أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمود شاهين - أيوب لم يكن صابرا على بلواه!















المزيد.....

أيوب لم يكن صابرا على بلواه!


محمود شاهين
روائي

(Mahmoud Shahin)


الحوار المتمدن-العدد: 7268 - 2022 / 6 / 3 - 03:38
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


" مقدمة كتاب ايوب التوراتي وفاوست جوته"
لماذا أيوب ولماذا فاوست ؟
يمر عالمنا العربي بمرحلة أقرب ما تكون إلى المرحلة التي عاشتها أوروبا في القرون الوسطى ، حيث صراع المذاهب والمعتقدات التي سبقت عصر الأنوار في القرنين السابع عشر والثامن عشر ، الذي أدى إلى ظهور الدول المدنية التي عزلت الدين عن الدولة فيما بعد .
ففي عالمنا العربي اليوم نشهد ردة غير معقولة تريد العودة بنا إلى قيم دينية وأخلاقية مرعليها عشرات القرون ، بعد فشل الأحزاب القومية واليسارية والليبرالية والعلمانية والحركات الوطنية بإحراز أي تقدم يذكر لهذه الأمة . وكأن قدرها أن تعيش التخلف والركود والثبات على كل ما هو قديم ومتوارث، كونه حقائق مطلقة ليس في الإمكان التخلي عنها .
وما وجدته في ملحمة سفر أيوب وملحمة فاوست ما يقارب اشكالية هاتين المسألتين إلى حد كبير . سفر أيوب الذي يكرّس النظام الديني السائد ولو بتدخل الإله نفسه ضد أيوب المتسائل عن ماهية الإله ، وعما إذا كان الخير والشر من فعله ، وفاوست جوته الطامح إلى وجود إله خيراني بالمطلق هو موجود بالفعل .
سفر أيوب :
لقد ارتبط فهم قصة أيوب في وجدان المسلم والمسيحي أيضا بالصبر، فكلما ألمت بإنسان مصيبة ما راح يرجو الله أن يمنحه صبر أيوب ، حتى بلغ الأمر أن كرس صبره في الأغاني " صبر أيوب صبرت عليك يا محبوب " كما ارتبط فهم أيوب نفسه بالإيمان العظيم الذي ليس بعده إيمان وتحمل العذاب في سبيل المحبة الإلهية . مع أن حقيقة الأمر ليست كذلك .وقد جاء هذا الفهم من آيات أربع وردت في القرآن حول أيوب تضعه في مصاف الأنبياء وتمجد إيمانه العظيم . وأنه لأمر مؤسف أن يندرج هذا الفهم على معظم الكتاب والمثقفين أنفسهم ، وأن ينعكس ذلك في بعض كتاباتهم ، حتى أن بعضهم راح يرى في تحمل أيوب للعذاب والألم نوعا من المتعة المازوشية في محبة الإله ! وانطبق هذا الأمر على التصوف منذ القرون الاولى للتصوف: الثامن والتاسع والعاشر. فها هو الجنيد (ت 910) يبني التصوف على تسع خصال منها تضحية ابراهيم بولده وصبر أيوب على بلواه والدود ينهش لحمه .
وما بدا لي من لقاءاتي مع بعض الكتاب أنهم لم يقرأوا سفر أيوب ، وإن قرأوه لم يفهموه .. وهو أحد أكبروأهم أسفار التوراة ويقع في 42 سفرا ( فصلا ) . وهو من حيث عمق فكره وبلاغته الأدبية وفلسفته، أهم أسفار التوراة على الإطلاق . فمن حيث البلاغة الشعرية
نجد أنفسنا أمام نصوص شعرية في غاية البلاغة . وخاصة ما يتعلق منها بأشعار أيوب في تعبيره عن آلامه الفظيعة والدود ينهش لحمه. التعبير عن الألم الإنساني في مواجهة الظلم الإلهي. ومن حيث الفكر نجد أن السفر يتطرق إلى العلاقات الإنسانية الواهية التي تنهار سريعا سواء أمام المعتقد أو أمام سلوك الإنسان نفسه الذي لم ينشأ على تربية سليمه تغرس في نفسه محبة الآخرين ..
وعلى الصعيد الفلسفي نجد ما هو أول وأعمق فكر فلسفي في تاريخ الأدب البشري يطرح مفهوم الألوهة وماهية الله وعما إذا كان الخير والشر من فعله ، معتقدا أن الشر لا يمكن أن يكون صفة يتمتع بها إله لتناقضها مع الخيرانية التي هي الصفة المؤكدة والملازمة للإله . وبهذا يكون السفر قد سبق الفكر المعتزلي بأكثر من ألف عام . وربما رافق ظهور الفلسفة اليونانية أو سبقها .
لا يعرف بالضبط متى كتب هذا السفر . لكن يرجح أنه كتب أواخر الألف الاولى قبل الميلاد ، وثمة احتمالات أن يكون قد كتب بعد ذلك بقرون . في الوقت الذي كانت اليهودية فيه ، قد بدأت تنهار ، وبدأ التمهيد لظهور فهم جديد للألوهة تكون للبشرية كلها وليس لبني اسرائيل وحدهم كما هي الحال مع اليهووية ( عبادة يهوه). وهذا ما تجلى في ظهور الديانة المسيحية .
ترى هل كان أيوب مؤمنا حسب اليهودية ، وهل كان صابرا حسب ما هو شائع بين كافة الناس ، وما هي أهمية العودة إلى فهم سفره في زمننا ، وما هي علاقته بفاوست جوته . هذا ما نحاول أن نعرفه ونفهمه من بحثنا هذا .
*****
فاوست جوته :
" يوهان فولفغانغ غوته 1749 / 1832" أحد أشهر أدباء ألمانيا على الإطلاق ، ترك إرثاً أدبياً وثقافياً ضخماً للمكتبة الألمانية والعالمية، وكان له بالغ الأثر في الحياة الشعرية والأدبية والفلسفية، وما زال التاريخ الأدبي يتذكره بأعماله الخالدة التي ما زالت أرفف المكتبات في العالم تقتنيها كواحدة من ثرواتها، وقد تنوع أدب غوته ما بين الرواية والكتابة المسرحية والشعر وأبدع في كل منها، واهتم بالثقافة والأدب الشرقي واطلع على العديد من الكتب فكان واسع الأفق مقبلاً على العلم، متعمقاً في دراساته"
" ونظراً للمكانة الأدبية التي مثلها غوته تم إطلاق اسمه على أشهر معهد لنشر الثقافة الألمانية في شتى أنحاء العالم وهو" معهد جوته "والذي يعد المركز الثقافي الوحيد لجمهورية ألمانيا الاتحادية الذي يمتد نشاطه على مستوى العالم، كما نحت لجوته بعض التماثيل"
"كان غوته يميل في اتجاهه الأدبي إلى منهج "العاصفة والتيار" وكان هذا هو التيار السائد في هذا العصر والذي وقف في مواجهة تيار أخر عرف بـ "عصر التنوير" أو عصر الدليل المادي، هذا التيار الذي كان يعمل العقل في كل النواحي، ولا يؤمن بوجود أي شيء إلا إذا كان هناك دليل مادي على وجوده، بينما كان منهج العاصفة والتيار منهجاً متجدداً مفعماً بروح الشباب، رافضاً وضع أي قيود على المشاعر والأحاسيس، مؤمناً بحرية التعبير. ثم ما لبث غوته في مرحلة أخرى من حياته أن تحول إلي "الكلاسيكية" والتي تسير على نهج الحضارة الرومانية اليونانية القديمة"
"ويكيبيديا. الموسوعة الحرة "
كانت ألمانيا وأوروبا بشكل عام في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر تعج بعشرات الفلاسفة والأدباء الذين أثروا الثقافة العالمية وما زالوا مؤثرين فيها حتى يومنا . وقد عاصر جوته العديد من هؤلاء ، كايمانويل كانت وهيغل وشوبنهاور وشيلنج . وارتبط جوته بصداقة قوية مع الشاعر والمسرحي فريدريش شيلر الذي أثر في حياته .
درس جوته القانون وبعض اللغات ومنها اللغة العربية التي أحبها وأتاحت له الإطلاع على شعر المتنبي وامرؤ القيس وغيرهما من الشعراء العرب، وكتب ديوانا بعنوان " الديوان الغربي والشرقي" " والذي ظهر فيه تأثره بالفكر العربي والإسلامي والفارسي "
بالذهاب إلى النص المسرحي "فاوست" الذي كتبه جوته في جزأين . نجد أنفسنا أمام سفر أيوب إنما بشكل مختلف. فإذا كان سفر أيوب يطرح ماهية الخير والشر في الذات الإلهية فإن فاوست لا يطرح إلا الخير المطلق فيها . وكأن جوته أراد أن يجيب عن تساؤلات أيوب المؤلمة والمؤثرة ويقدم الإله المناهض لإله التوراة . ولا شك أن جوته تأثر كثيرا بسفر أيوب كما تأثر به كثيرون من أدباء اوروبا وأنتجوا أعمالا من وحيه ، في الوقت الذي يبدو فيه التأثرلدى الأدباء العرب شبه معدوم أو معدوم بالمطلق . فأنا شخصيا لا أعرف أي نص أدبي عربي استلهم سفر أيوب أو تأثر به .
بعد أن أقوم بعرض ( السفرين ) سفر أيوب و( سفر) فاوست . أجري مقارنة بين شخصيات العملين ،بدءاً من أيوب وفاوست مرورا بالشيطانين في كل نص وانتهاء بالإلهين . لأبين الفرق الهائل بين الرؤية التي استند إليها النصان . آملا أن أكون بذلك قد قدمت إضاءة جديدة للفكر والأدب العربيين اللذين كانا وما يزالان ، وخاصة في الأدب ، متخوفين من طرق القضايا المصيرية في فهم الوجود ، والتي دون تقديم فهم تنويري معاصر لها ، ستظل الأمة تراوح في مكانها إن لم تتقهقر قرونا إلى الوراء، دون إحراز أي تقدم وتطورلفكرها يتماشى مع العصرويتفق معه.
7/12/2017



#محمود_شاهين (هاشتاغ)       Mahmoud_Shahin#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الكتابة دون رغبة فيها !
- ما هي الروح الإنسانية؟!
- فرح ودموع
- الانفجار العظيم لم يكن انفجاراً!
- ألوهة المسيح وفلسفة الألوهة
- نعم هناك ألوهة !!!
- هل كان القائم بالخلق مكتفيا بذاته ؟
- رواية سجالية جدا فلسفيا ودينيا وفكريا!
- الفلسفة المثالية حاولت تجريد مفهوم الخالق
- هل بدأ علماء الفيزياء يتفقون معي ؟
- ما جوهر الله ؟
- يها العالم القاتل متى تتخلص من الحروب؟
- الاعتقاد بوجود عقل طاقوي خالق مسألة لصالح البشرية .
- تجليات الخلق والخالق !
- تحولات الألوهة من الأنوثة إلى الذكورة (2)
- محمود شاهين يعين الدكتورة سلمى الجيوسي في قصتيه: نار البراءة ...
- العقل السليم في ما يتعلق بالمعتقدات !
- محمود شاهين وحزنه على فراق ميلينا في -رسائل حب إلى ميلينا -
- محمود أبو الجدايل يلتقي الله في قصة الخلق !
- ماهية الخالق والغاية من الخلق في رواية - قصة الحلق-


المزيد.....




- الآلاف يشيعون الشيخ القرضاوي إلى مثواه الأخير
- الفاتيكان: النزاع في أوكرانيا يقترب بالعالم من حرب نووية
- ماذا بقي من الدين في بريطانيا العلمانية؟ انتقال العرش يثير أ ...
- عون يسلم فرقة «مياس» وسام الاستحقاق اللبناني المذهب
- السيد الحوثي: الهجمة الغربية المعادية للإسلام تسعى للإساءة ل ...
- هذا ما تفعله قوات الاحتلال داخل المسجد الاقصى المبارك
- المساعد السياسي لوزارة خارجية حكومة طالبان في افغانستان يشيد ...
- قائد حركة أنصار الله في اليمن السيد عبد الملك الحوثي: الهجمة ...
- فصائل المقاومة على أهبة الاستعداد للقيام بواجبها لتلبية نداء ...
- الموت في قتال أوكرانيا يغسل كل الذنوب.. -فتوى- لزعيم الكنيسة ...


المزيد.....

- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الثالث - الأخطاء العلمية / كامل النجار
- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الثاني، منطق القرآن / كامل النجار
- جدل التنوير / هيثم مناع
- كتاب ألرائيلية محاولة للتزاوج بين ألدين وألعلم / كامل علي
- علي جمعة وفتواه التكفيرية / سيد القمني
- Afin de démanteler le récit et l’héritage islamiques / جدو جبريل
- مستقبل الدولة الدينية: هل في الإسلام دولة ونظام حكم؟ / سيد القمني
- هل غير المسلم ذو خلق بالضرورة / سيد القمني
- انتكاسة المسلمين إلى الوثنية: التشخيص قبل الإصلاح / سيد القمني
- لماذا كمسلم أؤيد الحرية والعلمانية والفنون / سامح عسكر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمود شاهين - أيوب لم يكن صابرا على بلواه!