أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نورالدين علاك الاسفي - المرجعيات الفلسفية في فكر بوتين















المزيد.....


المرجعيات الفلسفية في فكر بوتين


نورالدين علاك الاسفي

الحوار المتمدن-العدد: 7192 - 2022 / 3 / 16 - 09:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


إتيان دو فلويراك
Etienne de Floirac

ترجمة (1) و تقديم:
نورالدين علاك الأسفي.
[email protected]

عفوا باتريوشكا الهادئة الصبورة.. الشطرنج وغد نزق.

لما باتت فوهات المدافع الروسية مصوبة على أبواب أوربا. غدا ما كان مضمرا ليس منه بد. " أنا على استعداد للاعتراف بأننا ارتكبنا عددا من الأخطاء وأننا حرمنا روسيا الفرصة للتقرب من الغرب.. هناك أشياء اقترحناها ومن ثم لم نتمكن من تنفيذها.. "، هذا الكلام هو لمفوض السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، (2) قالها لا ليدفع حرجا مقيما، ولكن ليقر بعد فوات الأوان يقينا لن يرتفع، فروسيا و الصين في سعي حثيث لإعلان الاعتراف بالعالم كما هو، وليس اختلاق ما يمكن أو يجب أن يكون. وهذا إقرار بنهاية عصر الهيمنة الأحادية القطب. و أمريكا باتت مقتنعة؛ و هي تخوض حروبا مشينة بوعظ زائف يبيت تغيير الأنظمة المارقة.بأنها لوحدها ليست قوية كما تسوق.و بالنتيجة غير قادرة على صياغة العالم على صورتها الخاصة. لتنتهي مغردة لعلها تشنف أسماع الحلفاء "لا يمكن كسب حرب نووية ويجب عدم خوضها إطلاقا".
فروسيا بمناوراتها في أوكرانيا وفي جميع أنحاء المنطقة السوفيتية السابقة، سارعت إلى أجرأة العقيدة، التي كانت تتدارسها، لتتكشف الآن بشكل أكثر وضوحًا. فعلى غرار شخصية الرئيس بوتين، لم يكن في وسع أحد اختراقها بله التنبؤ بها، فهي معقدة و كلعبة ماتريوشكا الروسية تضم عدة طوابق. لكن المطلع على " الكرمليديولوجيا"، يدرك أن فكر فلاديمير بوتين تم تنظيمه على ثلاثة مستويات: عقيدة محافظة للاستخدام الداخلي، ونظرية "الطريقة الروسية" التي ورثها عشاق السلاف، وأخيراً، مشروع مستقبل أوراسيا. عقيدة ثلاثية الأبعاد تعد بقية العالم بمستقبل بات محط توق العالم للتحرر من قبضة القطب الوحيد الخانقة. فكيف تشكل هذا الزخم في روع بوتين و من والاه (3).

في خطاب تنصيبه، وعد رئيس الاتحاد الروسي "بالاحتفاظ بسيادة واستقلال روسيا". هذه الجملة تلخص، من نواحٍ عديدة، سياسة فلاديمير بوتين، وفلسفته بشكل عام. و بصفته رجلاً براغماتيًا، يرفض أن يضع نفسه على أنه يحمل عقيدة سياسية واحدة، لكنه يقترح توليفا أيديولوجيًا:الوطنية، الأرثوذكسية، الأوراسية؛ تتوزع كلماته الرئيسية.
في 25 آذار (مارس) 2017، صحيفة لومند / Le Monde؛ نشرت تحت عنوان: البوتينية، الشبح الذي يطارد أوروبا. »فلاديمير بوتين يتابع سياسته المتمثلة في زعزعة استقرار النظام القاري الذي كفل السلام في أوروبا الغربية منذ عام 1945 «. نظام استبدادي للغاية يغتال خصومه؛ انتهك القواعد الدولية بضم القرم؛ دعم نظام بشار الأسد السوري، الذي غذت جرائمه الإرهاب الجهادي أكثر مما حاربته. و التراجع العرقي والديني عن المسيحية البيضاء، من شأنه أن يجسد أوروبا الحقيقية في مواجهة الغرب المنحل، فضلا عن "الانكماش القومي". تلكم أحكام تروج لها وسائل الإعلام لوسم فلاديمير بوتين وروسيا.
وُلِد فلاديمير بوتين عام 1952 في لينينغراد، مدينة بطرس الأكبر وقلب روسيا القيصرية، كان عميلًا للكي جي بي ـ KGB، وموظفًا مدنيًا مع أناتولي سوبتشاك، العمدة الليبرالي لسانت بطرسبرغ، ورئيس الوزراء في عام 1999، والرئيس بالنيابة بعد رحيل بوريس يلتسين وأخيرًا، الرئيس في مارس 2000. ظهر فلاديمير بوتين، وفقًا لتصريحات إعلامية وسياسية، كعدو للغرب وكرئيس دولة ذات ميول استبدادية، فمن المهم أن نفهم أنه أولا و قبل كل شيء روسي و وطني. وسم بتاريخ بلاده وبهؤلاء الأبطال الذين سلطوا الضوء على ماضيه، فقد عانى من الشمولية السوفيتية، وسقوط الجدار، وفوضى التسعينيات، واليوم، المواجهة في العديد من الجوانب مع الغرب. لا شك أن التاريخ سيتذكر أن فترة ولايته كانت فترة انتقالية، والانتقال من الشمولية إلى الديمقراطية، على الأقل إلى نظام يشبهها، وعودة روسيا إلى مجموعة الأمم. منذ إعادة انتخابه في عام 2012، أكد بثقة وأقر الفلسفة التي توجه عمله السياسي.
يبدو أن تفكير فلاديمير بوتين الفيلوسياسي يتأسس على ثلاث ركائز: الوطنية و الأرثوذكسية و الأوراسية. هذه الثلاثية تجمع بين التاريخ والجغرافيا، الدنيوية والروحية، والاقتصادية والاجتماعية. في هذه المجالات المختلفة، فإن ما ستحتفظ به الذاكرة الجماعية هو أن البوتينية وضعت روسيا بحدة على مسار تاريخها الطبيعي. و هو المكان الذي تكمن فيه المفارقة. فالبوتينية و هي تبدو أنها أحدثت قطيعة مع الماضي القريب لروسيا، فإنها أعادت شعباً بأكمله إلى أرضه الأصلية، وهو عنصر سنقوم بتوضيحه في هذا المقال.
في يناير 2014، وزع فلاديمير بوتين ثلاثة كتب على كبار الموظفين: كتاب " حول اللامساواة "/ L’inégalité لنيكولاس بيردييف . Nicolas Berdiaev (1874-1948). . هو فيلسوف فرنسي روسي أسس تفكيره على المسيحية وعلى فكرة الحرية، الضرورية، حسب رأيه، للشخص. و كتاب تبرير الخير / ), La justification du bien لفلاديمير سولوفييف Vladimir Soloviev (1853-1900) . فيلسوف روسي, مناهض للثورة ويرغب في ربط الراهن بالروحانية من أجل أداء أفضل لحياة المدينة. و كتاب مهامنا / Nos missions لإيفان إيلينIvan Iline (1883-1954)، الفيلسوف الروسي المغترب عام 1922. أثرت فلسفته السلافية الأرثوذكسية المناهضة للشيوعية على فلسفة فلاديمير بوتين. هذه الأعمال مجتمعة تميّز فكر الرئيس وتشرح سياسته من نواحٍ عدة.
و كما لو كانت لتحديث الماضي المجيد، فإن البوتينية تعيد التأكيد على الثلاثية التي دعا إليها الكونت أوفاروف/le comte Ouvarov، وزير التعليم في عهد نيكولاس الأول: "أوتوقراطية، أرثوذكسية، حياة وطنية (نارودنوست)". هكذا يصف أوفاروف أسس النظام القيصري، في معارضة جذرية لشعار الثورة الفرنسية، "الحرية، المساواة، الأخوة".

حب أرض الآباء وسيلة لتوحيد الناس حول رئيسها.

الوطنية والوحدة: مصطلحان متكاملان في روسيا. حول هذه النقطة، يبدو أن البوتينية تقوم على فكر إيلين/ Iline الذي يطرح مفاهيم مثل الوحدة والسلطة والحرية. و فلسفته تعزز ، أولاً وقبل كل شيء، وحدة الجسم الاجتماعي الذي يجب أن يكون من عمل رئيس الدولة، كما دعا أفلاطون بالفعل في كتابه السياسة. كما يتضح من كلمات حزب الأغلبية "روسيا الموحدة" وشعبية الرئيس، يظل هذا المبدأ محوريًا في العقيدة السياسية التي عبر عنها الكرملين. فمن خلال حب الوطن يجب أن يوحد المواطنين من حوله، مثل عقد اجتماعي يُلزم الشعب بممثله الأعلى. كما يتضح من التعليم الذي دعا إليه الكرملين مع Iounarmia أو Nachis أو فيلق المتدربين، وكذلك الأحداث العامة مثل "موكب فوج الخالدين"، إن هذه الأنثروبولوجيا الروسية الوطنية تولى فلاديمير بوتين نفسه طرحها.
و بصفته وريث الاتحاد السوفيتي ومثل يوري أندروبوفIouri Andropov ، الذي غالبًا ما يُقارن ببوتين، يُظهر الرئيس ارتباطه بـ "أرض الآباء" التي، كما قال إيلين: "روسيا بحاجة إلى دكتاتورية حازمة، مواطنة ومستوحاة من الفكرة الليبرالية. و "زعيمه ". يجب أن يسترشد بفكرة الكل وليس بدوافع خاصة أو شخصية أو حزبية. [...] يضرب العدو بدلاً من إضاعة الوقت، يقود الشعب بدلاً من أن يكون رهينا للأجانب." توضح هذه العبارات العديد من جوانب البوتينية: حب أرض الآباء والسلطة والصالح العام. ثلاثة عناصر متأصلة في سياسة فلاديمير بوتين.
يضيف Iline أن "القائد يخدم بدل أن تستغرقه وظيفة، يقاتل بدل أن تستهلكه الشكليات، يضرب العدو بدلاً من التلفظ بكلمات فارغة، يقود بدلاً من بيع نفسه للأجانب" كتاب مهماتنا، فصل: "الدليل الوطني و قادة الحزب ".
سوركوف، المقرب من رئيس الدولة، تبنى هذه الأطروحة من خلال تطوير المفهوم الروسي الفريد "للديمقراطية السيادية" كنتيجة طبيعية لـ "القوة الرأسية". هذه الفكرة مرتبطة أيضًا، كما سنرى، بعقيدة الأوراسية التي تعتبر أن لروسيا خصوصية سياسية واقتصادية واجتماعية خاصة بها. إن الحاجة إلى قوة ضاربة وفريدة في مواجهة الديمقراطية الليبرالية "على النمط الغربي" هي النظام الوحيد الذي يمكن أن يسمح بالصالح العام في روسيا، لأنه، كما ذكرت كاثرين الثانية زمن حكمها، "لا يمكن لدولة بهذا الحجم أن تكون محكومة بأي طريقة غير سلطوية ". و ارتباطًا بمفهوم السلطة هذا، وكما أوضح سولوفييف، فإن فكرة التسلسل الهرمي متأصلة في الأداء السليم للمدينة. وهو مرغوب فيه من خلال الفطرة السليمة والنظام الطبيعي للأشياء، فهو يسمح بسلاسة تسيير السياسة، ويمتد كتنظيم لحياة المدينة، وتنفيذ المشاريع والتصاميم للمستقبل: أي ترجمة السياسة الروسية لمدة عشرين عامًا ...
مثال جديد على إبراز الوطنية: الجيش. تتيح هذه المؤسسة نقل قيم الارتباط الروحي تقريبًا إلى أرض الأجداد والميل إلى الانضباط والطاعة. مرة أخرى، يبدو أن إيلين يلهم هذا المثل الأعلى، عندما يؤكد أن "الجندي يمثل الوحدة الوطنية للشعب، وإرادة الدولة الروسية، والقوة والشرف".
يقترح إيلين في الواقع برنامجًا سياسيًا حقيقيًا؛ يبدو أن فلاديمير بوتين يدركه أكثر من أي برنامج آخر منذ إعادة انتخابه في عام 2012. بالاجمال، تلخص فلسفته؛ وتصور فلاديمير بوتين على أنه الابن الروحي للفيلسوف: "نحن نعلم ما هي المهمة الرئيسية للإنقاذ الوطني الروسي وإعادة الإعمار: الصعود إلى قمة الأفضل - الرجال المخلصون لروسيا، والشعور بأمتهم، والتفكير في دولتهم، والإرادة، والإبداع، وعدم تقديم الشعب للانتقام والانحدار، بل روح التحرر والعدالة والوحدة بين جميع الطبقات. إذا كان اختيار هؤلاء الرجال الروس الجدد ناجحًا وتم تحقيقه بسرعة، فستنهض روسيا مرة أخرى وتولد من جديد في غضون بضع سنوات. إذا لم يكن الأمر كذلك، فسوف تسقط روسيا من الفوضى الثورية إلى فترة طويلة من الإحباط والتراجع والاعتماد على الخارج بعد الثورة. " عن كتاب مهامنا ، فصل "المهمة الرئيسية لمستقبل روسيا".

الأرثوذكسية: وسيلة لتأكيد المحافظة ومعارضة الغرب.

سمح سقوط الاتحاد السوفيتي بإحياء ديني حقيقي يضع اليوم البطريرك في أقرب مكان ممكن من السلطة السياسية. يُفهم بشكل رئيسي على أنه حارس و حامي القيم الروحية و السياسية الأصيلة و وسيلة لإحياء الأرثوذكسية في روسيا. هذا هو المكان الذي يشغله بيردييف لأنه يدعو إلى المحافظة باعتبارها "حركة إلى الأمام"في كتابه "فلسفة اللامساواة." و استنادًا إلى رؤية مجيدة ومحترمة للتاريخ، فإن البوتينية مرتبطة بالماضي وتستخدمه لفهم الحاضر بشكل أفضل. يطرح الفيلسوف بيردييف أيضًا مفهوم الحرية، وهي قيمة مسيحية بامتياز، ويهاجم المساواة وجهاً لوجه، أي أيديولوجية اشتراكية إذا كانت موجودة وتتعارض مع النظام الكوني للأشياء التي تريد أن تكون غير متكافئة بطبيعتها. يكتب إن "الثقافة الغربية هي ثقافة تقدم. من ناحية أخرى، فإن الشعب الروسي هو شعب النهاية". من كتاب" الفكرة الروسية. المشاكل الأساسية للفكر الروسي في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين (1946)، نيكولاس بيردييف. أيا كان ما يقوله المرء وضد تيار أي شكل من أشكال الإمبريالية، فإن البوتينية تريد أن تكون مصمّمة وتستند إلى مجموعة من القيم ذات النبر الديني و المحافظ.
في هذه المسألة.يقدم سولوفييف نفسه على أنه المصدر الثاني للبوتينية؛ إنه يهاجم النفعية التي تقوم فقط على تراكم الخيرات المادية والملذات، و يشهد على أن الخير يجب أن يقوم على الشرف والإحسان والتقوى. حرية الإنسان، مفهومة هنا بمعناها المسيحي، هي "المبدأ الأساسي والمركزي في الشخص". تناول سولوفييف هنا إيلين الذي يؤكد: "كل من يحب روسيا يجب أن يتمنى حريتها، وقبل كل شيء الحرية لروسيا نفسها، من أجل استقلالها و استقلالها الدولي، الحرية لروسيا كوحدة للروس ولجميع الثقافات القومية الأخرى. وأخيرًا الحرية للروس، الحرية لنا جميعًا، حرية العقيدة، البحث عن الحقيقة، الإبداع، العمل والملكية" من كتاب مهامانا.
في روسيا، يُنظر إلى الحرية على أنها وسيلة لتوجيه الذات نحو الصالح، ورفض، دون قيود، ما يعارضها، وبشكل عملي أكثر، لإبعاد روسيا عن أي شكل من أشكال النفوذ الأجنبي.
و كما أكد سولوفييف، واليوم، فلاديمير بوتين، إن الثورة خلقت رجالًا خاضعين فقط، وبالتالي أدت إلى العدم. كما الحال مع الغرب الذي هو ابن لتلك الأنوار التي يغالطها. كما تظهر بعض خطابات الرئيس، الخير والشر، الحقيقة والأكاذيب. المحافظة، التي "تربط المستقبل بالماضي" . كتاب"فلسفة اللامساواة". حيث تُفهم، على عكس الروح الثورية لـمسح الطاولة/ tabula rasa ، كوسيلة للحفاظ على التقاليد و نقل المهارات والمعارف والعادات غير العقلانية عبر التاريخ والتي تشكل الحضارات. على حد تعبير فلاديمير بوتين (مجلس الاتحاد، 12 ديسمبر 2013): "اليوم، في العديد من البلدان، تتم إعادة النظر في معايير الأخلاق والأعراف، ويتم محو التقاليد الوطنية، وكذلك التمييز بين الأمم والثقافات. لم يعد المجتمع يطالب بالاعتراف المباشر بحق كل فرد في حرية الوعي والآراء السياسية والخصوصية، بل يتطلب الاعتراف الإجباري بالتكافؤ، مهما بدا غريباً، بين الخير والشر اللذين يتعارضان في جوهرهما ".
كما يستدعي رئيس الكرملين أيضًا كونستانتين ليونتيف / (1831-1891) Konstantin Leontiev . فيلسوف روسي يركز بحثه على "الأسيوية" التي تجعل من روسيا حضارة في حد ذاتها، وإلى حد ما، حصنًا ضد الغرب الذي يعتبر منحطًا. و مثل كارل شميدت/ Carl Schmidt في ألمانيا، يدعو إلى "ثورة محافظة". و كناقد للديمقراطية والليبرالية والمساواة والعلمنة، يروج ليونتيف لروسيا؛ و التي من خلال العودة إلى القيم التي بنتها، هي لا تزال روسية بشكل صحيح. ولذلك فهو يطور فكرة دولة منيعة على جميع أشكال التأثير الخارجي.
تبنى فلاديمير بوتين هذه الاعتبارات في مناسبات عديدة، مذكراً أن العقيدة الروسية المحافظة تجعل من الممكن احتواء الفكر الغربي. في النهاية، يقدم فلسفة جديدة لا تلبي بالضرورة معايير العالم الليبرالي الجديد المعولم؛ الذي تم توحيده تحت وصاية أيديولوجية أطلسية مميتة. إذا أردنا أن نصدق الأقارب الأكثر تطرفاً لرئيس الدولة. و كمحافظ مناهض لليبرالية، يؤكد ليونتييف أن "الحرية والمساواة والازدهار مقبولة كعقائد، تعتبر عقلانية وعلمية. لكن من يخبرنا أنها حقائق؟".
ومن وجهة نظر الأخلاق أيضًا، زاد فلاديمير بوتين في المسافة التي تفصلها عن جيرانها الأوروبيين. فبتاريخ 19 سبتمبر 2013 ، و في اجتماع Valdai Club المنتدى الدولي السنوي، الذي تم إنشاؤه في عام 2004، بهدف جمع الخبراء لمناقشة روسيا ودورها في العالم . ادعى أيضًا أن "الدول الأوروبية الأطلسية (...) ترفض المبادئ الأخلاقية والهوية التقليدية: القومية أو الثقافية أو الدينية أو حتى الجنسية". نحن نتبع سياسة تضع على نفس المستوى أسرة بها العديد من الأطفال وشراكة من نفس الجنس، الإيمان بالله والإيمان بالشيطان. إن تجاوزات الصواب السياسي تؤدي إلى التفكير الجاد في تفويض حزب له دعاية الاستغلال الجنسي للأطفال كهدف له.. في العديد من البلدان الأوروبية يشعر الناس بالخجل والخوف من التحدث عن انتمائهم الديني ". بادعاء روسيا محافظة وتقليدية، تحتفي البوتينية بنفسها كقلعة محاصرة أو آخر معقل ضد "الانحطاط" الغربي.
و في مواجهة الغربيين الفردانيين، تنضم البوتينية هنا وأخيرًا لفلسفة فلاديمير ياكونين/ Vladimir Iakounine ، المولود عام 1948، كان رئيسًا لشركة السكك الحديدية الروسية؛ يترأس اليوم مجلس إدارة معهد الأبحاث "حوار الحضارات في برلين" ومؤسسة القديس أندرو؛ الأولى من نوعها في موسكو. وهو أيضًا عميد قسم السياسة العامة في كلية العلوم السياسية بجامعة موسكو الحكومية. يهدف إلى توحيد العصر بالروحانيات من أجل تعزيز سياسة مسيحية. و دون السعي لبناء شكل من أشكال الكهنوت في قلب السلطة، يقترح نهضة أخلاقية ودينية في روسيا. قيصرية من جانب فلاديمير بوتين الذي قد يستخدم الكنيسة لغايات سياسية. التحالف الحقيقي بين العرش والمذبح من أجل إحياء روسيا المقدسة.

أوراسيا: بين عودة روسيا إلى الساحة الدولية وصحوة الأطماع الإمبريالية

في كتابه "روسيا وأوروبا" (1871)، نيكولاي دانيلفسكي Nikolaï Danilevski (1822-1885) . فيلسوف ينتصر للسلافية بامتياز، يؤكد أن التاريخ هو سلسلة من الحضارات المتميزة. و يعلن على أن "النضال ضد الغرب هو الوسيلة المفيدة الوحيدة لشفاء ثقافتنا الروسية" . في هذا الصراع الأيديولوجي بين المعسكر الأطلسي وروسيا، يتم طرح الأوراسية والسلافية لبناء مساحة للمقاومة ضد جميع أشكال الهيمنة الغربية.
و خلف أليكسيس خومياكوف/ Alexis Khomiakov وإيفان كيريزيفسكي/ Ivan Kireïevski يأتي نيكولاي دانيلفسكي/ Nikolai Danilesvski ، الذي أكد أن السلاف يشكلون "شعبًا فريدًا" له "رموز ثقافية" خاصة به. دعاها فلاديمير بوتين "بالأوراسية"، وهي ترجمة جيوسياسية للسلافوية. يتوافق هذان المفهومان مع مفهوم توحيد وتجميع السلاف، الذي يهدف إلى إعادة التجمع في فضاء اقتصادي أو سياسي مشترك، من خلال أوجه التشابه الثقافية والدينية واللغوية والتاريخية.
في خطاب ألقاه عام 2013، أكد رئيس الدولة أن "روسيا، كما قال الفيلسوف قسطنطين ليونتيف/ Constantin Leontiev بشكل لافت للنظر، تطورت دائمًا باعتبارها تعقيدًا مزدهرًا، كحضارة دولة قائمة على الشعب، واللغة، والثقافة، و الكنيسة الأرثوذكسية والديانات التقليدية الأخرى في روسيا ". الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، الذي تم إنشاؤه في عام 2015؛ و يمتد الآن إلى صربيا، هو تجسيد لذلك.
ألكسندر دوغوين/ Alexandre Douguine ولدفي عام 1962، سياسي روسي، مؤثر في الكرملين ويدافع، بالإضافة إلى الأوراسية، عن القومية والتقارب بين المجالات السياسية والدينية. و على مقربة من الرئيس. يتبنى هذه الفكرة من خلال تشجيع إنشاء قارة بين أوروبا وآسيا، جسر بين الغرب والشرق، وهو عنصر يأخذ بأقوال بيردييف: "روسيا في وسط الغرب و الشرق؛ توحد عالمين. كما أكد رئيس الدولة خلال مجلس الثقافة والفن في 25 نوفمبر 2003، إن "روسيا، كدولة أوروبية آسيوية، هي مثال فريد حيث أصبح حوار الثقافات والحضارات تقليدًا عمليًا في حياة الدولة و للمجتمع". لذلك تريد البوتينية أن تكون على رأس مساحة جديدة من شأنها موازنة الثقافة الغربية، ولكن أيضًا وقبل كل شيء، من شأنها أن تجمع بين الشعوب التي من المفترض أن تعيش في وئام. يعتمد جزء كبير من استراتيجية روسيا في أوكرانيا على هذه الفكرة.
فلسفة جوميليوف/ .Lev Gumilev (1912-1992) هو عالم إثنولوجي و مؤرخ روسي. مواقفه القريبة من الأوراسية تمنحه مكانًا للاختيار في الفلسفة التي دافع عنها فلاديمير بوتين. "بسبب مناخهم القاسي، ومزاجهم الذي يمنحهم خصوصية ثقافية فريدة، وفي الواقع، طريقتهم الخاصة في التطور. بناءً على هذا الاعتبار الأخير، ترتكز البوتينية، التي تقف على الخط الفاصل بين الليبرالية والسلطوية (إذا كان أحد المصطلحين يستبعد الآخر بالضرورة). لذلك سيكون النظام السياسي الروسي محددًا وفريدًا، وبالتالي لا يمكن تحديده. بالنسبة لأنصار الليبرالية، سيكون شكلاً ضارًا في الحكم.
تريد أوراسيا أن تكون، بالنسبة لموسكو، مثل "خارجها القريب"، منطقة ذات مصالح متميزة، حيث يتم معارضة أي تدخل أجنبي. لذلك كانت روسيا تخشى دائمًا تفكك الدولة و زعزعة استقرار حدودها. ومن هذا المنطلق، يسعى فلاديمير بوتين جاهدًا للحفاظ على وحدة بلاده والمساحة التي تحيط بها، والتي يكافح الغرب لفهمها. لا تزال "الحرب الإنسانية" في كوسوفو عام 1999، والتي كان الروس ساخطين عليها من خلال ترديد هتاف "بلغراد اليوم، موسكو غدًا" بمثابة التوضيح الأكثر رمزية لهذه الحالة الذهنية التي تتلخص في هذه الجملة: اتحاد السلاف في مواجهة الأطلسي. تم تأكيد هذه العقيدة الجيوسياسية أيضًا في خطاب ميونيخ عام 2007 حيث يتحدى فلاديمير بوتين "أحادية القطب في العالم" والهيمنة الأمريكية.
فلاديسلاف سوركوف/ Vladislav Sourkov هو رجل أعمال روسي، ولد في عام 1964، مؤسس مشارك لحزب روسيا المتحدة، ونائب رئيس سابق وصديق مقرب لفلاديمير بوتين. نشرأيضًا في فبراير 2019، كتاب "ولاية بوتين الطويلة" في صحيفة Nezavisimaya Gazeta. روسيا في طريقها لأن تصبح قوة عظمى ويجب أن "تجمع الأراضي الروسية"، وهي جملة تتبنى العقيدة الأوراسية.
بوريس أوسبنسكي/ Boris Ouspenski مفكر آخر، ولد عام 1937؛ عالم فقه لغوي روسي و باحث في الأساطير.يكتب أنه "وفقا لتعبير بوشكين التصويري، اخترق بيتر (العظيم) نافذة على أوروبا. استمرارًا في هذه الصورة، أود أن أقول إنه من أجل اختراق النافذة، كان على بيتر تشييد جدار يفصل بين روسيا وأوروبا. إذا كانت النافذة تمثل هذه الرغبة في بناء أوروبا من لشبونة إلى فلاديفوستوك كما ادعى فلاديمير بوتين في فجر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، فإن القصد من الجدار هو أن يكون وسيلة لحماية الفضاء السلافي. هذه هي المجموعة التي تدعيها البوتينية؛ و تميز السياسة الخارجية الروسية على كافة الصعد.

خاتمة

في النهاية، يعتزم فلاديمير بوتين، أكثر من أي شخص آخر، أن يطبق حكم بيوتر ستوليبين/ Piotr Stolypine ، رئيس وزراء الأخير في عهد نيكولاس الثاني، حيث قال "هم يريدون الاضطرابات الكبرى، و نحن نريد روسيا عظيمة". لا تزال البوتينية غير مفهومة من نواحٍ عدة، ومع ذلك تظل مفهومة عبر بعض تجسيداتها. من خلال التأكيد على أن "الليبرالية فكرة عفا عليها الزمن"، يدافع فلاديمير بوتين عن فلسفة روسية على وجه التحديد تتعارض مع جميع أشكال الفرضيات الغربية على وجه التحديد.
من خلال الوطنية والعقيدة و الأوراسية، تبدو موسكو مصممة على استعادة تصنيفها كـ "روما الثالثة". بعد فيودور دوستويفسكي/ Fiodor Dostoïevski الذي تحدث ضد الانحطاط الحديث في روايتيه الشياطين و الإخوة كارامازوف ، تعتزم البوتينية أن تصبح مقدمة لفلسفة محافظة جديدة. ولكن وراء ألكسندر سولجينتسين/ Alexandre Soljenitsyne بشكل خاص وتراجع الشجاعة الذي تم التعبير عنه خلال خطاب هارفارد في عام 1978، يريد فلاديمير بوتين أن يكون مناهضًا للاستبداد من خلال رفض أي شكل من أشكال الأيديولوجية التي من شأنها أن تفسر الواقع وفقًا للأفكار المسبقة. و الحال، تعتبر البوتينية براغماتية، لكنها مصممة قبل كل شيء على إعادة روسيا إلى أرضها التاريخية والثقافية الأصلية.
في الحبة التي سقطت بين أحجار الرحى، يلخص سولجينتسين ما تعارضه البوتينية: مجتمع غربي حيث "تم تحويل مفهوم الحرية نحو العواطف الجامحة ، وبالتالي إلى جانب قوى الشر. لقد تم وضع حقوق الإنسان في مرتبة عالية لدرجة أنها تسحق حقوق المجتمع وتدمرها. و الأيديولوجية السائدة التي تضع فوق كل شيء تراكم السلع المادية ، و الكثير من الراحة الثمينة، تؤدي في الغرب إلى تليين الشخصية الإنسانية، و إلى انخفاض هائل في الشجاعة و إرادة الدفاع عن نفسها ".
هل نتجه نحو عقيدة رسمية للدولة في روسيا؟ بمعنى ما، و بالنظر إلى شعبية الرئيس، أصبحت البوتينية، في الواقع الفلسفة الجديدة في روسيا. لكن لا يوجد في الواقع "إجماع مدني قسري" فبالرغم من أن بعض وسائل الإعلام تنتقد السياسة الروسية التي ستستند إلى الدعاية والقمع، والتي هي، علاوة على ذلك، تناصر الشمولية التي يرفضها فلاديمير بوتين بلا منازع. إن البوتينية، التي ترسخ إجراءها على مدى طويل و تستفيد كشكل من رسالة إلهية، ستظل بلا شك مرتبطة بحارسها الحالي، ولكنها ستبقى بالتأكيد كعقيدة، تم وضعها في تربة فلسفية تقليدية وتحولت بحزم نحو الصالح العام، لتشارك في عودة روسيا الجديدة.
------------------
(1) في البال: الترجمة رهن بغرض الإحاطة علما؛ لا بنية تبني فحوى المقال. المترجم.
(2) من لقاء صحفي على قناة F1 الفرنسية. 11 مارس 2022.
(3) نص المقال في لغته الأصلية على الرابط:
https://www.revueconflits.com/vladimir-poutine-philosophie-russie-etienne-de-floirac/



#نورالدين_علاك_الاسفي (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب التونسي د. هشام القروي حول تعدد الاحزاب والديمقراطية في تونس والعالم العربي بشكل عام
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -اللون الأحمر في مربع روبيك- رواية الكاتب المغربي حميد الببك ...
- نورالدين الأسفي.. تعدد البوح و الحرف واحد.
- الحرية التي يريدون!!؟؟
- ثورة النانو
- الثورة العربية بين تخوف و انبهار و الحاجة إليها
- السياسة تعيش بفقر الدم
- كازانيكرا.. الجسد المشروخ في الزمن الهارب


المزيد.....




- لواء سابق بالجيش المصري: شارون كشف عن سبب غير مجرى حرب أكتوب ...
- الكرملين يعلق على تصريح البنتاغون بشأن إمكانية استهداف القرم ...
- فون دير لاين تتهم بوتين مجددا بـ -استخدام الطاقة كسلاح-.. وب ...
- ما علاقة مصابيح -الليد- البيضاء بالنوم الهانئ؟
- جائزة نوبل في الكيمياء تُمنح لرواد تطوير الكيمياء النقرية
- قتلى جراء قصف أوكراني لفندق وسط خيرسون بصواريخ -هيمارس- الأم ...
- قصر الحمراء في غرناطة يتحول إلى اللون الأرجواني والعلماء يكت ...
- هل يدخل -الجن- جسد الإنسان؟.. جدل بين راق وباحث سعوديين يشعل ...
- البرلمان العربي يؤكد دعم القضية الفلسطينية
- شاهد.. تحطم صاروخ كوري جنوبي بعد إطلاقه أثناء مناورات عسكرية ...


المزيد.....

- مسرحية إشاعة / السيد حافظ
- الميراث - مسرحية تجريبية - / السيد حافظ
- غرض الفلسفة السياسية المعاصرة بين الاستئناف والتوضيح / زهير الخويلدي
- العدد 56 من «كراسات ملف»: الاستيطان في قرارات مجلس الأمن / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- هيثم مناع: عميد المدرسة النقدية في حقوق الإنسان / ماجد حبو، مرام داؤد، هدى المصري، أسامة الرفاعي، صالح النبواني
- اسرائيل والتطبيع مع الدول العربية-المسار واّليات المواجهة 19 ... / سعيد جميل تمراز
- كتاب جداول ثقافية: فانتازيا الحقائق البديلة / أحمد جرادات
- غرامشي والسياسي، من الدولة كحدث ميتافيزيقي إلى الهيمنة باعتب ... / زهير الخويلدي
- خاتمة كتاب الحركة العمالية في لبنان / ليا بو خاطر
- على مفترق التحولات الكبرى / فهد سليمان


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نورالدين علاك الاسفي - المرجعيات الفلسفية في فكر بوتين