أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الحسين شعبان - تأمّلات في اللّاعنف














المزيد.....

تأمّلات في اللّاعنف


عبد الحسين شعبان

الحوار المتمدن-العدد: 7273 - 2022 / 6 / 8 - 13:21
المحور: الادب والفن
    


"يحمل العصفور الأزرق السماء على ظهره" هذا ما كتبه أحد أهم فلاسفة اللّاعنف الأمريكيين هنري ديفيد ثورو، في لحظة عزلة وتأمّل في معنى الحياة وفلسفتها وفي الدعوة إلى القطيعة مع العنف، وهي قطيعة مكلفة لأنها تخالف السائد والشائع والغالب التاريخي والفعلي، ولكن كيف يمكن تحقيق ذلك؟ وأيّة قوّة قادرة على مثل هذا الاختيار؟
"خطوة واحدة لن تعبّد طريقًا على الأرض، كما أن فكرة واحدة لن تغيّر شيئًا في العقل، تتابع الخطوات ستعبّد الطريق، كما أن الكثير من التفكير سيصنع المستحيل الذي يغيّر حياتنا"، وهو خلاصة ما توصّل إيه ثورو من تجربة حرب الاستقلال الأمريكية، بل أحد دروسها المهمة، حيث ازدهر يومها الأدب الأمريكي متخذًا قيمًا جديدة تقوم على الاعتماد على الذات واحترام الطبيعة ومقاومة الاسترقاق، فضلًا عن التحلّي بحس الفكاهة التي ألهمت الكثير من المثقفين.
واعتبر الروائي والدو إمرسون أن الوصول إلى حالة روحية سامية هو الذي يمنح الإنسان مثل هذه القوة، وقد نشر كتابًا في العام 1863 بهذا الخصوص مستقطبًا عددًا من الكتّاب حوله لتشكيل ما أطلق عليه "الحركة المتعالية" التي وصل تأثيرها إلى بعض العامة من الناس، وأشار إمرسون إلى أن بصيرة الإنسان وحواسه تسمو على المعرفة التي تأتي عن طريق المنطق والاستنتاجات، وبالتالي فهي الأهم والتي يمكن أن تُستكمل بالمعلومات والمعارف والعلوم.
ومن بين الذين تأثروا بالحركة المتعالية ثورو فانخرط فيها، وحاول اتخاذ العزلة سبيلاً لتطبيقها، وقد دوّن تجربته في كتابه "والدن"، حيث عاش في كوخ على الشاطئ الشمالي لبحيرة والدن محاولًا إدماج اللّاعنف بالطبيعة والعكس أيضًا، كان ذلك في إطار الإيمان بأن الله موجود في كلّ شيء في الإنسان والطبيعة، وهو الأمر الذي مثّله أصحاب الفلسفة المتعالية الذين انقسموا إلى قسمين:
الأول – اهتمّ بالإصلاحات الاجتماعية. أما الثاني – فاهتم بالفرد ويعتبر كتاب ثورو "العصيان المدني" الصادر في 1849 تجسيدًا للتحوّل في داخل الانسان واستعداده للمقاومة اللّاعنفية. وتقوم فكرة العصيان المدني على المقاومة السلبية، خصوصًا رفض تطبيق القوانين غير العادلة، أي الاحتجاج على الظلم بالامتناع عن تطبيق القانون، ومن خلال التحوّل الفرداني يمكن قيادة تحوّل مجتمعي للتغيير بالسلم وليس بالعنف.
واعتمد صديقنا الفيلسوف اللّاعنفي جان ماري مولر هذا المنهج برفضه الانخراط في الجيش الفرنسي لمحاربة الشعب الجزائري العام 1960، وسُجن على أثر ذلك ليكرّس حياته منذ ذلك التاريخ وحتى وفاته العام 2021 لفلسفة اللّاعنف.
جدير بالذكر أن ثورو يُعتبر من أوائل الفلاسفة اللّاعنفيين الذين تأثّر بهم الروائي الروسي الشهير تولستوي والمهاتما غاندي قائد المقاومة اللّاعنفية في الهند ومارتن لوثر كينغ زعيم حركة الحقوق المدنية الأمريكية. واستمدّ ذلك من قراءاته لفلسفة القرن السادس عشر الأوروبية، علمًا بأن الثقافات القديمة الصينية والهندية واليونانية والرومانية والعربية – الإسلامية، وحتى قبل الإسلام احتوت على شذرات لاعنفية، حيث يوجد في التاريخ البشري ومضات لاعنفية لم تكتمل أو أنها انقطعت في غلبة العنف وهيمنته باعتباره القاعدة السائدة.
والحديث عن العنف واللّاعنف ذو شجون، فقد شهدنا في فترة ما أطلق عليه الربيع العربي تنازع وسيلتين، تراوحت بين العنف واللّاعنف ففي حين اتخذت تونس ومصر طريق اللّاعنف سارت بلدان أخرى في طريق العنف والعنف المضاد مخلّفة فوضى وخرابًا ودمارًا، وهو ما عاشته أوروبا الشرقية أيضاً في مواجهة الأنظمة الشمولية، مع ملاحظة أن البلدان التي انتقلت من طور إلى طور باللّاعنف ظلّت متماسكة على الرغم من التحديات التي واجهتها، وستكون التغييرات أكثر سلاسة وأمنًا لمن يلتجأ إلى اللّاعنف حتى وإن كان قادرًا على استخدام العنف على الرغم من طول الطريق وتعقيداته.
لقد بدأ الأمريكيون في مقاومة الاستعمار البريطاني باللّاعنف قبل الاستقلال، وذلك بالامتناع عن دفع الضرائب ورفض الرّق، وقد تعمّق هذا التوجّه في عشرينيات وثلاثينيات القرن التاسع عشر عندما ارتفعت وتيرة المطالبة بإلغاء الاسترقاق، وذلك بعد أن ألغى باي تونس المشير أحمد باشا الرق في 23 يناير / كانون الثاني 1846، وهي أول دولة في العالم تلغي الرق، وبعدها بنحو عقدين ألغت الولايات المتحدة الرق في 1865، علمًا بأن الذين تبنّوا فكرة إلغاء الرق كانوا يؤمنون بالطريق اللّاعنفي لاعتبارات دينية تتعلّق بانحداراتهم المسيحية، ومن وجهات نظرهم أنه لا يجوز مطلقاً لأي إنسان أن يمارس سلطة على إنسان آخر، وطريق العنف هو طريق السلطة، لذلك انقاد هؤلاء إلى نبذ العنف لأنهم ضدّ السلطة.
اللّاعنف مفهوم جديد لأنه يدخل قطيعة أبستمولوجيّة بينه وبين ثقافة العنف الموروثة من التقاليد والعادات بفعل تواتر الاستعمال، حيث تزداد القطيعة صعوبة حين تتعلّق بالدين أو الأيديولوجيا، فما بالك حين تكون المفاهيم والتعاليم والممارسات مصحوبة بالعنف، الأمر الذي يعني أن القطيعة حفر في العمق وليست نقرًا في السطح، لأن اللّاعنف ليس أيديولوجيا وليس عقيدة وإنما هو حكمة، أي فلسفة والفلسفة تعني "حب الحكمة" و"الحكمة حقيقة" و"الحقيقة حياة".



#عبد_الحسين_شعبان (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب التونسي د. هشام القروي حول تعدد الاحزاب والديمقراطية في تونس والعالم العربي بشكل عام
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 100 عام على المأساة الفلسطينية
- -مرجعيّة- المواطنة
- حكومة تصريف الأعمال وذيولها
- العراق استعصاء سياسي أم أزمة بنيويّة؟
- الشيخ حسين شحادة مقابسات المنبع والرؤية
- قلق العنف واللّاعنف
- اغتيال شرين أبو عاقلة جريمة دولية مكتملة الأركان
- حوار العنف واللّاعنف
- الجندر والجندرية وما في حكمهما
- محمد عابد الجابري جدل الفلسفة
- أفغانستان – أوكرانيا هل يصمت التاريخ؟
- حميد سعيد وجيل -الستّينيّات- فيض الذاكرة وجمر التمرّد
- لبنان: الوجه الآخر للحرب
- جودت سعيد: هو الذي أنفق عمره في اللّاعنف
- اليسار: أزمة الفكر ومعضلة السياسة*
- زعماء الكرملين
- ليلى خالد المقاومة بلا جغرافيا
- العرب ورؤية 2045
- شيرين ميرزو الفنانة التي صنعت فيلمها ومثلّت حياتها
- محمد مخلوف المثقف العُصامي وتفاصيله الصغيرة


المزيد.....




- أكثر من ألف قطعة فنية.. متحف الفن الإسلامي بقطر في حلة جديدة ...
- أَثَرٌ بَعْدَ عَيْن
- في تعليقه على قرار -أوبك+-.. وزير الطاقة السعودي يذكّر بمسرح ...
- روسيا والهند تتجهان لتنظيم عروض متبادلة للأفلام الوطنية
- في تعليقه على قرار -أوبك+-.. وزير الطاقة السعودي يذكّر بمسرح ...
- دبي: انطلاق معرض سوذبيز لفنون القرن العشرين
- ذكرى رحيل الروائي السويدي هينغ مانكل
- 11 مطربا في مهرجان -الغناء بالفصحى- بالرياض.. ماجدة الرومي ت ...
- بحلته الجديدة المبتكرة.. متحف الفن الإسلامي بقطر يبرز روائع ...
- وزير الطاقة السعودي يستشهد بمسرحية في تعليقه على قرار أوبك+ ...


المزيد.....

- مسرحية -الجحيم- -تعليقات وحواشي / نايف سلوم
- مسرحية العالية والأمير العاشق / السيد حافظ
- " مسرحية: " يا لـه مـن عـالم مظلم متخبـط بــارد / السيد حافظ
- مسرحية كبرياء التفاهة في بلاد اللامعنى / السيد حافظ
- مسرحيــة ليـلة ليــــــلاء / السيد حافظ
- الفؤاد يكتب / فؤاد عايش
- رواية للفتيان البحث عن تيكي تيكيس الناس الصغار / طلال حسن عبد الرحمن
- هاجس الغربة والحنين للوطن في نصوص الشاعرة عبير خالد يحيى درا ... / عبير خالد يحيي
- ثلاث مسرحيات "حبيبتي أميرة السينما" / السيد حافظ
- مسرحية امرأتان / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الحسين شعبان - تأمّلات في اللّاعنف