالته الشهيرة "في التناقض" 1937: "وهكذا فقد اتضح أن التناقض يوجد بصورة شاملة في الاشكال البسيطة للحركة أو في الأشكال المعقدة لها، في الظواهر الطبيعية أو في الظواهر الفكرية، وأنه يوجد في جميع العمليات. لكن هل التناقض موجود ايضاً في المرحلة البدائية من كل عملية؟ هل هناك حركة تناقض من البداية إلى النهاية في عملية تطور كل شيء؟
يبدو من المقالات التي نقدت فيها الأوساط الفلسفية في الاتحاد السوفياتي مدرسة ديبورين أن هذه المدرسة تزعم أن التناقض لا يظهر منذ بداية عملية ما، وإنما يظهر عندما تكون العملية قد تطورت إلى مرحلة معينة. وبناء على ذلك فإن تطور العملية حتى تلك اللحظة لا ينشأ من الأسباب الباطنية، بل عن اسباب خارجية. وحين طبق أتباع مدرسة ديبورين هذه النظرية في تحليل قضايا واقعية، رأوا انه ليس بين الكولاك (كلمة روسية تعني الفلاحين الاغنياء) وبين جمهور الفلاحين في ظروف الاتحاد السوفياتي أية تناقضات، بل بينهم تفاوت فقط، فوافقوا بذلك موافقة تامة على راي "اليمين البلشفي" الذي دعا إلى دعم ثراء الفلاحين الكولاك (بوخارين)، ورأوا كذلك في تحليل الثورة الفرنسية أنه لم يكن قبل الثورة في داخل الطبقة الثالثة المؤلفة من العمال والفلاحين والبورجوازية أية تناقضات. بل هناك تفاوت فقط. إن أتباع مدرسة ديبورين لا يفهمون أنّ كل تفاوت تناقض. لقد ولد التناقض بين العمال والرأسماليين منذ اللحظة التي ظهرت فيها هاتان الطبقتان إلى الوجود. إلا أن هذا التناقض لم يكن حاداً، وأن هناك تفاوتاً بين العمال والفلاحين، حتى في ظروف الاتحاد السوفياتي الاجتماعية، وهذا التفاوت تناقضا، لكنه لن يشتد بحيث يصير تناقضاً عدائياً، فالعمال والفلاحون يشكلون في غمرة البناء الاشتراكي تحالفاً متيناً، وسوف يحلون ذلك التناقض تدريجياً (كتناقضٍ متلاشٍ) في مجرى التطور من الاشتراكية إلى الشيوعية. إن المسألة هنا هي مسألة الاختلاف في صفة التناقضات (متلاشية أو تناحرية) "(ماو: المختارات-المجلد الأول)
يقول غرامشي في كراسات السجن، تاريخ الطبقات التابعة أو المحكومة Subaltern Classes : الطبقات التابعة غير موحدة بطبيعتها ولا يمكن ان تتحد إلا إذا أصبحت قادرة على تصبح دولة." (غرامشي: كراسات السجن) وهذه الوحدة يكون لها رأس وقيادة. وهذه القيادة بالنسبة للفلاحين إما أن تكون البورجوازية أو البروليتاريا.
ويضيف: يمكننا أن نقارن بين اليعاقبة وحزب العمل. كان اليعاقبة يجاهدون بإصرار لتحقيق الترابط بين المدينة والريف، ونجحوا في ذلك نجاحاً باهراً. وأنه وجد في تاريخ شبه الجزيرة الإيطالية تراثاً يمكن الرجوع إليه والارتباط به، وتاريخ كوميونات العصور الوسطى (الدول: المدن المستقلة) وهو تراث غني بالتجارب الوثيقة الصلة بموضوعنا، حيث تبحث البورجوازية الوليدة عن حلفاء لها بين الفلاحين ضد الإمبراطورية والاقطاع المحلي" كراسات السجن)
يقول ماو في السياق نفسه: "إذا نظرنا إلى عملية الثورة الديمقراطية البورجوازية في الصين، التي بدأت بثورة 1911 بقيادة صن يات صن، وجدنا لها أيضاً مراحل متعددة، فالثورة في فترة قيادة البورجوازية لها، والثورة في فترة قياد البروليتاريا لها تتمايزان، على الأخص كمرحلتين مختلفتين اختلافاً كبيرا. ذلك أن القيادة التي مارستها البروليتاريا غيرت وجه الثورة بصورة جذرية، وأدت إلى ترتيب جديد في العلاقات الطبقية، وإلى انطلاق عظيم في ثورة الفلاحين، ومنحت الثورة الموجهة ضد الامبريالية والاقطاعية صفة الحزم الذي لا يعرف المهادنة، وجعلت الانتقال من الثورة الديمقراطية البورجوازية إلى الثورة الاشتراكية أمراً ممكناً " (المختارات-المجلد الأول)
تظهر اليوم في المنطقة العربية دعوات تقول بأن الثورة الديموقراطية البورجوازية في الأقطار العربية لم تنته بعد، بالتالي يتوجب أن يكون التناقض الأساسي هو بين الطبقات المضطهدة في المجتمعات العربية وبين الامبريالية وبقايا الاستعمار. هذه النظرة التجريدية لا تأخذ في حسابها شكل قيادة هذه الطبقات التابعة أو المحكومة. وهذه النظرة ما تزال تراهن على قيادة البورجوازية الرثة لهذا الصراع، بالرغم من ظهور سيطرة هذه البورجوازيات الرثة كسيطرة للعلاقة الامبريالية أي كصورة من صورها.
تدخل مقالة ديفيد أرنولد (غرامشي وتبعية الفلاحين في الهند) في إطار ما يسمى "دراسات التابع" (Subaltern Studies) في محاولة استعادة غرامشي كماركسية منشغلة بالطبقات الهامشية والفلاحين والطبقات المضطهدة في البلدان المتخلفة ، وفي سبيل استعمال أفكاره (خاصة كراسات السجن) استعمالاً مضاداً في مواجهة ماركسية ماركس – انجلس- لينين، وهو ما يخفي "خبثاً" أو "غبنا " فكريا حيث يضمر "سوء الاستعمال " هذا ، فكرة أن ماركسية ماركس وانجلس "الأوربية الغربية" الاقتصادية لا تعير مسالة "التابع" وهوامش النظام الرأسمالي الاهتمام الكافي، بالتالي لا بد من الاستعانة بغرامشي، لأن لينين تم خلطه وعجنه مع تنظيرات ستالين الاقتصادوية – الارادوية واخطائه السياسية والنظرية وتم رميهما معاً. كل ذلك لاتهام ماركس وانجلس بالاستشراق والنزعة المركزية الأوربية الغربية والتعالي المدني الأوربي أو نزعة الاشتراكية الامبريالية والتعالي العمالي والصناعي على الفلاحين والإنتاج الزراعي، وغيره. وكل ذلك أيضاً بغرض تنفير مفكري البلدان المتخلفة من فكر مؤسسي الاشتراكية الماركسية ومعهما فكر لينين.
وإنه لأمر ذو مغزى أن يكون غرامشي (كراسات السجن) أحد المرتكزات الفكرية لكتاب ادوارد سعيد "الاستشراق"، كما يكونه فوكو أيضاً. يأخذ سعيد عبارة غرامشي التالية المأخوذة من كراسات السجن: إن نقطة انطلاق الإحكام النقدي هي وعي المرء لما هو عليه حقاً .. بوصفه نتاج للسيرورة التاريخية وصولا إلى اللحظة الراهنة لتلك السيرورة، التي أودعت فيه آثارا لا حصر لها، من دون أن تترك جرداً بهذه الاثار". يعلّق اعجاز أحمد بالقول: وتدع الترجمة الإنكليزية الوحيدة التي في متناولنا عبارة غرامشي على هذه الصورة دونما سبب واضح، في حين أن نص غرامشي بالإيطالية يختتم بالإضافة التالية: ولذلك فإن من الضروري تماماً أن يصار إلى وضع هذا الجرد منذ البداية" (اعجاز أحمد: طبقات وامم) أما سعيد فيقول: لقد وجدت أن من المفيد هنا أن استخدم في تحديد الاستشراق مفهوم الخطاب عند ميشيل فوكو، كما وصفه في كتابيه "حفريات المعرفة"، و"المراقبة والمعاقبة-ولادة السجن" (اعجاز: طبقات، أمم). إن ما يجمع بين عنواني غرامشي وفوكو هو "السجن". يقول سعيد: كانت دراستي الاستشراق، من جوانب عدة، محاولة لجرد الاثار التي خلفتها فيّ أنا الذات الشرقية، تلك الثقافة التي كانت سيطرتها عاملا بالغ القوة في حياة جميع الشرقيين" (اعجاز: طبقات، أمم) أي أن سعيد هو حبيس أو سجين ثقافته الشرقية في جانب منه.
يقول اعجاز أحمد معقباً: والحال إن قطيعة سعيد مع ذلك التقليد السياسي (الماركسية ومناهضة الامبريالية) كانت تامة بالفعل، حيث نبذ ماركس نفسه في الكتاب (الاستشراق) بوصفه مجرد مستشرق آخر، وأزيحت الماركسية جانباً بوصفها ابنة كريهة "للتاريخانية" (التي يقرف منها فوكو)، أما التبصرات التي كانت قد انبعثت في الأصل عن ذلك التقليد فقد ضُمّت الان إلى نظرية الخطاب الفوكوية" (اعجاز: طبقات، أمم)
يكتب ديفيد ارنولد في مقالته Gramsci and Peasant Subalternity in India (غرامشي وتبعية الفلاحين في الهند): في السنين الأخيرة، تمت استعادة كتابات أنطونيو غرامشي لما تقدّمه من إضاءات على السياسة في المجتمعات الغربية الصناعية المعاصرة، وكمصدر لماركسية محدّثة من أجل الغرب. لكن في المقابل، لم تلقَ طروحات هذا المفكر الإيطالي عن الفلاحين والمجتمعات الريفية الكثير من الانتباه، ولا سيما بين كتّاب اللغة الإنكليزية. ربما يكون غموض المعاني في "دفاتر السجن" الخاصة بـغرامشي وصعوبة استخراج نظرية متماسكة منها قد لعبا دوراً في هذا. أو ربما طغى الإحساس أن غرامشي لديه القليل ليقوله عن الدراسة العيانية والتحليل النظري لمجتمعات الفلاحين. ستحاول هذه المقالة إظهار خطل الإحساس هذا.
في الحقيقة، لا بد أن تشكل كتابات أنطونيو غرامشي مصدر جاذبية لأي دارس للمجتمعات الفلاحية يهدف إلى التفكير والبحث من داخل التقليد الماركسي الأكاديمي لكن دون الوقوع في النظرة الاقتصادوية والميكانيكية الضيّقة التي طبعت الكثير من الدراسات الماركسية. فعلى المستوى النظري العام، يقدم اهتمام غرامشي بمسألة «الوعي» وبالأبعاد الثقافية والأيديولوجية لمسألة "الهيمنة" الطبقية أساساً لفهم وتحليل نقديين للطبقات الاجتماعية المهمشة، وتصحيحاً للتركيز الضيق على «الأساسات الاقتصادية» للمجتمعات. وعلى عكس مؤسسي الماركسية، الواثقين بانقراض الفلاحين الوشيك على يد الرأسمالية الريفية والصناعية، والمنغمسين في مقارنات عديدة بين «غباء الحياة الريفية» و«البربرية الفلاحية» من جهة، وثورية ووعي الطبقة العاملة الصناعية من جهة أخرى، يقدم غرامشي صورة للفلاحين كقوة حية، سياسياً وثقافياً واجتماعياً. يعتبر غرامشي أن الطبقة الفلاحية بحاجة إلى تمعّن وتحليل دقيق، بالتحديد من خلال الانتباه إلى خصوصيتها التاريخية وإلى وعيها المهمّش المرتكز على المعتقدات الشعبية والفولكلور.
بالنسبة لغرامشي إذاً، لم يكن الفلاحون تلك الطبقة المحكوم عليها بالانقراض، المحافِظة والبربرية دائماً في سياق المجتمع الحديث، كما رأى ماركس(؟!)
لهذه الأسباب وغيرها مما سوف نعرضه هنا، لاقت كتابات غرامشي اهتماماً لدى مجموعة من الباحثين المهتمين بتاريخ الفلاحين في الهند، ممن صدرت أعمالهم في دورية دراسات التابعين التي يحرّرها راناجيت غوها منذ 1982.
واللافت في الأمر والمريب ألا تلاقي تجارب الشيوعيين بخصوص الفلاحين في روسيا وفي الصين اهتمام غوها وفريقه، مع أن الماركسية هجرت أرضها في أوربا واشعلت ثورات اشتراكية في بلدبن (روسيا والصين) الغالبية فيهما من الفلاحين الفقراء، وقد لعب هؤلاء دورا ثوريا حاسماً في مساندة ومحالفة البروليتاريا وبرنامجها الاشتراكي-الديمقراطي. وكانت تنظيرات لينين وماو بخصوص دور الفلاحين الفقراء في الثورة الديمقراطية أكثر من فاقع.
يقول أرنولد: وبصفتي عضواً في هذه المجموعة (مجموعة "دراسات التابع")، ستكون هذه المقالة أيضاً محاولة لمراجعة ما أنجزناه في تطبيق مفاهيم غرامشي على الهند. ليس الهدف من هذا نَسْب نوع من العصمة الكونية أو الاكتفاء الذاتي لطروحات غرامشي، فالتأريخ الهندي لديه ما يكفي من الأصنام، وليس بحاجة إلى «مهاتما غرامشي» ليضاف إليها. غرامشي نفسه كان شديد العداء لكل من أراد اختصار الماركسية بمجموعة من الثوابت الجاهزة أو القوانين التاريخية الحتمية. على العكس، الهدف هنا هو تفحّص أفكار غرامشي المتعلقة بالفلاحين، ومن ثم النظر إلى كيفية الاستفادة من هذه الأفكار، تحديداً تلك المتعلقة بـ«التبعية» و«الهيمنة» و«الثورة الساكنة» الثورة السلبية (تغيير من فوق، أو من الأعلى)، في سياق تاريخ الفلاحين الهنود في القرنين التاسع عشر والعشرين
في الاستعمال السيء والخبيث لفكر غرامشي نقرا عند ارنولد قوله: وفي نقاشه في "دفاتر السجن" للحظات تاريخية محددة، بدت أيديولوجيات الطبقات المهيمنة والتابعة أكثر أهمية من العوامل المادية. وبالرغم من أن هذا جعل غرامشي يتعرض فيما بعد لاتهامات بالمثالية والطوعية (الاختيارية والعفوية) من نقاد كـألتوسير."
وفي طرح مضاد لكتاب لينين "ما لعمل؟" يستشهد أرنولد بقول غرامشي: الوعي الطَبَقي، بالنسبة لـغرامشي، لا يمكن أن يتشكل إلا من داخل الجماعة، أي لا يمكن فرضه بالقوة من الخارج" وهذا الطرح يلتقي مع طروحات روزا لوكسمبورغ في تقديس العفوية وردّ لينين عليها في كتابه الشهير السالف الذكر.
يكتب لينين: نثبت هنا كلمات كاوتسكي التالية الهامة والعميقة في صدقها، التي قالها بصدد المشروع الجديد للحزب الاشتراكي-الديموقراطي النمساوي: "وعلى ذلك كان الوعي الاشتراكي عنصراً يؤخذ من الخارج وينقل إلى نضال البروليتاريا الطبقي(وحي)، لا شيء ينبثق منه بصورة عفوية. ولم تكن من حاجة إلى (مهمات الحزب الاشتراكي-الديمقراطي في حمل البروليتاريا على وعي وضعها ورسالتها التاريخية) لو كان هذا الوعي ينبثق من النضال الطبقي من تلقاء ذاته" (لينين: ما لعمل؟)
أما فكرة غرامشي التي تستخدم حجة ضد الحتمية الاقتصادية: وحتى عندما تتغير الشروط المادية لوجود الطبقات التابعة، تبقى الأفكار أكثر عناداً في وجه التغيير. كون «العوامل الأيديولوجية تتأخر خلف العوامل الاقتصادية» كان بالنسبة لـغرامشي سبباً هاماً للابتعاد عن أي نوع من أنواع الحتمية الاقتصادوية. (SPN: 168, 324-5). هذه الفكرة كانت قد صيغت من قبل انجلس في واحدة من رسائله إلى ماركس. ومفادها أن حركة البنى الفوقية أبطأ في التغير من تحولات البنية (التنظيم الاقتصادي للمجتمع) أو علاقات الإنتاج.
يقول ارنولد: الاستثناء الوحيد الهام في هذا السياق هو إريك هوبزباوم، والذي تأثر في كتاباته عن الوعي الفلاحي والسياسة الفلاحية بغرامشي (على الخصوص، انظر هوبزباوم 1971 و1973."
مراجع
1-ديفيد ارنولد: غرامشي وتبعية الفلاحين في الهند Gramsci and Peasant Subalternity in India
2-ماو تسي تونغ: المختارات المجلد الأول –مقالة في التناقض، دار النشر باللغات الأجنبية بكين 1968
3-لينين: المختارات المجلد الخامس 1912-1916 ترجمة الياس شاهين دار التقدم 1976
4-اعجاز أحمد: في النظرية: طبقات، أمم، آداب ترجمة ثائر ديب المركز العربي للأبحاث بيروت الطبعة الأولى 2019



#نايف_سلوم (هاشتاغ)       Nayf_Saloom#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سلافوي جِيجك ومرجعياته الثلاث
- الماركسيّة في عود إلى نقد الدين
- الإغواء الإيرانيّ- سيرة الشيخ الرئيس
- مُعْتمَد أدب -العالم الثالث- المُكرَّس المُضاد
- -تفكيك الاشتراكيّة العربيّة-
- الاقتصاد السياسيّ للتنمية
- الوجه الآخر للمسيح
- «دين إبراهيمي» أم خدعة استعماريّة؟
- ديالكتيك الاجتماعي- التاريخي
- الصورة الملازمة والصورة المفارقة؛ من الحقيقة إلى الحق
- نظام الرأسمالية الاحتكارية ومعضلة العنصرية
- من العثمانية إلى عروبة الاسلام
- دور الفرد في التاريخ
- الحكم بالوكالة ومسألة -الفساد-
- التنين الأكبر: الصين في عقدين
- -فك الارتباط- المعكوس و -نهاية التخلف-
- رسالة في نظرية اللوغوس عند فيلون الإسكندريّ
- المدينة المسحورة
- نقد الفرويدية
- الماركسية وتأسيس علم نفس موضوعي*


المزيد.....




- جر وراءه أثقالًا لمسافة 800 ميل.. شاهد عملية تخليص حوت من شب ...
- مقارنة زلزال تركيا وسوريا بأقوى الزلازل بالعصر الحديث
- مقارنة زلزال تركيا وسوريا بأقوى الزلازل بالعصر الحديث
- لواء سابق بالجيش المصري يتحدث عن ضربة قوية وجهتها الصين لأمر ...
- الجنود الروس يشاركون في عمليات البحث وإزالة الأنقاض وتقديم ا ...
- الحكومة البريطانية توسع العقوبات ضد روسيا خلال زيارة زيلينسك ...
- السيطرة على حريق ميناء اسكندرون في تركيا بمساعدة روسية
- شاهد: المقاتل الأوكراني -فوكس- من مهندس إلى قناص على الجبهة ...
- -الجثث في كل مكان-.. طبيب تركي يروي هول ما يعايشه إثر الزلزا ...
- خبيرة: صفيحتان تكتونيتان وراء زلزال تركيا وسوريا ..لم تتوقف ...


المزيد.....

- تهافت الأصوليات الإمبراطورية / حسن خليل غريب
- سيميائية الصورة في القصيدة العربية PDF / ياسر جابر الجمَّال
- طه حسين ونظرية التعلم / ياسر جابر الجمَّال
- الخديعة - منظمة الفساد الفلسيطينية / غسان ابو العلا
- قطرات النغم دراسة في موسيقى الشعر العربي / ياسر جابر الجمَّال
- سيميائية الصورة في القصيدة العربية / ياسر جابر الجمَّال
- مُتابعات – نشرة أسبوعية العدد الأول 07 كانون الثاني/يناير 20 ... / الطاهر المعز
- مدار اللسان / عبد الباقي يوسف
- عوامل تبلور الهوية الفلسطينية(1919-1949م) / سعيد جميل تمراز
- الحد من انتشار الفساد المالي والأداري في مؤسسات الدولة / جعفر عبد الجبار مجيد السراي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نايف سلوم - في استعمال غرامشي كـ “أدب مضاد-!