أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الطاهر المعز - دروس وعِبَر من أمريكا الجنوبية















المزيد.....



دروس وعِبَر من أمريكا الجنوبية


الطاهر المعز

الحوار المتمدن-العدد: 7174 - 2022 / 2 / 26 - 21:22
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


موقع الفلاحين في نضالات أمريكا الجنوبية:

يندرج اهتمامي بالوضع في أمريكا الجنوبية، منذ سنوات عديدة، ضمن قناعاتي الأُمَمِيّة، وكذلك لتشابه وضعها كمنطقة أو إقليم، مع الوضع في الوطن العربي، وذلك بهدف استخلاص العِبَر، ودراسة ما يُمْكن أن يُساعدنا على تحفيز ودفع النّضال الوطني (المُناهض للهيمنة الإمبريالية) والطّبقي، مع انتقاء وملاءمة (تعديل) ما يمكن أن يتماشى مع بيئتنا التاريخية والثقافية...

1 مكانة أمريكا الجنوبية في حقبة النيوليبرالية
كان الإنتصار الإنتخابي ل"هوغو شافيز" كممثل لأحد اتجاهات اليسار بأمريكا الجنوبية، سنة 1998، إشارة انطلاق لنهاية فترة الدكتاتوريات التي سادت خلال عقود بوَسَط وجنوب القارة الأمريكية، حيث لعبت حركة احتجاجات صغار الفلاحين والفلاحين المحرومين من الأرض، ومجموعات السّكّان الأصليين، دورًا في إنهاك الأنظمة الدّكتاتورية، ممثلة مصالح الإمبريالية الأمريكية، التي نَفَّذَت استراتيجيات الشركات العابرة للقارات، من خلال الإذعان لِشُرُوط صندوق النقد الدّولي والبنك العالمي، ومنظمة التجارة العالمية، وتطويع قطاع الفلاحة ليُلَبِّيَ متطلبات الاقتصاد المعولم، ما أدّى إلى استيلاء الشركات العابرة للقارات على الأراضي لاستغلالها في الزراعة الأحادية، المعَدَّة للتصدير، وإلى تهميش الفقراء، وصغار الفلاحين، والمجتمعات الأصلية المهمشة، والعاملين الزراعيين، وما هَدّد الموارد الطبيعية والبُذُور المحلّيّة والزراعات التقليدية، ومستقبل النظم الغذائية والتوازنات البيئية...
عمّت المظاهرات بلدانًا ومُدُنًا عديدة بأمريكا الجنوبية، طيلة سنتَيْ 2020 و 2021، ضدّ فساد الحكومات الدّكتاتورية التي تدعمها الإمبريالية الأمريكية وصندوق النقد الدّولي، ويُوجِزُ الجزء الأول من هذا المقال الوضع العام في عدد من بلدان أمريكا الجنوبية، وبَسْطة تاريخية عن تطور الحركة التّحرّرية ضد الإستعمار، كما ضد الإستعمار الجديد (الإستعمار الإقتصادي) ويركز الجزء الثاني على بوليفيا، كنموذج لعدد من التجارب في بلدان أمريكا الجنوبية، منذ منتصف القرن العشرين، وتجربة الإصلاح الزراعي، لكن نستعرض قبل ذلك، وبإيجاز بعض مظاهر موجة الإحتجاجات الشعبية التي ساعدت على عودة اليسار، على تنوعاته وضبابيته، في أمريكا الجنوبية.
في كوستا ريكا، رفضت الفئات المتوسطة والفقيرة خطة حكومة الإئتلاف النيوليبرالي، برئاسة "كارلوس ألفرادو" لتطبيق شروط صندوق النقد الدولي، من زيادة الضرائب وخصخصة الأُصُول المملوكة للدولة وخفض الإنفاق على الخدمات العامة، مقابل قرض بقيمة 1,75 مليار دولارا، لمجابهة الكساد الذي رافق انتشار وباء "كوفيد -19"، وشن المواطنون إضرابًا عامًا استمر عدة أسابيع وشل البلاد، وتظاهرت جموع غفيرة في الشوارع، وأغلقت الطرقات الرئيسية بالبلاد، وصمدت ضد القمع، واضطرت الحكومة إلى وقف المفاوضات مع صندوق النقد الدولي...
في كولومبيا، القاعدة المتقدّمة للإمبريالية الأمريكية وللكيان الصهيوني، واجهت نقابات الأُجَراء، ثم مجموعات الطّلاّب وبقية الفئات، منها فُقراء الأرياف، ونفّذت عددًا من الإضرابات، في مواجهة خطط الرئيس اليميني "إيفان دوكي"، وضد الدّكتاتورية والفساد، والقمع (الإغتيال والإعتقال العشوائي)، واستهداف زعماء السكان الأصليين.
في تشيلي، بدأت حركة الإحتجاجات الواسعة، منذ تشرين الأول/اكتوبر 2019، ضد سياسات الرئيس اليميني الثّرِي "سيباستيان بينيرا"، المُعْجَب بالجنرال "أوغوستو بينوشيه"، وبدستور 1980، المَوْرُوث عنها، والذي لم يجرأ تيار الديمقراطية الإجتماعية على تغييره، وانطلقت الشرارة بالإحتجاج على زيادة أسعار العديد من السلع والخدمات، ومنها خدمات النقل في العاصمة "سنتياغو"، ثم توسعت للمطالبة بتغيير الدستور الذي يعود إلى حقبة الحكم العسكري الإنقلابي، ونَشَرت الحكومة الجيش في البلاد، لقمع المتظاهرين، ما جعل المواطنين يُضاعفون من احتجاجاتهم، ضد انتشار الجيش، وأدّت الإحتجاجات إلى تنظيم استفتاء لتغيير الدّستور، وإلى هزيمة التيار اليميني، خلال الإنتخابات العامة...
في بيرو، بعد عُقُود من هيمنة اليمين المتطرف بقيادة "ألبرتو فوجيموري" وأتباعه، أصبح "بيدرو كاستيلو" رئيسًا، وهو نقابي ومُدَرِّسٌ في منطقة ريفية، وكان من قادة إضراب المُدَرِّسِين سنة 2017، الذي دام قرابة ثلاثة أشهر، من أجل الزيادة في الرواتب وتحسين ظروف التّعليم والمُعَلِّمِين، وترشّح للإنتخابات الرئاسية التي فاز بها، تحت راية حزب "بيرو الحُرّ"، الذي يُعرف نفسه اشتراكيا، يستلهم مواقفه وبرامجه من المفكر البيروفي الاشتراكي "خوسيه كارلوس مارياتغي" (1894-1930)، ويتضمن برنامجه انتخاب جمعية تأسيسية، ودعم صغار ومتوسطي المزارعين، والسيطرة على الموارد الطبيعية للبلاد، واستخدامها لتحسين حياة المواطنين، مع التزام الدّولة بتقديم الخدمات العامة الأساسية، وفاز "بيدرو ساستيلو" بفضل دعم سُكّان الأرياف، وبدرجة أقل، دعم الطبقة العاملة في المناطق الحضرية، وتبنّى خطابه، خلال الحملة الإنتخابية، التطلعات الشعبية الحقيقية، وأعلن صراحَةً دَعْم الحكومات التقدّمية في فنزويلا ونيكاراغوا وكوبا...
في بوليفيا التي سوف يرَكِّزُ عليها الجزء الثاني من المقال، ، نفذت الولايات المتحدة "انقلابا دستوريا" (مُشابها لما حدث في البرازيل وفي فنزويلا ) ضد الرئيس التقدّمي "إيفو موراليس"، بنهاية سنة 2019، قبل أن تعود "الحركة الشعبية الإشتراكية" (ماس) إلى الحكم، إثر انتخابات عامة، بعد سنة واحدة، من حكم "جانين أنيز"، الناطقة باسم الفئات الأكثر يمينية وتبعية للإمبريالية الأمريكية، والأشدّ عُنْصُرِيّة ضد السكان الأصليين، الذين ينحدر منهم "إيفو موراليس"، وقبل الإنتخابات، التي تأجلت ثلاث مرات، جابهت حكومة الإنقلابيين سُخْطًا شعبيا مُستمرا ومتناميا، بالقمع والإغتيالات والإعتقالات، وحققت الشعوب الأصلية وصغار المزارعين والطبقة العاملة انتصارًا من خلال نجاح الإضراب الذي دام أسبوعًا كاملا، في آب/أغسطس 2020، مما مهد الطريق لعودة الديمقراطية إلى بوليفيا التي أظْهَر شعبُها قُدْرَةً فائقة على الصّمود...
هيمنة الإحتكارات:
نهبت المجموعات الإقتصادية العابرة للقارات موارد أمريكا الجنوبية، منذ أكثر من قرن، ونهبت الموارد الطبيعية واستفادت من تسليع الطبيعة وثرواتها، والتي تجعل الماء والهواء والتُّرْبَة والغطاء النباتي سلعة تُباع وتُشتَرى، ومنها شركات نستله (سويسرا) وكوكا كولا (الولايات المتحدة) ، التي تنهب مياه الشرب في العديد من البلدان، أو مجموعات شركات التعدين المسؤولة عن الجرائم البيئية في العديد من بلدان العالم، وبدل استفادة المواطنين من هذه الموارد الطبيعية الواقعة في المناطق الريفية وفي الغابات والجبال، أصبحت، بعد استحواذ رأس المال الإحتكاري عليها، تهديدًا لسيادة البلدان، وسببًا في تهجير ملايين الفلاحين والسكّان الأصليين، في تشيلي وكولومبيا وبيرو والبرازيل وإكوادور وغيرها
تحتوي أمريكا الجنوبية على نسبة 94% من احتياطيات العالم من الليثيوم، و 96% من النيوبيوم ، و 36% من النحاس ، وحوالي 30% من المياه العذبة على كوكب الأرض، وبها تنوع بيولوجي هام، وتكتسب غابات الأمازون المطيرة أهمية جيوسياسية استراتيجية، فهي توجد في ثماني دول (إضافة إلى مُستَعْمَرَة "غويانا" الفرنسية)، وتمثل منطقة الأمازون 40% من أراضي أمريكا الجنوبية، وتنقل 17% من المياه العذبة في العالم وتمثل ثلث الغابات والأخشاب الصلبة بالعالم، وتمتلك البرازيل 60% من مساحة الغابات البالغة 5,5 ملايين كيلومتر مربع، لكن حكومة اليمين المتطرف برئاسة "جاير بولسونارو" أطلقت يد الشركات العابرة للقارات في غابة الأمازون، حيث تم طرد السكان الأصليين وصغار المزارعين...
هذه بعض الأسباب التي زادت من أهمية أمريكا الجنوبية، ومن أهمية نضالات المُزارعين والسكان الأصليين، في مواجهة الحكومات العميلة للمجموعات الرأسمالية العابرة للقارات، التي لوثت المحيط والتربة والمياه، وأزالت أشجار الغابات وشق الطرقات لنقل الخشب والمعادن، وحرمان المزارعين ومُرَبِّي الحيوانات والسّكّان الأصليين من أراضيهم ومن سُبُل عيشهم...
أدّت سيطرة الشركات الإحتكارية على أراضي الفلاحين إلى موجات هِجْرَة متتالية نحو الولايات المتحدة، وأدّت السياسات النيوليبرالية وزيادة مساحات المزارع الكبرى، إلى تحويل صغار الفلاحين والسكان الأصليين إلى عمال باليومية غير مستقرين وبأجور زهيدة للغاية، في البرازيل والمكسيك والأرجنتين وغيرها، فضلا عن المهاجرين نحو الولايات المتحدة، إذْ يضطرّ ملايين الفُقراء إلى تَرْكِ منازلهم ومجتمعاتهم بحثًا عن ظروف معيشية أفضل، ليقعوا ضحية تجار البشر، وليموت العديد منهم، في الطّريق. أما من ينجح في اجتياز حدود الولايات المتحدة، فيشغل وظيفة عامل زراعي مُياوم (بعقد شفوي لا يتجاوز اليوم الواحد)، وهي من بين الوظائف ذات الأجر الضئيل والمحفوفة بالمخاطر...
تعتبر وظيفة العامل المياوم الزراعي واحدة من أهم الوظائف من حيث العدد بالمكسيك (حوالي ثلاثة ملايين عامل زراعي يومي)، يعملون بالمزارع الكبرى، بدون حقوق اجتماعية وبدخل غير ثابت، ولا تختلف ظروفهم كثيرًا عن المهاجرين الذين يتمكنون من تجاوز الحدود الشمالية مع الولايات المتحدة، حيث يتعرضون للمواد الكيماوية والمبيدات السّامة، التي يُسبِّبُ بعضها السرطان، بسبب غياب وسائل الوقاية، وأسّس هؤلاء العاملون الزراعيون منظمات نقابية، خلال السنوات الأخيرة، تُطالب برفع الرواتب، وتحديد أيام العمل بثماني ساعات (وهو مطلب رفعه العمال الأمريكيون والأوروبيون خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر) وبمكافآت وإجازات، وبعدم تعريض العمال للمواد الكيماوية الزراعية، وإنهاء سوء المعاملة و القضاء على التحرش الجنسي...
ارتفع عدد المهاجرين من المناطق الريفية لبلدان أمريكا الوُسطى، بسبب طَرْد المُزارعين من أراضيهم، حيث تم تهجير ما بين 10% و 25% من سكان الأرياف في هذه البلدان، خلال أربعة عقود، وارتفع عدد المهاجرات من النساء ومن الأطفال، نحو الولايات المتحدة، من أجل مساعدة أسرهم، وتُعتبر الهجرة نتاجًا لخلل بنْيَوِي، أعاق التطور الطبيعي لمجتمعات إقليم أمريكا الوسطى والجنوبية، وسمح لرأس المال للإستحواذ على الأراضي، ليقوم بنفس الدّور الذي لعبه الإستعمار الإسباني، طيلة أكثر حوالي ثلاثة قُرُون، قبل أن إعلان الأهداف التوسعية للولايات المتحدة، منذ القرن التاسع عشر (1823)، واتخذت الهيمنة الأمريكية طابعًا عسكريا، خلال العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، تمهيدًا للسيطرة الإقتصادية والسياسية على أمريكا الوسطى، وكافة بلدان أمريكا الجنوبية، ومنطقة بحر الكاريبي، فتحولت سلفادور وغواتيمالا والمكسيك وفنزويلا إلى مناطق نفوذ لشركة الإنتاج والتسويق الزراعي الأمريكية "يونايتد فروت كُمباني"، التي تُدَبِّرُ الإنقلابات ضد أي حكومة تحاول تطبيق الإصلاح الزراعي، كما حدث للرئيس "جاكوبو أربينز" (غواتيمالا) الذي تم استبداله بنظام عسكري، لفترة فاقت ثلاثين سنة...
ساهم غضب سكان الريف ضد هيمنة الشركات العابرة للقارات على الأراضي الزراعية، وضد الحُكّام الدّكتاتوريين المُنصّبين بدعم الولايات المتحدة، في إطلاق الحركات الثورية في المنطقة، منها جبهة التحرير الوطني الساندينية في نيكاراغوا، وجبهة فارابوندو مارتي للتحرير الوطني في السلفادور، والوحدة الثورية الوطنية الغواتيمالية في غواتيمالا، وتمكنت الجبهة الساندينية للتحرر الوطني من الإطاحة سنة 1979 بديكتاتورية سلالة سوموزا، التي حكمت البلاد منذ سنة 1936...
عملت الإمبريالية الأمريكية ما بوسعها للإطاحة بأي نظام تقدّمي في أمريكا الجنوبية وكذلك في العالم (إيران وإندونيسيا والكونغو وغانا...)، وبقي سكان أمريكا الجنوبية يعانون الفقر، وخصوصًا في أمريكا الوُسطى، وهي الأقرب جغرافيا للحدود الأمريكية، ففي سنة 2018، يعيش أكثر من نصف سُكّان أمريكا الوسطى تحت خط الفقر، وهي من بين أكثر المناطق تفاوتا في الدّخل، خصوصا في هندوراس وغواتيمالا ونيكاراغوا وسلفادور وبنما وكوستا ريكا، وتعمل نسبة 61% من القوى العاملة السلفادورية ، و 70% من القوة العاملة في هندوراس، و 71% من قوة العمل في غواتيمالا و 80% من قوة العمل بنيكاراغوا، في القطاع غير الرسمي...
في ظل استحواذ الشركات العابرة للقارات على الثروات الطبيعية والمعادن وعلى الأراضي الصالحة للزراعة والمياه، أصبحت هذه البلدان تتميز ب"انعدام الأمن الغذائي الحاد"، وأصبح حوالي 20% من سكان غواتيمالا وسلفادور وهندوراس ونيكاراغوا يعانون من سوء التغذية، في هذه البلدان الزراعية، بحسب برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأغذية والزراعة (2021)، لأن نموذج التنمية يُخصّص المناطق الخصبة لتزويد السوق العالمية بالإنتاج الزراعي وإنتاج الغابات، فضلا عن التعدين، فيما يموت السكان من الجوع ومن الأمراض الناتجة عن سوء التغذية، أو من التّسمّم الناتج عن استخدام المبيدات المحظورة في أوروبا وفي الولايات المتحدة، وأسّست هذه الشركات الكُبرى مليشيات تقتل وتُعذّب كل من يتجرّأ على مقاومتها، في السلفادور وهندوراس وغواتيمالا وكولومبيا والمكسيك وغيرها، وهي نفس الشركات التي تنشر قانون الرُّعب، وتحرّض على العنف السياسي ضد النقابيين والمعارضين والصحافيين، وتحمي مليشياتها الجريمة المنظمة وتجارة البشر وزراعة وتسويق المخدرات، ليجتمع الفقر مع فقدان الأمن، رغم الإنتخابات الدّورية التي يراد بها إضفاء الطابع الديمقراطي الشكلي والمُزَيّف، ما زاد من حاجة المواطنين إلى تغيير العوامل الاقتصادية والبيئية والاجتماعية، وتحسين مستوى المعيشة ووضع حد للتفاوت الكبير في الدّخل، وضمان الدّولة أمن المواطنين...

عراقة النضال الوطني بأمريكا الجنوبية:
تمتلك أمريكا الجنوبية تراثًا غنيًّا بالمقاومة، مقاومة الإستعمار الأوروبي (الإسباني أساسًا)، ومقاومة الإستعمار الإقتصادي، ويفتخر القادة التقدميون المعاصرون ( هوغو تشافيز ونيكولاس مادورو وإيفو موراليس، وغيرهم) بهذا الإرث النضالي والثّوري، الذي خلّفه لهم القائد العسكري والحكيم ( Sitting Bull ) أحد قادة الشعوب الأصلية في أمريكا الشمالية، و "بانشو فيلاَّ" و"إيميليو زباتا"، بالمكسيك، وسيمون بوليفار (فنزويلا والبلدان المجاورة) الموصوف بمُحَرِّر أمريكا الجنوبية، وخوسيه مارتي، ومن إرنستو تشي غيفارا وفيدل كاسترو (على خُطى "خوسيه مارتي) بكوبا (قاتل تشي غيفارا بعد ذلك في بوليفيا، حيث تم اغتياله في تشرين الأول 1967) إلى الرئيس "أربنز غوسمان" الذي نظمت الولايات المتحدة ضده انقلابا بغواتيمالا، سنة 1954، كما الرئيس سلفادور أليندي بتشيلي الذي تم اغتياله والإطاحة به سنة 1973، وأنجبت منطقة أمريكا الجنوبية شخصيات ثورية تاريخية أصبح بعضها أُسطورةً ثورية في مناطق عديدة من العالم، ومُحفِّزًا لمقاومة وصمود جموع الفقراء في أمريكا الجنوبية التي تعرّضت للإبادة والتهجير والنّهب من قِبَل الإستعمار الأوروبي (الإسباني والبرتغالي، ثم البريطاني والفرنسي، بدرجة أقل)، ثم إلى العدوان المُستمر من قبل أحفاد المُستعمِرِين المستوطنين الأوروبيين بأمريكا الشمالية، التي أصبحت مركز الرأسمالية في طور تَغَوُّل الإحتكارات والإمبريالية، وصمّمت الإمبريالية الأمريكية العديد من الإنقلابات العسكرية ضد الرؤساء الذين عارضوا مخططاتها، في غواتيمالا (1954) والبرازيل (1964) وبوليفيا (1967) وتشيلي (1973) والأرجنتين 1976 ونيكاراغوا (1980) ، وغيرها، ومطاردة وملاحقة واغتيال مناهضي الأنظمة الدكتاتورية بأمريكا الجنوبية، ضمن "خطة كوندور" التي أعدّها مُهندس السياسات الخارجية الأمريكية آنذاك "هنري كيسنغر"، لخدمة عُملاء الإمبريالية الأمريكية، في باراغواي، ودكتاتورها ألفريدو ستروسنر، وتشيلي بعد انقلاب أوغوستو بينوشيه، وأظهرت الوثائق التي تم الإفراج عنها اغتيال "فِرق المَوت" عشرات الآلاف من الضحايا في ستة بلدان في أمريكا الجنوبية، من بينهم ثلاثين ألف ضحية بالأرجنتين وثلاثة آلاف بتشيلي، والآلاف في بوليفيا والبرازيل وأورغواي وباراغواي وغيرها...
بعد انهيار الإتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة بشكلها القديم، سادت الإمبريالية الأمريكية بمعظم مناطق العالم، وفرضت (بواسطة صندوق النقد الدولي والبنك العالمي ومنظمة التجارة العالمية والأمم المتحدة...) تعميم "العولمة" وخصخصة القطاع العام والخدمات الأساسية، لكن مُعارضي هذه الموجة الجديدة من النيوليبرالية تمكّنوا من الفوز بالرئاسة وبالأغلبية في مجالس النواب، بانتخابات ديمقراطية، بفضل دعم الكادحين والفُقراء ومجموعات الشعوب الأصلية، لكن نظام الإنتخابات الدّيمقراطية يَفْرِضُ حُدُودًا قانونية ودستورية لا يمكن تجاوزها، فضلاً عن الجوهر الإصلاحي، وليس الثّوري، لبرامج هؤلاء القادة (هوغو تشافيز أو إيفو موراليس أو قادة حزب العمال بالبرازيل...)، فبقي الإعلام والتعليم والنّقل وقطاعات عديدة أخرى، تحت هيمنة الكنيسة والقطاع الرأسمالي الخاص، فيما عملت الولايات المتحدة على دعم المناهضين للنظام، وعلى تخريب محاولات إقامة تجمعات تجارة إقليمية أو سوق مشتركة، وزعزعة استقرار الأنظمة التقدمية...
من جهة أخرى، وعلى مستوى شعبي، أدّى انتشار النيوليبرالية وسلسلة الأزمات الإقتصادية، إلى مزيد من التعبئة الشعبية، في أمريكا الجنوبية، لمقاومة سياسات التقشف، ما أدّى إلى انتعاشة اليسار في شبه القارة الأمريكية، في حين أدّت نفس الأسباب في أوروبا إلى انتعاش اليمين المتطرف، واتخذت العديد من حكومات أمريكا الجنوبية إجراءات للحد من الفقر ومن عدم المساواة، وهي ليست خطوات ذات صبغة اشتراكية، كما تدّعي تلك الحكومات، بل بتُمثل جانبًا من التجارب الكينزية الدّاعية إلى ارتقاء جزء من الفُقراء إلى صفوف البرجوازية الصغيرة (ما يُسمّى "الفئات الوُسطى") وتحويل جزء هام من الفُقراء إلى مُسْتَهْلِكِين...

2 ما موقع الفلاحين في الثورات المُعاصرة؟
لا يهدف هذا الجزء الثاني من المقال بعنوان "موقع الفلاحين في نضالات أمريكا الجنوبية " الإجابة على هذا السّؤال، وإنما أطْرَحُهُ على هامش عرض كتاب عن مكانة الفلاحين والسّكّان الأصليين (أي سُكّان "الأطراف")، من خارج الطبقة العاملة (البروليتاريا) والأحياء الشعبية بالمدن الكُبْرى، بثورة 1952 ببوليفيا، التي انتصرت ووزعت الأراضي على الفلاّحين الذين ساهموا طيلة عُقُود في النّضالات ضد السلطات الدّكتاتورية، وضد كبار المالكين العقاريين...

كتاب "حقول الثورة" - تأليف "كارمن سوليز"
Fields of Revolution - Carmen Soliz
Agrarian reform and rural state formation in Bolivia 1935 - 1964
لم أعثُر على ترجمة من اللغة الإنغليزية إلى لُغَةٍ أُخْرى غير الإسبانية، ويمكن ترجمة عنوان الكتاب كالتالي:
حقول الثورة- الإصلاح الزراعي وتشكيل الدولة الريفية في بوليفيا، 1935-1964 - 280 صفحة، باللغة الإنغليزية - مطبعة جامعة "بيتسبرغ" الأمريكية - نيسان/ابريل 2021.

تُدَرِّسُ الباحثة الشّابّة "كارمن سوليز" تاريخ أمريكا الجنوبية بجامعة "نورث كارولينا"، في "شارلوت" (الولايات المتحدة)، ويُمثل محتوى الكتاب، توثيقًا ونقدًا ومراجعة لسياسات الإصلاح الزراعي في أمريكا الجنوبية، انطلاقًا من تجربة بلدها الأصلي "بوليفيا"، بعد ثورة 1952. اعتبر النّاشر هذا الكتاب: "دراسةً رائدةً لتجربة بوليفيا الثورية في إعادة توزيع أراضي الفلاحين خلال النصف الثاني من القرن العشرين... تحلّل الكاتبة الفرضيات العِلْمِيّة حول مصدر سياسات الإصلاح الزراعي للحركة الوطنية الثورية ببوليفيا، ومدى التحولات التي أحدثتها هذه السياسات في الريف، ومدى انخراط القوى الشعبية في خطط وبرامج السّلطات (الدّولة)... يُعَدُّ الكتاب شَيِّقًا وضروريا للباحثين في تاريخ الزراعة والريف وحركات السكان الأصليين والثورات..."
يحتوي الكتاب على ستة فُصُول، ويشكل محتوى الكتاب بَحْثًا في برنامج الحركة الوطنية التي انتصرت خلال ثورة 1952، وفي الإرث الذي بقي راسخًا لدى الأجيال اللاحقة، في بوليفيا وفي جنوب القارة الأمريكية، وتُبيّن هذه الدّراسة التعقيدات التي اعترضت السّلطات أثناء تطبيق الإصلاح الزراعي، بداية من سنة 1953، وتشرح "كارمن سوليز" "إن إصلاح الأراضي لم يكن مشروعًا صممته الدّولة في مكاتبها، ولكنه مطلب متجذّر، منذ عُقُود طويلة، في الأخاديد العميقة لثقافة ولنضالات السكان الأصليين والفلاحين، من أجل الحق في الأرض، وتوسّعت هذه الدّراسة المُوَثّقَة، لتشمل دراسة الثورة والحركات الزراعية ودراسة ثقافات وطموحات الفلاحين، منذ بدايات القرن التاسع عشر...
يدرس كتاب "حقول الثورة" ثاني أكبر برنامج للإصلاح الزراعي ولإعادة توزيع أراضي الفلاحين في أمريكا الجنوبية، وهي أهم نتائج ثورة 1952 ببوليفيا. طرحت مختلف المجموعات الداعية إلى تطبيق الإصلاح الزراعي أفكارًا عن الملكية والإنتاجية والرفاهية والعدالة. أما شعار الفلاحين فكان "الأرض لمن يفلَحُها"، وبدلا من ذلك رفع مُمثّلو السكان الأصليين شعار "الأرض لأصحابها الأصليين" وسعت إلى ربط خطاب الحزب الحاكم حول القومية بمطالبهم القديمة الخاصة بالتعويض، فيما تبنى ملاك الأراضي مبدأ "الأرض لمن يقومون بتحسينها وإبْراز قيمتها "ويهدف شعارهم حماية أجزاء من ممتلكاتهم السابقة من المصادرة.
تجمع كارمن سوليز بين تحليل السياسات الحكومية والخطاب الوطني والنضالات اليومية للمنظمات المحلية وتفاعلاتها مع الدولة، لاستخلاص الروابط العميقة بين الأرض والناس كواقع مادي وكموضوع للخلاف السياسي في فترة الثورة، ويلخص الفصل الأول "المشروع الليبرالي في الريف"، قبل الثورة، ويتناول فصل آخر العلاقة بين مشاكل السكان الأصليين والمسألة الزراعية، كما حمل أحد الفُصول عنوان "الثورة تأتي إلى الريف"، ودرست الفُصُول الأخرى مسائل إعادة توزيع الأرض على العاملين بها وعلى أصحابها الحقيقيين من السكان الأصليين، ويدرس الفصل السادس الثورة في الحياة اليومية للفلاحين، وإشكالياتها...
حصلت كارمن سوليز على درجة الماجستير في دراسات الأنديز في جامعة لا كورديليرا (بوليفيا) ودراسات أمريكا الجنوبية في جامعة سالامانكا (إسبانيا) حصلت على درجة الدكتوراه في تاريخ أمريكا الجنوبية من جامعة نيويورك سنة 2014. يدرس بحثها الإصلاح الزراعي البوليفي ويبْرِزُ دَوْرَ "الهنود" (السكان الأصليين) والفلاحين في ترسيخ أحد أكثر الإصلاحات جذرية وأهم عملية إعادة التوزيع في أمريكا الجنوبية، وتُركّز الباحثة كتاباتها وبحوثها بشكل عام على سياسات الفلاحين والإصلاح الزراعي وتشكيل الدولة الريفية وبناء الدولة والمواطنة والحركات الاجتماعية في أمريكا الجنوبية.
نشرت العديد من المقالات، من بينها: "الإصلاح الزراعي في بوليفيا في القرنين العشرين والحادي العشرين" - نشرت ضمن موسوعة أكسفورد البحثية لتاريخ أمريكا الجنوبنية 2018)) - "الأرض لأصحابها الأصليين، مُراجعة نقدية لخطط السكان الأصليين، صمن الإصلاح الزراعي في بوليفيا" - نَشْر المراجعة التاريخية الأمريكية الإسبانية (2017)
ضَمّنَت بعض اهتماماتها الأخرى في العديد من المقالات، نُشرت منذ سنة 2010، وأهمها: تأملات في مواثيق ما بعد الاستعمار وعلاقات الدّولة بالنقابات والمنظمات الأَهْلِيّة - الجدل الفكري والسياسي بشأن الإصلاح الزراعي في بوليفيا وأمريكا الجنوبية - دور السّكّان الأصليين واليساريين في تنظيم وتأطير حركات السّكّان الأصليين الحديثة في إكوادور...

أطاحت الثورة الوطنية في بوليفيا، سنة 1952، بحكومة الأوليغارشية المالكة للأراضي والعقارات، وقامت بتأميم مناجم القصدير، وقسمت الأراضي الكبيرة ووزعتها على الفلاحين، وأقرّت حق الإقتراع للنساء وللسكان الأصليين (الهنود)، فكانت بذلك أول ثورة اجتماعية كبرى في أمريكا الجنوبية لفترة ما بعد الحربالعالمية الثانية... يركز المؤرخون بشكل كبير على مبادرات الحكومة الثورية، لكن تناولت القليل من الدراسات الأسباب الكامنة وراء إقرار الإصلاحات أو قامت بقياس الآثار الاجتماعية للتحولات الثورية، ما جعلنا لا نعرف إلا القليل عن تأثير الثورة على المناطق الريفية حيث كان يعيش معظم السكان في ذلك الوقت، لتظل الأسئلة الأساسية مطروحة: ما التغييرات التي أحدثتها الثورة؟ وما هي قدرة المجتمع على تجذير جهاز الدولة من خلال الثورة، وما تأثير الدولة الثورية في تغيير المجتمع؟
للإجابة على مثل هذه الأسئلة لا بد من مُقارنة وضْعَيْن (قَبْل وبَعْد الثورة) ودراسة الثورة الوطنية للعام 1952 في إطارها الزماني، بهدف تتبع التغيرات السياسية والاجتماعية الجذرية والتحولات الأساسية البطيئة، من أواخر الثلاثينات إلى ستينيات القرن العشرين، وتتبع مراحل وكيفية تغير ميزان القوى، قبل الثورة وبعدها، ودراسة العلاقات بين الدولة وكبار المالكين للأرض، من جهة، وبين الدّولة والفلاحين والسّكّان الأصليين، من جهة أخرى، ودراسة الوَقْع (التأثير) الحقيقي لثورة نيسان/ابريل 1952، ضمن مسار تاريخي وتحولات بطيئة بدأت في الأرياف، منذ الثلاثينيات وتجذّرت عبر مراحل التعبئة الشعبية، خلال فترة أزمات الدولة، في الأربعينيات ثم بعد العام 1952، دون إهمال دَوْر المُعلِّمين وبعض الموظفين التّقدّميين في الأرياف، في نشر الوعي الثوري بين السكان الأصليين وصغار الفلاحين، وسُكّان الرّيف بشكل عام.
حدثت الثورة البوليفية في سياق أوسع للتغيرات الاجتماعية في أمريكا الجنوبية (غواتيمالا، كوبا، بيرو، تشيلي) بين الخمسينيات والسبعينيات من القرن العشرين، وكانت مسألة الأراضي الصالحة للزراعة قضية محورية في هذه التحولات الاجتماعية، ولذلك كانت عملية الإصلاح الزراعي، مُلازمة لتاريخ الثورة البوليفية التي كانت ثورة عميقة وتجاوز تأثيرها في الواقع الإصلاح الزراعي لتشمل المجال السياسي والإجتماعي، حيث بدأ التوزيع الفعلي للأراضي على الفلاحين بعد عام واحد من الثورة الوطنية، خلافًا لما حصل في المكسيك، حيث دامت العملية عُقودًا، وساعدت الظروف الثورة البوليفية، التي تزامنت مع تنفيذ تنفيذ رئيس غواتيمالا "جاكوبو أربينز" لبرنامج مماثل للإصلاح الزراعي، قبل أن تُطِيح به وكالة الإستخبارات الأمريكية، فيما كانت كوبا في حالة غليان...
أدّت خطط الثورة البوليفية إلى اهتراء سلطة كبار مالكي الأرض، للتواصل عمليات مصادرة المئات من المزارع في أكثر المناطق كثافة سكانية في البلاد، في المرتفعات والسهول والمناطق شبه الاستوائية، وأدّت الثورة وإصلاح الأراضي إلى دمقرطة جهاز الدولة بشكل عميق، خلافًا لدول أخرى في أمريكا الجنوبية، مثل غواتيمالا وتشيلي، التي كانت تحكمها أنظمة عسكرية رجعية، واستمرت التجربة الديمقراطية في بوليفيا، حتى سنة 1964، لكن ورغم الإطاحة بها، بقي الأثر السياسي للثورة ظاهرًا من خلال استمرار تحالف نقابات العمال والفلاحين، حتى أواخر القرن العشرين، وكانت هذه النقابات الفلاحية أحد أهم العوامل في إعادة تشكيل موازين قُوى لصالح القوى التقدّمية، في أواخر سنوات القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين.
نشأت قوة التحالف بين حركات السكان الأصليين والفلاحين في بوليفيا من العلاقات الخاصة التي نشأت بين هذه المجتمعات والدولة بعد ثورة سنة 1952، فقد تمكّنت المجموعتان (الفلاحون والسكان الأصليون) من تأمين السيطرة السياسية على مُحيطهم الإجتماعي، أي مجتمعات الهضاب والسهول المرتفعة، حيث لم ينتظر الفلاحون قرارًا حكوميا، بل اسْتَوْلوا، بعد الثورة مباشرة، على الممتلكات الكبيرة، وتوسّعت حركة احتلال الأراضي، بسرعة، مما أجبر الحكومة على الإسراع بسن إصلاح زراعي بعد عام من تولي "الحركة القومية الثورية" للسلطة، فكان الإصلاح الزراعي البوليفي نتيجة العديد من العوامل المتشابكة لتلتقي قيادة الثورة (التي أصبحت في موقع السّلطة) مع قواعد النقابات العمالية والفلاحية ومنظمات السّكّان الأصْلِيِّين، وبذلك تفاعلت القيادة مع القواعد التي تمكنت (القواعد) بفضل نضالها، وبفضل الضغط المتواصل، من حق الوصول إلى الأرض وإلى السلطة، ومنذ ثورة 1952، لا يزال الدعم السياسي لنقابات الفلاحين ضروريا لأي حزب سياسي أو أي مرشح، للبقاء في السلطة على المستوى الوطني، وليس من باب الصدفة أن الرئيس التقدّمي "إيفو موراليس" كان عضوا قياديا في نقابات المُزارعين، حيث استفاد من دعم نقابات الفلاحين، ليفوز بمنصب الرئاسة بانتخابات ديمقراطية، سنة 2006، وعاد تياره الإشتراكي بانتخابات ديمقراطية، بعد عام واحد من الإنقلاب الذي أطاح به، سنة 2019، فهذه النقابات تعتمد في قراراتها على دعم قواعدها الشعبية، وقبل ثورة 1952، تم تهميش أصوات السكان الأصليين، في السياسة الوطنية، ثم أصبحت حركاتهم في بوليفيا، في قلب السياسات الوطنية، وليسوا فقط حلفاء للأحزاب السياسية التقدمية، كما في الإكوادور... على الجبهة العُمّالية، كان تأميم المناجم نتيجة للتعبئة الواسعة للعمال المناجم، وشكّل هذا التحالف بين نقابات العمال والفلاحين وحركات السكان الأصليين قاعدة صلبة للثورة وحامية لإنجازاتها...
استفادت "كارمن سوليز"، مؤلّفة كتاب "حُقُول الثورة" من الدراسات والبحوث التي أصدرها الباحثون التقدّميون البوليفيون وبعض بلدان أمريكا الجنوبية، ضمن "ورشة التاريخ الشّفوي في منطقة الأنديز" ( Taller de Historia Oral Anina - THOA ) التي أسّسُوها خلال أوائل عقد الثمانينيات من القرن العشرين، وأقت بحوثهم الضوء على نضالات السكان الأصليين (الهنود) والفلاحين منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى النصف الأول من القرن العشرين، ضد سيطرة كبار مالكي الأرض من المُستوطنين الأوروبيين، الذين منحهم الإستعمار الإسباني هذه الأراضي بعد طرد وتهجير وإبادة أصحابها الشرعيين، وهي أراضي مشاع، على ملك المجتمع، وليست ممتلكات فَرْدِيّة، وكان تمرّد السكان الأصليين، سنة 1899 وسنة1921 وسنة 1927، وتمرد 1947، وغيرها من نضالات مجتمعات السكان الأصليين، التي هيأت الظروف الموضوعية لميلاد "الحركة الوطنية الثورية"، ولقيادة ثورة 1952، واستفادت "الحركة الوطنية الثورية" من توزيع الأرض على صغار الفلاحين، ومن حل منظمة كبار مالكي الأرض (الجمعية الريفية البوليفية)، ووضعت حدًّا لنشاط "المجالس الريفية"، وتمكنت بذلك من تغيير ميزان القوى السياسي في الريف، ولتحصل على الدعم السياسي للفلاحين والسكان الأصليين، والبقاء في السلطة، حتى سنة 1964، رغم محاولات الإطاحة بها، لأن بوليفيا اشتهرت بتعدد الإنقلابات العسكرية، حيث عرفت 183 انقلابًا، خلال 145 سنة من الإستقلال (1825)، إلى سنة 1970، أي بمعدّل 1,5 انقلابا في السنة، وتنازلت الحكومة واستسلمت أمام إصرار نقابات الفلاحين على الإشراف عملية توزيع الأراضي بين المُستفيدين، ووقّعت سلطة "الحركة الوطنية الثورية" مرسوم مصادرة الممتلكات والأراضي، لكنها سمحت لنقابات الفلاحين بتنظيم وتحديد توزيع الأرض بين الفلاحين.
رغم المكتسبات الهامة وإنهاء العمل القَسْرِي (السّخرة) في الريف، وتوزيع الأراضي، بقي سمكان الأرياف، من صغار الفلاحين ومن السّكّان الأصلين، من الفئات الأشد فقْرًا في بوليفيا، ولم تضع ثورة 1952 حداً للفوارق الطبقية الهامة ولا للعنصرية ضد الفلاحين والسكان الأصليين، رغم دورهم في الثورة وفي استمرار سلطة "الحركة الوطنية الثورية"، وسرعان ما عادت هذه الممارسات العنصرية لتظْهَرَ في العلن، بعد انقلاب 1019، المدعوم أمريكيا ...
لا يمكن الحصول على أي مكسب دون نضال، ولا توجد مكاسب دائمة، فإذا لم نُدافع عن مكتسباتنا تم التراجع عنها وافتكاكها، لذلك، أقدمت الدّكتاتوريات العسكرية المتعاقبة على افتكاك الأراضي وتوزيعها على الضّبّاط العسكريين وعلى مُسانديهم من كبار المالكين العقاريين، وعلى سبيل المثال فقد وزّع الجنرال هوغو بانزر سواريز (1926 - 2002) الذي حكم إثر انقلاب من سنة 1971 إلى 1978، حوالي عشرة ملايين هكتار على المُقَرّبين منه، في مقاطعة سانتا كروز لوحدها، كما منحَ الضابط الإنقلابي "لويس غارسيا ميزا" (1929- 2018) والذي حكم سنتَيْ 1981 و 1982، ملايين الهكتارات لأنصاره وأقاربه، قبل اضطراره إلى الإستقالة، وتواصلت عملية افتكاك الأراضي وإعادة توزيعها على الأثرياء والمُقربين من السلطات العسكرية، أو الحكومات الفاسدة، ليفقد صغار الفلاحين والسكان الأصليون مكتسباتهم، فأسّس السّكّان الأصليون، سنة 1982، "اتحاد السّكّان الأصليين لبوليفيا الشرقية"، ونظموا مسيرة "من أجل الأرض والكرامة"، خلال 32 يومًا، سنة 1990، وكان للمسيرة بعض التّأثير على المستوى الوطني، في ظل انتشار فضائح الفساد، ما اضطر "خايمي باز زامورا"، وُلِد سنة 1939، وكان رئيسًا من 1989 إلى 1993، للتوقيع، سنة 1992، على ثلاثة مراسيم تضمن للشعوب الأصلية الحق في امتلاك أراضي، لكن المراسيم كانت ألغامًا خطيرة، لأنها وضعت حَدًّا للإصلاح الزراعي الذي افتكّه الفلاحون والسكان الأصليون منذ سنة 1953، وخلال الفترة الأولى لرئاسة " غونزالو سانشيز دي لوسادا"، التي تميزت بعدد من الأزمات، وبالخضوع لشروط البنك العالمي، ومنها خصخصة القطاع العام والمرافق، ثم رَوَّجَ مسؤولو البنك العالمي لبرامج إصلاح الأراضي الجديدة، بهدف تسليع الأرض لتصبح تباع في الأسواق، وفق قانون العرض والطّلب، والتالي وجب تنظيم وتوضيح الملكية القانونية لأصحاب الأراضي، قبل طَرْح الأراضي في سوق العقارات، أصْدر الرئيس "خايمي باز زامورا"، لهذا الغرض، سنة 1996، قانونا جديدًا ادّعى أنه قانون إصلاح زراعي، وقدم القانون تنازلات مهمة لمجموعات السكان الأصليين في السهول، منها الإعتراف بالأراضي الجماعية للسكان الأصليين، من أجل تسجيلها في المحكمة العقارية، ومن أجل معالجة تداخل حيازات الأراضي، وبعد حوالي عشر سنوات، كادت هذه القنبلة الموقوتة أن تنفجر في وجه "إيفو موراليس" الذي أصبح رئيس في كانون الأول/ديسمبر 2005، وهو من السّكّان الأصليين، وزعيم نقابي للمزارعين، ويحظى برنامجه المناهض للرأسمالية وللإمبريالية بدعم الحركات اليسارية السياسية والاجتماعية والفئات الوُسطى، ومنظمات السكان الأصليين والفلاحين، فأصدر قانونًا جديدًا للإصلاح الزراعي، ثم صدر سنة 2009 قانون لحماية البيئة، وسنة 2010 قانون جديد لحماية حقوق الشعوب الأصلية والفلاحين، لكن رفض حكام خمس من المقاطعات التسع في بوليفيا، المشروع الدستوري الذي روج له الرئيس وطالبوا بالحكم الذاتي، بدعم من الفئات الأكثر رجعية وثراء في المجتمع، والتي تعمل على إسقاط الرئيس موراليس بكافة الوسائل، وبالإستعانة بالولايات المتحدة وبالأنظمة الرجعية مثل كولومبيا، ويريد حُكّام هذه المقاطعات، والقوى الرجعية المُساندة لهم، السيطرة على احتياطي وعائدات الغاز في شرق البلاد، واستطاعت هذه الفئات الرجعية، فَرْضَ تنازلات كبيرة من السلطة، أدّت إلى تعزيز النموذج الاقتصادي النيوليبرالي، المُتعارض مع البرنامج الذي تم على أساسه انتخاب الرئيس، وتراجعت السلطة عن مراسيم سابقة كانت أقرّت حماية حقوق السكان الأصليين والفلاحين في الأرض، ونجحت طبقة الأثرياء في تأجيج الإحتجاج على قرار الحكومة ببناء طرقات عبر أراضي السكان الأصليين، ما أفْقَد الرّئيس دَعْمَ قِسْمٍ من القاعدة الإجتماعية التي ساندته سابقًا، خصوصًا بعد العنف الذي جابهت به السلطة، يوم السادس والعشرين من أيلول/سبتمبر 2011، احتجاج السكان الأصليين...
لم تتمكن سلطة "إيفو موراليس" اليسارية من حل المُعادلة المُعضِلَة، فمن جهة وجب استخراج وبيع النفط والغاز والمعادن، لتدبير المال للإستثمار في البنية التحتية والتعليم والرعاية الصحية، ومن جهة أخرى، يتطلب استخراج المعادن بناء الطرقات وتلويث المحيط، وبناء محطات الطاقة الكهربائية، وما إلى ذلك، ووقعت حكومة بوليفيا وكذلك حكومات نيكاراغوا وإكوادور وغيرها عقودًا للتنقيب عن المحروقات في مناطق كانت محميات طبيعية، وفي مناطق سكن السكّان الأصليين وأراضي المُزارعين، وهما من الفئات التي مَهّدت انتفاضاتها، لعدّة عُقُود، لانتصار القوى التّقدّمية في العديد من بلدان أمريكا الجنوبية...
تطرح هذه المُراجعة، لبعض الدّراسات عن تجارب أمريكا الجنوبية، العديد من التّساؤلات التي وجب إيجاد إجابات عنها، والتّفكير في أفضل السُّبُل لتحويل الإنتفاضات (مثل انتفاضَتَيْ تونس ومصر، سنة 2011) إلى ثورات بدعم من مختلف الفئات التي لها مصلحة في الثورة، ومُشاركة مجمل هذه القوى في كافة مراحل الإعداد والتنفيذ والتقويم...
*****
يرجى مراجعة مقالات سابقة عن قطاع الفلاحة والسيادة الغذائية، منها:
الفلاحة من مقومات الإستقلال الإقتصادي
رأس المال الإحتكاري خطر على الأمن الغذائي
السيادة الغذائية الأوروبية واستعباد المهاجرين
استنزاف الثروة البحرية وتهديد الأمن الغذائي بإفريقيا
تونس نموذجًا للتفريط في تحقيق السيادة الغذائية



#الطاهر_المعز (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نَبْشٌ في الذّاكرة
- السيادة الغذائية، خطوة على طريق الإستقلال الحقيقي
- الدُّيُون العُمُومية أغلال تُكبل الوطن والمواطن
- احتكار إنتاج الغذاء
- الديمقراطية الأمريكية، من محاربة الشيوعية إلى -مكافحة الإرها ...
- تونس، بعيدًا عن الحَماسة والردود العاطفية
- طبول الحرب في أوراسيا
- بعض المحطات في مسار الحركة النسائية
- تونس في ذكرى القمع الدّموي للعُمّال المُضربين
- مصر، الحَدث المؤسس لانتفاضة 25 يناير 2011
- حدث في مثل هذا اليوم 18 كانون الثاني/يناير سنة 1943 بالإتحاد ...
- فلسطين - خيانات عربية، ودعم خارجي صغير
- تونس، كيف حال دار لُقْمان
- ثمن تحقيق السيادة الغذائية الأوروبية
- بعض مؤشرات الإقتصاد العالمي بين سنتي 2021 و 2022:
- تونس نموذجًا للتفريط في تحقيق السيادة الغذائية
- الفجوة الطّبقية في تونس، بعد الإنتفاضة
- إخوان الإمبريالية في ضوء الموقف من الصهيونية
- سنة ثانية كورونا
- محاولة تعميم المعرفة


المزيد.....




- الرقم القياسي لأطول رحلة طيران في العالم.. مازال عصيًّا على ...
- مسؤولون أوكرانيون: الجبهة الشرقية تتعرض لقصف عنيف ومتواصل..و ...
- -العالم ملكها-.. زوجان يكشفان سر زواج دام 80 عامًا
- وزارة الخارجية الروسية تدعو لرفع الحظر عن -ممر لاتشين- بشكل ...
- البيت الأبيض: توريد الدبابات إلى أوكرانيا سيستغرق شهورا طويل ...
- ماذا قال مستمعون من السودان عن وقف بث راديو بي بي سي عربي؟
- بالصور: أفضل اللقطات في افريقيا خلال الأسبوع
- تونس.. منظمات ونقابات تجتمع لصياغة مقترحات حلول للأزمة السيا ...
- هل يمكن -تعويض- ساعات النوم الفائتة؟ هذا ما يقوله العلم!
- مصر تعلق على الهجوم على سفارة أذربيجان في إيران تزامنا مع زي ...


المزيد.....

- سيميائية الصورة في القصيدة العربية PDF / ياسر جابر الجمَّال
- طه حسين ونظرية التعلم / ياسر جابر الجمَّال
- الخديعة - منظمة الفساد الفلسيطينية / غسان ابو العلا
- قطرات النغم دراسة في موسيقى الشعر العربي / ياسر جابر الجمَّال
- سيميائية الصورة في القصيدة العربية / ياسر جابر الجمَّال
- مُتابعات – نشرة أسبوعية العدد الأول 07 كانون الثاني/يناير 20 ... / الطاهر المعز
- مدار اللسان / عبد الباقي يوسف
- عوامل تبلور الهوية الفلسطينية(1919-1949م) / سعيد جميل تمراز
- الحد من انتشار الفساد المالي والأداري في مؤسسات الدولة / جعفر عبد الجبار مجيد السراي
- الدَّوْلَة كَحِزْب سِيَّاسِي سِرِّي / عبد الرحمان النوضة


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الطاهر المعز - دروس وعِبَر من أمريكا الجنوبية