أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - جواد بشارة - فصل من كتاب الإرادة الحرة بين العلم والدين















المزيد.....



فصل من كتاب الإرادة الحرة بين العلم والدين


جواد بشارة

الحوار المتمدن-العدد: 7107 - 2021 / 12 / 15 - 17:02
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


فصل من كتاب
الحتمية والإرادة الحرة بين العلم والدين

من وجهة نظر عالم الرياضيات والفيلسوف برتراند رسل

تأليف وترجمة د. جواد بشارة
الذي سيصدر قريباً عن دار أهوار للنشر شارع المتنبي بغداد ــــ العراق

التعاقب الحضاري للبشر واختلاق الديانات

مما لا ريب فيه أن التاريخ البشري المكتوب بدأ في سومر كما قال صاموئيل كرامر، وإن الكتابة والتفكير المنطقي والوعي واختلاق الآلهة قد بدأ في سومر أيضاَ كما قال جون بوتيرو، ولكن ماذا كان يوجد قبل ظهور الحضارة السومرية المتألقة والمتطورة آنذاك، بمعايير ذلك العصر، قبل قرون عديدة من العصر الحديث، أي ما قبل ميلاد السيد المسيح؟ قبل المضي قدما لا بد من أن نقوم بعملية اختيار للمنهج الذي سيجيبنا على هذا التساؤل. هل سنتبع العاطفة ونتقيد بالمنطق الديني الذي نصت عليه الكتب المقدسة وغير المقدسة التي قدمتها لنا الأديان البشرية عبر التاريخ وتناولت في طياتها قصص الأقدمين، أم سنتحرر منها وننعطف باتجاه المنطق العلمي والعقلاني ودراسة الأجوبة التي تقدمها لنا المكتشفات الآركيولوجية والحفريات الحديثة في هذا المضمار؟ لأن الإجابات لن تتطابق ولن تلتقي إلا إذا قمنا بعملية توفيقية قسرية خوفاً من خطيئة إنكار الله وعملية الخلق الرباني بصيغة كن فيكون وأسطورة آدم وحواء وإبليس والجنة والنار والتفاحة والثعبان.
ما سوف يلي لا يعدو أن يكون مجرد فرضيات بخصوص الحضارات الغارقة في القدم والتي لم يقم عليها برهان مادي وعلمي بعد، لكن الدلائل القليلة المتوفر حولها تشير إلى إمكانية وجودها في سياق التاريخ. ستكون أدواتنا، العلم، والمنطق العقلي والعلمي العقلاني، ومصادر التاريخ المتوفرة بين أيدينا ومساهمات المفكرين والفلاسفة القدماء، الماديين والمثاليين، والآثار الباقية إلى يوم الناس هذا، بيد أن ذلك لا يعني أننا سنغفل أو نتجاهل مساهمة الأديان المختلفة والمتعددة وتاريخها. ولنبدأ بالسؤال الأهم والأولي لمعرفة الحضارات القديمة، ألا وهو من الذي أقامها، ومن نحن في واقع الأمر؟ يعيش على هذا الكوكب، الأرض، اليوم ما يقرب من ثمانية مليارات من البشر إلى جانب كم هائل من المخلوقات والكائنات الحية الأخرى، الحيوانية والنباتية والحشرات والأسماك والطيور، على سطح الأرض وفي الجو وفي أعماق الأنهار والبحار والمحيطات، والحال أننا لو تعمقنا ملياً فسنكتشف أننا جميعاً من مكون واحد، فكلنا أبناء للنجوم، من الجسيم الأولي المكون للمادة إلى الجسم الإنساني المعقد، فلا يوجد اختلاف إلا في الدرجة. ماذا يمثل الإنسان على المستوى الكوني؟ وما هي قيمة الأرض التي يعيش فوقها بالنسبة للكون المرئي والمنظور الذي يحتويها؟ الإنسان على الأرض أصغر من ذرة غبار مقارنة بحجم الكوكب المأهول بكل هذه الكائنات. فنصف قطر الأرض le rayon de la terre هو حوالي 6.378 كلم، وبالتالي فإن قطرها son diamètre يقدر بــ 12.756 كلم أما حجم الأرض فهو 1.083.260 مليون كلم مكعب وهذا يبدو لنا مهولاً لكنه في الواقع لا شيء، مقارنة بالشمس أولاً، فنصف قطر هذه الأخيرة أكبر من الأرض بــ 109 مرة كما تقدر مساحتها بــ 11.881 مرة أكبر من الأرض إذ يصل حجمها إلى 1.300.000 أكبر من حجم الأرض.
والحال إن شمسنا تعتبر نجماً صغيراُ بين نجوم مجرتنا درب التبانة أو مجرة الطريق اللبني la voie Lactée، فقطر نجمة بيتلجوس l étoile Betelgeuse، أكبر من قطر شمسنا بــ 300 مرة، وحجمها يقدر بــ 27.000.000 مرة أكبر من حجم شمسنا، فيما يبدو قطر نجمة أنتاريس l étoile Antarès أكبر بــ 487 مرة من قطر شمسنا وحجمها 113.000.000 مرة أكبر من حجم شمسنا. وأخيراً مثالنا الثالث هو نجمة كانوبوس l étoile Canopus فهي أكبر بمليون مرة من الشمس وهي النسبة التي لا يمكن تخيلها إلا إذا وضعنا برتقالة صغيرة بجانب الكرة الأرضية، فماذا يمثل الإنسان بالنسبة لنجم كانوبوس؟ يقدر محيط الأرض بــ 40.000 كلم، ويتواجد نجم النهار l astre du jour، أي شمسنا كما يسميها العلماء، على بعد 149.500.000 كلم من الأرض، ويحتاج ضوءها، الذي يسير بسرعة 300.000 كلم في الثانية، إلى ثمان دقائق لكي يصل إلينا، ما يعني لو إن قطاراً يسير بسرعة 100 كلم في الساعة فسوف يحتاج إلى 173 سنة ونصف لكي يصل إلى الشمس. وأقرب نجم إلينا عدا الشمس هو آلفا دو سونتور Alpha de Centaure ويبعد على مسافة 41.100 مليار كلم عنا ويحتاج ضوئه إلى 4.35 سنة ضوئية لكي يصل إلينا، أي ما يقطعه ضوئه بسرعة 300.000 كلم في الثانية لمدة تزيد على أربع سنوات ونصف. فما هي السنة الضوئية؟ هناك 24 ساعة في اليوم أو 86.400 ثانية في اليوم و31.536.000 ثانية في السنة والضوء يقطع مسافة 300.000 كلم في كل ثانية من هذه الثواني لمدة عام ما يشكل السنة الضوئية وتعادل 9.460 مليار كلم هي المسافة التي يقطعها الضوء خلال عام. لذا تم قياس موقع أجمل نجم في سماءنا وهو نجم سيريوس l étoile de Sirius ووجد أنه يقع على بعد 81.100 مليار كلم عنا ويحتاج ضوئه إلى أكثر من ثمان سنوات ضوئية 8.58 لكي يصل إلينا، ويقطع النجم القطبي l étoile polaire مسافة 440.500 مليار كلم ولمدة 46.55 سنة التي تفصله عنا. وكان العالم الفرنسي الشهير هنري بوانكاريه قد قاس نصف قطر مجرتنا درب التبانة la voie Lactée وقدره بأنه أكبر ألف مرة من أقرب نجم إلينا وهو آلفادوسونتور. وبالتالي فإن عدد النجوم المكتشفة في هذه المجرة يتجاوز الـمائتي مليار نجم، ناهيك عن النجوم المحتملة التي تتواجد خارج نطاق الرؤية الرصدية لتلسكوباتنا الأرضية والفضائية، فما هي قيمتنا وسط هذا العمق الكوني اللامتناهي؟
أمام هذا المشهد المذهل يقف الإنسان عاجزاً عن التصور والإدراك الحقيقي لهذا الواقع الكوني الذي لا يعرف عنه شيئاً يذكر فيلجأ إلى الخرافات والماوراءيات عندما يتساءل مع نفسه من أوجد كل هذا وكيف؟ فنراه يتخيل كائناً يتمتع بقدرات لا محدودة لا يمكن إدراكه أو معرفة حقيقته وصفاته وماهيته، فهو خارج المكان والزمان النسبيين اللذين يألفهما هذا الإنسان اللامتناهي في الصغر بالنسبة إلى الكون المرئي كما رأينا أعلاه، وبالتالي لا يمكن لهذا الكائن الخارق والخالق إلى أن يكون أزلياً وأبدياً وسرمدياً و لا نهائياً، خالداً لا يموت يعلم كل شيء ، يعلم ما في السماوات وما في الأرض، هو الذي خلق كل شيء، أعطته الأديان عدة أسماء مختلفة، أشهرها الله إله المسلمين، فيما سماه الوضعيون واللاأدريون المهندس الأول والأعظم المصمم للكون le grand architecte de l Univers. ما هي السمة الأساسية والجوهرية لهذا الكائن الخالق للحياة والوجود؟ هل هو إله خير وإله طيب ومصدر للخير في الكون فقط؟ إذا كان الرد بالإيجاب فما هو مصدر وأصل الشر إذاً؟ فإذا لم يكن هو أصل الشر وخالقه فلماذا سمح به وبوجوده ينخر في مخلوقاته التي خلقها، وهل هو عادل وتصدر عنه العدالة الإلهية؟ فإذا كان كذلك فلماذا توجد تباينات وفوارق بين المخلوقات وتوجد كوارث وأمراض وأوبئة وفقراء وأغنياء وضعفاء وأقوياء وتعساء وسعداء وجرائم وعذاب وألم وحزن وفراق وموت الخ، فلو كان قادراً على كل شيء لماذا لا يضع حداً لهذه المفارقات، وهل لهذا الإله الخارق أن يخلق صغرة لايتمكن حتى هو من رفعها؟ حاول الفلاسفة القدماء والمعاصرين ومعهم الأنبياء والرسل والمفكرين والقادة الفكريين أن يبحثوا عن إجابات عن هذه الأسئلة الوجودية الجوهرية لكنهم أخفقوا فصعوبة الموضوع وتعقيده هي كصعوبة وتعقيد فكرة اللانهاية والخلود l infini et l éternité. حاول البعض الاحتماء و التمترس خلف ذريعة حرية الخيار والاختيار التي منحها الله للبشر، لكنه إذا كان يعلم كل شيء فهو يعلم بالضرورة حتماً ما سوف يفعله البشر سلباً أو إيجاباً عندما يمنحهم حرية الاختيار وسيكون هو المسئول عن أفعالهم وبالتالي عن فعل اختيارهم، لأنه هو الذي خلقهم. فإما أن يكون خلقه متقناً كاملاً، وبالتالي لا يمكن للشر أن يمسهم، أو أن يكون ناقصاً أو قاصراً، غير مكتمل وغير متقن، عندئذ سيكون هذا مساً بالذات الإلهية وبالقدرة الكلية الإلهية، مما أتاح للشر، أياً كان مصدره، أن يتحداه ويشكل قوة موازية ومعادلة لقدرته وسلطته. كان ألفيلسوف الإغريقي أبيقور يعرف ذلك ويعيشه بكيانه كله ويشكل تحدياً لنظامه الفلسفي والاعتقادي خاصة فيما يتعلق بمسألة القضاء والقدر والمصير المحتوم والمكتوب سلفاً على البشر الذي كان يقض مضجع مفكر المسيحية الشهير القديس أوغسطين أيضاً والذي حرم طرح مثل هذه التساؤلات وتوعد من يمارسها بنار جهنم ومأواه الجحيم، فعندما سأله أحدهم ماذا كان الله يفعل قبل أن يخلق البشر أجاب" كان يعد الجحيم ليضع فيها أمثالك ممن يطرحون مثل هذا السؤال".
لنعد قليلا لما بدأنا به لنقول إن شمسنا لم تخلق هكذا فجأة بإرادة ربانية لوحدها وإنما جراء سيرورة كونية نجمت عن تجمع أغبرة وغازات ومواد أولية كونية نجمت ربما عن انهيار نجم عملاق أو سوبر نوفا، وولدت من ذلك شمسنا قبل 4.6 مليار سنة، أي بعد 9.2 مليار سنة من حدوث الإنفجار العظيم البغ بانغ، قبل 13.85 مليار سنة وهو العمر التقديري للكون المرئي حسب آخر المعطيات العلمية إلا أن عمره قطعاً أقدم من ذلك بكثير. وبعد ذلك بفترة قليلة تكونت أرضنا في مدار الشمس وبفعل تجمع العناصر الثقيلة والصلدة وبفعل الجاذبية والتجاذب الكهرومغناطيسي والحركة المغزلية ودوران الشمس والأرض البدائية حولها، وليس في ستة أيام كما تشير التوراة العبرية إلى ذلك في سفر التكوين وعنها أخذ القرآن قصة الخلق. إذن بات عمر الأرض معروفا ويقدر بأربعة مليارات ونصف من السنين وهو زمن قصير بالنسبة لعمر الكون المرئي التقديري وليس الافتراضي والذي يتجاوزه بكثير، فالأول ثبت على 13.85 مليار سنة أما الثاني فيعتقد أنه يتجاوز الــ 40 مليار سنة على أقل تقدير. يعود تاريخ أقدم حضارة معروفة على الأرض، وهي السومرية، إلى 5000 سنة قبل الميلاد ولكن ماذا كان يوجد قبلها منذ ظهور الحياة والإنسان والحيوان على الأرض؟ في كتاب محاورات الفيلسوف الإغريقي أفلاطون نجد إشارة تفصيلية لحضارة قديمة اندثرت في زمنه كانت تعرف بحضارة " الأطلنتيك" Les Atlantes، لا أحد يعرف على وجه التحديد تاريخ نشؤها ويقال أن قصورهم ومعابدهم شيدت من الصدف والمرمر والبرونز ويتمتعون بالرهافة، عندما كان أسلافنا يمشون على أربع. وفي حقبة أقرب إلينا، شيد المصريون حضارة متطورة وأنيقة وتمتعوا بثقافة فكرية ومعمارية متقدمة ما زلنا نستمد منها لحد الآن منابع الحكمة ونناقش بفضلها مساءل الوجود والخلود، كما كانت في تلك الأزمان شعوب أخرى تعيش في الأدغال والغابات المظلمة هي شعوب السيلت Celtes التي كانت تقطن في أوروبا ، وبالذات فرنسا الحالية، وهي عبارة عن قبائل نصف متوحشة نجح قياصرة روما بعد قرون قليلة في قهرهم واستعبادهم، بقوات قليلة رغم شجاعتهم الأسطورية واستبسالهم في القتال التي اعترف لهم بها خصومهم وأعدائهم. وما تزال إلى يوم الناس هذا، ونحن في النصف الأول من القرن الواحد والعشرين، شعوب عارية تعيش في الغابات والجبال مقطوعة عن الحضارة والمدينة وتعيش بطريقة بدائية، بل وبعضها من أكلة لحوم البشر. وقبل بضعة عقود تم اكتشاف مغارات مزينة جدرانها بالرسوم الملونة وأشهرها مغارة مونتنياك التي قدر عمر رسومها بثلاثين ألف سنة وربما أكثر. في حين ما يزال سر التماثيل الضخمة المنحوتة في الطبيعة خافياً في جزيرة الباك ولا أحد يعرف عمرها وقدمها ومن الذي نقلها إلى هناك وكيف نقلت؟ مثلما ما يزال التساؤل حول من بنى الإهرامات وأبو الهول وما حولها من معابد ضخمة، هناك نصوص من الأسرة الفرعونية الرابعة تعود إلى 2500 سنة قبل الميلاد وجدت بالقرب من تمثال أبو الهول، تروي لنا بعض من تلك القصص. ما نجهله الآن هو كم مضى من الزمن بين ولادة الإنسان والفترة الزمنية التي وصل فيها تطوره لكي يترك لنا آثاراً وبقايا حفريات عنه. وكيف ظهرت اللغة وتنوعت ولماذا، وكم من الوقت انصرم بين التوصل إلى تقنية صقل حجر الصوان وصنع الأدوات منه، لكننا نعرف الزمن الذي استغرقه البشر تطورياً بين اختراع المطبعة وفلق الذرة. ومنذ ظهور الكتابة وصلت إلينا أخبار وتواريخ بعض الشعوب القديمة، في الفيدا الهندية والكتب الصينية والنصوص السومرية والآشورية والكلدانية والبابلية. تستغرق عملية التحضر أو التمدن لدى الشعوب زمنا، يطول أو يقصر، حسب المؤثرات والظروف المحيطة ووجود أو عدم وجود عامل أو جهة توجه الشعوب البدائية نحو التطور والانتقال من المرحلة البدائية إلى المرحلة الحضارية. يروي لنا المؤرخ الإغريقي الشهير هيرودوت في سنة 450 قبل الميلاد كيف أنه شاهد بنفسه في زيارته لمصر تماثيل ضخمة لــ 345 كاهناً مصرياً كبيراً يعود تاريخها إلى 11340 سنة قبل تاريخ رؤيته لها والحال أن وجود التماثيل يشير إلى وجود حضارة أقدم من 11345 سنة، وبالمناسبة يعتقد أن أغلب فلاسفة الإغريق زار أو مكث ودرس في وادي الرافدين وفي مصر وبلاد فارس والهند والصين وكانوا على إطلاع بتلك الحضارات وكان فيثاغورس معاصراً لبوذا. في كتاب محاورات أفلاطون وزمنه Timée de Platon، أخبر كاهن مصري عجوز محاوره الإغريقي بقصة قائلاً له:" ما هو حقيقي بما سأخبرك به هو أن ثورات عظمى تعاقبت وتراكمت في الفضاء الذي يحيط بالأرض وفي السماء، أحدثت في فترات طويلة متباعد فيما بينها، حرائق مهولة أحرقت سطح الأرض. وقد انقرض سكان الجبال والمرتفعات بصورة أبكر من السكان القاطنين بمحاذاة الأنهر والبحر. ونحن المصريون كان النيل هو منقذنا في كل مرة." وفي الأساطير القديمة نجد أن الآلهة الغاضبة تقوم بتطهير الأرض بالمياه والفيضانات والطوفان، وإذا كانت الماشية والرعاة بمنأى من هذا السيل الجارف في حين إن سكان المدن والجماعات البشرية التي تعيش بالقرب من الأنهار والبحار جرت إلى الغرق. عدا ما حصل في مصر فلم تنهمر المياه من الأعالي على السهول والأرياف بل على العكس، كانت تبدو وكأنها تنبث من أعماق الأرض لذلك بقينا محافظين على إرثنا وآثارنا وتقاليدنا القديمة من الهلاك حيث احتوت معابدنا على قصص وتفاصيل من عرفناهم عن طريق الكتابة والتدوين للتفاصيل ". ويواصل الكاهن روايته قائلاً: "أما عنكم أنتم وعند شعوب أخرى، فبالكاد بعد نشأة الكتابة وتكون البنيات الأولى للحضارة جاءت الفيضانات والطوفان لاكتساحكم ولم تترك إلا بضعة أنفار من البشر، جهلة وأميين لا وجود للجمال والفن والموسيقى في حياتهم، مما يضطركم في كل مرة إلى أن تبدأوا من جديد من الصفر دون أن تعرفوا ما حدث وما وقع من أحداث لأسلافكم في هذه البلدان". من هذا النص نستشف أن لدى المصريين تدوينات ومدونات وتقاليد مكتوبة عن باقي الحضارات التي سبقتهم. وقاموا بدور حلقة الوصل والتواصل ونقل الأحداث والتواريخ بين الحضارات. كانت نينوى الكبرى، على سبيل المثال، تملك جداراً بارتفاع 30 متراً ومحيطه 45 كلم وأبراج بارتفاع 70 متر ويبلغ عدد سكانها أكثر من 600000 نسمة حيث شيدت المدينة في 2680 سنة قبل الميلاد وكانت واحدة من أقوى المدن في العالم وأكثرها وفرة وثراءاً آنذاك، لكنها دمرت وأزيلت عن بكرة أيها ولم يبق منها شيء يذكر كما لو أنها محيت من الخارطة، وتطلب الأمر أبحاث وتنقيبات آثارية أو آركيولوجية كبيرة ومضنية وجهود جبارة وأعمال ضخمة من أجل العثور على بعض البقايا من آثارها. وبابل العظيمة عاصمة وادي الرافدين الشهيرة، وأغلب الحضارات البابلية الأخرى، مدينة سمير آميس المرهفة التي عشقها الأسكندر المقدوني، ، المدينة التي احتوت برجاً كان ارتفاعه 40 كلم وله 100 باب من البرونز وجنائن معلقة التي أعتبرت من عجائب الدنيا السبع وجدران وأسوار ضخمة تحيطها مرتفعة جداً لحمايتها وبسمك مذهل وعدد من القصور الفارهة، وكانت أولى مدن العالم بالشهرة والجمال في زمن المؤرخ هيرودوت ، هاهي اليوم مدفونة تحت الرمال والتراب و لا يعرفها إلى حفنة من علماء الآثار رغم أنها شدهت عهوداً من القوة والعظمة تفوق حتى أهمية باريس العالمية حالياً والتي لا يعود تاريخها إلا لبضعة قرون قليلة تعد على أصابع اليد الواحدة. كما كتب أفلاطون أن بابل هي أم القوانين ومع ذلك غرقت ودمرت.
كل تلك المدن والحضارات المندثرة عرفت أدياناً وآلهة متعددة، ولكن من أين جاء الدين للبشر؟ على امتداد تاريخها كان لدى الأطلنتيك طقوس وشعائر دينية وتقاليد ومعارف ورؤى فكرية ونظريات للخلق ونظرة للكون، كانت هناك سلطة سماوية على اٍلأرض أو سلطة ما فوق أرضية supra terrestre، ممتدة من الأرض إلى الفضاء الخارجي ومتصلة به وبرز أشخاص يتمتعون بموهبة بعد النظر أو الرؤية المستقبلية والتكهن والتنبؤ ومن هؤلاء جاءت النصوص والكتب المقدسة البدائية التي شكلت كنوزاً ومصادراً تاريخية داخل المعابد القديمة وبلاديومات أو قاعات العروش في المدن القديمة التي هي بمثابة مآثر باقية لحضارات قديمة سبقت حضارتنا بكثير. واعتقد بعض العلماء أن كل حضارة كانت تختص بجنس معين من البشر وأعطوها أسماء مثل الحضارة الصفراء والحضارة الحمراء والحضارة السوداء والحضارة البيضاء. ولكل واحدة من هذه الحضارات تطورها الثقافي والفكري ولها دينها الخاص وتقاليد أورثوها لمن أعقبهم من الحضارات والأجناس والأعراق، كما عرفت مدارس استهلالية لتعليم السكان مباديء الدين والمعتقدات الروحية. لا تتوفر بين أيدينا وثائق ومراجع كثيرة عن الحضارتين الصفراء والحمراء، مما جعل بعض العلماء يشككون بمصداقية وجودها المفترض، لذا سيقتصر الحديث عن الحضارة السوداء والعرق السود، ولنشير مبدئياً أن الجنس الأسود الحالي ليس سوى انعكاس باهت لما كان عليه العرق السود الأول على الأرض حتى الأثوبيين الذين عرف أسلافهم القدماء عظمة الحضارة السوداء وكبرياء الكائن الذي كان يتربع على قمة الجنس البشري المتطور والعاقل، لا يمثلون سوى أحفاد متأخرين بقوا على قيد الحياة بعد فناء مئات الأجيال من العرق السود الأول. قبل آلاف السنين من تاريخنا المعاصر، وقبل الحضارة السومرية بكثير، كانت هناك إمبراطورية كبيرة وشاسعة تقع وسط المحيط الأطلسي الحالي وهي حضارة الأطلنتيك ATLANTIDE وهي بعيدة كل البعد عن مخيلة كتاب الروايات العلمية وأفلام الخيال العلمي، كما جاء في وصفها على لسان أفلاطون في محاوراته مع الكاهن المصري. ولقد ذكر الكاهن المصري لأفلاطون قائلاً:" تروي كتبنا كيف أن الأثنيين ــ نسبة لأثنيا Athènes ــ القدماء قبلكم بكثير قهروا ودمروا قوة عسكرية هائلة كانت جزءاً من المحيط الأطلسي كانت قد غزت أوروبا وآسيا. ففي ذلك الوقت كانت اليابسة متصلة وكان بوسعنا عبور المحيط " ويواصل القول ": كانت هناك في الحقيقة جزيرة عامرة تقع مقابل ما تسمونه بلغتكم ــ أعمدة هرقل colonnes d Herculeـ وهي جزيرة تزيد مساحتها على مساحة ليبيا وآىسيا مجتمعتين. وكان البحارة يمرون من هنا إلى الجزر الأخرى ومن تلك الجزر إلى هذه الجزيرة شبه القارة التي تحدها شواطيء البحر وتستحق هذه التسمية وفيها مدخل هو عبارة عن مضيق يؤدي إلى بحر حقيقي وميناء كبير فهي في الواقع قارة حقيقية. وفي هذه الجزيرة ــ القارة الأطلنتيك كان هناك ملوك عظماء ذوي قوة مذهلة ومدهشة تسيطر على الجزيرة ـ القارة ، بأكملها ويهيمنون على باقي الجزر المجاورة وفيما يتعدى المضيق كانوا أسياداً على ليبيا ولغاية الأراضي المصرية وأوروبا لغاية ترهيني Tyrhénie" ثم يقدم أفلاطون شرحاً وافياً ومطولاً ووصفاً دقيقياً للأطلنتيك والجزر التابعة لها ولمدنها الرائعة الجمال splendides، ولمآثرها وصروحها الضخمة وقصورها ذات الجدران المغطاة أو المطلية بالذهب والفضة والعاج والصدف orichalque، ومبانيها ومنشآتها الضخمة ومعمارها الجميل المدهش . كما حدثنا عن ملوكها وأصولهم وقوتهم الهائلة وعظمتهم منذ الملك أطلس، الذي تحول إلى ملك خرافي. في سنة 1678 كتب أحد رجال الدين المسيحيين وهو الأب كيرشر père Kircher، أن أفلاطون كان يجهد في التقليل من أهمية ما سمعه واختزال وصفه إلى الحد الأدنى من الروعة والإشادة والتركيز على الحقائق التاريخية التي لا يمكنه إنكارها من خلال الوصف الجغرافي والفيزيائي للمكان وللوضع الاقتصادي والسياسي السائد في جزيرة ـ قارة الأطلنتيك ووجودها الجغرافي يمكن أن يكون محصوراً بين جزر الكناري وجزر الآزور ils d Açores، وجزر الفلاندر ــ هولندا ونصف بلجيكا حالياً باعتبارها آخر الآثار المتبقية من إمبراطورية الأتلنتيك.
وفي عام 1924 نشر كاتب فرنسي يدعى روجيه دفين Roger Dévigne مجلداً ضخماً مزوداً بالصور والخرائط الموثقة عن " الأطلنتيك الجزء السادس من العالم الأرضي" ، كما جاء في عنوان الكتاب، وقدم ما توفر بين يديه من أدلة وبراهين علمية عن وجود تلك القارة المختفية عن الوجود اليوم وأشار في كتابه إلى وجود تقارب بين حضارة الأطلنتيك والحضارة المصرية الفرعونية في بواكيرها وما يجمعهما من مشتركات وكذلك المشتركات مع الحضارتين الصينية والبيروفية، ووصف معمارها وتماثيلها ومنحوتاتها وآثارها الفنية النحتية التي بدت وكأنها من إبداع نفس الفنانين من أصل إتروسكاني origine étrusque، ولديهم نفس الميل نحو بناء الإهرامات ، ولقد عثر مؤخراً على إهرامات غارقة في عمق المحيط، ووجود شعارات وإيقونات ومنمنمات دينية emblèmes religieux متشابهة مثل الصليب المعكوف la croix anséeأو صليب الحياة وكذلك التاو Tau على شكل قطعة نقدية أو كرسي أو أي شيء آخر. فكل شيء يشير إلى أن مصر القديمة جداً كانت مستعمرة أطلنتيكية أو على الأقل متأثرة جداً بالحضارة الأطلنتيكية وعلى الأخص منطقة مصر العليا وأثيوبيا. جلب الأنطلنتيكيون إلى أوروبا وأفريقيا سر طريقة صهر المعادن وصناعة الصلب والحديد وصنع أسلحة منها وطريقة تبريد النحاس كما دلت على ذلك حفريات حديثة في فرنسا وانجلترا واسبانيا وألمانيا والدول الاسكندنافية فهذا الشعب كان هو القوة العظمى الأكبر على الأرض في حقبة ما قبل الطوفان وقبل الحضارات القديمة التي نعرفها أي السومرية والآشورية والبابلية والفرعونية بألف وستمتائة عام، 1600 سنة. والفرضية الوحيدة التي تفسر تطورهم العلمي والتكنولوجي هي أنهم على اتصال بحضارات فضائية متطورة ومتقدمة جداً تكنولوجياً وعلمياً وتعلموا منها الكثير من الأسرار الصناعية والعلمية. ويقال أن ديانة عبادة الشمس أخذها المصريون من سكان الأطلنتيك الذين كانوا على اتصال بهم في أواخر حياتهم قبل اختفائهم في أعماق المحيط، وعبدوا إله الشمس رع الذي هو في الحقيقة مخلوق فضائي كان على اتصال بالأطلنتيكيين الذي أتخذوه إلهاً لهم وقلدهم المصريون في ذلك. كما عثر الإسبان على آثار لعبادة الشمس ومعابد مأهولة عندما نزلوا من سفنهم واستعمروا البيرو والمكسيك. عثرت بمحض الصدفة أثناء بحثي عن المصادر القديمة، على ثلاث كتب قديمة جداً باللغة الفرنسية لكاتب فرنسي مغمور إعلامياً لكن تأثيره كبير على بعض الباحثين وهو أنطوان فابر د أوليفية Antoine Fabre d’oliviet، في إحدى أسواق بيع الكتب القديمة تعالج العلوم الراقية أو العلوم الغامضة والخفية Sciences Occultes، وعناوينها هي :" اللغة العبرية المستعادة " و " التاريخ الفلسفي للنوع الإنساني" و" والأشعار الذهبية لفيثاغور". يقول أوليفية في كتابه التاريخ الفلسفي للنوع الإنساني أن العرق الأبيض كان متخلفاً وموجوداً في شمال أوروبا وكان يقاوم بضراوة هجمات العرق الأسود الأكثر قوة وتسلحاً وعدة وعدداً ويقود العالم آنذاك. ثم حدث اتصال مع بعض المتمردين داخل معسكر العدو وتعلموا منهم طريقة صناعة الأسلحة المعدنية وتمكنوا من دحر العرق السود الغازي ومن ثم سيطر العرق البيض على كامل أوروبا وقسمها إلى ثلاث مقاطعات أو مناطق رئيسية. المنطقة المركزية وسماها توتس لاند Teuts- land، أي الأرض المرتفعة الراقية أو الرفيعة الشأن، وفي الغرب منطقة سماها هولاند Holl- land أو الأرض المنخفضة أو الغولاند Ghol -land أي الأرض الأدنى ، وفي الشرق منطقة سماها بولاند Pol- land أو الأرض المتفوقة أو الأرقى أما المنطقة الواقعة شمال هذه المقاطعات الثلاثة فسماها داهن مارك D’ahn-mark، أي حدود الأرواح ومايزال بقايا هذه التسميات موجوداً فروسيا هي في الأصل روس لاند Ross – land، أي أرض الجياد ، وبلاد الغال هي في الأصل الغول لاند Ghol –land، ولقد أطلق المؤرخون على هذا العرق الأبيض إسم شعوب السيلت Celtes. وكانت تلك الشعوب تقيم احتفالاً في ذكرى اكتشاف الدبق gui ــ وهو نبات طفيلي، ويحمل الاحتفال الطقسي إسم الليلة – الأم، Nuit-mère وبلغة السيلت نيوهيل أو هيل الجديد New- heyl، ومن هذه الكلمة جاء اشتقاق نويل Noel، ويتم الاحتفال بهذا النيوهيل في الليلة الأولى solstice لانقلاب الشمس في الصيف. وكان سكان السيلت يمتلكون معرفة فلكية متقدمة والشهر عندهم مقسم إلى ثلاثين يوماً والسنة مقسمة إلى 365 يوماً وست ساعات والقرن مكون من 30 و 60 سنة وبالتالي فإن الاحتفال بالنيوهيل أو نويل كان يجب أن يحدث في الليلة الأولى لبدء الشتاء وانتهاء الصيف لكنهم يرجعوه إلى الوارء 45 يوماً بسبب أن السنة السلتية أطول من دورة الشمس السنوية وتحدث خطأ في الحساب بيوم واحد كل 132 سنة وبعد حسابات معقدة بالحاسوب تبين أن عصر السيلت يعود إلى عشرة آلاف سنة قبل الميلاد. كانت قبائل السيلت منقسمة على نفسها ومتناحرة فيما بينها بعنف وشراسة لكنها توحدت أمام الخطر المحدق بها جميعها والمتمثل بالنزعة العدوانية لهيمنة للعرق الأسود واضطروا إلى إيجاد نوع من التنظيم السياسي والديني للحفاظ على تماسكهم. ويصف الكاتب الفرنسي دوليفية كيفية تكوينهم لجمعيات الكهنة والقائمين على المعابد من رجال ونساء، ومن ثم نجحت هذه الفئة الدينية تدريجياً في فرض هيمنتها وسلطتها المطلقة على كافة القبائل والشعوب السلتية، وهي نتيجة طبيعية لمسلمة تقول إن أية سلطة لا يوجد عليها أية رقابة أو سيطرة ولا كوابح ستتجه حتماُ نحو الطغيان وهو حال كافة الأديان على الأرض عندما يهيمن عليها رجال الدين والأكليروس ومن ثم ينحرفون بالأديان عن نقاوتها الأولية وكانت الطبقة الدينية الحاكمة مكونة من الكاهنات النساء الطاغيات druidesses. هاجر عدد من أبناء السيلت قبل عشرة آلاف سنة قبل الميلاد هرباً من الطغيان والاستبداد الذي مارسه الكهنة ورجال الدين على القبائل والشعوب السلتية، وكانوا عبارة عن مجموعات رحل تنتقل باستمرار طلباً للكلأ والماء والمأوى ، واتخذوا إسم البودهون les bodhones، ضد الكهنة المعروفين باسم الدرويديسيات druidesses، ومن هؤلاء البدهون اشتق اسم البدو الرحل bédoins والتي تعني التائهين والمتجولين errant، وكان هؤلاء قد أنزلوا المرأة في مجتمعاتهم من مكانة القيادة إلى أدنى موقع ممكن وهو العبودية وجعلها عبدة خادمة وخاضعة لسلطة الرجل كردة فعل على قيادة وسلطة الــ druidesses، وهذا ما يفسر مكانة المرأة المتدنية عند الشعوب اليهودية والعبرية والعربية المنحدرون من البدهون. من بين الدرويديات كاهن شاب يدعى رام RAM، أو راما. تمكن رام، بعد تجارب عديدة، من معالجة نبات الدبق بطريقة سرية خاصة به، ونجح في استخلاص علاج ضد مرض عضال ضرب شعوب السلت وتعاظمت قوة وشهرة ومكانة رام مما أثار مخاوف مجمع الكاهنات الدرويدييات إلا أن رام تخلى عن مشروع إطاحة سلطة الكاهنات وشعر بأنه مكلف بمهمة أسمى من قبل قوى فوق طبيعية خارقة surnaturelles اتصلت به تخاطرياً عن طريق الإلهام، ولتفادي نشوب حرب أهلية، جمع حوله بعض الأتباع المخلصين، بضعة آلاف من السيلت المؤمنين به وبقواه الخارقة واتجه بهم نحو الجنوب الشرقي. سار بمحاذاة بحر قزوين وتوقف لشهور طويلة عند جبال الأورال عندما عثر على قبائل بدائية خاضعة لسلطة وهيمنة العرق الأسود ويرغبون بالتحرر والانعتاق من قاهريهم الشرسين والقساة، فنظم منهم ومن أتباعه المخلصين قوة عسكرية واجتاز بهم جبال الأورال وبنى قاعدة له بين بحر قزوين وبحر آرال. ومع تعاظم قوة رام التي دحرت العرق الأسود في تلك المنطقة ولاحقتهم إلى جزيرة لانكا وهي جزيرة سيلان اليوم، عاد جيش راما لإحكام سيطرته التامة على كافة المناطق الآسيوية خاصة الوسطى منها والجنوبية ثم اجتازت قواته إيران ثم وصلت إلى شبه الجزيرة العربية حيث لقيت استقبالاً باهراً وتكريماً يليق بها وبقائدها الأسطوري وبعد زيارة بلد الكلدان توجه رام بجيوشه لمصر فخاف الفرعون من قوة جيش رام وبأسه وشعر بعدم جدوى المقاومة فقدم البيعة وقبل بالانضواء تحت لواء رام وقام حاكم أثيوبيا بنفس الشيء مما أخضع ضفاف النيل كاملة ونهر الغانج المقدس وجزيرة لانكا أو سيلان لغاية جبال القوقاز لحكمه. خلدت الكتب المقدسة الهندوسية حروب وفتوحات وإنجازات رام العظيمة وبالغت بها إلى درجة أنها لايمكن أن تحدث في حياة إنسان واحد لكي يقوم بكل هذه الأحداث والمنجزات لذلك تبنوا فكرة أن روح رام تعود إلى إنسان آخر بعد موته فيما يعرف اليوم بتناسخ الأرواح. فبعد اختفاء إمبراطورية الأطلنتيك برزت سطوة العرق الأسود وهيمنت على العالم مقابل عرق ابيض ضعيف ومشتت في شمال أوروبا لكنه كان شعباً شاباً ويتمتع بذكاء فطري وبطموحات تجسدت برام. انهار العرق السود أمام العرق الأبيض المتنامي. تعود حقبة رام إلى فترة تمتد من 6000 إلى 10000 سنة قبل الميلاد. فلقد تمركز فيما يسمى اليوم بشبه القارة الهندية وتحول إلى إله يعبد وهو الدين الذي وجده الاسكندر المقدوني عندما غزا الهند في 326 قبل الميلاد. عندما وصل رام إلى الهند كانت تلك المنطقة تخضع لسلالتين نصبهما الأطلنتيك هناك وهما السلالة الشمسية Dynastie Solaire والسلالة القمرية Dynastie Solaire، في الأولى كان هناك ذرية إكشوكو Ikshaukou وفي الثانية ذرية أول بوذا Boudha، طبقة البراهميين الهندوس Brahmes يقولون إن إكشوكو هو زعيم سلالة الشمس الأول وهو إبن سابع مينو Menou وهذا الأخير هو إبن فيفاسواتا Vaivasouata الناجي الوحيد من الطوفان حسب الأسطورة الهندوسية عن الطوفان، وهي الأسطورة الموجود في كافة الحضارات والأديان والمعتقدات. أطاح رام بالملك راهون Rawhon الذي كان الملك الخامس والخمسون من سلالة الشمس منذ إكشوكو ويسمى داساراثا Daçaratha. عندما غزا راما الهند عثر على التقويم الأطلنتيكي وتبناه بعد دراسته بتمعن وكان على اطلاع على المؤلفات الفلكية التي كانت عند الأطلنتيك وعلى معرفة معقمة بأفكارهم وديانتهم وقال عنه المقربون منه أنه ملهم من الإله الأعلى. وكان هناك تشابه بين دين رام وديانة المصريين ونزوعهما للمعابد الفخمة والضخمة مثلما هو حال الأديان الشرقية مما يلمح إلى مصدرها وأصلها المشترك الأطلنتيكي. كان رام مشرعاً كبيراً وقائداً صارماً وكان بمثابة الشعلة الأطلنتيكية التي خبت ثم تأججت تحت إسمه ، ورام هو الذي يسميه الهندوس في الهند اليوم " راما" RAMA وفي التبيت يسمونه لاما Lama وفي الصين فو Fo وفي اليابان با pa وفي شمال آسيا با با Pa-pa أو با دي شاه Pa-di-shah أو با سي با Pa-si-pa والفرس يسمونه جيام شيد Giam-shyd والآريين يسمونه ديونيسوس Dionysos. وفي 2100 قبل الميلاد كان انهيار السلالة الشمسية قد أدى إلى السقوط السياسي لإمبراطورية رام فكرس رام نفسه للوجود الروحي وللنشاط الديني ونصب مقعده الديني في التبيت الذي ما يزال قائماً إلى اليوم بالرغم من كبر سنه حسب معتقدات اللاميين culte Lamique فالعبادة اللامية تقول إنه حي لا يموت إنما تتناسخ روحه الخالدة وتنتقل من جسد إلى آخر. دامت إمبراطورية رام في الهند 35 قرناً ساد فيها السلام والطمأنينة عند الشعوب الهندية وانتشر أثره الديني بتنظيم محكم وانضباط منقطع النظير وكانت الحضارتين الهندية والصينية قد دونتا كل شيء وبكافة التفاصيل وحافظوا على تلك النصوص وهي الكتب المقدسة الأقدم في العالم اليوم. ملحمة راما يانا Ramayana تروي لنا جزءاً من تاريخ رام، والفيدا Les Vidasهي الأكمل والأقدم ربما بين النصوص الهندية وتليها ملحمة المهابهاراتا Mahabharata التي يحتل فيها بهاغافاد جيتا Bhagavad-Gita حيزاً كبيراً ومهماً، فهي أثر أدبي وملحمي عظيم ما يزال يستخدم كدليل منذ قرون عديدة لملايين من الناس. فمصدر إلهام رام هو الأطلنتيكيين كما كانوا كذلك مصدر إلهام العبادات والديانات المصرية والعبرانية ولا سيما الكابالا وأسس الفلسفة المحكمة والغامضة أو السرية والرمزية أو المرمزة والتي عبرت لبقية الشعوب عبر المدرسة الفيثاغورية ومدرسة الإسكندرية ووصلت إلى الإغريق وتلقفها العرفانيون والكاباليون اليهود، وهناك مصدر آخر هو الفلسفة الطاوية والبراهمانية والبوذية وغيرها التي شكلت منهلاً خصباً للأفكار والمعتقدات الدينية والفلسفية المعاصرة. لا بد أن نعرج قليلاً لنتحدث عن شخصية مهمة ثبت وجودها تاريخياً وخلقت تياراً روحانياً مهماً تحول إلى ديانة منتشرة اليوم في جميع أرجاء العالم لا سيما في الهند وأفغانستان والصين واليابان، وهي شخصية بوذا. عندما توفي بوذا عن عمر الثمانين، أعلن الحداد لمدة سبعة أيام من قبل أتباعه ثم أحرقت جثته وكان شهرته قد طفقت الآفاق وانتشرت رسالته وأقواله وتفاصيل حياته بين المؤمنين به والسائرين على خطاه. وكان هذا المعلم الروحي المستيقظ والمستنير l éveillé قد حذرمن مغبة تقديس شخصيته وقال بالحرف الواحد:" عندما أموت كونوا أنتم كما أنتم كونوا جزيرتكم الخاصة بكم ومأواكم وملجأكم ولا يجب أن يكون لديكم ملاذ آخر غير أنفسكم ولا تلجئوا أو تعودوا لي". ومع ذلك تنازع الأتباع في تقاسم رماد بوذا وبقاياه، وجمعوا أقواله وأفعاله وسنته وشهادات المقربين منه وصحابته. حدثت بينهم انشقاقات وهرطقات وتأويلات وخلافات أدت إلى نشوء عدة مدارس بوذية، بشأن الطريق الواجب إتباعه لبلوغ الغاية القصوى التي وصلها المعلم الأول بوذا ذاته أي الــ "آرشات archat" وهي الرؤية الإختراقية المؤدية للصحوة واليقظة الدائمة والتسامي. وهذا الطريق صعب وشبه مستحيل، مقصور على عدد ضئيل جداً من المختارين لاجتيازه وبلوغ نهايته كما فعل بوذا. وقد عقدت مجالس عقائدية وفكرية بهذا الخصوص في القرن الرابع قبل الميلاد من قبل كهنة الديانة البوذية لتحديد معالم الطريق واعترافهم بأن الوصول إلى "آرشات archat" كامل وتام ومتقن ومثالي أمر غير قابل للتحقيق ووهم لا يمكن لأحد غير بوذا تحقيقه وتحويله إلى واقع وكانت إحدى المدارس قد اعترضت على ذلك وقالت بأنه من الممكن السير على خطى " طريق القدماء la voie des Anciens بغية امتلاك الرؤية الإختراقية vision pénétrante et l éveil وبلوغ اليقظة والديمومة الروحية theravada الذرافادا للتحرر من سلطة الجسد المادي والانعتاق منه وتحرير الروح . ويصف هؤلاء بوذا بأنه إنسان، بشر، حكيم بلغ مرحلة اليقظة الروحية l éveil spirituelle، وهو معلم من الطراز الأول عرف كيف يكيف خطابه لمختلف المستويات من الأتباع والمتلقين إلى درجة إعطائهم ما يربو على 84000 باباً للولوج ووضع خطواتهم مطابقة لخطواته واتباع تجربته وبذلك يمكنهم التحرر من السامسارا samsara، وهناك سبل معقدة لبلوغ هذه الغاية تمر عبر الصلاة والتأمل والترحم méditation et compassion والتقشف austérité. ويمكن إتباع التعليمات التي أعطاها بوذا نفسه ليس من خلال الـ "آرشات archat"، بل من خلال بوذيساتفا bodhisattva، أي أسلوب الكائن الاستثنائي الذي لا يبغي بلوغ النرفانا nirvana، بل اليقظة التامة والكاملة أو الصحوة المثالية éveil parfait. وبوذا ليس هو المعلم الوحيد بل هناك آلاف النسخ من بوذا بعدد حبات الغبار على شواطيء نهر الغانج Gange المقدس وعلى مختلف مستويات الوجود فكل كائن عليه أن يبذل ما في وسعه لكي يغدو بوذا آخر. والسؤال هو: من هو بوذا الحقيقي، بوذا التاريخي؟ حسب نص المهايانا mahayana فإن شخص غوتاما Gautama، وهو إسم بوذا البشري الحقيقي، ليس مجرد كائن بشري، وهذا التأكيد يعتبر من الهرطقة في نظر البوذيين التقليديين الــ theravada الثيرافاديين. فهو في نظر التجديديين «ظهور أو تجلي فيزيائي مادي في جسد ممسوخ أو ناقص، لبوذا الكوني الروحاني. ولمعرفة سر هذا " الجسد" ينبغي الركون إلى عقيدة التريكايا trikaya، أي بعبارة أخرى عقيدة الأجساد الثلاثة لبوذا المتعايشة في نفس الوقت والمتواجدة في آن واحد أي بوذا الذي وصفته عقيدة المهايانا البوذية. فهذا الوجود الثلاثي متجسد في جسد بوذا وفي كل بوذا آخر يأتي بالتناسخ. الجسد الأول هو الجسد الخفي الخالي من أي شكل وهو المسمى ذرماكايا dharmakaya، أي جسد ذرما، وهو جسد خالد لا يموت، فريد من نوعه وكوني، وهو جسد بوذا الأصيل الأولي قبل تجسده المادي والذي يمثل البعد الكوني في خواء الصحوة الدائمة vacuité de l’éveil، والوحيد القادر على تقبل الكائن الكامل المتحرر كلياً من السامسرا samsara. الجسد الثاني هو المعروف بإسم سامبوغاكايا أو جسد القصاص le corp de rétribution، وهو مجرد انعكاس للذرماكايا dharmakaya، وهو يظهر بفضل تراكم الاستحقاقات والسجايا والمزايا الجدير بها، وبالتالي فهو جسد شبه مثالي يتسم بخمس سمات ومكلل بخمس هبات من الكمال من شأنها أن تنقذه من دورة التناسخات المضنية. والجسد الثالث هو النيرماناكايا nirmanakaya أو جسد الانبثاق émanation، الذي اختاره البوذا الروحي لكي يتجسد مادياً في جسد كائن بشري هو غوتاما Gautama والذي هو في الأصل جسد الأمير سيدهارتا Siddhârta. الجسدين الأخيرين هما تجلي صارخ للجسم المدرك corps perceptible لبوذا الأصيل الأولي غير المادي أو بوذا الكوني. ولكن التقديس الموجه لبوذا اليوم يأخذ الطابع التأليهي divinisé رغم أن الديانة البوذية لا تعترف بوجود إله خالق، ولا تعتقد بوجود جنة ونار وجحيم وفردوس وعقاب وثواب كما نصت عليه الأديان السماوية الثلاثة اليهودية والمسيحية والإسلام. الحياة من وجهة نظر بوذا ليست سوى دورة من المعاناة والعذاب تبدأ من الولادة ومحفوفة بالنواقص البشرية كالشيخوخة والمرض والموت والحزن والتلوث والنجاسة. ولقد أخذ بوذا ثلاث خصال من الديانة الهندوسية الفيدية ــ نسبة إلى فيدا ــ ومنصوصة باللغة السنسكريتية وهي " الكارما karma، والسامسارا samsara ، والنيرفانا nirvana " وكيفها وفق مفهومه للذات الفردية فالهندوسية تعتقد بوجود الذات الدائمة الخالدة المعادلة للروح في التقاليد والمعتقدات الدينية الغربية، والتي تتناسخ مرات ومرات إلى أن تتخلص وتتحرر نهائياً من عقوبة الانبعاث وعودة الميلاد المتكررة ، بينما يرفض بوذا وجود الذات ويقول بأن كل كائن حي هو بمثابة تجمع لخمسة عناصر مكونة للتقلبات fluctuations، كما في الفيزياء الكمومية أو الكوانتية، وهذه العناصر الخمسة هي :" الجسد أو المادة، المشاعر والأحاسيس، الإدراكات، التشكيلات النفسية أو الروحية ، والوعي". فالذات إذن في حالة تغير من ثانية لأخرى ودائماً مؤقتة.
2
تبين لنا في الجزء الأول من هذه الدراسة أن الحضارات القديمة، أنتجت أديانها الخاصة بها، ولهذه الحقيقة دلالة عميقة ومؤثرة على حياتنا لأن ثقل الماضي على الحاضر أمر لا مراء منه ولا جدال في أن الحاضر ما هو إلا تراكم للماضي، الذي إن تمكنا من فك طلاسمه وأسراره وسبر أغواره وفتح شيفرته ورموزه، سيتكون عندنا سبيل مهم لتلمس طريق المعرفة، علماً بأن المنهجية المعرفية الوحيدة المقبولة والمعترف بها هي تلك المبنية على التجربة والنقد والتقدم العلمي واستبعاد كل معرفة ماورائية غيبية مغلفة بالخرافة، كما ولا بد من التصدي لكل من يقف حجر عثرة من المدعين بأنهم يدافعون عن المعرفة الإلهية أو الحفاظ على المصدر الإلهي للمعرفة، لأن فضحهم سيكشف زيف وسطحية وسخافة المعطيات التي يتشبثون بها والتي كانت تعتبر مقدسة كما كانوا يريدون إقناع شعوب الأرض بذلك، ولقد نجحوا في نشر جرثومة ، أو فيروس التقديس في صلب الكثير من الشعوب والحضارات التي كانت متألقة ومقرونة بالقوة والعنف والجبروت رغم أنها كانت تستسلم لبدعة إلى الخرافات والأساطير والقيم الفكرية القديمة المهيمنة آنذاك، و التي عفى عليها الزمن اليوم. فآفة البشرية هي التقديس والقداسة والمقدس للأشخاص والأحداث، وإن كل مظهر من مظاهر المقدس إن هو إلا محصلة، وكل طقس، وكل أسطورة، وكل معتقد إن هو إلا صورة إلهية ماورائية وغيبية تعكس تجربة المقدس كما أشار إلى ذلك عالم ومؤرخ الأديان الشهير إليا ميرساد في كتابه الموسوعي" تأريخ المعتقدات والأفكار الدينية". وكان العديد من الفلاسفة قد سلكوا طريق الدين واللاهوت للوصول إلى الفلسفة كهيغل وفيورباخ وغيرهم، فكان الدين دائماً وظيفة جوهرية وأبدية للروح الإنسانية. وكان فيورباخ، على سبيل المثال يقول في محاضراته عن جوهر الدين:" لقد كان شغلي دائماً وقبل كل شيء أن أنير المناطق المظلمة للدين بمصابيح العلم حتى يمكن للإنسان أن لا يقع ضحية للقوى المعادية التي تستفيد من غموض الدين لتقهر الجنس البشري" ويقصد بها هنا المؤسسات الدينية وطبقة الأكليروس ورجال الدين والكهنة التي تريد التحكم بــ ، والسيطرة على، الجنس البشري وتسيره وفق أهدافها ومصالحها وأهواءها للحفاظ على سلطتها بإسم الدين. وكان السلاح بيد المفكرين والفلاسفة ورجال الدين المتنورين والمتمردين على المؤسسة الدينية وظلاميتها، هو الفلسفة في باديء الأمر والعلم فيما بعد، ابتداءاً من القرن السابع عشر. إذن كان الدين سلاحاً بيد القائمين عليه وحراسه الدنيويون لقهر الشعوب وتجهليها وإخضاعها بإسم الإرادة الربانية العليا. ولكن كيف نشأ التفكير والشعور الديني؟ وماهي الأديان الأولى للبشرية البدائية؟ كيف ظهرت مفاهيم المقدس والقداسة والأضاحي والقرابين والخلاص والمخلص والتضحية والفادي والفداء والخطيئة والشعائر والطقوس والعبادات وطبقة رجال الدين؟ وكيف انتقلت البشرية الأولى من عبادة الآلهة المتعددة إلى عبادة الإله الواحد؟ ولماذا ارتبط العنف بالمقدس؟ ولماذا تعددت الأديان بدلاً من دين واحد إذا كان منبعها مصدراً واحداً هو الله؟ وماهي نقاط الاشتراك والتقارب ونقاط الاختلاف والتباعد بين الأديان ومؤسسيها. وأخيراً هل سيقع تصادم وصراع حضاري بين الأديان؟ سنحاول الإجابة على هذه التساؤلات في سياق هذه الدراسة مستندين في ذلك على كل ما يتوفر لدينا من معطيات ووثائق ومصادر علمية وتاريخية موثوقة. تخبرنا الاكتشافات الآركيويولجية الحديثة وعلماء الأنثروبولوجيا الكبار أن التجمعات البشرية البدائية كانت تمارس نوعاً من العلاقة الغامضة مع قوى وأرواح خفية غير مرئية تخيلتها وهي تسيير وتتحكم بالطبيعة وتلاحقها بالموت لا سيما في مرحلة إنسان الكرومانيون Cro-Magnons، وحقبة الهوموسابيان أو الإنسان الواعيHomo sapiens، حيث كان البشر في تلك الفترة يعيشون تحت رحمة الطبيعة وتقلباتها المناخية وظواهرها الطبيعية الغامضة بالنسبة لهم وكانوا مرعوبين من لغز الموت وما بعد الموت ومأساة الفراق. وكانوا يدفنون مع موتاهم أدوات وأغذية لاعتقادهم أن موتاهم سيواصلون رحلة الحياة ولكن بطريقة أخرى بعد الموت، وبالتالي كان ما في داخل تلك القبور التي يعود تاريخها إلى أكثر من مائة ألف سنة، أول مظاهر لحظات التدين لدى الإنسان البدائي قبل ظهور الأديان المنظمة والمبرمجة. وكانوا يرسمون عالمهم وما يحيط بهم من مخلوقات وحيوانات على جدران الكهوف التي تأويهم، لا سيما في عصر الصيد والتقاط مايوجد في الطبيعة Chasseurs – Cueilleurs، وفيما بعد في العصر الحجري paléolithique حيث كان هناك مايشبه التدين العفوي الفطري، يشبه طقوس الشامان والديانة الشامانية، وهي ديانة تقديس الطبيعة الحية المتطورة التي تمتلك القدرة والوعي وتتحكم بحياة الإنسان البدائي. وما تزال بقايا تلك الاعتقادات موجودة لدى الشعوب البدائية الأصلية في استراليا قبل دخول الإنسان العصري الأبيض إليها واستعمارها وكذلك في سبيريا وغابات الآمازون وأعماق أفريقيا. كان إنسان تلك الفترة يريد أن يضفي ملمحاً جوهرياً لعالم خفي غير مرئي ومجهول لا يعرف عنه شيئاً. كان هناك شعور مبهم لدى إنسان العصر الحجري لا يمكن اعتباره ديناً ذو طقوس وشعائر وأساطير وخرافات ومعجزات كما نلمسه اليوم، بل مجرد معتقدات مبنية على مسلمة واحدة هي محاولة إنقاذ الروح ووجود أرواح للطبيعة يحاول ذلك الإنسان البدائي أن يتفاوض معها ويتقرب إليها باعتبارها المسبب الخارق، أو ما فوق- طبيعي، للأحداث الطبيعية وهذا ما نصفه علمياً أو أكاديمياً، بالديانة الشامانية le chamanisme. هناك أطروحة تقول أن الأصل الأفريقي هو الذي انحدرت منه كافة التشعبات والأعراق البشرية الأخرى ولذا فهي تتحلى بذاكرة جمعية نجمت عنها كافة الميثولوجيات اللاحقة ، فكل دين موجود اليوم له جذر يعود لدين أولي بدائي انتشر بفعل الهجرة والتنقل الدائم بحثاً عن الماء والكلأ عندما كانت اليابسة متصلة، سيما في حقبة الهومو هابيليس Homo habilis أي الإنسان الماهر حيث تمكن بعد مليوني سنة من صقل الحجر والصوان وصناعة الأدوات والأسلحة البدائية التي تساعده في الصيد ، أما موجة الهجرة الكبرى فقد حدثت في حقبة الإنسان المنتصب Homo erectus قبل ستمائة ألف سنة وعنه نشأ الإنسان الذي يعرف أو الإنسان الواعي الذي انحدرنا نحن منه . وكان عالم اللغويات الألماني فلهيلم شميد Wilhelm Schmidt 1868-1954، قد أكد في كتابه المعنون" أصل فكرة الله L’origine de l’idée de Dieu" الصادر عام 1912، أن التوحيد هو الفكر الديني الأولي لدى الشعوب البدائية حيث استنتج ذلك من خلال معايشته لقبائل بدائية تعيش في جنوب شرقي آسيا لفترة طويلة وتعلم لغاتهم وعاداتهم وتراثهم الشفوي، لكنه رأي متحيز بقدر كونه قاطع، ولو بدون دليل علمي، إذ لم يكن سوى استنتاج مبني على الملاحظة والمعايشة اليومية لأنه كان مبشراً دينياً كاثوليكياً في نفس الوقت. إلا أن ذلك الإله الواحد، صار يبتعد تدريجياً مع مرور الوقت كما ابتعدت الإله’ آن An، أكبر الآلهة السومرية في حضارة وادي الرافدين كما تخبرنا أسطورة رافدينية قديمة بذلك. ومن ثم نشوء مفهوم المقدس الأصلي numineux الذي تطرق له عالم الأديان الشهير ميرسيا إلياد Mirciea Eliade في كتابه المقدس والمدنس Le Sacré et le Profane. لنعد مرة أخرى للتسلسل التاريخي ولما أخبرتنا به فرضية حضارة الأطلنتيك، حيث كان المصريون القدماء آخر معاقل الفكر والتنظير الأطلنتيكي الحضاري ولقد احتفظت مصر الفرعونية بذكريات ومنجزات الشعوب الأطلنتيكية المندثرة عندما خضعت لسلطة الكهنة الفينيقيين وكانت متشبثة بتقليدين جوهريين الأول يأتيها من العرق الــعابد للآلهة الجنوبية sudéenne، والثاني من العرق الــعابد للآلهة الشمالية boréenne، واستلهمت منها طرق العبادة والقوانين. حافظ المجمع المقدس المصري على تقاليد قديمة منحته شعوراً بالتفوق على الآخرين. فكهنة طيبة Thèbes، يسخرون من إدعاءات الإغريق، بعد مرور قرون عديدة، بأنهم أصليون ويتحدثون عن طوفانات محدودة ويعطونها باعتبارها الطوفان الأكبر وشخصيات خرافية مثل أوجيجيس Ogygès، وديوكاليون Deucalion، باعتبارهم الأسلاف الأوائل للبشرية وللنوع الإنساني. ويتناسون أو يتجاهلون ما يدينون به لشعوب السيلت والكلدانيين والفينيقيين وللمصريين أنفسهم الذين نهلوا من علومهم ووضعوا في كريت قبر زيوس الإله الحي وجعلوا ولادة ديونيسوس في قرية نائية من الفيوتيا الــ Béotie، ذو الذكاء الإلهي وفي جزيرة صغيرة من الجزر الإغريقية وضعوا أبولو Appollon، الأب الكوني ما جعل الكاهن المصري يقول لمسولون Solon،" أنتم أيها الإغريق مثل الأطفال الذين يضربون مرضعتهم، تعتقدون أنكم علماء وعارفون في حين أنكم لا تعرفون شيئاً من تاريخ العالم والبشر". وهكذا كانت مصر آخر محطة رست فيها قوارب الفكر الحضاري الأطلنتيكي أو ما تبقى منه على أية حال. فشعوب السيلت التي هاجرت مناطقها وتحولت إلى قبائل تائهة وجوالة بلا وطن ثابت ولا مأوى مستقر وهم الذين عرفوا بإسم البدهون، ومنهم جاءت تسمية البدو الرحل، من هؤلاء انحدر الشعب العبري العدو اللدود للكهنة القادمون من الهند كغزاة والذين أرغموا العبرانيين على الهرب في الصحراء لكيلا يقعوا عبيداً بأيدي الكهنة. لذا بوسعنا أن نؤكد أن العبرانيين ليسوا من بقايا الكهنة الفينيقيين كما أعتقد بذلك بعض الكتاب. فهذا الشعب نتج عن اختلاط فئة من الــ sudéenne، و الــ boréenne في شبه الجزيرة العربية . وإن معارضتهم للعقيدة الإيونية ionnienne ، أجبرتهم على التخلي عن أرضهم، ولقد تعرضوا للاضطهاد في مصر وأثيوبيا ما جعلهم متعصبين ومتشددين واعتبروا بمثابة جماعات غير قابلة للتآلف وغير اجتماعيين وانعزاليين لا يمكن قهر العند الذي يميزهم وطردوا للصحراء باعتبارهم نوع من المنبوذين المشردين الأنجاس والملوثين أو المدنسين impurs parias، وهؤلاء هم الذين وجدهم موسى في مصر كما تقول مصادر التاريخ الديني العبري والتوراتي. لا أحد يعرف على وجه التحديد ما هو أصل موسى وهل هو شخصية تاريخية حقيقية. تقول الرواية العبرية التي ينقلها الإسلام بحرفيتها تقريباً، أن أمه وضعته في قفة ورمته في النهر خوفاً عليه من القتل إثر إعلان الفرعون المصري قتل كل الأطفال الذكور عند العبريين لكنه أنقذ على يد إبنة الفرعون التي ربته كأنه إبنها، لكنه عندما كبر في البلاط الملكي وعلم بأصله الوضيع باعتباره من العبرانيين ترك البلاط والتحق بشعبه. بينما تقول رواية أخرى أنه إبن حقيقي لإبنة الفرعون أي حفيد الملك الفرعون الحاكم أي هو من دم ملوكي ولكي تتفادى الأميرة إبنة الملك الفضيحة اختلقت هذه القصة المسرحية والمخرجة باتقان لكي تحافظ على إبنها وتربيه دون أي اعتراض ، ولقد لمح سيغموند فرويد إلى ذلك في كتابه المهم موسى والتوحيد، وفي كلتا الحالتين فإن موسى تربى في أحضان إبنة الفرعون وفي البلاط الملكي، وكان العلم آنذاك محتكراً من قبل كهنة المعابد وإن الملكية كانت دينية أكثر منها مدنية أي أن الفرعون هو رأس الهرم الديني أي الإله على الأرض، وبالتالي فإن موسى كان من المطلعين والمعدين إعداداً عقائدياً متقدماً ومتقناً للعقيدة الدينية المصرية ومطلعاً على الأسرار العليا بسبب ذكاءه الحاد، لكنه لم يتمالك غضبه عندما رأى قائداً عسكرياً مصرياً يضرب عبداً عبرياً بقسوة فقام بقتل الضابط المصري بيده ثم هرب خوفاً من غضب الملك الفرعون. أمضى بعض الوقت في أثيوبيا وأطلع هناك أيضاً على مآثر وعقائد وتقاليد الأطلنتيكيين الأصلية خاصة فيما يتعلق بمسألة التوحيد والوحدة الإلهية وعثر على بقايا التجمعات البشرية العربية التي طردها الكهنة الفينيقيون من اليمن ما يعني أنه استكمل تعليمه الديني الذي حصل عليه من الكهنة المصريين حراس التقاليد الأطلنتيكية الأصيلة، ولكن هذه المرة على يد الكهنة الأثيوبيين. وهؤلاء العرب هم نتاج اختلاط بقايا الأطلنتيكيين وأحفادهم مع السيلت البدهون أو البدو وكانوا يحقدون على أولئك الكهنة الذين كانوا يحملون إسم الفلستينيين philistins، وكانوا مشتتين في مصر وأثيوبيا وكانوا تعساء ، وعاش موسى بينهم وكان رحالة متجولاً وراعي غنم عند جيثرو Jéthro وتزوج من إبنة هذا الأخير وهي زيفورا Zéphora، وكان جيثرو أحد الكهنة من عرق العرب المشردين بلا وطن ولكن من الجزء المسمى العبرانيين وكان مطلعاً على أسرار الأسلاف وعلمها لموسى بدوره وربما كان يمتلك بعض المصادر أو الكتب والصحف الأطلنتيكية التي أعطاها لموسى ليطلع عليها ويتعلم منها مثل كتاب:" أجيال آدم Le Livre des Générations d’Adam، وكتاب حروب إيهوا les Guerres de Ihôa، وكتاب التنبؤات أو النبؤات Prophéties، التي ذكرها موسى كمصادر لمعلوماته ومعارفه الروحية وادعى أنه تلقى في الصحراء أولى الإلهامات الربانية أو الإلهية باعتباره المختار من قبل إله أجداده والذي سماه إيهوا أو يهوه Ihôa أي الكائن بذاته l Etre-étant، مصدر الحياة والرفاه، ومجري النعم، والذي أسمعه صوته من خلال الدغل المحترق أو الشجرة المتوهجة buisson ardent. ثم تحمل موسى مهمة نشر أسطورة الإلوهيم Aelohim، كائن الكائنات جميعاً وموجدها، ورب نوح الذي أنقذه من الطوفان وأبراهام ــ إبراهيم ــ الذي أنقذه من النار عندما أراد الملك النمرود حرقه حياً ،وهذا الأخير هو الجد العظيم المشترك للعرب والعبرانيين ، وأخيراً موسى المنقذ من القتل وهو رضيع، ومنه إلى جوشوا Josué ، الذي واصل رسالته ــ وليس هارون شقيقه كما يقول المسلمون ــ ومن الطبيعي الاستنتاج أن كل ما عرضه موسى كان مجازيا أو استعارياً فيما يخص أصله وحكايته والأساطير المرتبطة به وهي موصولة بجذور كونية ضاربة في القدم تعود إلى حقب غائرة في الماضي العميق للوجود، حسب الطريقة التي ينتهجها الحكماء القدماء التي تعود أصولها إلى ما قبل حقبة الأطلنتيكيين ومعطيات الكارثة التي أدت إلى اندثارهم بل وإلى ابعد من ذلك ألا وهو المبدأ الأول للأشياء كما صاغته الحكمة الخالدة التي احتفظ بها القباليون ــ الكابالا ــ العبرانيين عبر العصور كأسرار ورموز تأتينا من حقب ما قبل موسى إلى يوم الناس هذا. وبين موسى وعيسى أو يسوع المسيح يتمركز الفلاسفة الإغريق الكبار الذين استنشقوا من نبع المعرفة البشري القديم جداً ، من خلال تجوالهم واتصالاتهم بالحضارات الرافدينية والمصرية القديمة ، ومن هؤلاء فيثاغورس الذي ولد في ساموس Samos ، سنة 608 ، ويقال سنة 570، قبل الميلاد وزار صور وهو شاب لدراسة علوم الفينيقيين ثم زار مصر وشبه جزيرة العرب ومن ثم ذهب إلى بابل وأقام فيها إثني عشر عاماً ونهل من أسرارها وعلومها الكثير وأطلع على الديانة الزرادشتية عندما زار بلاد الفرس، وكان قد تعرف على أولياتها في بابل. ومن ثم عاد وأسس مدرسة فكرية وفلسفية وعلمية في كروتون في إيطاليا ولقد أثرت مدرسته وآثاره على مستقبل البشرية جمعاء. بفضل كتابات تلامذته وأتباعه ومريديه. وأخيراً وليس آخراً، لا بد من أن نعرج ولو قليلاً لنتحدث عن مصدر آخر للتوحيد الأ وهو الصابئة، وهي من الديانات القديمة جداً في بلاد الرافدين " والصابئة " يسمون في بعض الأحيان "المندائيين" ويشكلون مجموعة بشرية متميزة وقديمة جداً يتسمون بطابع الكتمان والإنزواء وعدم التدخل في شؤون الديانات الأخرى. عدهم البعض من بقايا الديانات الآشورية والبابلية ونعتهم البعض خطئاً بأنهم وثنيون يكتمون إيمانهم، وهم من عبدة الكواكب والنجوم وطقوسهم وشعائرهم تتصل بديانات بابل القديمة وهم قطعاً ليسوا مسيحيين لأنهم لا يؤمنون بالسيد المسيح ولا بإلوهيته وآخر نبي مقدس عندهم هو " يوحنا المعمدان أو يحيى بن زكريا"، فأعتبروه هو المخلص وهو النبي المجدد والمنقذ أو المنتظر فأجلوه وعظموه لأنهم يعتقدون أنه هو النبي المرسل إليهم خصيصاً. ودمغهم آخرون بأنهم من عبدة الملائكة ولديهم كتاب مقدس هو " كنزا ربا" أو الكنز العظيم، وكتاب آخر هو " السيدرا" ، وهم في واقع الأمر من أوائل الموحدين إن لم يكونوا أول الموحدين ولديهم تراث ديني وفلسفي وفكري وعلمي عريق بل ونظرية خاصة في الخلق والكون تضرب عميقاً في جذورها في العصور الغابرة، لذلك فهي من أقدم الديانات التي عرفها البشر وطقوسهم ترتبط بالماء وبالطهارة لذلك تراهم يتجمعون بالقرب من الأنهر، كما أنهم تأثروا فيما بعد بالفلسفة اليونانية واقتبسوا الكثير من مفاهيمها ومسائلها وأدخلوها إلى معتقداتهم. وهكذا فإن الدين الصابئي دين توحيدي يؤمن بإله واحد إنبعث من ذاته لم يخلقه أحد، وبالطبع يؤمنون بالثواب والعقاب وبيوم الحساب والآخرة. ويعتقدون أن الجسد فاني والروح أو النفس خالدة وهي التي سيعاد بعثها من جديد وهي جزء من روح عليا جماعية موجودة في الملكوت الأعلى ويمارسون التعميد في الماء الجاري كما فعل نبيهم يوحنا المعمدان حين عمد السيد المسيح يسوع أو عيسى بن مريم.
3
منذ فجر الإنسانية ونشأة الحضارات البشرية، هناك في كافة المجتمعات والأديان أموراً وأطروحات ورؤى وعقائد تتعلق بالكون والحياة والأصل والمصير. ففي العصور القديمة كانت المسائل الكونية تقع على عاتق الكهنوت الذي يدعون بأن لديهم اتصالات بالملأ الأعلى ويتلقون الوحي الذي تمليه الآلهة على البشر. فالسماء يقطنها آلهة وأبطال خارقون أسطوريون وكائنات أخرى عديدة كالجن والعفاريت والوحوش الهائلة والأرض خصصت للبشر الذين كان هدف وجودهم هو خدمة الآلهة كعبيد وإن خلق الكون جاء نتيجة مباشرة لقوى خارقة للطبيعة لم تكن تحمل اسم الله الإله الواحد بعد.
ولد علم الكونيات الحديث في عشرينات القرن المنصرم القرن العشرين وقبله لم يكن البشر يعرفون الشي الكثير عن الكون سوى ما تسطره لهم خرافات الكتب المقدسة، وكانت البداية العلمية الحقيقية مع الثورة الكوبرنيكية على يد كوبرنيكوس وأطروحات غاليلو غاليله ويوهان كبلر ثم جاء نيوتن بقانون الجاذبية الكونية حيث اعتبر نيوتن الكون مستقر ولانهائي لأنه لو لم يكن كذلك لانهار بفعل قوة الجاذبية المتبادلة بين النجوم والمجرات التي ستقود إلى تقلصه وانكماشه لذلك لا بد أن يكون لانهائي ومستقر وثابت وغير متغير. بيد أن آينشتاين نسف هذا التصور النيوتني بنظريته النسبية الخاصة والعامة بين 1905 و1915 التي تبحث في الجاذبية وتطورها وكيفية عملها وتأثيرها وقال إن هذه الأخيرة ماهي إلا انحناء في نسيج الزمكان بسبب كتلة الأجسام في الكون، لكن آينشتاين لم يكن يعلم في ذلك الوقت أن الكون يتمدد ويتوسع كما أثبت هابل ذلك مما اضطر آينشتاين إلى مراجعة معادلاته التي سبق أن اضاف لها معامل جديد أسماه الثابت الكوني لكي يبقي الكون ثابتاً ومستقراً وغير متحرك ولا متغير. وأعيد النظر في مفاهيم اللامتناهي في الصغر واللامتناهي في الكبر والفراغ الكوني وحدود وحافة الكون ومركزه. وبفضل نظرية آينشتاين ومن عمل عليها من العلماء من الجيل اللاحق أو المعاصر لآينشتاين صيغت نظرية الانفجار الكبير والنظرية المعيارية لفيزياء الجسيمات الأولية وتبلورت مبادئ وقوانين ومعادلات نظرية الكموم أو الكوانتوم الخ..
والآن لنلقي نظرة سريعة على ظروف النشأة الأولى للكون المرئي البعيدة عن الرؤية الميثولوجية الدينية عن الخلق الإلهي كما روته الكتب السماوية التوراة والإنجيل والقرآن وحكاية سفر التكوين وخلق الأرض والسماوات والإنسان آدم وأنثاه من ضلعه حواء وذريتهم وقصة إبليس والشجرة المحرمة والخطيئة الأولى والطرد من جنة عدن الخ..
من المحتمل أن يعود تاريخ ولادة الكون المرئي إلى13.8 مليار سنة. بقدر ما يمكننا العودة إلى الوراء في حساباتنا، إلى الأجزاء الأولى من مليار المليار من الثانية الأولى، حيث كل شيء يعزى إلى التقلبات الكمومية أو الكوانتية fluctuations quantiques (وهو تغيير مؤقت يحدث في مستوى الطاقة في الفضاء ويخلق تلقائيا أزواج افتراضية من الجسيمات والجسيمات المضادة الأولية) والتي تخلق ما يسمى "الطاقة الفراغية". الصعود زمنياً أكثر من I0-43s بعد" الانفجار العظيم «. يعتبر مستحيلاً وفق قوانين الفيزياء التي نعرفها وهي الفترة الزمنية القصوى التي يمكننا الوصول إليها. ما الذي لا يمكن تصوره في الزمن الذي يسبق هذه I0-43s من الثانية الأولى؟، وهي الفترة التي تعرف بــ "زمن بلانك de Planck Temps"، والتي لا يمكننا بلوغها، لأن النسبية العامة ليست قادرة عند هذا الحد الزمني أن تعمل، حيث تتوقف قوانينها وتتعطل، الأمر الذي يستدعي اللجوء إلى نظرية أخرى في علم الكونيات في مجال الثقالة الكمومية أو الكوانتية gravitation quantique التي من المفترض أن تنجم عن توحيد النسبية الآينشتاينية مع نظرية الكموم أو الكوانتوم. ولاننسى حدوث التضخم الكوني المفاجيء والسريع الذي زاد حجم الكون بنسبة أو بعامل 1050 في جزء صغير من الثانية» كما يعتبر 1Q-43s "زمن بلانك"، هو أصغر مقياس زمني ملموس مادياً. في غياب نظرية الجاذبية أو الثقالة الكمومية، تبقى هذه المرحلة غامضة ومفاهيم الزمان والمكان تطرح إشكالية. يفترض أن التفاعلات الأساسية للقوى الكونية الجوهرية الأربعة كانت موحدة في تفاعل أساسي واحد. إن عصر التوحيد العظيم يكاد يصاحب عصر التضخم ويبلغ حوالي الربع الأول من العام 35 بعد الانفجار العظيم. القوى الأساسية كانت لا تزال موحدة أو على الأقل القوة النووية. عند الخروج من عصر التوحيد العظيم تنفصل قوة الجاذبية عن الطاقة النووية (القوة الكهرومغناطيسية وضعف التفاعل النووي الشديد أو التفاعل النووي القوي). يمثل الانتقال لهذه المرحلة نهاية التوحيد العظيم. كانت مرحلة التضخم الكوني ستحدث في I0-32s من الثانية الأولى بعد الانفجار الكبير. أعتبرت هذه مرحلة توسع عنيفة للغاية كما نظر لها العالم الأمريكي آلان غوث واقترحها كحل في عام 1979 لشرح التجانس والتساوي والتشابه في الكون. إن نموذج التضخم الكوني يحل كلا من "مشكلة الأفق" و "مشكلة التسطيح" الكونيين. خلال هذا التضخم، الذي شهد حجم الكون يتزايد بمعامل 1050 في جزء صغير من الثانية، فإن الطاقة الكامنة في مجال التضخم المنطلق ملأت الكون ببلازما من الكواركات، ومضادات الكواركات والغلوونات (الفرميونات والبوزونات، أو الجسيمات الأولية). يظهر العصر الكهربائي الضعيف: والذي ينجم عن انفصال التفاعل النووي القوي عن القوة الكهربائية الضعيفة (الكهرومغناطيسية والتفاعل النووي الضعيف). تكون التفاعلات بين الجسيمات نشطة بما يكفي لإنشاء جسيمات غريبة بما في ذلك بوزونات W وبوزونات Z وبوزونات هيغز. وبعده يظهر العصر الهادرونيhadronique: حيث انفصلت القوة الكهرومغناطيسية عن التفاعل النووي الضعيف. القوى الكونية الجوهرية الأساسية الأربع باتت مستقلة الآن. يمكن أن يكون سبب هذا التضخم الكوني كيانًا متسارعًا من نوع الطاقة المظلمة، وهي المسؤولة عن توسع الكون.
هذا الكيان قد تفكك إلى الجسيمات، مؤشراً نهاية التضخم وولادة المادة. وحتى مرحلة نهاية التضخم، كان الفضاء فارغاً، بالمعنى الكمومي للمصطلح. ومع ذلك كان مغموراً بسلسلة كاملة من الجسيمات الافتراضية التي تنشأ من العدم وسرعان ما تعود للعدم على الفور.


BAROGENESIS التكوين الباريوني: ثم انبثقت المادة.
برد الكون حتى وصل على ما تحت العارضة1013 درجة. ولم يعد لدى الكواركات ما يكفي من الطاقة لتبقى موجودة لوحدها ومن ثم تبدأ بالتجمع بفضل الغليونات gluons، والبوزونات وخاصة بوزونات القياس bosons de jauge للتفاعل النووي القوي لتشكيل أو تكوين الهادرونات، من بين تلك الهادرونات تنبثق جسيمات مجهرية دون ذرية جديدة مركبة أو مكونة من: البروتونات (الباريونات) والنيوترونات (الباريونات). إنها ولادة "المادة" من خلال تشكيل الباريونات عن طريق عملية "التكوين الباريوني baryogénèse". وعندما تلتقي المادة وتجتمع بالمادة المضادة يفنيان بعضهما البعض (مثل -1 +1 = 0) وتتحول إلى طاقة (عبر معادلة آينشتاين الطاقة تساوي الكتلة مضروبة بمربع سرعة الضوء E = mc2).
هذا الصراع حتى الموت الذي يتم حصوله بين المكونات المتضاربة إلى أقرب وحدة ممكنة: بالنسبة لمليار من الكواركات المضادة التي تم إنشاؤها، هناك مليار كوارك وواحد كوارك إضافي مضاد مقابل كل مليار كوارك، لذلك يبيد الملياران نفسيهما يترك كوارك واحد فقط يكون فائض. وبالتالي تنتج عملية التكوين الباريونيBaryogenesis و"التناظر الباريوني" في التوزيع المكاني، مما يسمح بانتصار المادة (المسماة باريونية"Baryonic") على المادة المضادة.
كما درس العالم الفيزيائي الروسي أندريه ساخاروف في عام 1967 هذه الحقبة وقال: لم تتواجد المادة بعيدًا عن عملية إبادة خاصة بها، وإلى هذا الانقسام في التماثل وكسر التناظر، تدين بوجودها في الكون المرئي. في نهاية العصر الهادروني، تم تشكيل أول نوى ذرية (عبر النيوكليونات، أي البروتونات والنيوترونات) تحت قوة التفاعل النووي القوي لكن الفوتونات، التي لا تزال نشطة للغاية، تفرقها على الفور. دائمًا ما تكون درجة الحرارة مرتفعة جدًا بحيث لا تتشكل الذرات. ثم يظهر العصر اللبتوني leptonique: أول حدث مهم في العصر اللبتوني هو فصل النيوترينوات (النيوترينوات المنفصلة عن المادة) والتي تحدث عندما تصل درجة الحرارة إلى 10 مليار درجة. الحدث الثاني المهم هو إبادة الإلكترونات ومضادات الإلكترونات التي تحدث عندما تصل درجة الحرارة إلى مليار درجة (لم يعد لدى الفوتونات ما يكفي من الطاقة لإنشاء البروتونات، ولكن بما أن للإلكترون كتلة أضعف 2000 مرة من البروتون، لا يزال بإمكانها إنشاء إلكترونات). حساء الكواركات والكواركات المضادة سيكون غنياً بجسيمات خفيفة (اللبتونات): الإلكترونات، الميونات، تاونات، النيوترينات (وجسيماتها المضادة)، الجسيمات الأولية تشترك في أنها لا تتفاعل مع التفاعل النووي القوي. التباين الطفيف بين المادة والمادة المضادة الذي سمح للباريونات بالبقاء على قيد الحياة خلال العصر الهادروني، يعمل بطريقة مماثلة ويسبب الاختفاء التام لمضادات الإلكترونات (البوزيترونات) وبقاء جزء من الإلكترونات. وبالتالي فإن نهاية العصر اللبتوني تشهد المحو التام أو الاختفاء الكامل للمادة المضادة. فالكون، الذي يقترب من ثانيته الأولى من وجوده، لم يعد يحتوي سوى على المادة العادية التي نعرفها والمكونة من البروتونات والنيوترونات والإلكترونات.
ما بين ثانية وثلاث ثوانٍ بعد الانفجار الكبير، تظهر حقبة التركيب النووي البدائي التي ستستمر حوالي 3 دقائق. كان الفيزيائي الروسي جورج غاموف هو الذي تصور في سنوات الأربعينات1940 ظاهرة التفاعلات النووية الأصلية. وحتى تلك اللحظة، كانت الفوتونات نشطة للغاية بحيث لا تديم تكوين النوى الذرية. ولكن عندما انخفضت درجة حرارة الكون إلى ما دون مليار درجة، أصبحت طاقة الفوتونات أقل من طاقة الربط الداخلية للنواة. بات بإمكان النيوكليونات (البروتونات والنيوترونات) أن تتصادم للإشارة إلى بدء الاندماج النووي. منذ هذه اللحظة، تلد عمليات الاندماج المتعاقبة النوى الخفيفة أكثر فأكثر تعقيدًا من أي وقت مضى: الدويتريوم، الهليوم 3، الهليوم 4، الليثيوم 7 والبريليوم. بحيث لم يعد الكون أكثر من كونه مفاعل اندماج نووي ضخم، ومعظم النيوترونات الحرة عالقة في نوى الهيليوم. العنصران الرئيسيان في نهاية التركيب النووي البدائي هما الهيدروجين (البروتونات) والهيليوم- 4. وبوفرة نسبية (9 إلى 1)
ترتبط بنسبة النيوترونات والبروتونات في العصر اللبتوني: عندما يبدأ التخليق والتركيب النووي، لا يوجد سوى نيوترون لحوالي 14 بروتون. لنواة الهيليوم (2 نيوترون،2 بروتون)
، هناك 12 بروتون متبقيًا، لذلك كان هناك الكثير من الهيدروجين (1 بروتون). تتكون مادة الكون من نويات الذرات التالية: 90٪ من الهيدروجين (H) )، 10٪ من الهيليوم (He) ،
آثار من نظائرها مثل الديوتريوم (H-2) ، الهليوم 3- (He-3) ، الهليوم 4 -(He-4).


التركيبات الكبرى اللاحقة:
بعد 380،000 سنة بدأت فترة التركيبات الكبرى اللاحقة التي شهدت تشكيل الذرات المحايدة بالترابط بين الإلكترونات الحرة والنوى الذرية المستقلة حتى الآن. قبل ذلك كانت كثافة المادة (الجسيمات) مرتفعة بمكان بحيث لم يكن بوسع الفوتونات أن تنتشر. لذلك حُبس الضوء في المادة وكانت طاقة الفوتونات عالية جدًا لدرجة أن الذرات انكسرت أو تحطمت حتى قبل أن تتشكل. لكن بعد 380.000 سنة، هبط درجة حرارة الكون إلى 3000 درجة كلفن، سمح انخفاض درجة الحرارة بإعادة التركيب: من خلال التفاعل الكهرومغناطيسي، حيث ترتبط الإلكترونات الحرة بالنوى الذرية (النيوكليونات) لتشكيل الذرات الأولى (لم يعد للفوتونات طاقة كافية لتحطيمها). ذرات الليثيوم والهيليوم هي الذرات الأولى التي تم إنشاؤها، قبل ذرات الهيدروجين مباشرة. كانت الإلكترونات، التي كانت حرة في السابق، مرتبطة بالذرات، والفوتونات - التي لم تعد لديها طاقة كافية لامتصاصها من قبل الذرات – وصار بوسعها الدوران بحرية في الكون المرئي الذي يصبح شفافًا. في الواقع، إن الضوء تحرر من المادة وبات بوسعه الانتشار بحرية بدون أن يتفاعل مع الذرات. إن فك الارتباط بين الإشعاعات الضوئية والمادة كان هو الأصل وراء إعادة التركيب والتنظيم الهرمي للمادة. وترك آثراً ما يزال ملحوظاً إلى يومنا هذا وهو المعروف بإشعاع الخلفية الكونية الميكروية الأحفورية المنتشرة الذي تنبأ به جورج غاموف سنة 1948 وأكتشفه بالصدفة سنة 1964 آرنو بينزياس وروبير ويلسون، بواسطة مرسل الاشعاع الكهرومغناطيسي. لم يكن ممكناً قبل هذه الفترة إجراء أية مشاهدة أو رصد لأية أشعة لأن الضوء كان محتجزاً أو سجيناً لمدة 380،000 عام (وهذا هو السبب في أن الفيزيائيين يعيدون إنشاء الظروف تجريبيًا عن طريق مصادم الجسيمات).
العصور المظلمة للكون المرئي تتوافق مع الحقبة الكونية الواقعة بين انبعاث "الخلفية الكونية الميكروية" واشتعال الجيل الأول من النجوم. خلال هذه الفترة، لا يمكن لأي عملية فيزيائية فلكية أن تنتج إشعاعًا من نوع الأشعة الكهرومغناطيسية، مما يجعل هذه الحالة من الكون أمراً غامضاً لا يسبر غوره. فقط الضوء الوحيد الموجود هو الإشعاع الأحفوري الميكروي. بردت الذرات تدريجياً لتكثف المادة وتشكل غازًا باردًا مظلمًا. وهي ظلمة استمرت 200 مليون سنة. في ذلك الوقت، تشكلت 99 ٪ من المادة الحالية المكونة للكون، ولكن 1 ٪ المتبقية (جميع الذرات التي تحتوي على أكثر من بروتونين في النواة) كانت أساسية. تؤدي تلك الليلة الطويلة إلى فجر كوني: يزيد تفاعل الجاذبية من التقلبات داخل غيوم غاز الهيدروجين وتجذب ذرات الهيدروجين تجاه بعضها البعض. ولد أكبر نجم معروف بعد 200 مليون سنة بعد الانفجار الكبير، لذلك يقدر عمره بــ 13.6 مليار سنة. يتم التعرف على نجوم الجيل الأول من خلال نقائها الكيميائي المكون فقط من الهيدروجين والهليوم. إن إضاءة النجوم الأولى تشير إلى إعادة تأين الغاز ونهاية "العصور المظلمة". وتشير ملاحظات القمر الصناعي بلانك إلى أن إعادة تأين الكون تصبح مهمة بعد 550 مليون سنة من الانفجار العظيم. تتكتل المادة الباريونية بكثافة لتكوين النجوم والمجرات الأولى. بالنسبة للغالبية العظمى من علماء الكون، فإن الطريقة التي تطور فيها الكون المرئي، منذ حقبة إعادة التركيب إلى مرحلة الهياكل والبنيات الكبرى وما يتعداها، إلى يومنا هذا، يمكن تفسيرها في إطار سيناريو حيث تشكلت المادة السوداء أو المظلمة بكميات تزيد بكثير عن المادة البايرونية، مكونة من جسيمات ذات كتل لكن سرعها ضعيفة بالمقارنة مع سرعة الضوء. ولقد وفرت عمليات محاكاة متطورة ومتقدمة جداً من الناحية التكنولوجية مبررات وحججاً داعمة لهذا النموذج المعروف باسم (نموذج المادة السوداء أو المظلمة الباردة) وسمي هكذا بسبب ضعف سرعة جسيمات المادة السوداء التي افترضوا وجودها وانتجتها عملية المحاكاة الرقمية.
لا بد أن نتذكر أن هناك نوعان من الجسيمات، الجسيمات الذرية والجسيمات دون الذرية. من بين الجسيمات دون الذرية، هناك نوعان من الجسيمات: الجسيمات الأولية والجسيمات المركبة (مجموعات الجسيمات الأولية). من بين الجسيمات الأولية، هناك عائلتان كبيرتان: الفرميونات (الكواركات)[أعلى،أسفل،أسفل،ساحرة،قمة،غريبة. up,down,bottom,charm,top,strange]. الليبتونات كالإليكترونات والميونات والتاوات ونيوتريوناتها والبوزونات: البوزون Z، والبوزون W الفوتون، الغلوون، وبوزون هيغز). من بين الجسيمات المركبة، لدينا هادرونات، مقسمة إلى عائلتين: الباريونات (مجموعة الفرميونات، بما في ذلك البروتونات والنيوترونات) والميزونات (تجمع البوزونات). من بين الجسيمات الذرية هناك ذرات 94 من عناصر الجدول الدوري الموجودة في البيئة. تتكون الذرة من نواة ذرية تتكون من نوعين من النيوكليونات (البروتونات+ النيوترونات) التي تنجذب الإلكترونات حولها. ذرة الهيدروجين، العنصر الأول في الجدول الدوري، هي أبسط ذرة، تتكون من بروتون وإلكترون. على مستوى أعلى، تتجمع الذرات كيميائيًا لتكوين جزيئات.
يعتقد الباحثون أن أيون هيدريد الهيليوم، HeH +، كان أول جزيء يتشكل في الكون. لكنها نجت من الكشف في الفضاء. لقد أكدنا للتو اكتشافه في الوسط النجمي، في حطام نجم في نهاية الحياة. أثناء ولادة الكون، أطلق الانفجار الكبير كمية كبيرة من الطاقة التي تحولت إلى حساء ساخن للغاية من الجسيمات الأساسية، وخاصة الإلكترونات والفوتونات والمكونات الأولية للنوى الذرية، الكواركات. تطورت هذه الوسيلة بسرعة ولكن ظهور الذرات والجزيئات جاء لاحقًا. إذا كان تاريخ تكوين الذرات مفهوما جيدا وتأكد اليوم من خلال ملاحظات مختلفة، فإن تاريخ الجزيئات الأولى أكثر غموضا. أي جزيء تم تكوينه أولاً؟ بالنسبة لعلماء الفلك، من المحتمل جدًا أن يكون هيدريد الهيليوم، يتألف من ذرة هيدروجين وأخرى من الهيليوم. ولكن لتأكيد هذه الفرضية، كان من الضروري العثور على هذا الجزيء في الوسط النجمي. تم الانتهاء من هذا المسعى فقط في الآونة الأخيرة.
لفهم سبب تشكل هيدريد الهيليوم أولاً، عليك العودة إلى الحساء البدائي للكون. منذ ولادته، تم تحريك الكون بديناميكية التوسع المكاني مما أدى إلى انخفاض سريع في درجة حرارته. هذا التبريد سمح بتشكيل عناصر جديدة. في أقل من ميكروثانية بعد الانفجار العظيم، اجتمعت الكواركات معًا من خلال تفاعل قوي لإحداث البروتونات والنيوترونات. وفي الدقائق التي تلت ذلك، بدأت هذه البروتونات والنيوترونات تتحد وتشكل أبسط النوى الذرية: نوى الهيدروجين (بروتون بسيط)، الديوتريوم (بروتون ونيوترون)، الهليوم (بروتونان ونيوترونان) ونادراً ما يكون الليثيوم (ثلاث بروتونات وثلاثة أو أربع نيوترونات). يتم تمثيل ذرات الكون الأولى هنا من خلال نماذجها المدارية، والتي تظهر مكوناتها دون الذرية. في الصفحات التالية، سيتم تمثيل الجزيئات والأيونات، المكونة من ذرتين على الأقل، بطريقة أكثر كلاسيكية، بواسطة كرات - تمثل الذرات - متصلة بقضبان، والتي تمثل الإلكترونات المشاركة في الرابطة الكيميائية.
من خلال الاقتران مع العديد من الإلكترونات التي تحتوي على البروتونات، تشكل النوى ذرات محايدة كهربائيًا. ولكن نظرًا لأن درجة حرارة الحساء لا تزال مرتفعة للغاية، فقد انتزعت الفوتونات النشطة للغاية الإلكترونات من هذه الارتباطات على الفور. ظل الحساء البلازمي من المكونات المشحونة كهربائيًا، والأنوية والإلكترونات، لمئات الآلاف من السنين. الفوتونات، في تفاعل دائم مع هذه الجسيمات المشحونة، التي لا يمكن أن تنتشر بحرية عبر مسافات طويلة. نتيجة لذلك، ظل الكون معتمًا لما يقرب من 380.000 سنة. ثم، في ذلك الوقت، انخفضت درجة الحرارة بما يكفي لتشكيل الذرات المحايدة الأولى بشكل دائم، مما سمح للفوتونات بالانتشار والهروب، مما يشكل إشعاعًا بقاياه، "الخلفية الكونية الميكروية".
من بين جميع النوى الذرية المتنافسة على الإلكترونات، كان الهيليوم أول من شكل ذرات محايدة. ماذا عن الهيدروجين أو الليثيوم؟ الهيليوم، العنصر الأول الخامل، أو "الغاز النبيل" (أو "الغاز النادر") في الجدول الدوري للعناصر، يكون مستقرًا بشكل خاص عندما يحتوي على إلكترونين. وبعبارة أخرى، يستغرق سحب الإلكترون طاقة أكثر بكثير مما يتطلبه، على سبيل المثال، للهيدروجين. يتم تفسير هذا الاستقرار من خلال البنية الطبقية للإلكترونات في الذرات. عندما تمتلئ الطبقة، يكون التجميع أكثر استقرارًا؛ لكن الطبقة الإلكترونية الأولى تحتوي على مكانين. في ذرة الهيدروجين، التي تحتوي على إلكترون واحد فقط، لا يتم ملء هذه الطبقة الأولى، على عكس الهيليوم.
في بداية الكون، عندما بدأت نوى الهيليوم تلتقي بالإلكترونات، كانت تملأ الطبقة الأولى من السحابة الإلكترونية دون أن تتمكن نوى الهيدروجين من اللحاق بهذه العملية من الالتقاط للإلكترونات، وقبل فترة طويلة من وجود نوى الليثيوم لجمع كل الإلكترونات الثلاثة اللازمة لتصبح ذرات محايدة. مطاردة الإلكترون لفترة وجيزة، احتوى الكون على ذرات الهيليوم المحايدة والأغلبية العظمى من نوى الهيدروجين (البروتونات وحدها)، التي بدأت شحنتها الكهربائية تلعب دورًا مهمًا في التطور الكوني. مع تبريد الوسيط، تباطأت البروتونات تدريجيًا وانجذبت أكثر إلى الكيانات المشحونة سلبًا. ولكن بما أن الهليوم كان قد استولى بالفعل على جزء كبير من الإلكترونات، فإن الإلكترونات الحرة كانت نادرة، وكانت التقريبات المباشرة بين البروتون والإلكترون أكثر استثنائية. في المقابل، انجذبت البروتونات إلى الإلكترونات الموجودة في ذرات الهيليوم المشكلة حديثًا. على الرغم من أن الهليوم بالكاد يفقد إلكتروناته، إلا أن بعض ذرات الهيليوم انتهى بها التصادم المتكرر لتجميع إلكترونهما مع نوى الهيدروجين. هذه هي الطريقة التي تشكلت فيها الروابط الكيميائية الأولى، مما أدى إلى ظهور أنواع كيميائية تتكون من الهيليوم والهيدروجين، تسمى "هيدريد الهيليوم" أو حتى "الهلينيوم". مع الصيغة الكيميائية HeH +، فإن هذا الأيون الجزيئي - سوف نسمح لأنفسنا بمصطلح "الجزيء" الذي، بعبارة أدق، يعين بنية محايدة كهربائيًا - وبالتالي سيكون أول مركب معقد موجود بكميات كبيرة في الكون.
حقيقة أن الهيليوم كان العنصر الأول في تكوين روابط كيميائية يبدو مفاجئًا لنا، لأننا نعتبر عادةً الهيليوم كعنصر أقل احتمالًا للارتباط مع الآخرين، ذرات هذا الغاز النبيل. وجود عدد من الإلكترونات التي تضمن ثباتًا عاليًا. ولكن في بدايات الكون، كان الوضع في الواقع خاصًا جدًا: كان الهيليوم "البنك الإلكتروني" الوحيد الراغب في "إقراض" الشحنات الإيجابية، البروتونات.
تم دعم هذا السيناريو بقوة من خلال الحجج النظرية لعدة عقود، لكن الملاحظات الملموسة كانت لا تزال تفتقر إلى تأكيده. الجزيء HeH + بعيد المنال بشكل خاص. لا يمكن أن يتكون بشكل طبيعي على الأرض، إلا في ظل ظروف مختبرية خاصة. كما أنه لم يلاحظه أحد في الفضاء لفترة طويلة جدًا؛ ولكن في عام 2019، أعلن رولف جوستن، من معهد ماكس بلانك لعلم الفلك الراديوي، في بون، ألمانيا، وفريقه أنهم لاحظوه لأول مرة، متربصين في السديم الكوكبي الناتج عن وفاة نجم. بدأ البحث قبل أربعين عامًا، وقد أثمر أخيرًا وملأ فراغًا في معرفتنا باللحظات الأولى للكون. لذلك تمت إضافة جزيء HH إلى قائمة الجزيئات خارج كوكب الأرض المعروفة. حتى الآن، اكتشف العلماء أكثر من 200 نوع كيميائي في الفضاء. الكيمياء الفلكية، مجال الدراسة الذي يركز على الهياكل والظواهر الكيميائية خارج الأرض، يهدف إلى تحديد الجزيئات والأيونات الجزيئية الموجودة في الفضاء، وكيف تتشكل هذه المركبات، وما يجلب تطورها إلى الفيزياء الفلكية، من وجهة نظر نظرية وكذلك الملاحظة. من بين "الجزيئات الفلكية" المعروفة، تنتشر على نطاق واسع مثل الماء (H2O) والأمونيا (NH3) أو الفورمالديهايد (CH2O). البعض الآخر غير عادي للغاية، مثل H2Cl +، تم الحصول عليه عن طريق إضافة بروتون إلى حمض الهيدروكلوريك (HCl) و HO2 ، مقارنة مع بيروكسيد الهيدروجين أو "بيروكسيد الهيدروجين" (H2O2) المحروم من ذرة الهيدروجين. من بين المراوغات التي تمت ملاحظتها جزيئات مشحونة، وتجميعات مع إلكترونات غير متزاوجة، وأنماط غريبة من الجزيئات الأكثر شيوعًا. حتى أن العلماء رصدوا جزيئات متكونة من عناصر خاملة، مثل ArH +، الذي يحتوي على الأرجون، وHeH + الوافد الجديد. تهدف معظم مجالات الكيمياء إلى التطبيقات المصممة لجعل العالم أكثر كفاءة أو أكثر متعة أو أكثر أمانًا. تهتم الكيمياء الفلكية بالخصائص الأساسية للجزيئات: أي فهم الروابط الكيميائية أو استقرار الجزيئات وتحديد سبب انتشار أنواع كيميائية معينة أكثر من غيرها. من خلال دراسة الكيمياء في العمل في بيئات مختلفة جدًا عن الأرض - بما في ذلك درجات الحرارة والضغوط والمكونات غير العادية المتاحة - يكتشف العلماء الجزيئات التي تزعج تمثيلاتهم المألوفة للتفاعلات الذرية وبالتالي تعمق فهمهم الكيمياء. في نهاية المطاف، يأمل علماء الفلك في فهم كيف أدت الظواهر الكيميائية في الفضاء إلى المكونات التي انتهى بها الأمر على كواكب النظام الشمسي والتي أدت في النهاية إلى ظهور الحياة على الأرض.
أين يختبئ HeH +؟
في عام 1925، اكتشف المختبر والعالم الكيميائي ثورفن هوغنس Thorfin Hogness ومساعده إدوارد لون في مختبره بجامعة كاليفورنيا في بيركلي في الولايات المتحدة، أن خليطًا غازيًا من الهيليوم والهيدروجين داخل غرفة تفريغ أدى وجود قوس كهربائي إلى توليد أيونات مختلفة من كتل مختلفة. من أجل التعرف عليها، استخدموا التحليل الطيفي الكتلي الذي يقيس نسبة الكتلة / الشحنة للأيونات المنتجة؛ وقد أظهر تنفيذ هذه التقنية، التي كانت جديدة آنذاك وباتت شائعة جدًا اليوم، أن هذه النسبة كانت تساوي 5 لأيونات معينة. خلص هوغنس Hogness ولون Lunn ، من البيانات المتاحة لهم ، إلى أنهما قاما بتكوين الأيونات الجزيئية HeH +. في الواقع، كانت تحتوي على خمسة بروتونات أو نيوترونات، وبالتالي فإن كتلتها هي خمسة أضعاف الكتلة الأولية للبروتون (كتل البروتون والنيوترون قريبة جدًا، في حين أن كتلة الإلكترونات لا تذكر بالمقارنة). من ناحية أخرى، تستحق شحنتها مرة واحدة الشحنة الأولية للبروتون. وبالتالي، فإن نسبة الكتلة / الحمل هي في الواقع 5 في هذه الوحدات.
ومع ذلك، فقد أثبت HeH +، وهو "جزيء" غير مستقر للغاية بما في ذلك عنصر خامل، صعوبة بالغة في الدراسة، حتى في ظل ظروف مخبرية خاضعة للرقابة الدقيقة. في الكون الصغير، ربما كان HeH + أكثر استقرارًا، لأن هذا الأيون الجزيئي يميل إلى فقدان بروتون H + عند أدنى تأثير أو تفاعل مع ذرة أخرى. في هذا التجميع، يجمع الهيليوم إلكترونين، بينما لا يجلب الهيدروجين أيًا من هذا النوع من الروابط الكيميائية غير المستوية، يسمى "رابطة التنسيق التساهمي"، أضعف وبالتالي أكثر هشاشة من الرابطة التساهمية التقليدية، حيث تساهم الذرتان في تجميع الإلكترونات بطريقة أكثر تناسقًا.
في عام 1978، كان جون بلاك، الذي كان آنذاك في جامعة مينيسوتا، أول من دافع عن فكرة أن HeH + يمكن أن يظل في الفضاء على الرغم من عدم استقراره الكبير. واقترح أيضًا أن السدم الكوكبية، هذه السحب الساخنة جدًا للغاز والغبار التي طردتها النجوم الضخمة في نهاية حياتها، كانت أماكن جيدة للبحث عن هذا الجزيء. في هذه السحب الكروية التي يشغل نجمها مركزها، توجد بالفعل طبقة رقيقة من الهيليوم المتأين (وبالتالي مشحونة)، في وجود ذرات هيدروجين محايدة؛ إن الجاذبية القوية التي يمارسها الهليوم المتأين على الإلكترونات تجعل الأيون عرضة لـ "استعارة" إلكترون من الهيدروجين (وهو الوضع المعاكس تقريبًا لحالة الكون البدائي). وهكذا فإن هذا الإلكترون المشترك سيخلق رابطة.
لهذا السبب، منذ أواخر السبعينيات، بحث الفلكيون، بالتعاون مع الكيميائيين، عن أيون الجزيء HeH + في العديد من الأماكن، من حدود الكون إلى محيط النجوم فائقة الكتلة. ولكن لعدة عقود، لم يسفر هذا البحث عن أي شيء، مما دفع البعض إلى الشك في الدور الحقيقي الذي يلعبه HeH + في الكيمياء البدائية للكون. هل شكل الهيليوم بالفعل روابط مع H +؟ يبدو أنه يجب أن يكون، لأنه لم يكن هناك شيء آخر لتشكيل روابط كيميائية في تلك العصور القديمة. ولكن إذا كان HeH + قد تدرب جيدًا، فأين هو؟ التوقيعات الجزيئية
في حين سعى البعض لاكتشاف HeH + دون جدوى، اكتشف علماء الفلك في الفضاء العديد من الجزيئات الأخرى التي لم يتوقعوها. بالنسبة للبعض، لم يتمكنوا حتى من التعرف عليهم. بدأت هذه القصة في عام 1919 عندما شاهدت ماري ليا هيجر، في مرصد ليك بجامعة كاليفورنيا، سلوك النظام الثنائي للنجوم (على غرار شموس تاتوين في ملحمة حرب النجوم). أسفرت ملاحظاتها عن نتائج مدهشة.
نظرًا لأن جزيء نوع كيميائي معين له ترتيب محدد جدًا للذرات والإلكترونات، فإنه يمتص الضوء بطريقته الخاصة. هذا يعطيها توقيع فريد. بفضل التحليل الطيفي، وهي تقنية تتكون من تحطيم الضوء إلى مكوناته المختلفة التي تختلف في أطوالها الموجية، يكشف الفلكيون عن خطوط أو نطاقات أغمق. تتوافق "نطاقات الامتصاص" هذه مع الأطوال الموجية الممتصة بواسطة الجزيئات التي تشكل الوسط الذي يجتازه الضوء ال. وبالتالي، يساعد تحليل الطيف على تحديد الجزيئات.
في حالة النجوم التي درستها ماري ليا هيجر، حيث تدور النجمتان حول مركز الجاذبية المشترك، خضعت الخصائص الطيفية للضوء القادم من الغلاف الجوي لكل نجم من النجوم إلى اختلافات في أطوال موجاتها بواسطة l تأثير دوبلر: لكل نجم، تحولت الخطوط الطيفية نحو اللون الأزرق عندما اقتربنا من النجم ونحو الأحمر عندما ابتعدنا. لكن عالم الفلك الأمريكي لاحظ أيضًا توقيعات جزيئية غريبة: نطاقات بقيت ثابتة على الرغم من حركة النجوم. بملاحظة نظام ثنائي آخر، كرر نفس النمط نفسه. ثم أظهر علماء فلك آخرون أن هذه العصابات غير المتحركة كانت موجودة أيضًا عندما وجهوا تلسكوباتهم إلى نجوم مفردة. استنتجوا أن هذه العلامات يجب أن تكون تلك الجزيئات الموجودة ليس في الغلاف الجوي للنجوم نفسها، ولكن في المناطق الباردة الشاسعة التي تفصل بينها. كانت الحقيقة الأكثر إثارة للدهشة هي أن هذه التوقيعات كانت متطابقة تقريبًا لجميع النجوم التي تمت ملاحظتها، وحتى للملاحظات خارج المجرة.
هذه العلامات، تسمى "العصابات بين النجوم المنتشرة" (BID)، كانت في كل مكان. ثم قام العلماء بفحص توقيعات الجزيئات المعروفة للكيميائيين، سواء كانت موجودة في حالتها الطبيعية على الأرض، أو تم توليفها في المختبر أو ملاحظتها في الفضاء باستخدام التلسكوبات الراديوية. لا شيء يقابل BIDs: لذلك جاء الأخير من جزيئات غير معروفة.
اقترح ويليام كليمبرر من جامعة هارفارد وأحد رواد الكيمياء الفلكية أن BIDs هي السمة المميزة للأيون S3− ، المكون من الجزيء S3 trisulfur. عندما رفض الباحثون هذا الرصاص، كان ويليام كليمبرر مغامرًا لدرجة أنه كتب: "لا توجد طريقة أفضل لفقد سمعتك العلمية من التكهن بشأن أصل الفرق المنتشرة بين النجوم. تم تداول العديد من الفرضيات حول أصل BIDs لعقود، ولكن لم يثبت أي منها: تم اعتبار هذا اللغز الأكثر صعوبة في التحليل الطيفي. جزيء مدهش وغير متوقع
كانت واحدة من أكثر الفرضيات إثارة للفضول أن العصابات بين النجوم المنتشرة تنشأ من الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات أو PAHs. هذه الجزيئات، المكونة من صفائح ذرات الكربون التي تشكل سداسيات، هي المكونات الرئيسية للسخام والإسفلت والجرافيت. من غير المحتمل أن تتفاعل مع الجزيئات الأخرى، لكنها تميل إلى التمسك بها. بالنسبة للعلماء الفلكيين، فإن المشكلة مع PAHs هي أن لديهم العديد من الأصناف المتشابهة إلى حد ما التي لا يمكن تمييز علاماتها الطيفية تقريبًا عن بعضها البعض. لذلك من الصعب استخلاص تفاصيل توقيعات PAH من مقياس شامل. يبدو أن الشيء نفسه ينطبق على BIDs: كان من الصعب استخراج خطوط امتصاص دقيقة من هذه النطاقات المنتشرة والمعقدة. هل يمكن أن تفسر الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات المنتشرة بين النجوم؟ مثال على هيدروكربون عطري متعدد الحلقات (PAH، علوي) وجزيء بنزونيتريل (أسفل)، هيدروكربون عطري نادر قريب من PAH، تم اكتشافه في الفضاء في عام 2018.
اكتسبت هذه الأنواع من الأفكار أرضية بين علماء الفلك بدءًا من السبعينيات، ولكن كانت تجربة واحدة مفيدة. في الثمانينيات، عمل الكيميائي هارولد كروتو في جامعة ساسكس في إنجلترا مع فريقه للكشف عن جزيئات جديدة في الفضاء. لقد سمع عن تجربة قام بها الكيميائيان روبرت كيرل وريتشارد سمالي، في جامعة رايس، في الولايات المتحدة، حيث قاما بتوجيه شعاع ليزر قوي جدًا على سطح من الألومنيوم لجعله يتبخر جزء من المعدن. من خلال التصلب مرة أخرى، أدت هذه المادة إلى ظهور جزيئات ألمنيوم كبيرة جديدة. اقترح هارولد كروتو أن الأمريكيين يستبدلون الألمنيوم بالكربون لمعرفة ما إذا كان من الممكن تكوين جزيئات الكربون المرصودة في النجوم الحمراء العملاقة. ظهر جزيء غير عادي: C60، يتكون من ستين ذرة كربون مرتبة مثل كرة القدم. في عام 1996، حصل هارولد كروتو وروبرت كيرل وريتشارد سمالي على جائزة نوبل في الكيمياء لاكتشافهم عائلة الفوليرين التي تحتوي، من بين أمور أخرى، على هذا الجزيء المسمى "footballene" أو "buckminsterfullerene" (على شرف المهندس المعماري Buckminster) فولر، معروفة بقبابها الجيوديسية).
كان هارولد كروتو مقتنعًا بأن الفوليرينات كانت موجودة في الفضاء وكانت مصدرًا لبعض المكونات بين النجوم المنتشرة. إلا أن القليل من العلماء تبعوه، ولم يصر على ذلك الاتجاه. ولكن في عام 2010، بعد ما يقرب من خمسة وعشرين عامًا من اكتشافها في المختبر، لوحظ الــC60 وابن عمه C70 في مجال الأشعة تحت الحمراء، في السديم الكوكبي Tc1 لكوكبة Cygnus. لا يزال من غير المعروف ما إذا كانت هذه الجزيئات مرتبطة بـ BIDs في الضوء المرئي. وقد اقترح هذا العمل النظري، ولكن لم يكن لدى العلماء تأكيد تجريبي. في عام 2015، تم تصنيع كاتيون (أيون موجب الشحنة) من الفوليرين، C60 +، في المختبر وتم تسجيل توقيعه الطيفي في الأشعة تحت الحمراء القريبة. واحد، ثم ارتبط اثنان من نطاقات الامتصاص لهذا الأيون بالأطوال الموجية للنطاقات بين النجوم المنتشرة المعروفة. بعد ذلك، أظهر الباحثون أن هذه التوقيعات تتوافق مع أربعة أو خمس معرّفات. ثم، في عام 2019، بفضل تلسكوب هابل الفضائي، مارتن كوردنر ، من مركز غودارد لرحلات الفضاء التابع لناسا في الولايات المتحدة ، وفريقه قاموا بدقة بقياس أطوال موجات BID المرئية في اتجاه أحد عشر النجوم ، معظمهم نجوم عملاقة حمراء قديمة. وخلصوا إلى أن BIDs هذه تتوافق بالفعل مع البيانات التجريبية المتعلقة بـ C60 +، مما يؤكد مساهمة هذا الأيون في BIDs معينة.
يكشف هذا الاكتشاف بشكل أعم أن نوعًا واحدًا على الأقل من الجزيئات يترك بصماته بالتأكيد على الفضاء بين النجوم. يعتقد أن الفوليرين يتشكل هناك من الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات، والتي يجب أن تكون موجودة أيضًا في الفضاء. بدأت القرائن الأولى في التراكم من عام 2018، عندما لاحظ الباحثون لأول مرة التوقيع الطيفي للجزيئات القريبة من عائلة PAH. الجزيء الذي اكتشفوه، البنزونيتريل (C6H5-CN)، هو هيدروكربون عطري نادر مع حلقة واحدة من ذرات الكربون، مما يجعل اكتشافه أسهل من PAHs. حتى وقت قريب، اكتشف العلماء سيانونفتالين من دورتين، مما يدل على أن الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات موجودة أيضًا في الفضاء بين النجوم. تم اكتشاف HeH + على الرغم من كل هذه التطورات في الكيمياء الفلكية، ظل HeH + غير مرئي في الكون. يعتقد أن الجزيئات الأولى اختفت بسرعة كبيرة في شباب الكون. مع توسعه وتبريده، بدأت نوى الهيدروجين المعزولة المتبقية في التقاط الإلكترونات نفسها. اصطدمت هذه الذرات أحيانًا بأيونات HeH +. عندما حدث ذلك، تم كسر رابطة He-H الضعيفة نسبيًا في الأيون وتم إنشاء رابطة أقوى بكثير بين ذرتي الهيدروجين لتكوين أيون H2 +. من جانبها، وجدت ذرة الهيليوم نفسها معزولة. بعد تكوين HeH +، تقوم ذرات الهيدروجين في الوسط بتفكيك هذه الجزيئات ضعيفة الارتباط وترتبط بالبروتون وبالتالي يتم إطلاقها لتشكيل الجزيء H2 + الأكثر ارتباطًا بقوة.
إذا التزمنا بهذا السيناريو، فإن الوجود القصير لـ HeH + لن يكون له أهمية تذكر في مجرى تاريخ الكون. لكنه أبعد ما تكون عن الحالة. استنادًا إلى نماذج التفاعلات الكيميائية المحتملة في ذلك الوقت، يعتقد علماء الفلك أنه بدون وجود HeH +، فإن أيون H2 +، بالإضافة إلى جزيء الهيدروجين ، H2 ، قد يكونان قد شكلوا ببطء أكبر: المسارات الأخرى مما يؤدي إلى هذه المركبات تتطلب المزيد من الطاقة. ثم ولد تكوين H2 للعديد من الأنواع الكيميائية الأخرى: H3 + أيون، الذي أنتج CH +، والذي أنتج نفسه CH2 + وسلسلة من الجزيئات الأخرى. في نهاية المطاف، أدى هذا التتالي إلى ظهور الماء (H2O) والإيثانول (C2H5OH) وجزيئات أكبر. كل هذه التحولات لها أصل الروابط الضعيفة وغير المتكافئة في HeH +؛ بدون هذا الأيون، سيكون الكون مختلفًا تمامًا عن الكون الذي نعرفه. HeH + يقود الطريق :
سمح تكوين هيدريد الهيليوم بتشكيل H2 +. هذا سمح بعد ذلك بتكوين العديد من الجزيئات الأخرى. بدون HeH +، ولو كان الأمر غير ذلك لكانت عملية التركيب هذه في الكون أبطأ.
في عام 2013، شعر علماء الفلك بالإحباط لأنهم ما زالوا لا يستطيعون اكتشاف HeH +. ولكن في ذلك العام، ظهر بصيص من الأمل عندما اكتشف الباحثون أيون ArH +، الذي يحتوي على الأرجون - عنصر خامل مثل الهيليوم - في سديم السرطان، من بقايا السوبرنوفا. ثم ركز العلماء أبحاثهم على HeH + في بيئات مماثلة شديدة الحرارة. ومع ذلك، نشأت مشكلة كبيرة. الخطوط الطيفية المستخدمة لتحديد حالة الأرض لـ HeH + قريبة جدًا من تلك الخاصة بانتقالين، من حالة داخلية إلى أخرى، للجزيء CH (أول جزيء تمت ملاحظته في الفضاء). لم يكن هناك تلسكوب في الخدمة قادرًا على تمييز توقيعاتهم الطيفية.
ثم تم استدعاء مرصد الستراتوسفير لعلم الفلك بالأشعة تحت الحمراء (صوفيا، لمرصد الستراتوسفير لعلم الفلك بالأشعة تحت الحمراء)، نتيجة للتعاون بين وكالة ناسا والمركز الألماني للملاحة الجوية والفضائية. (DLR) - وكالة الفضاء الألمانية. إنه تلسكوب الأشعة تحت الحمراء المحمولة جوا: في جانب الطائرة، طائرة بوينج 747 محولة، حيث تم استحداث فتحة للسماح للتلسكوب بعمل ملاحظات على علو شاهق. في مايو 2016، استخدم فريق دولي صوفيا لمدة ثلاث ليال لمسح الفضاء. يمتلك تلسكوب صوفيا دقة طيفية كافية لتمييز المؤشر الطيفي الفريد لـ HeH +، على تردد 2010.184 غيغا هرتز (في الأشعة تحت الحمراء البعيدة). بعد تحليل دقيق للبيانات التي تم جمعها، تم نشر النتيجة في عام 2019: إنها في بقايا نجم في نهاية الحياة في السديم الكوكبي NGC 7027 ، في كوكبة Cygnus ، أن فريق رولف جوستين اكتشف التوقيع الكيميائي المطلوب لفترة طويلة.
من المؤكد أن أيونات HeH + المكتشفة ليست تلك الموجودة في الكون البدائي: إن المركبات التي أوضحها رولف جوستين وزملاؤه تم إنتاجها في الآونة الأخيرة بدون شك. لكن هذا الاختراق يساعد على صقل معرفتنا بهذه الأنواع الكيميائية. إنه يوفر أدلة للظروف السائدة في الكون البدائي عندما كان HeH + المركب الوحيد الموجود في الفضاء. من المحتمل أيضًا أن يوفر هذا الاكتشاف معلومات حول مكان العثور على HeH + في الفضاء اليوم: سيبحث العلماء في السدم الكوكبية الأخرى، أو في مناطق أخرى من الكون المرئي لم تستكشف حتى الآن، حيث ستشكل ملاحظتهم قفزة هائلة في الماضي. أسئلة أصعب من أي وقت مضى:
نحن نعيش في عصر مثير للكيمياء الفلكية. تم الرد على ثلاثة أسئلة رئيسية في وقت قصير. لقد لاحظ العلماء أول جزيء تشكل في الكون، تم تحديده لأول مرة من توقيعات كيميائية معينة للنطاقات المجهولة والغامضة المنتشرة، وأخيرًا ، اكتشفوا الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات في الفضاء.
بالإضافة إلى ذلك، تُظهر عمليات إعادة البناء المختبرية الجديدة للظروف المادية بين النجوم كيف أن قواعد النيتروجين والأحماض الأمينية، والكتل الأساسية لبناء الحمض النووي - أو الحمض النووي الريبي - والبروتينات، على التوالي. تقدم التلسكوبات المحمولة جواً مثل صوفيا أو التلسكوبات الفضائية مثل هابل أو حتى جيمس ويب في المستقبل، من خلال تحرير أنفسهم من الخسائر المرتبطة بالغلاف الجوي للأرض، منظورات واعدة في الدراسة الطيفية للأجسام النجمية التي من المحتمل أن تقدم تواقيع كيميائية جديدة.
الآن بعد أن قدمت الاكتشافات الجديدة إجابات على عدد من الأسئلة، تظهر المزيد من الأسئلة. يأمل علماء الفلك في الإجابة عن أسئلة أكثر صعوبة، مثل: "ما المركبات التي تستخدمها الطبيعة؟" "،" ما هي الأصول الجزيئية للحياة؟ "أو" ما هي الشروط الكيميائية اللازمة لتشكيل الكواكب الأرضية بدلاً من عمالقة الغاز؟ " إن مشاركة الإلكترونات بين الهيدروجين والهيليوم خلقت المادة كما نعرفها. مع اكتسابنا فهمًا أفضل لهذه العمليات الكيميائية، سنكتسب فهمًا أفضل للفيزياء الفلكية والتاريخ الشامل للكون.
التحقيق الطيفي في السديم:
يستخدم علماء الفلك بشكل رئيسي الضوء، وبشكل أعم، الإشعاع الكهرومغناطيسي لاستكشاف الكون. على سبيل المثال، من خلال تحليل طيف التردد (أو الطول الموجي) لهذا الإشعاع، حيث يمكنهم تحديد الجزيئات الموجودة في الفضاء.
عندما يكون للجزيء عزم ثنائي القطب غير صفري - أي توزيع غير متكافئ للشحنات الإيجابية والسلبية - فإنه يعرض العديد من حالات الإثارة المعروفة باسم "الدوران" أو العامل "الاهتزازي" أو "الإلكتروني"، والتي تعتمد على ظروف الطاقة مثل درجة حرارة أو كثافة المرحلة الغازية. يمكن الانتقال بين حالتين بفضل مصدر الطاقة، وامتصاص الفوتون على سبيل المثال. عادة، تتضمن التحولات الدورانية الفوتونات في مجالات الطول الموجي المليمتر وتحت المليمتر؛ التحولات الاهتزازية، في مجال الأشعة تحت الحمراء؛ التحولات الإلكترونية، أخيرًا، في المجالات المرئية والأشعة فوق البنفسجية و X. عندما يحلل الباحثون الضوء، تؤدي هذه الظواهر الانتقالية إلى خطوط طيفية يمكن ملاحظتها في الامتصاص أو الانبعاث أو تكون لها بنى معقدة للغاية مع أجزاء في الامتصاص وأخرى في الانبعاث.
لمراقبة خطوط الانبعاث، يجب استيفاء الشروط اللازمة (كثافة الغاز ودرجة الحرارة)؛ في بعض الحالات، تكون التحولات الدورانية موجودة في عشرات الترددات المختلفة. بالنسبة لخطوط الامتصاص - كما هو الحال في التجمعات بين النجوم المنتشرة - هناك حاجة إلى مصدر ينبعث منه خلفية قوية، مثل النجم، والجسم المدروس هو بشكل عام سحابة بين النجوم والتي تمتص الضوء من النجم إلى ترددات انتقال الجزيئات المدروسة. وأخيرًا، في بعض الحالات، يتكون الطيف من خطوط انبعاث قادمة من النجم (أو بيئته المباشرة)، وخطوط الامتصاص بسبب السحب الجزيئية الموجودة في مجال الرؤية.
في حالة هيدريد الهيليوم HeH +، الذي له عزم ثنائي القطب قوي، يحدث الانتقال الدوراني الأساسي (من حالة الدوران الملحوظة J = 1 إلى الحالة J = 0) غيغا هرتزكما لوحظ ذلك في 2010. منذ أن قام العلماء بتجميع هذا الأيون الجزيئي في المختبر، تم التعرف على العديد من التحولات الاهتزازية في الأشعة تحت الحمراء، وتوقع أنه تم تشكيله في أوائل الكون. ساهم البحث الطويل عن HeH + في الفضاء أخيرًا في عام 2016، عندما اكتشف الفريق بقيادة Rolf Güsten، انتقال الدوران الأساسي لأول مرة، باستخدام المرصد صوفيا، تلسكوب يعمل بالأشعة تحت الحمراء مُركب على طائرة مُعدّلة. في السديم الكوكبي NGC 7027، يحتوي الغاز على درجة حرارة وكثافة كافية لإثارة الجزيء ويؤدي إلى تحولات متكررة إلى حد ما لمستويات الطاقة J = 1 إلى J = 0، مما يجعل من الممكن بعد ذلك اكتشاف الخط في الانبعاثات. كانت هذه المهمة صعبة للغاية حتى الآن، إن لم تكن مستحيلة، من خلال وجود زوج من الخطوط الطيفية لجذر الميثيليدين CH الجذري، الذي تم فصله بواسطة بضع مئات فقط.
4
هل توسع الكون متسق حقا؟
أحد أعمدة نموذج الانفجار الكبير هو أنه، وعلى نطاق واسع، يتمتع الكون بنفس الخصائص وفي جميع الاتجاهات. هناك تحليل حديث ينعش الجدل حول صلابة هذه الفرضية. في نموذج الانفجار العظيم، قام علماء الكون بافتراضين أساسيين: الكون متجانس ومتساوي الخواص على نطاق واسع. وهذا يعني أن منطقتين من الكون يتم التقاطهما عشوائياً متكافئان في النطاق الكوني وأن الكون يبدو متشابهًا بغض النظر عن الاتجاه الذي يتم مشاهدته فيه. علاوة على ذلك، فإن هذه الأفكار الطبيعية مدعومة بشكل جيد إلى حد ما بالملاحظات والمشاهدات الرصدية. ومع ذلك، لا يخلو نموذج الانفجار الكبير من العيوب، وقد اقترح الباحثون في بعض الأحيان إلغاء أحد هذين الافتراضين أو كليهما. في العمل الأخير، درس كونستانتينوس ميغكاس من جامعة بون وزملاؤه مجموعات المجرات باستخدام البيانات التي جمعتها تلسكوبات الفضاء شاندرا التابعة لناسا وXMM-Newton من وكالة الفضاء الأوروبية. وقد لاحظوا دلائل تقوض من خواص الكون.
عندما ننظر إلى سماء الليل الصافية، نرى أن النجوم ليست موزعة بالتساوي في السماء، خاصةً بسبب وجود درب التبانة الذي نراه عند الحافة. ولكن ماذا عن نطاق أوسع؟ إذا نظرنا إلى توزيع المجرات، يمكننا أن نرى أنها متجمعة في مجموعات حشود وعناقيد. لذلك هناك مناطق غنية بالمواد وأخرى فارغة تقريبًا. ولكن على نطاق أكبر، على المقاييس الكونية، يبدو الكون، من ناحية أخرى، متجانساً ومتناحيًا، يشبه إلى حد ما عندما ينتقل المرء بعيدًا عن طاولة التنقيط وتندمج كل نقطة من الألوان في صورة عامة موحدة. التجانس والتوازي من المبادئ الأساسية والضرورية لنموذج الانفجار الكبير. يجعل عمل هذه الافتراضات من الممكن استخدام وصف رياضياتي بسيط إلى حد ما غني بالتناظر (في هذه الحالة مقياس فريدمان-لوميتر-روبرتسون-ووكر). تم بناء نموذج الانفجار الكبير على التنبؤات النظرية لألكسندر فريدمان وجورج لوميتر في سياق النسبية العامة والملاحظات الأولى لإدوين هابل. أظهر هذا العمل أن الكون يتوسع. ولد الكون من حالة كثيفة جدًا وساخنة جدًا توسعت منذ ذلك الحين. غالبًا ما تكون الصورة المستخدمة لتوضيح هذا التوسع هي صورة كعكة العنب المخبوزة. عندما تنتفخ العجينة المتجانسة، تتحرك حبيبات الزبيب بعيدًا عن بعضها بنفس المعدل. لا توجد منطقة رائعة أكثر من أي منطقة أخرى في العجين (إذا تجاهلنا حواف القالب!)، وفي المتوسط ، حول أي نقطة في العجين، تكون جميع الاتجاهات متساوية. هذه هي الطريقة التي تبتعد بها مجرات الكون عن بعضها البعض ليس بسبب سرعتها الخاصة، ولكن من خلال التمدد البسيط للفضاء الذي يفصل بينها. نحن نتحدث عن سرعة الركود.
تم إثراء هذه الرؤية في عام 1998. من خلال دراسة انفجارات معينة للنجوم سوبرنوفا أو المستعر الكبير من النوع Ia- supernovæ، التي قام بها فريق سول بيرلموتر Saul Perlmutter، من ناحية، وفريق آدم رايز Adam Riess وبريان شميت Brian Schmidt من ناحية أخرى، أظهرت أن تمدد الكون يتسارع منذ حوالي 7 مليار سنة. كان لهذه النتيجة تأثير مدوي - حصل علماء الفيزياء الفلكية الثلاثة على جائزة نوبل في الفيزياء في عام 2011 - لأن علماء الكون في ذلك الوقت اعتقدوا أن التوسع يجب أن يتباطأ تحت تأثير قوة الجاذبية للمادة الواردة في الكون. المرصود كان انتفاخ الكعكة، بدلاً من انكماشها في نهاية الخبز، وبصورة أسرع فأسرع! ولتفسير هذا التوسع المتسارع للكون، افترض علماء الفيزياء أنه يحتوي على كمية كبيرة من "الطاقة المظلمة". الطبيعة الدقيقة أو الماهية الحقيقية لهذه الأخيرة غير معروفة وموضوع بحث مكثف لأنها ماتزال تشكل لغزاً كونياً.
إن نموذج الانفجار العظيم الذي تم تعديله بإضافة الطاقة المظلمة أو المعتمة لم يشكك في تجانس الكون وتماثله: يبدو التوسع المتسارع متطابقًا في جميع الاتجاهات. يبدو أن حملات المراقبة المنهجية للسماء التي جعلت من الممكن تحليل الهياكل الرئيسية للكون وتوزيع المادة، تؤكد هذه الفرضيات على أكبر المقاييس.
دحض التجانس:
ومع ذلك، في بداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، اقترح توماس بوخيرت، في مدرسة ليون للدراسات العلياÉcole normale supérieure de Lyon، فكرة جريئة. إذا أخذنا في الاعتبار عدم الخطية لمعادلات النسبية العامة، يمكن أن يكون للمتغايرات في حجم المجرات وعناوين المجرات تأثير على سلوك الكون، ولا سيما على سرعته، وعلى توسعه. من الصعب جدًا إجراء هذه الحسابات. ومع ذلك، تشير بعض النتائج الجزئية إلى أن ما يسمى بتأثير "التغذية المرتدة" يمكن أن يجعل من الضروري إضافة طاقة مظلمة! من المتوقع أن يقدم التلسكوب الفضائي إقليدس المستقبلي معلومات قيمة بخصوص هذا التأثير في مجال علم الكونيات غير المتجانسة.
يبرز هذا النهج أن الكون المتجانس فقط على نطاق واسع جدًا يتصرف بشكل مختلف عن الكون المتجانس تمامًا. لذلك يبدو من المعقول أن نسأل ما إذا كان الكون متجانسًا حقًا على أكبر المقاييس. يستكشف بعض علماء الكون هذا المسار على سبيل المثال بافتراض أن مجرة درب التبانة ستكون مغمورة في "فقاعة هابل"، وهي منطقة شاسعة يبلغ قطرها عدة مئات الملايين من السنوات الضوئية حيث متوسط الكثافة أقل مما في الخارج. تشرح هذه الفرضية ببساطة الانطباع بأن تمدد الكون يتسارع.
إذا لم يكن الكون متجانسًا كما اعتقدنا، فسيكون له تأثير على فرضية تساوي الخواص. أرادت عدة فرق اختبار هذا الأخير. ولكن إذا بدا أن بعض الأعمال تؤكد الخواص، فإن البعض الآخر لا يؤكد بالإيجاب. على سبيل المثال، كتقريب أول، فإن الخلفية الكونية الميكروية، والإشعاع الأحفوري المنبعث منها، عندما كان عمر الكون 380،000 سنة فقط، متطابقة في جميع اتجاهات السماء، مع درجة حرارة 2.7 كلفن. ومع ذلك، تظهر الخلفية المنتشرة تقلبات صغيرة (حوالي 10-5 درجات) حول متوسط درجة الحرارة. هذه التقلبات غنية بالمعلومات. وهي مرتبطة بالموجات الصوتية التي تنتشر في البلازما التي تملأ الكون في وقت انبعاث الإشعاع. تأتي فوتونات الميكروويف الكونية الخلفية الأكثر دفئًا قليلاً من مناطق أكثر كثافة قليلاً، والعكس صحيح. وقد وضعت الأقمار الصناعية أو التلسكوبات الفضائية دبليو ماب WMAP ثم بلانك Planck خريطة دقيقة لهذه التقلبات. كان توزيعها بشكل جيد نسبيًا في السماء، كما أن توزيعها الإحصائي مفهوم جيدًا إلى حد ما. ومع ذلك، فإن منطقة كبيرة بشكل استثنائي من هذه الخريطة، في اتجاه كوكبة Eridan، في نصف الكرة الجنوبي، تكون باردة بشكل غير عادي. سينتج عن وجود منطقة كبيرة جدا فقيرة في المواد. تشير هذه الملاحظة إلى أن التوازي قد لا يتم ملاحظته حتى على أكبر المقاييس.
وهناك دراسات مستفيضة لنتائج تلسكوب الفضائي بلانك لاستكشاف بدايات الكون المرئي من خلال دراسة وتحليل دقيق للخلفية الكونية للميكروويف والتي هي أداة قوية للغاية لفحص خصائص الكون. ولكن من الصعب للغاية استخراج المعلومات التي تعتمد على اتجاهات محددة، كما أنها تعتمد بشكل حاسم على معايير النموذج الكوني المستخدم. قام علماء الفيزياء الفلكية أيضًا بفحص تساوي خواص الكون باستخدام المستعرات العظمى لاختبار ما إذا كانت العلاقة بين المسافة وسرعة الركود في المجرات هي نفسها في جميع الاتجاهات. لكن الاستنتاجات ليست واضحة: بعض الفرق البحثية تلاحظ انحرافًا عن الخواص، والبعض الآخر لا يلاحظ ذلك. ينبغي القيام بقياس درجة حرارة مجموعات المجرات لمعرفة المزيد، لذلك اقترح كونستانتينوس ميغكاس وتوماس ريبريتش من جامعة بون في 2018 تقنية جديدة مستقلة تمامًا. كانوا مهتمين بالغاز الساخن في عناقيد المجرات. تكمن الفكرة في استخدام العلاقة بين درجة حرارة مجموعة من المجرات وإشراقها بالأشعة السينية، وصيغة بسيطة إلى حد ما تربط هاتين الكميتين. ميزة هذا النهج هو أنه يمكن تحديد درجة الحرارة بشكل مستقل عن أي فرضية كونية، على عكس السطوع. لذلك من الممكن استغلال العلاقة التي تربط بين الكميتين لمعرفة ما إذا كانت متطابقة في جميع اتجاهات السماء. قام كونستانتينوس ميغاس ، وتوماس ريبريتش وزملاؤهم بتنفيذ هذه الفكرة من خلال كتالوغ يضم 313 مجموعة من المجرات (237 تم تحليلها بواسطة Chandra و 76 بواسطة XMM-Newton). ووجدوا أن النتيجة تعتمد بشدة على اتجاه السماء المرصود! وبعبارة أخرى، في منطقة معينة من السماء، تبدو العناقيد المجرية باهتة أكثر مما يجب أن تعتمد على درجة حرارتها.
اعتبرت هذه التدابير مع ذلك حساسة. وقال فلوريان باكود من جامعة بون، الذي شارك في الدراسة: "إن درجة الحرارة التي يتم قياسها بواسطة التحليل الطيفي بالأشعة السينية تعتمد على تكوين الغاز (المعدني)". تؤثر هذه التركيبة على الانبعاث الكلي للكتلة، ولكن لا يمكن تقييدها تمامًا بالملاحظات. لذلك استخدمنا الافتراضات التي يمكن أن تؤثر على النتائج. لكن من غير المحتمل أن تختلف الانحرافات عن هذه الافتراضات بشكل منهجي من منطقة كبيرة من السماء إلى أخرى، "حسب هذا العالم الفيزيائي الفلكي.
العامل الحساس الثاني الذي يجب أخذه في الاعتبار هو امتصاص الأشعة السينية المنبعثة من مجموعات المجرات بواسطة الوسط النجمي عندما تعبر درب التبانة. يقول فلوريان باكود: "لذلك يجب علينا تصحيح هذا الامتصاص". ولهذا، نستخدم كثافة الهيدروجين كمتتبع (لأنه سهل القياس)، بينما الامتصاص يأتي عمليًا من العناصر الأثقل (الذرات الثقيلة و "الغبار"). يمكن أن يؤدي خطأ في نمذجة امتصاص المجرة إلى تأثير متباين خادع. أشار آدم ريس، عالم الفيزياء الفلكية في جامعة جونز هوبكنز، إلى أن المنطقة المحددة التي حددها كونستانتينوس ميغكاس قريبة من أكثر المناطق غموضا في مجرة درب التبانة. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن مستوى المجرة يغطي ما يقرب من ثلث السماء، وبالتالي ليس من المستغرب أن يقع اتجاه عشوائي مسبق بالقرب من مستوى المجرة. إن اتجاه الجاذب العظيم (الذي يتم توجيه مجموعات المجرات المحلية نحوه، وبسبب الهياكل الضخمة جدًا في اتجاه الكتلة الشابلي الفائقة) قريب أيضًا من ذروة إشارة فريق كونستانتينوس ميغكاس. سيكون هذا متسقًا إذا افترضنا أن الهياكل المحلية الكبيرة هي أصل هذا التباين.
للتأكد من حقيقة التأثير الذي لاحظوه، حلل فلوريان باكود وزملاؤه كتالوجًا أكبر من المجموعات (تم النظر في 842 بنية). وكان الاستنتاج: استمرت المنطقة غير الطبيعية. ستسهل رؤية البيانات من القمر الصناعي اقليدس Euclid المستقبلي، ولكن أيضًا من إي روزيتا EROSITA، مرصد الأشعة السينية، والذي يعمل منذ بضعة أشهر. ولكن إذا تم تأكيد تباين الخواص، فإن النتيجة المباشرة هي أنه لا بد من أخذها بعين الاعتبار في دراسة مجموعات المجرات تحت طائلة ارتكاب أخطاء التفسير. يبقى أن نفهم مصدر هذا التباين. يستشهد الباحثون بتفسيرين محتملين، أحدهما يتعلق بالحركات المناسبة للمجموعات والآخر بطبيعة الطاقة المظلمة المسؤولة عن التوسع المتسارع للكون.
محليًا، لا تتحرك المجرات بالضرورة بعيدًا عن بعضها بعد توسع الكون. في الواقع، ترتبط المجرات المجاورة بالجاذبية، والتي يمكن أن تبطئ سرعة النزوح، أو حتى تقربها. هذه هي حالة مجرة المرأة المتسلسلة أندروميدا، التي ستصطدم بدرب التبانة بعد أربع مليارات سنة. وفقًا لعلماء الفلك الذين يدرسون هذه الظواهر، يجب أن ننظر إلى المجرات التي تتجاوز 850 مليون سنة ضوئية حتى نتمكن من تجاهل تفاعلات الجاذبية التي تشوه قياسات سرعة التوسع الكوني.
ولكن على نطاق مجموعات المجرات - في دراسة فلوريان باكود وزملائه، فإن المسافات التي تم النظر فيها هي في حدود 2 مليار سنة ضوئية (بعضها يصل إلى ما يقرب من 5 مليارات سنوات ضوئية) -، يجب أن تهيمن الديناميكيات الكونية إلى حد كبير. الاحتمال الآخر هو طبيعة الطاقة المظلمة. ربما سلوكها ليس هو نفسه في كل مكان في الكون. عندما أكثر كثافة في مناطق معينة، فإنه سيسرع التوسع هناك. ما يعادل عجينة حيث يتم خلط الخميرة بشكل غير صحيح وسيتضخم جزء من الكعكة بشكل أسرع من الآخر ...
أزمة هابل المستمرة الكونية:
كانت سرعة تمدد الكون موضوعًا لمقياسين بنتائج غير متوافقة. والثالث زاد من تعقيد الوضع. تبدو كل منها موثوقة. أين الخطأ؟
وبحلول نهاية القرن العشرين، شعر علماء الكون أنهم بنوا نموذجًا شبه كامل لوصف الكون. بالتأكيد، بقيت بعض الألغاز. بالطبع، استدعى النموذج المفاهيم التي لا يزال يتعين دراستها بالتفصيل. ولكن بشكل عام، يبدو أن هذا الإطار يقدم كلًا متيناً ومتماسكًا: سيحتوي الكون على حوالي ثلثي "الطاقة المظلمة" (ذات طبيعة لا تزال غير معروفة، ولكن من شأنها أن تفسر التوسع المتسارع للكون)، ربع "المادة المظلمة" (غير معروفة أيضًا في الطبيعة، ولكنها تفسر تطور الهياكل الكونية مثل المجرات وعناقيد المجرات)، و4 إلى 5 ٪ من المادة "العادية" (التي تتكون الكائنات الحية منها، كائنات مثلنا ومثل الكواكب والنجوم وما إلى ذلك). هل تميل جميع الملاحظات إلى تأكيد هذه الرؤية للعالم. كلها؟ كلا…
كان هناك اختلاف في السنوات الأخيرة، بين نتائج طريقتين مختلفتين لقياس سرعة تمدد الكون، وهي معلمة تسمى "ثابت هابل" وتشير إلى H0. المقاربات التي تبدأ من الملاحظات في الكون الحالي والعودة بالزمن إلى الأعمار البعيدة تعطي بعض القيمة؛ والتقنيات بخصوص الكون الفتي للعودة اليوم، تعطي قيم آخري. هناك فرق صغير، ولكن لا يمكن التوفيق بينها.
للوهلة الأولى، يبدو الفرق بين القيمتين ضئيلًا: 67.4 و74.0 كيلومترًا على التوالي لكل ميغابارسيك (1 ميغابارسيك يقابل 3.26 مليون سنة ضوئية). هذا يعني أنه في كل اتجاه، على مسافة 1 ميغا باسكار، يمتد الكون حوالي 70 كيلومترًا في الثانية. بالمقارنة مع مقاييس الزمكان للكون، تصبح الفجوة بين القياسين ذات أهمية كونية حاسمة. بفضل هذه المعلمة، استنتج علماء الكون تطور الكون إلى الماضي واستنتاج عمره، حوالي 13.8 مليار سنة. يستخدمونه أيضًا لإبراز أنفسهم في المستقبل وتحديد متى ستصبح المساحة بين المجرات شاسعة لدرجة أن الكون حول المنطقة المجاورة مباشرة لدرب التبانة سيبدو فارغًا تمامًا. ويأمل الباحثون أيضًا، من خلال قياس دقيق لثابت هابل، لتوضيح طبيعة الطاقة المظلمة.
على الرغم من جهود العلماء، تستمر الاستراتيجيتان لقياس ثابت هابل في تقديم قيم مختلفة. هذا ليس من غير المألوف في العلم. ولكن بشكل عام، يكفي التحليل الدقيق لإزالة التعارضات. على مدى السنوات العشر الماضية، افترض علماء الكون أن الشيء نفسه ينطبق على ثابت هابل. لكن الخلاف استمر، وقبل كل شيء ازداد سوءًا. وقد عززت الإجراءات المتتالية من قبل كل منهما فقط الفجوة بين النتيجتين. ما هو أكثر من ذلك، أن الفرق البحثية الأخرى التي اتبعت مناهج مستقلة قد عقدت الوضع. اليوم، يتفق علماء الكونيات على نقطة واحدة وهي: لدينا مشكلة! أين تم إخفاء الخطأ؟ هل انزلق في مكان ما في التدابير أو في تفسيرهم؟ يعمل الباحثون على ذلك، لكن هذه المسارات تبدو غير مرجحة. هذا يترك خيارًا أخيرًا واحدًا، تمامًا كما هو غير مرجح ولكن يتم النظر فيه بشكل متزايد: سيقع الخطأ في النموذج القياسي أو المعياري لعلم الكونيات.
بالنسبة لكثير من تاريخ البشرية، كانت "دراسة" أصول العالم مسألة خرافات وأساطير، مثل "في البداية كان الكون مستنداً على ظهر سلحفاة الخ...". لم يكن حتى عام 1925 وارداً إدراج هذه الأسئلة الأساسية والجوهرية العظيمة عن الأصل والمآل في عالم البحث التجريبي. أن العالَم الفلكي الأمريكي إدوين هابل قد حل للتو لغزًا عمره قرون حول طبيعة البقع الضبابية في السماء - والتي أطلق عليها علماء الفلك السدم. هل كانت هذه السدم غيوم الغاز بين النجوم؟ أم كانت هذه السدم نوعًا من "الكون- الجزيرة"، وراء النجوم؟ بفضل ملاحظاته، أظهر هابل أن إحدى السدم أبعد بكثير من النجوم المرئية: نحن نعيش في عالم جزيرة، والمقصود بها مجرة درب التبانة، والسديم المعني هو مجرة مجاورة، مجرة أندروميدا. استمر هابل في إزعاج النظرة العالمية لمعاصريه. من خلال تحليل الضوء القادم من العديد من هذه السدم الشهيرة، وجد أن طيفها الكهرومغناطيسي امتد إلى أطوال موجية طويلة. نتحدث عن التحول الأحمر (اللون المقابل لأطول الأطوال الموجية في الطيف المرئي). يتم تفسير هذه الظاهرة من خلال تأثير دوبلر: يتم تحويل الموجات المنبعثة من مصدر في التردد (أو طول الموجة) عندما يتحرك هذا المصدر بالنسبة للمراقب. وبالتالي، تشير نتيجة هابل إلى أن السدم كانت تتحرك بعيدًا عن الأرض وبعيداً عن درب التبانة. في عام 1927، لاحظ الفيزيائي البلجيكي والراهب الكنسي جورج لوميتر أنه إذا كان الكون يتوسع، فيجب ملاحظة أنه كلما زادت مسافة المجرة، كلما كان التحول نحو الأحمر من الضوء أمرًا مهمًا. وبالتالي، كلما كانت أبعد، كلما ابتعدت المجرات بسرعة أكبر. في عام 1929، من خلال تراكم المزيد من الحسابات والقياسات، توصل هابل إلى نفس النتيجة: الكون يتوسع.
تساءل الفيزيائيون على الفور عما سيحدث إذا عدنا بالزمن ونظرنا للوراء إلى هذا التوسع. ستقترب المجرات من بعضها البعض، وستشكل حالة كثيفة جدًا سميت بالفرادة الكونية حيث سيولد الكون. بسرعة كبيرة، اقترح بعض المنظرين أن هذه الفرادة كانت ستميز ولادة المكان والزمان، وهي ظاهرة ستأخذ فيما بعد اسم الانفجار العظيم. كان الهدف من هذا الاسم في البداية أن يكون انتقاصًا، لأن الفكرة بدت خيالية جدًا. لعدة عقود، في غياب أدلة تجريبية، لم يتمكن الفيزيائيون من دعم هذه النظرية بقوة.
تغير الوضع في عام 1965 عندما وجه أرنو بنزياس Penzias وروبرت ويلسون من مختبرات بيل، هوائي الراديو الخاص بهم إلى السماء. لقد التقطوا إشعاعًا متجانسًا من جميع الاتجاهات. ولكن منذ عام 1948، اعتبر الفيزيائيون مثل رالف ألفر وروبرت هيرمان وآخرون أنه إذا كان الكون قد خرج من حالة بدائية كثيفة وساخنة جدًا، لكان قد تبرد أثناء توسعه وكان سينبعث ضوءًا مميزًا في شبابه. لقد حسبوا نظريًا أن درجة الحرارة المرتبطة بهذا الإشعاع ستكون بضع درجات فوق الصفر المطلق. ومع ذلك، مع قياس حوالي 3 كلفن، قدم بنزياس وويلسون أدلة كافية لإقناع علماء الكونيات وإيجاد توافق حول نموذج الانفجار الكبير.
في عام 1970، نشر عالم الفلك آلان سانديج ، أحد أقارب هابل ، مقالًا في مجلة الفيزياء اليوم كان له تأثير عميق على أبحاث علم الكونيات وكان بعنوان "علم الكونيات: البحث عن رقمين". الرقم الأول هو معدل التوسع الحالي للكون. الثاني، تسارع التوسع. في ذلك الوقت، كان يعتقد أن سرعة التمدد يجب أن تنخفض، والكون ممتلئ بالمادة التي تعمل بشكل جاذب على نفسها والتي تشكل بالتالي مكابح للتمدد. لذلك كنا نتحدث أكثر عن معلمة التباطؤ. تم قياس الرقم الثاني أولا. في أواخر الثمانينيات، شرع فريقان في تقديره باستخدام نفس الأدوات، ولكن بشكل مستقل: النوع السوبرنوفا نوع ل أ Ia supernovae، النجوم الضخمة التي تنفجر في نهاية حياتها والتي يعتقد علماء الفيزياء الفلكية أنها تستخدم "الشموع". اساسي ". المبدأ هو نفسه عندما نعتبر لمبة 60 واط، والتي تبدو أقل سطوعًا إذا نظرنا إليها من مسافة أبعد: إذا علمنا أن المصباح لديه قوة 60 واط، فإننا قادرون على تحديد بعدها عن لمعانها الواضح.
إضاءة بالشموع القياسية:
يعرف علماء الكونيات كيفية تحديد السطوع الداخلي للنوع المستعر الأعظم من النوع Ia (ما يعادل "60 وات") وبالتالي يمكنهم استخدامها لقياس المسافات الكونية. ولكن إذا كانت سرعة التوسع قد انخفضت بمرور الوقت، كما اعتقد الفلكيون، فعند مسافات بعيدة، سيكون المستعر الأعظم أقل بعدًا وبالتالي يكون أكثر إشراقًا مما لو كان الكون قد تضخم بمعدل ثابت. ومع ذلك، وجد الفريقان العكس: كانت المستعرات الأعظم البعيدة أقل سطوعًا مما كان متوقعًا، وبالتالي كانت أبعد من المتوقع. في عام 1998، خلص الباحثون إلى أن توسع الكون يتسارع. مصدر هذا التسارع هو ما نسميه "الطاقة المظلمة" (أو "السوداء أو المعتمة") ، وهو مصطلح عام ومؤقت حتى نحدد طبيعته الحقيقية.
تم تقدير ثابت هابل، وهو أول رقم رملي قدمه سانديج Sandage، بدقة جيدة بعد ذلك بوقت قصير. وعلى مدى عدة عقود، كانت هذه المعلمة مصدر جدل ساخن بين علماء الفلك. زعم سانديج نفسه أن ثابت هابل H0 ستبلغ قيمته حوالي 50 كيلومترًا في الثانية لكل ميغابارسيك ، وهي قيمة ستجعل عمر الكون حوالي 20 مليار سنة. انحنى الفلكيون الآخرون أكثر نحو ثابت هابل بالقرب من 100 كيلومتر في الثانية ولكل ميغا باسكار ، أي عصر كوني يقارب 10 مليار سنة. مثل هذا الاختلاف كان محرجا. كان لابد من تقليل عدم اليقين هذا.
في عام 2001، استخدمت ويندي فريدمان من جامعة شيكاغو وزملاؤها تلسكوب هابل الفضائي لإجراء أول قياس موثوق لثابت هابل. في هذا المشروع، كانت الشموع القياسية عبارة عن نجوم سيفيد cepheid متغيرة، وهي نجوم يزداد سطوعها وينقص مع فترة تتعلق بإشراقها المطلق. بإيجاد قيمة وسيطة تبلغ 72 ± 8 كيلومتر في الثانية لكل ميغا باسكار، قرر هذا الفريق هذه القيمة التقديرية الوسطية في منتصف النقاش ووافق عليها الجميع.
بقي للحصول على قياس أكثر دقة. أطلق آدم ريس، الذي شارك في عام 2011 جائزة نوبل في الفيزياء لدوره في اكتشاف التوسع المتسارع للكون في عام 1998، مشروعًا فلكيًا بحتًا جديدًا، SH0ES (Supernovæ، H0، لمعادلة الطاقة المظلمة). استخدم هذا الفريق كلاً من السيفيد ونوع المستعر الأعظم من النوع Ia (بعض من أبعد مسافة تمت ملاحظتها على الإطلاق) كشموع قياسية. في عام 2005، حصل الفريق على نتيجة أولية بلغت 73 ± 4، وهي نتيجة قريبة جدًا من تلك التي حصل عليها الفريق في عام 2001، ولكن مع انخفاض مجال الخطأ. منذ ذلك الحين، أصدر تعاون SH0ES العديد من التحديثات، مما أدى إلى تحسين أوجه عدم اليقين. أحدثها، في عام 2019، أبلغ عن ثابت هابل البالغ 74.03 ± 1.42 كيلومترًا في الثانية لكل ميغابكسل.
في الطريقة التي اتبعها آدم ريس وآخرون، نبدأ بقياسات على الأجسام القريبة ونستخدم هذه البيانات لمعايرة الشموع القياسية أبعد وأبعد. كما استخدم الباحثون النهج العكسي على مدار العشرين عامًا الماضية. يبدأون من الكون الصغير ويعودون إلى اليوم. نقطة انطلاقهم ليست سوى الخلفية الإشعاعية الميكروية الكونية التي لاحظها ويلسون وبينزياس لأول مرة في عام 1965. إشعاع الخلفية انبعث من الكون عندما كان عمره 379000 سنة فقط. في ذلك الوقت، أصبحت بلازما البروتونات والإلكترونات الحرة التي تملأ الكون باردة بما يكفي لتشكيل ذرات الهيدروجين المحايدة هناك. ثم أصبحت البلازما شفافة، مما سمح للفوتونات بالسفر عبر الكون والوصول إلينا بعد 13.8 مليار سنة. في حين لاحظ ويلسون وبينزياس إشعاعًا موحدًا لدرجة الحرارة في جميع اتجاهات السماء، توقع المنظرون أنه باستخدام أدوات أكثر حساسية، سيكتشف الباحثون تقلبات درجة الحرارة. هذه تتوافق مع الكثافات الزائدة في البلازما البدائية، التي ولدت هياكل الكون: المجرات وعناقيد المجرات والمجموعات الفائقة للمجرات.
في عام 1992، اكتشف المسبار الفضائي الأول Cobe المخصص للبحث في خلفية الميكروية الإشعاعية الكونية، Cobe (مستكشف الخلفية الكونية)، هذه التقلبات في درجة الحرارة لأول مرة. ثم، في عام 2003، قام مسبار ويلكنسون (WMAP) بدراسة الأشعة الخلفية الميكروية المنتشر بتحسين الدقة. تمكن الباحثون بعد ذلك من تحليل الخصائص الإحصائية لهذه التقلبات وتحديد الظروف السائدة في البلازما البدائية. حددوا، على وجه الخصوص، حجم الموجات الصوتية التي انتشرت هناك والتي تسببت في مناطق الكثافة الزائدة. من خلال معرفة "سرعة الصوت"، حدد علماء الكون مقياسًا مرجعيًا بفضل "البقع" في الخلفية المنتشرة. ثم تم استخدام هذا المقياس المعياري لقياس توسع ونمو الهياكل الكبيرة حتى الآن. وتعطي هذه المقاييس معدل تمدد الكون الحالي، ثابت هابل. في عام 2003، قام تلسكوب WMAP الفضائي بقياسها الأول H0، 72 ± 5 كم في الثانية ولكل ميغا بارس. في أحسن الاحوال! كانت هذه القيمة متسقة مع قيمة تلسكوب هابل، مع ميزة شريط خطأ أصغر. لكن القياسات المتتالية لــ WMAP كشفت عن اتجاه نزولي مؤسف (70 في عام 2011). لم تكن هذه مشكلة بعد: لا تزال أوجه عدم اليقين في SH0ES وWMAP متداخلة حول 72 كم في الثانية ولكل ميغا.
بدأت الأزمة:
ولكن في عام 2013، تم تقليل مجالات الخطأ بشكل أكبر ولم تكد تلامس: كانت نتيجة SH0ES 74 ± 2 وWMAP 70 ± 2. لم يكن المناخ قلقًا بعد، والطريقتين لا تزالان متوافقتين مع قيمة حوالي 72. مع تحسين أساليب وتقنيات التحليل، توقعنا أن نرى القيم تتقارب. بعد ذلك، في عام 2014، أعلن خليفة WMAP الأكثر تطوراً، وهو مرصد أو تلسكوب Planck بلانك الفضائي، عن أول تقدير لثابت هابل: 67.4 ± 1.4. لم تعد هناك شكوك متداخلة، بل كانت الفجوة واضحة. وأكدت نتائج بلانك التالية هذه النتيجة فقط. الأسوأ من ذلك، انخفض مجال الخطأ إلى 1، ثم في عام 2018 كان 0.5 فقط. في المصطلحات العلمية، نتحدث عن "التوتر" لوصف هذا النوع من الحالات حيث لا يمكن التوفيق بين إجراءين. مؤتمر تحت التوتر: كان عنوان مؤتمر في معهد كافلي للفيزياء النظرية في سانتا باربارا، كاليفورنيا، في صيف عام 2019: "التوترات بين الكون الفتي والكون الحالي". كان آدم ريس أول من قدم نتائجه. في نهاية محاضرته، لجأ إلى ديفيد غروس، المتخصص في فيزياء الجسيمات وأيضًا الفائز بجائزة نوبل، إلى السجال وسأله عن رأيه: "هل لدينا توتر أم أن لدينا مشكلة؟ " رد ديفيد غروس بحذر أولًا على أن الفروق الدقيقة "تعسفية" بعض الشيء، قبل أن يضيف: "نعم، أعتقد أنه يمكننا التحدث عن مشكلة". بعد عشرين دقيقة، بعد جلسة الأسئلة والأجوبة، قام بتعديل ملاحظته: "في فيزياء الجسيمات، لم نكن نتحدث عن التوتر أو المشكلة، بل عن أزمة. واختتم آدم ريس المناقشة بهذه الكلمات: "زملائي، نحن في أزمة. "
هل تنشأ المشكلة من بناء "مقياس المسافة الكونية" من الشموع القياسية؟ مثل هذا السلم الذي يمتد أكثر فأكثر إلى ، قوي مثل كل خطوة من خطواته، الشموع القياسية. ليس من المستحيل إخفاء الأخطاء في هذا النهج.
خلال المؤتمر في معهد كافلي، نوقشت هذه النقطة باستفاضة. وخلال المؤتمر أيضاً، نشرت ويندي فريدمان وفريقها نتيجة مختلفة تمامًا عن نتائج SH0ES باستخدام نوع آخر من الشموع القياسية: بعض النجوم الحمراء العملاقة. تتوهج هذه الأشياء أكثر وأكثر حتى تصل إلى الذروة عندما يبدأ هليوم قلبهم في الاندماج. يمكن استخدام "وميض الهيليوم" المشترك بين جميع عمالقة الأحمر كشمعة قياسية. مع هذا النهج، وصل فريق شيكاغو إلى قيمة في منتصف الطريق بين الفاصل الزمني الذي حددته الأزمة الحالية: 69 ± 0.8 كيلومتر في الثانية ولكل ميغا بارس (قيمة لا تقدم استعادة الشكوك، لا مع SH0ES ولا مع Planck).
فكرة ويندي فريدمان Wendy Freedman هي أن السيفيد cepheids ليست شموعًا قياسية موثوقة جدًا. توجد هذه النجوم في مناطق كثيفة في النجوم وغالبًا غنية بالغبار. ومع ذلك، فإن الأخير، من خلال حجب جزء من ضوء النجوم، يعطي الانطباع بأنهم بعيدون أكثر مما هم عليه بالفعل. على العكس من ذلك، فإن العمالقة الحمراء هم نجوم قديمة تم العثور عليها إلى حد ما في ضواحي المجرة، في مناطق منخفضة الغبار.
بالنسبة لبعض المتخصصين في نهج المقياس عن بعد، كان تاريخ نشر مقال ويندي فريدمان بمثابة استفزاز، لأنه لم يمنحهم الوقت لتحليل الطريقة لتقديم إجابة مفصلة خلال المؤتمر.
جاء هذا الرد بعد ثلاثة أسابيع. الطريقة التي يستخدمها فريق Wendy s Freedman "تشكل شمعة قياسية واعدة لقياس المسافات خارج المجرة"، يبدأ مؤلفو المقالة بطريقة دبلوماسية للغاية قبل معالجة تحليل الأخطاء المنهجية بقوة. من وجهة نظرهم، كانت نتيجة ويندي فريدمان ملطخة بعدم اليقين. على وجه الخصوص، قام علماء الفلك بمعايرة عمالقتهم الحمر في سحابة ماجلانMagellanic الكبيرة، وهي مجرة صغيرة معروفة ببعدها ولكنها متربة للغاية. من خلال إعادة تفسير البيانات عن العمالقة الحمراء، وجد آدم ريس وزملاؤه اتفاقًا جيدًا مع بياناتهم الخاصة: لقد استنتجوا إن ثابت هابل يساوي 72.4 ± 1.9 كم في الثانية ولكل ميغا.
بالنسبة إلى Wendy Freedman، كان إعادة تفسير أسلوبها غير دقيق. مع فريقها، أخذت بعين الاعتبارآراء النقاد. وفي فبراير 2020، نشر هؤلاء الباحثون نتائج جديدة باستخدام أيضًا معايير العمالقة الحمراء في مجرتين أخريين، IC 1613 وLittle Magellanic Cloud كلود ما جلان الصغيرة، التي ليست متربة للغاية ولكن مسافاتها أقل شهرة. تحقق فريق ويندي فرييدمانWendy Freedman من أنهم قادرون على حساب تأثير الغبار بشكل صحيح ولديهم نتائج متسقة. ولكن بدلاً من الاقتراب من قيمة SH0ES، تنحرف قيمتها الجديدة لثابت هابل بشكل أكبر: 69.6 ± 1.9 كيلومتر في الثانية ولكل ميغا باسكار، على مرمى حجر من القيمة المعطاة بواسطة بلانك. يواصل آدم ريس وزملاؤه استكشاف الطريقة.
هذه التبادلات، التي تكون أحيانًا متحركة، بين علماء الفلك الذين يعتمدون على الشموع القياسية، يؤكد فيزيائيوا الجسيمات على فكرة أن المشكلة تنشأ في عدم اليقين في بناء المقياس الكوني للمسافات. ولكن كيف يمكن للمرء أن يؤكد أن تحليلات الخلفية الميكروية الكونية خالية من الأخطاء؟ يعتقد عدد قليل من علماء الفلك أن المشكلة تكمن في بيانات بلانك. يعتقد الفيزيائيون أيضًا أنهم وصلوا إلى الحد الأقصى للحساسية لمراصد الفضاء التي تدرس خلفية الميكروويف الكونية. والقياسات المستقلة عن الخلفية المنتشرة - باستخدام تلسكوب القطب الجنوبي (SPT) على سبيل المثال – والتي تؤكد متانة هذه القياسات. يستخدم الباحثون مجموعة متنوعة من الأساليب لتقدير معدل التوسع الحالي للكون. يستخدم علماء الكونيات الخلفية الميكروية الكونية أو التذبذبات الصوتية للباريونات (باللون الأزرق)؛ كما يستخدم الفلكيون الشموع القياسية ومؤشرات المسافة. تعتمد التقنيات المستقلة الأخرى على الكوازارات أو على موجات الجاذبية. لذلك، إذا لم يكن مصدر التوتر في ملاحظات الكون الصغير أو الحالي، فإن علماء الكون ليس لديهم حل آخر سوى النظر إلى المسار الثالث، وهو مسار "جديد ماديًا، أي قوى، أو ظواهر يخرج تفسيرها عن فهمنا الحالي للعالم. بدأ علماء الكونيات في التفكير في أفكار جذرية مفادها أن النموذج القياسي لعلم الكونيات ليس شاملاً كما اعتقدوا.
قد لا يكون نموذج علم الكونيات القياسي شاملاً كما كان يعتقد سابقًا يعتبر بمثابة نسف لأساس القياس في النموذج المعياري لعلم الكونيات. أحد العناصر التي يمكن أن تلعب في فهمنا للتوسع الكوني هو عدم اليقين بشأن محتوى الجسيمات للكون. بالنسبة لبعض العلماء، تذكرنا هذه الفكرة بـ "مشكلة النيوترينو الشمسي"، وهو شجار استمر عدة عقود على النيوترينوهات الإلكترونية، وهي جسيمات تنبعث من الشمس على وجه الخصوص. قام المنظرون بحساب تدفق معين من النيوترينو، وسجلت الكاشفات آخر. اشتبه الفيزيائيون في أن هذه أخطاء منهجية في الملاحظات. شكك علماء الفلك في النظرية التي تصف عمليات إنتاج النيوترينو في قلب الشمس. كما هو الحال مع ثابت هابل، يبدو أنه لا يوجد حل يظهر على أي من الجانبين. حتى نهاية الألفية اكتشف الباحثون أن للنيوترينات كتلة. من خلال أخذ هذه النتيجة في الاعتبار، فهم الفيزيائيون أن النيوترينوات "تتأرجح" من هوية إلى أخرى: يتم تحويل النيوترينوهات الإلكترونية دوريًا إلى أنواع أخرى من النيوترينوات التي لا تكون الكاشفات حساسة لها ولم تستطع رصدها. وفي تعديل مماثل، على سبيل المثال، مجموعة جديدة من النيوترينوات الموجودة في الكون الصغير، والتي من شأنها تعديل توزيع الطاقة والكتل في البلازما البدائية، سيصحح قيمة ثابت هابل.
مسار آخر يتعلق بالطاقة المظلمة. في النموذج القياسي لعلم الكون، تعتبر كثافة الطاقة المظلمة ثابتة. ولكن هذا ليس صحيحا بالضرورة. منذ ذلك الحين، قد يختلف تأثير هذا الشكل من الطاقة على تمدد الكون بمرور الوقت. وهي فكرة غير معقولة، لأن علماء الكون لا يعرفون الطبيعة الدقيقة لهذا المكون من الكون. لنترقب البيانات القادمة.
سيحصل الفلكيون على بيانات من مرصد غايا الفضائي التابع لوكالة الفضاء الأوروبية خلال العامين المقبلين. يقيس مسافة أكثر من مليار نجم في درب التبانة بدقة لم يسبق لها مثيل. هذا سيثبت أن الباحثين يستخدمون القيم الصحيحة لمعايرة المستوى الأول من تركيبهم الكوني. إذا لم يكن الأمر كذلك، فستكون المشكلة هي وجود خطأ منهجي. وفي الوقت نفسه، يواصل المنظرون العمل على امتدادات جديدة لنموذج الانفجار الكبير Big Bang، على الرغم من عدم وجود أي نموذج منافس حتى الآن صمد للتدقيق بشكل أفضل من الإصدار القياسي.
لا يزال النموذج القياسي لعلم الكونيات أحد أعظم نجاحات العلم الحديث. في خمسين عامًا، تطور هذا الإطار، بدءًا من أفكار مضاربة غامضة لإعطاء أفكار معينة تقريبًا. قد لا تكون شاملة كما اعتقد علماء الكون قبل بضع سنوات فقط، ولكن لا يزال هناك مثال جيد لكيفية عمل العلم: يحصل الباحثون على نتائج يثقون بها، ويبحثون عن نتائج جديدة المسارات ومتابعة كل فكرة للمضي قدما.
-----------------------------------------------------
Magellanic الكبيرة هي مجرة قزمة مجاورة لدرب التبانة معروفة بعدها بدقة. يستخدم علماء الفلك النجوم الحمراء والسيفيدية هناك لمعايرة شموعهم القياسية.
4

هل توسع الكون متناحي ومتسق حقا؟
أحد أعمدة نموذج الانفجار الكبير هو أنه على نطاق واسع، يتمتع الكون بنفس الخصائص في جميع الاتجاهات. تحليل حديث ينعش الجدل حول صلابة هذه الفرضية. في نموذج الانفجار العظيم، قام علماء الكون بافتراضين أساسيين: الكون متجانس ومتساوي الخواص على نطاق واسع. وهذا يعني أن منطقتين من الكون يتم التقاطهما عشوائياً متكافئان في النطاق الكوني وأن الكون يبدو متشابهًا بغض النظر عن الاتجاه الذي يتم ملاحظته فيه. علاوة على ذلك، فإن هذه الأفكار الطبيعية مدعومة بشكل جيد إلى حد ما بالملاحظات والمشاهدات الرصدية. ومع ذلك، لا يخلو نموذج الانفجار الكبير من العيوب، وقد اقترح الباحثون في بعض الأحيان إلغاء أحد هذين الافتراضين أو كليهما. في العمل الأخير، درس كونستانتينوس ميغكاس من جامعة بون وزملاؤه مجموعات المجرات باستخدام البيانات التي جمعتها تلسكوبات الفضاء شاندرا التابعة لناسا وXMM-Newton من وكالة الفضاء الأوروبية. وقد لاحظوا دلائل تقوض من خواص الكون.
عندما ننظر إلى سماء الليل الصافية، نرى أن النجوم ليست موزعة بالتساوي في السماء، خاصةً بسبب وجود درب التبانة الذي نراه عند الحافة. ولكن ماذا عن نطاق أوسع؟ إذا نظرنا إلى توزيع المجرات، يمكننا أن نرى أنها متجمعة في مجموعات حشود وعناقيد. لذلك هناك مناطق غنية بالمواد وأخرى فارغة تقريبًا. ولكن على نطاق أكبر، على المقاييس الكونية، يبدو الكون، من ناحية أخرى، متجانساً ومتناحيًا، يشبه إلى حد ما عندما ينتقل المرء بعيدًا عن طاولة التنقيط وتندمج كل نقطة من الألوان في صورة عامة موحدة. التجانس والتوازي من المبادئ الأساسية والضرورية لنموذج الانفجار الكبير. يجعل عمل هذه الافتراضات من الممكن استخدام وصف رياضياتي بسيط إلى حد ما غني بالتناظر (في هذه الحالة مقياس فريدمان-لوميتر-روبرتسون-ووكر). تم بناء نموذج الانفجار الكبير على التنبؤات النظرية لألكسندر فريدمان وجورج لوميتر في سياق النسبية العامة والملاحظات الأولى لإدوين هابل. أظهر هذا العمل أن الكون يتوسع. ولد الكون من حالة كثيفة جدًا وساخنة جدًا توسعت منذ ذلك الحين. غالبًا ما تكون الصورة المستخدمة لتوضيح هذا التوسع هي صورة كعكة العنب المخبوزة. عندما تنتفخ العجينة المتجانسة، تتحرك حبيبات الزبيب بعيدًا عن بعضها بنفس المعدل. لا توجد منطقة رائعة أكثر من أي منطقة أخرى في العجين (إذا تجاهلنا حواف القالب!)، وفي المتوسط ، حول أي نقطة في العجين، تكون جميع الاتجاهات متساوية. هذه هي الطريقة التي تبتعد بها مجرات الكون عن بعضها البعض ليس بسبب سرعتها الخاصة، ولكن من خلال التمدد البسيط للفضاء الذي يفصل بينها. نحن نتحدث عن سرعة الركود.
تم إثراء هذه الرؤية في عام 1998. من خلال دراسة انفجارات معينة للنجوم سوبرنوفا أو المستعر الكبير من النوع Ia- supernovæ، التي قام بها فريق سول بيرميوتر Saul Perlmutter، من ناحية، وفريق آدم رايز Adam Riess وبريان شميت Brian Schmidt من ناحية أخرى، أظهرت أن تمدد الكون يتسارع منذ حوالي 7 مليار سنة. كان لهذه النتيجة تأثير مدوي - حصل علماء الفيزياء الفلكية الثلاثة على جائزة نوبل في الفيزياء في عام 2011 - لأن علماء الكون في ذلك الوقت اعتقدوا أن التوسع يجب أن يتباطأ تحت تأثير قوة الجاذبية للمادة الواردة في الكون. المرصود كان انتفاخ الكعكة، بدلاً من انكماشها في نهاية الخبز، وبصورة أسرع فأسرع! ولتفسير هذا التوسع المتسارع للكون، افترض علماء الفيزياء أنه يحتوي على كمية كبيرة من "الطاقة المظلمة". الطبيعة الدقيقة أو الماهية الحقيقية لهذه الأخيرة غير معروفة وموضوع بحث مكثف لأنها ماتزال تشكل لغزاً كونياً.
إن نموذج الانفجار العظيم الذي تم تعديله بإضافة الطاقة المظلمة أو المعتمة لم يشكك في تجانس الكون وتماثله: يبدو التوسع المتسارع متطابقًا في جميع الاتجاهات. يبدو أن حملات المراقبة المنهجية للسماء التي جعلت من الممكن تحليل الهياكل الرئيسية للكون وتوزيع المادة، تؤكد هذه الفرضيات على أكبر المقاييس.
دحض التجانس:
ومع ذلك، في بداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، اقترح توماس بوخيرت، في مدرسة ليون للدراسات العلياÉcole normale supérieure de Lyon، فكرة جريئة. إذا أخذنا في الاعتبار عدم الخطية لمعادلات النسبية العامة، يمكن أن يكون للتغايرات في حجم المجرات وعناوين المجرات تأثير على سلوك الكون، ولا سيما على سرعته، وعلى توسعه. من الصعب جدًا إجراء هذه الحسابات. ومع ذلك، تشير بعض النتائج الجزئية إلى أن ما يسمى بتأثير "التغذية المرتدة" يمكن أن يجعل من الضروري إضافة طاقة مظلمة! من المتوقع أن يقدم التلسكوب الفضائي إقليدس المستقبلي معلومات قيمة بخصوص هذا التأثير في مجال علم الكونيات غير المتجانسة.
يبرز هذا النهج أن الكون المتجانس فقط على نطاق واسع جدًا يتصرف بشكل مختلف عن الكون المتجانس تمامًا. لذلك يبدو من المعقول أن نسأل ما إذا كان الكون متجانسًا حقًا على أكبر المقاييس. يستكشف بعض علماء الكون هذا المسار على سبيل المثال بافتراض أن مجرة درب التبانة ستكون مغمورة في "فقاعة هابل"، وهي منطقة شاسعة يبلغ قطرها عدة مئات الملايين من السنوات الضوئية حيث متوسط الكثافة أقل مما في الخارج. تشرح هذه الفرضية ببساطة الانطباع بأن تمدد الكون يتسارع.
إذا لم يكن الكون متجانسًا كما اعتقدنا، فسيكون له تأثير على فرضية تساوي الخواص. أرادت عدة فرق اختبار هذا الأخير. ولكن إذا بدا أن بعض الأعمال تؤكد الخواص، فإن البعض الآخر لا يؤكد بالإيجاب. على سبيل المثال، كتقريب أول، فإن الخلفية الكونية الميكروية، والإشعاع الأحفوري المنبعث منها، عندما كان عمر الكون 380،000 سنة فقط، متطابقة في جميع اتجاهات السماء، مع درجة حرارة 2.7 كلفن. ومع ذلك، تظهر الخلفية المنتشرة تقلبات صغيرة (حوالي 10-5 درجات) حول متوسط درجة الحرارة. هذه التقلبات غنية بالمعلومات. وهي مرتبطة بالموجات الصوتية التي تنتشر في البلازما التي تملأ الكون في وقت انبعاث الإشعاع. تأتي فوتونات الميكروويف الكونية الخلفية الأكثر دفئًا قليلاً من مناطق أكثر كثافة قليلاً، والعكس صحيح. وقد وضعت الأقمار الصناعية أو التلسكوبات الفضائية دبليو ماب WMAP ثم بلانك Planck خريطة دقيقة لهذه التقلبات. كان توزيعها بشكل جيد نسبيًا في السماء، كما أن توزيعها الإحصائي مفهوم جيدًا إلى حد ما. ومع ذلك، فإن منطقة كبيرة بشكل استثنائي من هذه الخريطة، في اتجاه كوكبة Eridan، في نصف الكرة الجنوبي، تكون باردة بشكل غير عادي. سينتج عن وجود منطقة كبيرة جدا فقيرة في المواد. تشير هذه الملاحظة إلى أن التوازي قد لا يتم ملاحظته حتى على أكبر المقاييس.
وهناك دراسات مستفيضة لنتائج تلسكوب الفضائي بلانك لاستكشاف بدايات الكون المرئي من خلال دراسة وتحليل دقيق للخلفية الكونية للميكروويف والتي هي أداة قوية للغاية لفحص خصائص الكون. ولكن من الصعب للغاية استخراج المعلومات التي تعتمد على اتجاهات محددة، كما أنها تعتمد بشكل حاسم على معايير النموذج الكوني المستخدم. قام علماء الفيزياء الفلكية أيضًا بفحص تساوي خواص الكون باستخدام المستعرات العظمى لاختبار ما إذا كانت العلاقة بين المسافة وسرعة الركود في المجرات هي نفسها في جميع الاتجاهات. لكن الاستنتاجات ليست واضحة: بعض الفرق البحثية تلاحظ انحرافًا عن الخواص، والبعض الآخر لا يلاحظ ذلك. ينبغي القيام بقياس درجة حرارة مجموعات المجرات لمعرفة المزيد ، لذلك اقترح كونستانتينوس ميغكاس وتوماس ريبريتش من جامعة بون في 2018 تقنية جديدة مستقلة تمامًا. كانوا مهتمين بالغاز الساخن في عناقيد المجرات. تكمن الفكرة في استخدام العلاقة بين درجة حرارة مجموعة من المجرات وإشراقها بالأشعة السينية، وصيغة بسيطة إلى حد ما تربط هاتين الكميتين. ميزة هذا النهج هو أنه يمكن تحديد درجة الحرارة بشكل مستقل عن أي فرضية كونية، على عكس السطوع. لذلك من الممكن استغلال العلاقة التي تربط بين الكميتين لمعرفة ما إذا كانت متطابقة في جميع اتجاهات السماء. قام كونستانتينوس ميغاس ، وتوماس ريبريتش وزملاؤهم بتنفيذ هذه الفكرة من خلال كتالوج يضم 313 مجموعة من المجرات (237 تم تحليلها بواسطة Chandra و 76 بواسطة XMM-Newton). ووجدوا أن النتيجة تعتمد بشدة على اتجاه السماء المرصود! وبعبارة أخرى، في منطقة معينة من السماء، تبدو العناقيد المجرية باهتة أكثر مما يجب أن تعتمد على درجة حرارتها.
اعتبرت هذه التدابير مع ذلك حساسة. وقال فلوريان باكود من جامعة بون، الذي شارك في الدراسة: "إن درجة الحرارة التي يتم قياسها بواسطة التحليل الطيفي بالأشعة السينية تعتمد على تكوين الغاز (المعدني)". تؤثر هذه التركيبة على الانبعاث الكلي للكتلة، ولكن لا يمكن تقييدها تمامًا بالملاحظات. لذلك استخدمنا الافتراضات التي يمكن أن تؤثر على النتائج. لكن من غير المحتمل أن تختلف الانحرافات عن هذه الافتراضات بشكل منهجي من منطقة كبيرة من السماء إلى أخرى، "حسب هذا العالم الفيزيائي الفلكي.
العامل الحساس الثاني الذي يجب أخذه في الاعتبار هو امتصاص الأشعة السينية المنبعثة من مجموعات المجرات بواسطة الوسط النجمي عندما تعبر درب التبانة. يقول فلوريان باكود: "لذلك يجب علينا تصحيح هذا الامتصاص". ولهذا، نستخدم كثافة الهيدروجين كمتتبع (لأنه سهل القياس)، بينما الامتصاص يأتي عمليًا من العناصر الأثقل (الذرات الثقيلة و "الغبار"). يمكن أن يؤدي خطأ في نمذجة امتصاص المجرة إلى تأثير متباين خادع. أشار آدم ريس، عالم الفيزياء الفلكية في جامعة جونز هوبكنز، إلى أن المنطقة المحددة التي حددها كونستانتينوس ميغكاس قريبة من أكثر المناطق غموضا في مجرة درب التبانة. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن مستوى المجرة يغطي ما يقرب من ثلث السماء، وبالتالي ليس من المستغرب أن يقع اتجاه عشوائي مسبق بالقرب من مستوى المجرة. إن اتجاه الجاذب العظيم (الذي يتم توجيه مجموعات المجرات المحلية نحوه، وبسبب الهياكل الضخمة جدًا في اتجاه الكتلة الشابلي الفائقة) قريب أيضًا من ذروة إشارة فريق كونستانتينوس ميغكاس. سيكون هذا متسقًا إذا افترضنا أن الهياكل المحلية الكبيرة هي أصل هذا التباين.
للتأكد من حقيقة التأثير الذي لاحظوه، حلل فلوريان باكود وزملاؤه كتالوجًا أكبر من المجموعات (تم النظر في 842 بنية). وكان الاستنتاج: استمرت المنطقة غير الطبيعية. ستسهل رؤية البيانات من القمر الصناعي اقليدس Euclid المستقبلي، ولكن أيضًا من إي روزيتا EROSITA، مرصد الأشعة السينية، والذي يعمل منذ بضعة أشهر. ولكن إذا تم تأكيد تباين الخواص، فإن النتيجة المباشرة هي أنه لا بد من أخذها بعين الاعتبار في دراسة مجموعات المجرات تحت طائلة ارتكاب أخطاء التفسير. يبقى أن نفهم مصدر هذا التباين. يستشهد الباحثون بتفسيرين محتملين، أحدهما يتعلق بالحركات المناسبة للمجموعات والآخر بطبيعة الطاقة المظلمة المسؤولة عن التوسع المتسارع للكون.
محليًا، لا تتحرك المجرات بالضرورة بعيدًا عن بعضها بعد توسع الكون. في الواقع، ترتبط المجرات المجاورة بالجاذبية، والتي يمكن أن تبطئ سرعة النزوح، أو حتى تقربها. هذه هي حالة مجرة المرأة المتسلسلة أندروميدا، التي ستصطدم بدرب التبانة بعد أربع مليارات سنة. وفقًا لعلماء الفلك الذين يدرسون هذه الظواهر، يجب أن ننظر إلى المجرات التي تتجاوز 850 مليون سنة ضوئية حتى نتمكن من تجاهل تفاعلات الجاذبية التي تشوه قياسات سرعة التوسع الكوني.
ولكن على نطاق مجموعات المجرات - في دراسة فلوريان باكود وزملائه، فإن المسافات التي تم النظر فيها هي في حدود 2 مليار سنة ضوئية (بعضها يصل إلى ما يقرب من 5 مليارات سنوات ضوئية) -، يجب أن تهيمن الديناميكيات الكونية إلى حد كبير. الاحتمال الآخر هو طبيعة الطاقة المظلمة. ربما سلوكها ليس هو نفسه في كل مكان في الكون. عندما أكثر كثافة في مناطق معينة، فإنه سيسرع التوسع هناك. ما يعادل عجينة حيث يتم خلط الخميرة بشكل غير صحيح وسيتضخم جزء من الكعكة بشكل أسرع من الآخر ...
أزمة هابل المستمرة الكونية:
كانت سرعة تمدد الكون موضوعًا لمقياسين بنتائج غير متوافقة. والثالث زاد من تعقيد الوضع. تبدو كل منها موثوقة. أين الخطأ؟
وبحلول نهاية القرن العشرين، شعر علماء الكون أنهم بنوا نموذجًا شبه كامل لوصف الكون. بالتأكيد، بقيت بعض الألغاز. بالطبع، استدعى النموذج المفاهيم التي لا يزال يتعين دراستها بالتفصيل. ولكن بشكل عام، يبدو أن هذا الإطار يقدم كلًا متيناً ومتماسكًا: سيحتوي الكون على حوالي ثلثي "الطاقة المظلمة" (ذات طبيعة لا تزال غير معروفة، ولكن من شأنها أن تفسر التوسع المتسارع للكون)، ربع "المادة المظلمة" (غير معروفة أيضًا في الطبيعة، ولكنها تفسر تطور الهياكل الكونية مثل المجرات وعناقيد المجرات)، و4 إلى 5 ٪ من المادة "العادية" (التي تتكون الكائنات الحية منها، كائنات مثلنا ومثل الكواكب والنجوم وما إلى ذلك). هل تميل جميع الملاحظات إلى تأكيد هذه الرؤية للعالم. كلها؟ كلا…
كان هناك اختلاف في السنوات الأخيرة، بين نتائج طريقتين مختلفتين لقياس سرعة تمدد الكون، وهي معلمة تسمى "ثابت هابل" وتشير إلى H0. المقاربات التي تبدأ من الملاحظات في الكون الحالي والعودة بالزمن إلى الأعمار البعيدة تعطي بعض القيمة؛ والتقنيات بخصوص الكون الفتي للعودة اليوم، تعطي قيم آخري. هناك فرق صغير، ولكن لا يمكن التوفيق بينها.
للوهلة الأولى، يبدو الفرق بين القيمتين ضئيلًا: 67.4 و74.0 كيلومترًا على التوالي لكل ميغابارسيك (1 ميغابارسيك يقابل 3.26 مليون سنة ضوئية). هذا يعني أنه في كل اتجاه، على مسافة 1 ميغا باسكار، يمتد الكون حوالي 70 كيلومترًا في الثانية. بالمقارنة مع مقاييس الزمكان للكون، تصبح الفجوة بين القياسين ذات أهمية كونية حاسمة. بفضل هذه المعلمة، استنتج علماء الكون تطور الكون إلى الماضي واستنتاج عمره، حوالي 13.8 مليار سنة. يستخدمونه أيضًا لإبراز أنفسهم في المستقبل وتحديد متى ستصبح المساحة بين المجرات شاسعة لدرجة أن الكون حول المنطقة المجاورة مباشرة لدرب التبانة سيبدو فارغًا تمامًا. ويأمل الباحثون أيضًا، من خلال قياس دقيق لثابت هابل، لتوضيح طبيعة الطاقة المظلمة.
على الرغم من جهود العلماء، تستمر الاستراتيجيتان لقياس ثابت هابل في تقديم قيم مختلفة. هذا ليس من غير المألوف في العلم. ولكن بشكل عام، يكفي التحليل الدقيق لإزالة التعارضات. على مدى السنوات العشر الماضية، افترض علماء الكون أن الشيء نفسه ينطبق على ثابت هابل. لكن الخلاف استمر، وقبل كل شيء ازداد سوءًا. وقد عززت الإجراءات المتتالية من قبل كل منهما فقط الفجوة بين النتيجتين. ما هو أكثر من ذلك، أن الفرق البحثية الأخرى التي اتبعت مناهج مستقلة قد عقدت الوضع. اليوم، يتفق علماء الكونيات على نقطة واحدة وهي: لدينا مشكلة! أين تم إخفاء الخطأ؟ هل انزلق في مكان ما في التدابير أو في تفسيرهم؟ يعمل الباحثون على ذلك، لكن هذه المسارات تبدو غير مرجحة. هذا يترك خيارًا أخيرًا واحدًا، تمامًا كما هو غير مرجح ولكن يتم النظر فيه بشكل متزايد: سيقع الخطأ في النموذج القياسي أو المعياري لعلم الكونيات.
بالنسبة لكثير من تاريخ البشرية، كانت "دراسة" أصول العالم مسألة خرافات وأساطير، مثل "في البداية كان الكون مستنداً على ظهر سلحفاة الخ...". لم يكن حتى عام 1925 وارداً إدراج هذه الأسئلة الأساسية والجوهرية العظيمة عن الأصل والمآل في عالم البحث التجريبي. أن العالَم الفلكي الأمريكي إدوين هابل قد حل للتو لغزًا عمره قرون حول طبيعة البقع الضبابية في السماء - والتي أطلق عليها علماء الفلك السدم. هل كانت هذه السدم غيوم الغاز بين النجوم؟ أم كانت هذه السدم نوعًا من "الكون- الجزيرة"، وراء النجوم؟ بفضل ملاحظاته، أظهر هابل أن إحدى السدم أبعد بكثير من النجوم المرئية: نحن نعيش في عالم جزيرة، والمقصود بها مجرة درب التبانة، والسديم المعني هو مجرة مجاورة، مجرة أندروميدا. استمر هابل في إزعاج النظرة العالمية لمعاصريه. من خلال تحليل الضوء القادم من العديد من هذه السدم الشهيرة، وجد أن طيفها الكهرومغناطيسي امتد إلى أطوال موجية طويلة. نتحدث عن التحول الأحمر (اللون المقابل لأطول الأطوال الموجية في الطيف المرئي). يتم تفسير هذه الظاهرة من خلال تأثير دوبلر: يتم تحويل الموجات المنبعثة من مصدر في التردد (أو طول الموجة) عندما يتحرك هذا المصدر بالنسبة للمراقب. وبالتالي، تشير نتيجة هابل إلى أن السدم كانت تتحرك بعيدًا عن الأرض وبعيداً عن درب التبانة. في عام 1927، لاحظ الفيزيائي البلجيكي والراهب الكنسي جورج لوميتر أنه إذا كان الكون يتوسع، فيجب ملاحظة أنه كلما زادت مسافة المجرة، كلما كان التحول نحو الأحمر من الضوء أمرًا مهمًا. وبالتالي، كلما كانت أبعد، كلما ابتعدت المجرات بسرعة أكبر. في عام 1929، من خلال تراكم المزيد من الحسابات والقياسات، توصل هابل إلى نفس النتيجة: الكون يتوسع.
تساءل الفيزيائيون على الفور عما سيحدث إذا عدنا بالزمن ونظرنا للوراء إلى هذا التوسع. ستقترب المجرات من بعضها البعض، وستشكل حالة كثيفة جدًا سميت بالفرادة الكونية حيث سيولد الكون. بسرعة كبيرة، اقترح بعض المنظرين أن هذه الفرادة كانت ستميز ولادة المكان والزمان، وهي ظاهرة ستأخذ فيما بعد اسم الانفجار العظيم. كان الهدف من هذا الاسم في البداية أن يكون انتقاصًا، لأن الفكرة بدت خيالية جدًا. لعدة عقود، في غياب أدلة تجريبية، لم يتمكن الفيزيائيون من دعم هذه النظرية بقوة.
تغير الوضع في عام 1965 عندما وجه أرنو بنزياس Penzias وروبرت ويلسون من مختبرات بيل، هوائي الراديو الخاص بهم إلى السماء. لقد التقطوا إشعاعًا متجانسًا من جميع الاتجاهات. ولكن منذ عام 1948، اعتبر الفيزيائيون مثل رالف ألفر وروبرت هيرمان وآخرون أنه إذا كان الكون قد خرج من حالة بدائية كثيفة وساخنة جدًا، لكان قد تبرد أثناء توسعه وكان سينبعث ضوءًا مميزًا في شبابه. لقد حسبوا نظريًا أن درجة الحرارة المرتبطة بهذا الإشعاع ستكون بضع درجات فوق الصفر المطلق. ومع ذلك، مع قياس حوالي 3 كلفن، قدم بنزياس وويلسون أدلة كافية لإقناع علماء الكونيات وإيجاد توافق حول نموذج الانفجار الكبير.
في عام 1970، نشر عالم الفلك آلان سانديج ، أحد أقارب هابل ، مقالًا في مجلة الفيزياء اليوم كان له تأثير عميق على أبحاث علم الكونيات وكان بعنوان "علم الكونيات: البحث عن رقمين". الرقم الأول هو معدل التوسع الحالي للكون. الثاني، تسارع التوسع. في ذلك الوقت، كان يعتقد أن سرعة التمدد يجب أن تنخفض، والكون ممتلئ بالمادة التي تعمل بشكل جاذب على نفسها والتي تشكل بالتالي مكابح للتمدد. لذلك كنا نتحدث أكثر عن معلمة التباطؤ. تم قياس الرقم الثاني أولا. في أواخر الثمانينيات، شرع فريقان في تقديره باستخدام نفس الأدوات، ولكن بشكل مستقل: النوع السوبرنوفا نوع ل أ Ia supernovae، النجوم الضخمة التي تنفجر في نهاية حياتها والتي يعتقد علماء الفيزياء الفلكية أنها تستخدم "الشموع". اساسي ". المبدأ هو نفسه عندما نعتبر لمبة 60 واط، والتي تبدو أقل سطوعًا إذا نظرنا إليها من مسافة أبعد: إذا علمنا أن المصباح لديه قوة 60 واط، فإننا قادرون على تحديد بعدها عن لمعانها الواضح.
إضاءة بالشموع القياسية:
يعرف علماء الكونيات كيفية تحديد السطوع الداخلي للنوع المستعر الأعظم من النوع Ia (ما يعادل "60 وات") وبالتالي يمكنهم استخدامها لقياس المسافات الكونية. ولكن إذا كانت سرعة التوسع قد انخفضت بمرور الوقت، كما اعتقد الفلكيون، فعند مسافات بعيدة، سيكون المستعر الأعظم أقل بعدًا وبالتالي يكون أكثر إشراقًا مما لو كان الكون قد تضخم بمعدل ثابت. ومع ذلك، وجد الفريقان العكس: كانت المستعرات الأعظم البعيدة أقل سطوعًا مما كان متوقعًا، وبالتالي كانت أبعد من المتوقع. في عام 1998، خلص الباحثون إلى أن توسع الكون يتسارع. مصدر هذا التسارع هو ما نسميه "الطاقة المظلمة" (أو "السوداء أو المعتمة") ، وهو مصطلح عام ومؤقت حتى نحدد طبيعته الحقيقية.
تم تقدير ثابت هابل، وهو أول رقم رملي قدمه سانديج Sandage، بدقة جيدة بعد ذلك بوقت قصير. وعلى مدى عدة عقود، كانت هذه المعلمة مصدر جدل ساخن بين علماء الفلك. زعم سانديج نفسه أن ثابت هابل H0 ستبلغ قيمته حوالي 50 كيلومترًا في الثانية لكل ميغابارسيك ، وهي قيمة ستجعل عمر الكون حوالي 20 مليار سنة. انحنى الفلكيون الآخرون أكثر نحو ثابت هابل بالقرب من 100 كيلومتر في الثانية ولكل ميغا باسكار ، أي عصر كوني يقارب 10 مليار سنة. مثل هذا الاختلاف كان محرجا. كان لابد من تقليل عدم اليقين هذا.
في عام 2001، استخدمت ويندي فريدمان من جامعة شيكاغو وزملاؤها تلسكوب هابل الفضائي لإجراء أول قياس موثوق لثابت هابل. في هذا المشروع، كانت الشموع القياسية عبارة عن نجوم سيفيد cepheid متغيرة، وهي نجوم يزداد سطوعها وينقص مع فترة تتعلق بإشراقها المطلق. بإيجاد قيمة وسيطة تبلغ 72 ± 8 كيلومتر في الثانية لكل ميغا باسكار، قرر هذا الفريق هذه القيمة التقديرية الوسطية في منتصف النقاش ووافق عليها الجميع.
بقي للحصول على قياس أكثر دقة. أطلق آدم ريس، الذي شارك في عام 2011 جائزة نوبل في الفيزياء لدوره في اكتشاف التوسع المتسارع للكون في عام 1998، مشروعًا فلكيًا بحتًا جديدًا، SH0ES (Supernovæ، H0، لمعادلة الطاقة المظلمة). استخدم هذا الفريق كلاً من السيفيد ونوع المستعر الأعظم من النوع Ia (بعض من أبعد مسافة تمت ملاحظتها على الإطلاق) كشموع قياسية. في عام 2005، حصل الفريق على نتيجة أولية بلغت 73 ± 4، وهي نتيجة قريبة جدًا من تلك التي حصل عليها الفريق في عام 2001، ولكن مع انخفاض مجال الخطأ. منذ ذلك الحين، أصدر تعاون SH0ES العديد من التحديثات، مما أدى إلى تحسين أوجه عدم اليقين. أحدثها، في عام 2019، أبلغ عن ثابت هابل البالغ 74.03 ± 1.42 كيلومترًا في الثانية لكل ميغابكسل.
في الطريقة التي اتبعها آدم ريس وآخرون، نبدأ بقياسات على الأجسام القريبة ونستخدم هذه البيانات لمعايرة الشموع القياسية أبعد وأبعد. كما استخدم الباحثون النهج العكسي على مدار العشرين عامًا الماضية. يبدأون من الكون الصغير ويعودون إلى اليوم. نقطة انطلاقهم ليست سوى الخلفية الإشعاعية الميكروية الكونية التي لاحظها ويلسون وبينزياس لأول مرة في عام 1965. إشعاع الخلفية انبعث من الكون عندما كان عمره 379000 سنة فقط. في ذلك الوقت، أصبحت بلازما البروتونات والإلكترونات الحرة التي تملأ الكون باردة بما يكفي لتشكيل ذرات الهيدروجين المحايدة هناك. ثم أصبحت البلازما شفافة، مما سمح للفوتونات بالسفر عبر الكون والوصول إلينا بعد 13.8 مليار سنة. في حين لاحظ ويلسون وبينزياس إشعاعًا موحدًا لدرجة الحرارة في جميع اتجاهات السماء، توقع المنظرون أنه باستخدام أدوات أكثر حساسية، سيكتشف الباحثون تقلبات درجة الحرارة. هذه تتوافق مع الكثافات الزائدة في البلازما البدائية، التي ولدت هياكل الكون: المجرات وعناقيد المجرات والمجموعات الفائقة للمجرات.
في عام 1992، اكتشف المسبار الفضائي الأول Cobe المخصص للبحث في خلفية الميكروية الإشعاعية الكونية، Cobe (مستكشف الخلفية الكونية)، هذه التقلبات في درجة الحرارة لأول مرة. ثم، في عام 2003، قام مسبار ويلكنسون (WMAP) بدراسة الأشعة الخلفية الميكروية المنتشر بتحسين الدقة. تمكن الباحثون بعد ذلك من تحليل الخصائص الإحصائية لهذه التقلبات وتحديد الظروف السائدة في البلازما البدائية. حددوا، على وجه الخصوص، حجم الموجات الصوتية التي انتشرت هناك والتي تسببت في مناطق الكثافة الزائدة. من خلال معرفة "سرعة الصوت"، حدد علماء الكون مقياسًا مرجعيًا بفضل "البقع" في الخلفية المنتشرة. ثم تم استخدام هذا المقياس المعياري لقياس توسع ونمو الهياكل الكبيرة حتى الآن. وتعطي هذه المقاييس معدل تمدد الكون الحالي، ثابت هابل. في عام 2003، قام تلسكوب WMAP الفضائي بقياسها الأول H0، 72 ± 5 كم في الثانية ولكل ميغا بارس. في أحسن الاحوال! كانت هذه القيمة متسقة مع قيمة تلسكوب هابل، مع ميزة شريط خطأ أصغر. لكن القياسات المتتالية لــ WMAP كشفت عن اتجاه نزولي مؤسف (70 في عام 2011). لم تكن هذه مشكلة بعد: لا تزال أوجه عدم اليقين في SH0ES وWMAP متداخلة حول 72 كم في الثانية ولكل ميغا.
بدأت الأزمة:
ولكن في عام 2013، تم تقليل مجالات الخطأ بشكل أكبر ولم تكد تلامس: كانت نتيجة SH0ES 74 ± 2 وWMAP 70 ± 2. لم يكن المناخ قلقًا بعد، والطريقتين لا تزالان متوافقتين مع قيمة حوالي 72. مع تحسين أساليب وتقنيات التحليل، توقعنا أن نرى القيم تتقارب. بعد ذلك، في عام 2014، أعلن خليفة WMAP الأكثر تطوراً، وهو مرصد أو تلسكوب Planck بلانك الفضائي، عن أول تقدير لثابت هابل: 67.4 ± 1.4. لم تعد هناك شكوك متداخلة، بل كانت الفجوة واضحة. وأكدت نتائج بلانك التالية هذه النتيجة فقط. الأسوأ من ذلك، انخفض مجال الخطأ إلى 1، ثم في عام 2018 كان 0.5 فقط. في المصطلحات العلمية، نتحدث عن "التوتر" لوصف هذا النوع من الحالات حيث لا يمكن التوفيق بين إجراءين. مؤتمر تحت التوتر: كان عنوان مؤتمر في معهد كافلي للفيزياء النظرية في سانتا باربارا، كاليفورنيا، في صيف عام 2019: "التوترات بين الكون الفتي والكون الحالي". كان آدم ريس أول من قدم نتائجه. في نهاية محاضرته، لجأ إلى ديفيد غروس، المتخصص في فيزياء الجسيمات وأيضًا الفائز بجائزة نوبل، إلى السجال وسأله عن رأيه: "هل لدينا توتر أم أن لدينا مشكلة؟ " رد ديفيد غروس بحذر أولًا على أن الفروق الدقيقة "تعسفية" بعض الشيء، قبل أن يضيف: "نعم، أعتقد أنه يمكننا التحدث عن مشكلة". بعد عشرين دقيقة، بعد جلسة الأسئلة والأجوبة، قام بتعديل ملاحظته: "في فيزياء الجسيمات، لم نكن نتحدث عن التوتر أو المشكلة، بل عن أزمة. واختتم آدم ريس المناقشة بهذه الكلمات: "زملائي، نحن في أزمة. "
هل تنشأ المشكلة من بناء "مقياس المسافة الكونية" من الشموع القياسية؟ مثل هذا السلم الذي يمتد أكثر فأكثر إلى ، قوي مثل كل خطوة من خطواته، الشموع القياسية. ليس من المستحيل إخفاء الأخطاء في هذا النهج.
خلال المؤتمر في معهد كافلي، نوقشت هذه النقطة باستفاضة. وخلال المؤتمر أيضاً، نشرت ويندي فريدمان وفريقها نتيجة مختلفة تمامًا عن نتائج SH0ES باستخدام نوع آخر من الشموع القياسية: بعض النجوم الحمراء العملاقة. تتوهج هذه الأشياء أكثر وأكثر حتى تصل إلى الذروة عندما يبدأ هليوم قلبهم في الاندماج. يمكن استخدام "وميض الهيليوم" المشترك بين جميع عمالقة الأحمر كشمعة قياسية. مع هذا النهج، وصل فريق شيكاغو إلى قيمة في منتصف الطريق بين الفاصل الزمني الذي حددته الأزمة الحالية: 69 ± 0.8 كيلومتر في الثانية ولكل ميغا بارس (قيمة لا تقدم استعادة الشكوك، لا مع SH0ES ولا مع Planck).
فكرة ويندي فريدمان Wendy Freedman هي أن السيفيد cepheids ليست شموعًا قياسية موثوقة جدًا. توجد هذه النجوم في مناطق كثيفة في النجوم وغالبًا غنية بالغبار. ومع ذلك، فإن الأخير، من خلال حجب جزء من ضوء النجوم، يعطي الانطباع بأنهم بعيدون أكثر مما هم عليه بالفعل. على العكس من ذلك، فإن العمالقة الحمراء هم نجوم قديمة تم العثور عليها إلى حد ما في ضواحي المجرة، في مناطق منخفضة الغبار.
بالنسبة لبعض المتخصصين في نهج المقياس عن بعد، كان تاريخ نشر مقال ويندي فريدمان بمثابة استفزاز، لأنه لم يمنحهم الوقت لتحليل الطريقة لتقديم إجابة مفصلة خلال المؤتمر.
جاء هذا الرد بعد ثلاثة أسابيع. الطريقة التي يستخدمها فريق Wendy s Freedman "تشكل شمعة قياسية واعدة لقياس المسافات خارج المجرة"، يبدأ مؤلفو المقالة بطريقة دبلوماسية للغاية قبل معالجة تحليل الأخطاء المنهجية بقوة. من وجهة نظرهم، كانت نتيجة ويندي فريدمان ملطخة بعدم اليقين. على وجه الخصوص، قام علماء الفلك بمعايرة عمالقتهم الحمر في سحابة ماجلانMagellanic الكبيرة، وهي مجرة صغيرة معروفة ببعدها ولكنها متربة للغاية. من خلال إعادة تفسير البيانات عن العمالقة الحمراء، وجد آدم ريس وزملاؤه اتفاقًا جيدًا مع بياناتهم الخاصة: لقد استنتجوا إن ثابت هابل يساوي 72.4 ± 1.9 كم في الثانية ولكل ميغا.
بالنسبة إلى Wendy Freedman، كان إعادة تفسير أسلوبها غير دقيق. مع فريقها، أخذت بعين الاعتبارآراء النقاد. وفي فبراير 2020، نشر هؤلاء الباحثون نتائج جديدة باستخدام أيضًا معايير العمالقة الحمراء في مجرتين أخريين، IC 1613 وLittle Magellanic Cloud كلود ما جلان الصغيرة، التي ليست متربة للغاية ولكن مسافاتها أقل شهرة. تحقق فريق ويندي فرييدمانWendy Freedman من أنهم قادرون على حساب تأثير الغبار بشكل صحيح ولديهم نتائج متسقة. ولكن بدلاً من الاقتراب من قيمة SH0ES، تنحرف قيمتها الجديدة لثابت هابل بشكل أكبر: 69.6 ± 1.9 كيلومتر في الثانية ولكل ميغا باسكار، على مرمى حجر من القيمة المعطاة بواسطة بلانك. يواصل آدم ريس وزملاؤه استكشاف الطريقة.
هذه التبادلات، التي تكون أحيانًا متحركة، بين علماء الفلك الذين يعتمدون على الشموع القياسية، يؤكد فيزيائيوا الجسيمات على فكرة أن المشكلة تنشأ في عدم اليقين في بناء المقياس الكوني للمسافات. ولكن كيف يمكن للمرء أن يؤكد أن تحليلات الخلفية الميكروية الكونية خالية من الأخطاء؟ يعتقد عدد قليل من علماء الفلك أن المشكلة تكمن في بيانات بلانك. يعتقد الفيزيائيون أيضًا أنهم وصلوا إلى الحد الأقصى للحساسية لمراصد الفضاء التي تدرس خلفية الميكروويف الكونية. والقياسات المستقلة عن الخلفية المنتشرة - باستخدام تلسكوب القطب الجنوبي (SPT) على سبيل المثال – والتي تؤكد متانة هذه القياسات. يستخدم الباحثون مجموعة متنوعة من الأساليب لتقدير معدل التوسع الحالي للكون. يستخدم علماء الكونيات الخلفية الميكروية الكونية أو التذبذبات الصوتية للباريونات (باللون الأزرق)؛ كما يستخدم الفلكيون الشموع القياسية ومؤشرات المسافة. تعتمد التقنيات المستقلة الأخرى على الكوازارات أو على موجات الجاذبية. لذلك، إذا لم يكن مصدر التوتر في ملاحظات الكون الصغير أو الحالي، فإن علماء الكون ليس لديهم حل آخر سوى النظر إلى المسار الثالث، وهو مسار "جديد ماديًا، أي قوى، أو ظواهر يخرج تفسيرها عن فهمنا الحالي للعالم. بدأ علماء الكونيات في التفكير في أفكار جذرية مفادها أن النموذج القياسي لعلم الكونيات ليس شاملاً كما اعتقدوا.
قد لا يكون نموذج علم الكونيات القياسي شاملاً كما كان يعتقد سابقًا يعتبر بمثابة نسف لأساس القياس في النموذج المعياري لعلم الكونيات. أحد العناصر التي يمكن أن تلعب في فهمنا للتوسع الكوني هو عدم اليقين بشأن محتوى الجسيمات للكون. بالنسبة لبعض العلماء، تذكرنا هذه الفكرة بـ "مشكلة النيوترينو الشمسي"، وهو شجار استمر عدة عقود على النيوترينوهات الإلكترونية، وهي جسيمات تنبعث من الشمس على وجه الخصوص. قام المنظرون بحساب تدفق معين من النيوترينو، وسجلت الكاشفات آخر. اشتبه الفيزيائيون في أن هذه أخطاء منهجية في الملاحظات. شكك علماء الفلك في النظرية التي تصف عمليات إنتاج النيوترينو في قلب الشمس. كما هو الحال مع ثابت هابل، يبدو أنه لا يوجد حل يظهر على أي من الجانبين. حتى نهاية الألفية اكتشف الباحثون أن للنيوترينات كتلة. من خلال أخذ هذه النتيجة في الاعتبار، فهم الفيزيائيون أن النيوترينوات "تتأرجح" من هوية إلى أخرى: يتم تحويل النيوترينوهات الإلكترونية دوريًا إلى أنواع أخرى من النيوترينوات التي لا تكون الكاشفات حساسة لها ولم تستطع رصدها. وفي تعديل مماثل، على سبيل المثال، مجموعة جديدة من النيوترينوات الموجودة في الكون الصغير، والتي من شأنها تعديل توزيع الطاقة والكتل في البلازما البدائية، سيصحح قيمة ثابت هابل.
مسار آخر يتعلق بالطاقة المظلمة. في النموذج القياسي لعلم الكون، تعتبر كثافة الطاقة المظلمة ثابتة. ولكن هذا ليس صحيحا بالضرورة. منذ ذلك الحين، قد يختلف تأثير هذا الشكل من الطاقة على تمدد الكون بمرور الوقت. وهي فكرة غير معقولة، لأن علماء الكون لا يعرفون الطبيعة الدقيقة لهذا المكون من الكون. لنترقب البيانات القادمة.
سيحصل الفلكيون على بيانات من مرصد غايا الفضائي التابع لوكالة الفضاء الأوروبية خلال العامين المقبلين. يقيس مسافة أكثر من مليار نجم في درب التبانة بدقة لم يسبق لها مثيل. هذا سيثبت أن الباحثين يستخدمون القيم الصحيحة لمعايرة المستوى الأول من تركيبهم الكوني. إذا لم يكن الأمر كذلك، فستكون المشكلة هي وجود خطأ منهجي. وفي الوقت نفسه، يواصل المنظرون العمل على امتدادات جديدة لنموذج الانفجار الكبير Big Bang، على الرغم من عدم وجود أي نموذج منافس حتى الآن صمد للتدقيق بشكل أفضل من الإصدار القياسي.
لا يزال النموذج القياسي لعلم الكونيات أحد أعظم نجاحات العلم الحديث. في خمسين عامًا، تطور هذا الإطار، بدءًا من أفكار مضاربة غامضة لإعطاء أفكار معينة تقريبًا. قد لا تكون شاملة كما اعتقد علماء الكون قبل بضع سنوات فقط، ولكن لا يزال هناك مثال جيد لكيفية عمل العلم: يحصل الباحثون على نتائج يثقون بها، ويبحثون عن نتائج جديدة المسارات ومتابعة كل فكرة للمضي قدما.
-----------------------------------------------------
Magellanic الكبيرة هي مجرة قزمة مجاورة لدرب التبانة معروفة بعدها بدقة. يستخدم علماء الفلك النجوم الحمراء والسيفيدية هناك لمعايرة شموعهم القياسية.
5
نماذج بديلة غير صالحة للطاقة المظلمة أو المعتمة:
أدت القياسات الدقيقة المتزايدة لثابت هابل إلى إبطال بعض نماذج الطاقة المظلمة البديلة التي تفسر التسارع الظاهري للكون بفراغ عملاق.
في عام 1998، اكتشفنا أن تمدد الكون يبدو أنه يتسارع، على الرغم من وجود المادة التي كان من المفترض أن تبطئه بسبب تأثير الجاذبية. يفسرها النموذج القياسي لعلم الكونيات بواسطة شكل غامض من الطاقة البغيضة، السوداء أو المعتمة. وهو تفسير يُدعى نقص الطاقة المظلمة بشكل أفضل، والذي سيملأ كل المساحة. تخيلت فرضية بديلة أن التسارع سيكون نوعًا من الوهم البصري الناتج عن معدلات التمدد المختلفة وفقًا للمناطق، بسبب التوزيع غير المتجانس للمادة؛ وبالتالي، وفقًا لنماذج معينة، ستكون مجرتنا ومحيطها في مركز منطقة شاسعة خالية نسبيًا، حيث، بسبب نقص المواد، سيكون التمدد أقل تباطؤًا من أي مكان آخر. من خلال القياسات الدقيقة لمعدل تمدد الكون، أو ثابت هابل، الذي تم بفضل التلسكوب الذي يحمل نفس الاسم، قام فريق بقيادة آدم ريس، من جامعة جون هوبكنز، في بالتيمور، بإبطال جزء من هذه المسلمات.
لتقييم ثابت هابل، نستخدم انفجارات نجوم معينة، ما يسمى بالمستعرات الأعظم من النوع Ia. يعتمد المرء على وجه الخصوص على العلاقة بين بعدهم والتحول نحو الأحمر من الضوء (أي إطالة طول موجته بسبب التوسع). ثم ينتج الكسب في الدقة على ثابت هابل من قياس أفضل للمسافات.

تتمثل ميزة المستعرات العظمى السوبرنوفا من النوع Ia في أن لمعانها الداخلي مرتبط بشكل منحنى للمعانها (يمثل الحد الأقصى لبضعة أسابيع، ثم ينخفض في غضون بضعة أشهر). وهكذا يمكننا أن نعرف لمعانهم الجوهري، ثم نستنتج بعدهم عن اللمعان الواضح الذي تم التقاطه من الأرض.
يتم تحديد العلاقة التجريبية التي تربط مسافة السوبرنوفا وشكل منحنى لمعانها بفضل النجوم الموجودة في نفس المجرة والتي نعرف بعدها في مكان آخر: السيفيد cepheids. يختلف سطوع هذه النجوم مع فترة تتعلق بأقصى سطوع لها، وبالتالي، من خلال سطوعها الواضح، والمسافة الخاصة بها، مرة أخرى وفقًا لعلاقة يجب معايرتها (هذه المرة نستخدم طريقة هندسية تسمى اختلاف المنظر لتحديد المسافة). من خلال مراقبة عدد كبير من المستعرات الأعظم والأصفار بفضل الكاميرا الميدانية الواسعة WFC3 (كاميرا المجال الواسع 3)، جعل تلسكوب هابل من الممكن، من جهة، تحسين العلاقة بين فترة التباين واللمعان الداخلي للسيفيد cephides، ومن ناحية أخرى، بين اللمعان الداخلي وشكل منحنى اللمعان من النوعIa supernovae للسوبرنوفا. ثم تُعرف مسافات هذه بدقة أفضل بكثير.
استنادًا إلى هذه المسافات، وجد أ. ريس وفريقه قيمة ثابت هابل تساوي 73.8 كيلومترًا في الثانية ولكل ميغا بكسال (واحد ميغا بكسال يساوي 3.26 مليون سنة ضوئية)، مع 3.3 في المئة من عدم اليقين. وهذا يعني أن مجرتين بعيدتين عن ميغابارسك يبدو أنهما تبتعدان عن بعضهما بسرعة 73.8 كيلومترًا في الثانية. قياس سابق، نُشر في عام 2009، أعطى 74.2 كيلومترًا في الثانية لكل ميغا بكسال ، مع عدم اليقين بنسبة 4.8 في المائة.

ومع ذلك، فإن معظم النماذج التي تقدم "فراغ عملاق" (بترتيب غيغابارسيك gigaparsec) تتنبأ بثابت هابل أقل من 65 كم في الثانية ولكل ميغا. لذلك، فإن التدابير الجديدة غير مؤهلة لهم. ومع ذلك، فهي لا تشير إلى نهاية علم الكونيات غير المتجانس - وهو تعبير نجمع بموجبه النماذج التي، على عكس النموذج القياسي، تعتبر أن توزيع المادة ليس متجانسًا على نطاق واسع. في الواقع، هناك العديد من النماذج غير المتجانسة، بعضها يتخيل فراغات عملاقة بأحجام مختلفة، والبعض الآخر كثافات زائدة محلية، والبعض الآخر أخيرًا عدة فراغات صغيرة محاطة بكثافة (ما يسمى نماذج الجبن السويسرية). أحدهما، اقترحته ماري نويل سيليري ، من مرصد باريس ، وتم بناء زملائها لاحترام قيمة ثابت هابل. ولا يزال البعض الآخر، بما في ذلك نماذج "الجبن السويسري" الواقعية بشكل متزايد، حديثًا جدًا بحيث لم يتوقعوا هذه القيمة. يبقى أن يتم اختبارها ...
علم الكونيات غير المتجانسة:
يتم تفسير التسارع الواضح للتوسع الكوني بشكل طبيعي عندما نتخيل أن الكون ليس متجانسًا على نطاق واسع وأن مجرتنا تقع في منطقة فارغة. ثم نستغني عن الطاقة المظلمة.
في العلم، غالبًا ما تنجم الثورات الكبرى عن أصغر الخلافات. في القرن السادس عشر، استنادًا إلى ما اعتبره معظم معاصريه لانحرافات ضئيلة في حركة الكواكب والنجوم، قدم كوبرنيكوس فكرة أن الأرض ليست في مركز الكون. في عام 1998، حدثت ثورة أخرى في علم الفلك مع اكتشاف أن توسع الكون يتسارع. أدى انحراف ضئيل عن القيمة المتوقعة لسطوع المستعرات العظمى البعيدة (انفجارات النجوم) إلى استنتاج الفلكيين أنهم لم يكونوا على علم بما يتكون منه 70 في المائة من محتوى الكون. كل ما يمكن قوله هو أن الفضاء مليء بمادة غير معروفة تعزز تمدد الكون بدلاً من إبطائه. تسمى هذه المادة الغامضة اليوم الطاقة المظلمة.
بعد عقد من الزمان، لا تزال طبيعة وماهية الطاقة المظلمة تتحدى الخيال. من بين العديد من النظريات التي تم اقتراحها حتى الآن، لا يوجد منها ما هو مقنع تمامًا. ثم تعهد بعض علماء الكون بإعادة النظر في الافتراضات الأساسية التي أدت إلى اقتراح وجود الطاقة المظلمة.
أحد موروثات الثورة الأولى المذكورة: مبدأ كوبرنيكوس، والذي بموجبه لا تحتل الأرض موقعًا مركزيًا أو مميزًا بأي شكل من الأشكال في الكون. من خلال التخلي عن هذا المبدأ الأساسي، يمكننا إعادة تفسير ملاحظات تسارع التوسع الكوني في بيئة مختلفة.
اليوم، اعتدنا جميعًا على فكرة أن كوكبنا هو مجرد نقطة صغيرة تدور حول أي نجم، تقع على مشارف مجرة قياسية. وبقدر ما نرى، فإن الكون مأهول بمئات مليارات المجرات الأخرى، الموزعة بشكل متجانس نسبياً. وبالتالي، لدينا كل سبب للاعتقاد بأن موقفنا ليس بأي شكل من الأشكال رائعًا.
مكانة خاصة في الكون؟
ولكن ما هو البرهان الملموس الذي لدينا؟ وإذا كنا في مكان معين، فكيف نعرف؟ يتجنب علماء الفلك هذه الأسئلة بشكل عام، معتقدين أن تفاهة وضعنا واضح بما فيه الكفاية. إن فكرة أننا قد نحتل مكانة خاصة إلى حد ما في الكون هي بالنسبة لكثير منهم غير متناسقة. ومع ذلك، هذا ما يفكر فيه بعض الفيزيائيين مؤخرًا.
ومن المفارقات، أن مبدأ كوبرنيكوس، الذي يفترض أننا غير مهمين في الكون، كان أداة تفسيرية قوية: فهو يسمح باستقراء الكون كله الذي نلاحظه في جوارنا الكوني. تستند جميع النماذج الحديثة للكون على "المبدأ الكوني". هذا التعميم لمبدأ كوبرنيكوس ينص على أن جانب الكون متشابه في جميع النقاط وفي جميع الاتجاهات؛ وبعبارة أخرى، أن الكون هو موحد الخواص. إلى جانب فهمنا الحديث للفضاء والزمان والمادة - لا سيما في إطار نظرية النسبية العامة لآينشتاين - يشير المبدأ الكوني إلى أن الفضاء بدأ بمرحلة من الكثافة ودرجة حرارة عالية بشكل لا يصدق، وأن نسيج الزمكان يتوسع أثناء تبريد الكون. وهو السيناريو الذي أكدته الملاحظات والمشاهدات الرصدية وعمليات المحاكاة الكومبيوترية.
وهكذا، يتحول ضوء المجرات البعيدة نحو الجزء الأحمر من طيف الضوء مقارنة بالمجرات القريبة، وكلما كانت بعيدة كان التسارع أكبر. ينتج تأثير التحول الأحمر عن تمدد طول موجة الضوء عن طريق توسيع الفضاء على طول مساره.
الخلفية الإشعاعية الكونية الميكروية المنتشرة، في جميع الاتجاهات، هو دليل آخر على التوسع: إنه أحفور أول ضوء ينبعث في الكون، والذي انتشر منذ ذلك الحين في جميع الاتجاهات من خلال رؤية طول الموجة الممتدة. متجانسة لأقرب 1 / 100،000. الخلفية المنتشرة هي حجة قوية لصالح تساوي الخواص في الكون. وأخيرًا، تكشف المسوحات الضخمة للمجرات على المقاييس الكونية أيضًا أن الكون هو، على الأقل كتقريب أول، متناحٍ أو متجانس ومتماثل إيزوتروب isotrope. لذا، إذا كان المبدأ الكوني مثمرًا جدًا وتم التحقق منه بقوة، فلماذا يشكك البعض في هذه الصيغة المعيارية؟ لأن بعض الملاحظات الفلكية الأخيرة تزعج هذا الانسجام الجميل. قبل عقد من الزمن، اكتشف علماء الفلك أنه بالنسبة للانزياح الأحمر، فإن ما يسمى بانفجارات المستعرات العظمى البعيدة من النوع IA ليست مشرقة كما يجب أن تكون. يرتبط التحول الأحمر مباشرة بتوسيع المساحة. من خلال قياس الإزاحة التي تعرض لها ضوء المستعرات العظمى البعيدة خلال رحلتها، يمكننا بالتالي استنتاج حجم الكون في وقت الانفجار مقارنة بحجمه الحالي. كلما كان التحول الأحمر للمستعر الأعظم أكبر، كان الكون أصغر عندما انفجر النجم، وبالتالي كلما زاد الكون منذ ذلك الحين.
علاوة على ذلك، تتميز المستعرات العظمى من النوع Ia بسمات حاسمة: فجميعها تقريبًا لها نفس اللمعان الداخلي (لذلك يطلق عليها الشموع القياسية). وبالتالي، يمكننا استنتاج المسافة من النوع Ia supernova، وبالتالي الوقت الذي مر منذ الانفجار، من القياس البسيط للمعانه الظاهري.
الآن فكر في كون تكون سرعة توسعه ثابتة. يتوافق التحول الأحمر للسوبرنوفا مع عامل تمدد معين، وبالتالي لفترة معينة، والتي ترتبط بالمسافة وبالتالي مع لمعان واضح.
ومع ذلك، في نهاية التسعينات، اكتشفت العديد من الفرق البحثية أن السطوع الظاهر للمستعرات العظمى البعيدة أقل مما هو متوقع وفقًا للتحول الأحمر. ولذلك، فإنها أبعد ما يكون عن المتوقع، وقد استغرق نورها وقتًا أطول للوصول إلينا. لا بد أن الكون قد استغرق وقتًا أطول للوصول إلى حجمه الحالي، أو بعبارة أخرى، يجب أن تكون سرعة توسع الكون أبطأ في الماضي مما هي عليه اليوم. أي أن هناك تسارع في توسع الكون.
هل من المتوقع أن يتباطأ التوسع؟
كان اكتشاف هذا التسارع هو أصل الثورة الحالية في علم الكونيات. كل المادة الموجودة في الكون، من خلال ميله إلى التجمع تحت تأثير الجاذبية، كان من شأنه أن يبطئ التمدد. لكن المستعرات الأعظم البعيدة توحي بالعكس. إذا كان المبدأ الكوني صالحًا، فإن هذا التسارع يحدث بنفس الطريقة في أي نقطة في الكون في نفس الوقت. هناك طريقة واحدة للخروج: تخيل أن الكون مغمور في شكل غريب من الطاقة التي تمارس قوة طاردة وتدعم التوسع وهي التي تسمى الطاقة المظلمة أو المعتمة. إذن الطاقة المظلمة تطرح إشكالية. إنها تختلف عن أي شيء معروف في النموذج القياسي لفيزياء الجسيمات. حتى الآن، نجت من القياس المباشر ولها خصائص غريبة. يبدو أن كثافة الطاقة في الفراغ الكمومي، هو المرشح الأكثر طبيعية للعب دور الطاقة المظلمة، مرتفع للغاية 10120 مرة. طرح الفيزيائيون العديد من الأفكار حول طبيعة الطاقة المظلمة، لكنهم لا يزالون مضاربين إلى حد كبير. باختصار، نحن في الظلام بشأن الطاقة المظلمة ... تم إطلاق مهام طموحة على الأرض وفي الفضاء لمحاولة وصفها. بالنسبة للكثيرين، هذا هو التحدي الأكبر لعلم الكون الحديث.
ماذا لو لم يكن التوسع متجانسًا؟
في مواجهة مثل هذه الفكرة الإشكالية، جاء بعض علماء الفيزياء الفلكية لإعادة النظر في المنطق الذي أدى إلى افتراض وجود الطاقة المظلمة. إذا انتقد البعض مقاييس التوسع بناءً على طريقة المستعرات العظمى (على سبيل المثال، التشكيك في المظهر القياسي للنوع المستعر الأعظم من النوع Ia أو الإشارة إلى عدم كفاية العينة الإحصائية)، فإن أحد أهم الفرضيات موضع تساؤل هي المبدأ الكوني. هل يمكن تفسير المظاهر المنسوبة إلى الطاقة المظلمة بأسباب أخرى بافتراض أن الكون ليس متناحيًا أو متجانساً وأن ملاحظاتنا صالحة فقط في منطقتنا؟
نتحدث دائمًا ضمنيًا عن توسع الكون ككل. إنه يشبه إلى حد ما بالونًا منتفخًا: ننظر إلى تمدد البالون بأكمله، دون الاهتمام بالتوسع الجزئي أو المحلي في هذا المكان أو ذاك. ومع ذلك، فقد اختبرنا جميعًا أن بعض البالونات لا تنتفخ بشكل موحد: حلقة تمتد على سبيل المثال أولاً، ويتبع بقية البالون لحظة بعد ذلك. وبالمثل، يمكننا أن نتخيل سيناريو كونيًا بديلاً، حيث يتسع الفضاء بشكل غير متساو. هذا ما تم تخيله في التسعينيات، قبل اكتشاف فرضية الطاقة المظلمة، علماء الكونيات في جنوب إفريقيا نظيم مصطفى، تشارلز هلابي وجورج إليس، في إطار مشكلة الطاقة المظلمة، ماري - نويل سيليرييه من مرصد باريس، (انظر الطاقة المظلمة وبدائلها، بقلم G.Börner ، ثم يتم الكشف عن أن المشهد أكثر تعقيدًا.
دعونا نلقي نظرة على السيناريو التالي. لنفترض، بشكل عام، أن التمدد يتباطأ، لأن وجود المادة يميل إلى إبطاء تمدد الكون. افترض علاوة على ذلك أننا نعيش في نوع من الفراغ الكوني العظيم؛ ليست منطقة فارغة تمامًا (من الواضح أن هذا ليس هو الحال)، ولكن منطقة حيث متوسط كثافة المادة على سبيل المثال أصغر بمرتين أو ثلاث مرات من أي مكان آخر. كلما زادت المساحة الفارغة، قل احتواءها على المواد التي تبطئ توسع المساحة. وبالتالي، فإن سرعة التمدد المحلية أكبر داخل فقاعة التفريغ من الخارج. تكون سرعة التمدد هي القصوى في وسط المنطقة الفارغة وتنخفض باتجاه الحواف، حيث يبدأ الشعور بتأثير كثافة أعلى للمواد. والنتيجة هي أن مناطق متميزة من الفضاء تتوسع بسرعات مختلفة اعتمادًا على كثافة المادة، مثل البالون الذي لا يتضخم بشكل متجانس.
تخيل الآن أن المستعرات العظمى تنفجر في مناطق مختلفة من هذا الكون غير المتجانس، بعضها بالقرب من مركز الفراغ، والبعض الآخر أقرب إلى حافته، والبعض الآخر أخيرًا خارج هذه المنطقة الفارغة. إذا كنا قريبين من مركز المنطقة الفارغة وانفجر مستعر أعظم من مسافة، فإن الفضاء يتوسع بشكل أسرع في جوارنا منه في جوار المستعر الأعظم. من خلال الانتشار تجاهنا، يعبر الضوء المنبعث من المستعر الأعظم مناطق تتوسع بسرعة أكبر. كل منها يمتد الطول الموجي للضوء أكثر قليلاً، والتأثير التراكمي ينتج التحول إلى الأحمر الذي نلاحظه. بعد السفر لمسافة معينة، يبدو الضوء أقل تحولًا نحو الأحمر مما لو كان الكون بأكمله متمددًا بشكل متسق مع سرعة التوسع المحلي. على العكس من ذلك، في نموذج الكون هذا، فإن التحول نحو الأحمر المحدد يتوافق مع مسار ضوء أطول من ذلك المرتبط بعبور الكون في توسع موحد، وفي هذه الحالة يجب أن تكون المستعر الأعظم أكثر بعدًا، وبالتالي يظهر أقل سطوعًا.
طريقة أخرى لتقديم الأشياء هي أن نقول إن الاختلاف المكاني في سرعة التوسع له تأثيرات رصدية مماثلة لتلك التي للاختلاف في وقت هذه السرعة. وبالتالي من الممكن شرح الملاحظات الإشكالية للمستعرات الأعظم دون استدعاء الطاقة المظلمة!
لكي يكون هذا التفسير البديل صحيحًا، يجب أن نكون في فراغ من البعد الكوني. يبلغ عدد المستعرات الأعظم المعنية عدة مليارات من السنين الضوئية، وهو جزء هام من الكون المرئي. يجب أن يكون الفراغ قابلاً للمقارنة على الأقل في الحجم.
هل هذا الفراغ الكوني واقعي؟ للوهلة الأولى، لا. يبدو هذا بالفعل في تناقض صارخ مع إشعاع الخلفية الميكروية الكونية المنتشر، والتي هي خلفية موحدة بشكل غير عادي: لا تتجاوز الاختلافات 1 / 100،000. وبالمثل، على نطاق واسع، يبدو توزيع المجرات متجانسًا. ولكن عند الفحص الدقيق، فإن هذه الاختبارات ليست بالضرورة قاطعة.
يوحي توحيد إشعاع الخلفية المنتشر فقط أن الكون متشابه في جميع الاتجاهات. وهو متوافق مع وجود منطقة فارغة شبه كروية نشغل منها المركز تقريبًا. بالإضافة إلى ذلك، تحتوي خلفية الميكروويف الكونية على تباين معين، يمكن تفسيره من خلال عدم التجانس على نطاق واسع.
أما بالنسبة لتوزيع المجرات، فإن المسوحات الحالية لا تذهب إلى حد كافٍ في الكون لاستبعاد فراغ الحجم القادر على إعادة إنتاج آثار الطاقة المظلمة. تظهر فقاعات الفراغ وشعيرات المادة والعقد على مقياس مئات الملايين من السنوات الضوئية، ولكن الفراغ اللازم لفرضيتنا يجب أن يكون أكبر بترتيب من الحجم.
يُناقش الجدال الدائر حالياً داخل أوساط الفلكيين: هل تؤكد استطلاعات المجرات المبدأ الكوني؟ يشير تحليل حديث أجراه دوغلاس هوغ من جامعة نيويورك إلى أن الحجم المميز لأكبر الهياكل في الكون يبلغ حوالي 200 مليون سنة ضوئية. وعلى نطاق واسع، تبدو المادة موزعة بشكل موحد، وفقًا للمبدأ الكوني. لكن بالنسبة إلى فرانشيسكو لابيني ، من مركز إنريكو فيرمي في روما ، فإن أكبر الهياكل المكتشفة حتى الآن محدودة فقط بحجم مسوحات المجرات التي جعلت من الممكن اكتشافها. قد توجد هياكل أكبر خارج نطاق المسوحات. للتحقق من المبدأ الكوني، نحن بحاجة إلى مسوحات للمجرات أكبر من أكبر الهياكل في الكون. هل البيانات الحالية واسعة بما يكفي؟ هذا هو موضوع النقاش. هل الفراغ العملاق ممكن؟
بالنسبة للمنظرين، من الصعب تصور الفراغ الهائل. يشير كل شيء اليوم إلى أن المجرات والهياكل الكبيرة، مثل الخيوط والفراغات، تشكلت من تقلبات مجهرية ودون مجهرية من أصل كمومي في الكون البدائي، والتي توسع التمدد الكوني لاحقًا في أبعاد فلكية. يقدم النموذج الكوني القياسي أو المعياري تنبؤات قوية حول تكرار الهياكل وفقًا لحجمها. فكلما كان الهيكل أكبر، كلما كان أكثر ندرة. إن احتمال وجود فراغ كبير بما يكفي لمحاكاة تأثيرات الطاقة المظلمة ضئيل للغاية.
ومع ذلك، هناك احتمال واحد. في أوائل التسعينات، أظهر أندريه ليندي ، أحد مخترعي مفهوم التضخم الكوني ، أن الفراغات العملاقة حتى النادرة تتوسع بشكل أسرع من الباقي في بداية تاريخ الكون وينتهي بها الأمر مهيمنة على حجم الكون. وبالتالي فإن احتمال وجود المراقبين في مثل هذا الفراغ قد لا يكون منخفضًا جدًا.
ما هي الملاحظات التي يمكن أن تقرر بين توسع موحد للكون مدفوعًا بالطاقة المظلمة والتوسع غير المتجانس الملحوظ لمكان معين؟ لتحديد ما إذا كانت هناك منطقة فارغة، يحتاج علماء الكون إلى نموذج جيد لسلوك المكان والزمان والمادة بالقرب من مثل هذه المساحة الفارغة. تم صياغة هذا النموذج في عام 1933 من قبل جورج لوميتر. أعاد ريتشارد تولمان اكتشافه بشكل مستقل بعد ذلك بعام، وتم تطويره بعد الحرب العالمية الثانية بواسطة هيرمان بوندي. تصور هذا النموذج كونًا بسرعة التوسع التي لا تعتمد فقط على الوقت أو الزمن، ولكن أيضًا على المسافة إلى نقطة معينة، كما هو الحال في فرضيتنا الحالية.
كيفية تسليط الضوء على عدم التجانس؟
بفضل نموذج Lemaître-Tolman-Bondi، يتوقع علماء الكون كميات معينة يمكن ملاحظتها. فكر أولاً في المستعرات العظمى البعيدة. كلما لاحظ أو رصد الفلكيون أكثر، تمكنوا من إعادة بناء تاريخ تمدد الكون بدقة أكبر. بالمعنى الدقيق للكلمة، لا يمكن لهذه الملاحظات أن تستبعد نموذج الكون غير المتجانس، لأنه يمكن للمرء دائمًا العثور على فراغ من الكثافة والشكل المناسبين لإعادة إنتاج أي مجموعة بيانات من المستعر الأعظم. ومع ذلك، لكيلا يمكن تمييز كون غير متجانس تمامًا عن كون متجانس مع طاقة مظلمة، يجب أن يكون للفقاعة - الفراغ خصائص غريبة جدًا.
التسارع الواضح للتوسع مستمر اليوم. لكي تقوم منطقة فارغة بإعادة إنتاج هذه الصورة، يجب أن تزيد سرعة التوسع بسرعة عندما نبتعد عن موقعنا، في جميع الاتجاهات. يجب أن يكون لملف كثافة المواد ذروة عالية تتمحور حول موضعنا. هذا يتعارض مع معرفتنا بهياكل المادة في الكون، والتي لا تظهر بشكل عام اختلافات مفاجئة. ومع ذلك، إذا كان الفراغ يحتوي على ملف تعريف كثافة أقل حدة أكثر تماشيًا مع نماذجنا الحالية، فيجب أن يكون التوقيع المميز قابلاً للكشف. يشير غياب القمة إلى أن الفراغ لا ينتج بالضبط نفس الملاحظات مثل الطاقة المظلمة. على وجه الخصوص، تختلف سرعة التسارع الواضح للتوسع بشكل مميز مع التحول الأحمر. مع كات لاند Kate Land، ثم في جامعة أكسفورد ، أظهرنا أن مراقبة عدة مئات من المستعرات العظمى الجديدة ، بالإضافة إلى المئات القليلة التي تمت ملاحظتها حتى الآن - فقط - يجب أن تكون كافية لتسوية السؤال. يجب تحقيق هذا الهدف في غضون فترة زمنية قصيرة.
ليست استطلاعات المستعر الأعظم هي الملاحظات الوحيدة التي لدينا. اقترح جيريمي غودمان من جامعة برينستون اختبارًا آخر في عام 1995 باستخدام الخلفية الميكروية الكونية. في ذلك الوقت، لم يتم إدخال الطاقة المظلمة بعد، وكان غودمان يبحث عن دليل على المبدأ الكوني نفسه. كانت فكرته استخدام مجموعات من المجرات البعيدة "كمرايا" للنظر إلى الكون من نقاط مراقبة مختلفة. في الواقع، تعكس مجموعات المجرات جزءًا صغيرًا من إشعاع الميكروويف للخلفية المنتشرة. من خلال قياس وتحليل هذا الإشعاع المنعكس، يمكننا نظريًا استنتاج شكل الكون عندما ننظر إليه من مجرة بعيدة. الكون الذي يظهر بعد ذلك بشكل مختلف سيكون مؤشرا قويا لوجود فراغ أو بنية قابلة للمقارنة.
أخضع فريقان مؤخرًا هذه الفكرة على المحك. درس روبرت كالدويل ، من كلية دارتموث ، في نيو هامبشاير ، وألبرت ستيبينز ، من مختبر فيرمي ، في إلينوي ، تشويه الخلفية ، بينما خوان غارسيا بيليدو ، من جامعة مدريد ، وترويلز هاوغبول منجامعة آرهوس ، الدنمارك ،لاحظوا ورصدوا التجمعات الفردية بشكل مباشر. لم يكتشف أي من الفريقين فراغًا؛ أفضل ما كان يمكن للباحثين القيام به هو تحديد الخصائص التي يمكن أن يمتلكها هذا الفراغ. يجب أن يكون القمر الصناعي بلانك، الذي أطلق في 14 مايو 2009، قادرًا على تحديد قيود أكثر صرامة على خصائص الفراغ الكوني المحتمل، أو حتى استبعاد وجوده تمامًا.
النهج الثالث، الذي دعمه بروس باسيت، وكريس كلاركسون وتيريزا لو، في جامعة كيب تاون، جنوب أفريقيا، هو قياس سرعة التوسع في مواقع مختلفة. يحدد الفلكيون بشكل عام سرعة التوسع من حيث الانزياح نحو الأحمر، الذي يفسر توسع جميع مناطق الفضاء بين مصدر الضوء وبيننا. هذا التراكم يجعل من المستحيل التمييز بين الاختلاف في سرعة التوسع في الفضاء والاختلاف في الوقت. للقيام بذلك، يجب علينا قياس سرعة التوسع محليًا في نقاط مختلفة في الفضاء. إنه إجراء صعب التنفيذ. أحد الاحتمالات هو مراقبة كيفية تشكيل الهياكل في أماكن مختلفة. يعتمد تكوين وتطور المجرات وعناقيد المجرات إلى حد كبير على معدل التوسع المحلي. إذا نجحنا في استخراج هذه الإشارة من جميع التأثيرات الأخرى التي تدخل في تطورها، فربما نسلط الضوء على الاختلافات المحلية الدقيقة في سرعة التوسع. وماذا لو كانت هناك فقاعات فارغة بأعداد كبيرة؟
إن الفكرة القائلة بأننا قد نكون في مركز منطقة ضخمة فارغة من الفضاء تعارض بشدة المبدأ الكوني، لكن الاحتمالات الأخرى أقل جذرية. يمكن للكون، على سبيل المثال، أن يطيع المبدأ الكوني على نطاق واسع، لكن فقاعات الفراغ وشعيرات المادة المرئية في المسوحات الكبيرة للمجرات يمكن أن تنتج بشكل جماعي آثار الطاقة المظلمة. يبدو الكون وكأنه الجبنة المبشورة emmental، موحدة بشكل عام، ولكن مليئة بالثقوب. وبالتالي، تختلف سرعة التوسع قليلاً من منطقة إلى أخرى. ينتشر الضوء المنبعث من المستعرات العظمى البعيدة من خلال العديد من هذه الفراغات الصغيرة قبل الوصول إلينا. هل التباين التراكمي لسرعة التوسع، وبالتالي التحول نحو الأحمر، يعيد إنتاج تأثير التسارع في وقت توسع الفضاء؟ أظهر أالعالمان (ت. كليفتون) وجوزيف زونتس ، من جامعة أكسفورد ، مؤخرًا أنه ، من أجل إعادة إنتاج تأثيرات الطاقة المظلمة ، فإن كمية كبيرة من فقاعات الفراغ منخفضة الكثافة جدًا يجب توزيعها بطريقة معينة. يتمتع هذا النموذج بميزة عدم افتراض وجود فراغ كبير واحد نشغل مركزه بدقة.
الاحتمال الآخر هو أن الطاقة المظلمة هي قطعة أثرية للتقريب الرياضياتي المستخدم في النماذج الكونية. لحساب سرعة التوسع الكوني في منطقة معينة من الفضاء، نقوم بتقييم كمية الطاقة الموجودة في هذه المنطقة ونقسمها على حجمها؛ ثم نقدم متوسط كثافة الطاقة الذي تم الحصول عليه على هذا النحو في معادلات النسبية العامة لأينشتاين، لاستنتاج متوسط معدل التوسع في هذه المنطقة. في الواقع، نحن نفعل ذلك من أجل الكون ككل: على الرغم من أن كثافة الطاقة تختلف باختلاف المناطق، فإننا نتعامل مع هذه الاختلافات على أنها تقلبات ضئيلة حول متوسط كثافة الكون ونستنتج سرعة "متوسط التوسع "، وهذا يعني بالضرورة أنه متجانس في الفضاء.
لكن حل معادلات أينشتاين لتوزيع متوسط للمادة ليس مكافئًا أوليًا لحلها مع التوزيع الحقيقي للمادة، ثم حساب متوسط هندسة الزمكان الناتجة. بعبارة أخرى، نرتكب خطأً حسابيًا عن طريق حساب المتوسط أولاً ثم حل المعادلات، بينما يتوجب علينا أن نحلها أولاً ثم نحسب النتيجة فقط. المشكلة هي أنه من المعقد بشكل رهيب حل معادلات النسبية العامة للبيانات التي تعيد إنتاج الكون الحقيقي، إن كان غامضًا فقط. إذا كان هذا التعقيد يبرر بسهولة التقريب الذي قام به الرواد ألكسندر فريدمان وجورج لوميتر في عشرينيات القرن العشرين، فهل يمكننا أن نرضي حل البساطة هذا اليوم؟ شرع توماس بوخرت، من جامعة ليون، في تحديد درجة صلاحية هذا التقريب. أدخل مصطلحات إضافية في المعادلات الكونية لحساب الخطأ الذي أدخله الحد المتوسط قبل معالجة المعادلات بدلاً من حلها. إذا تبين أن هذه المصطلحات صغيرة، فإن التقريب جيد؛ إذا كانت مهمة، فهي سيئة. ومع ذلك، فإن النتائج ليست قاطعة في الوقت الحالي. بالنسبة لبعض علماء الفيزياء الفلكية، ستكون المصطلحات الإضافية كافية لاحتساب الطاقة المظلمة بالكامل؛ بالنسبة للآخرين، تكاد لا تذكر ويمكن اهمالها. الطاقة المظلمة، الفراغ الكوني العظيم الذي يشكك في المبدأ الكوني، تراكم الفراغات المحلية أو التقريب الرياضي غير المبرر: النقاش أكثر انفتاحًا من أي وقت مضى. ينبغي إجراء ملاحظات حاسمة في المستقبل القريب. يجب أن يلقي مسح تراث المستعر الأعظم Supernova Legacy السوبر نوفا، بالإضافة إلى مهمة الطاقة المظلمة المشتركة، قيد التطوير حاليًا، الضوء على تاريخ توسع الكون. سيحدد القمر الصناعي بلانك وغيره من الأدوات الخلفية الكونية الميكروية بمزيد من التفاصيل، وسيزودنا التلسكوب الراديوي SKA، المخطط له في عام 2020، بمسح غير مسبوق للمجرات. بدأت الثورة في علم الكونيات منذ أكثر من عشر سنوات بقليل. إنها بعيد عن النهاية.
6
الطاقة السوداء أو المظلمة والمعتمة وبدائلها:
اكتشفنا قبل عشر سنوات أن تمدد الكون يتسارع. لشرح ذلك، أدخل علماء الكون شكلاً جديدًا من الطاقة، الطاقة المظلمة أو السوداء أو المعتمة أو الداكنة. لكنها تظل غامضة. هل يجب أن نراجع النماذج الكونية بدقة؟ على الرغم من التقدم الهائل الذي تم إحرازه على مدار العشرين عامًا الماضية، كان على علماء الكونيات أن يخلصوا إلى أن العديد من الفجوات في فهمنا للكون أبعد ما تكون عن سدها. بعض خصائص الكون، مثل توسعه وعمره ومتوسط كثافته، معروفة جيدًا إلى حد ما، لكن محتواه لا يزال لغزًا.
يتكون جزء صغير فقط، أقل من خمسة في المائة، من المادة التي نعرفها - تسمى الباريونيك - وهي الهيدروجين والهيليوم والكربون والعناصر الكيميائية الأخرى، التي تشكل الشمس والأرض وأنفسنا. يقابل حوالي 21 في المائة شكلاً غير معروف من المادة، يسمى المادة السوداء أو المظلمة، والذي يتصرف كما لو كان مكونًا من جزيئات ضخمة والتي لا تتفاعل أو بالكاد تتفاعل مع الإشعاع الكهرومغناطيسي وبالتالي تظل غير مرئية. وأخيرًا، يتكون معظم محتوى الكون - 74 بالمائة تقريبًا - من شيء غير معروف يتم توزيعه بالتساوي في الفضاء: الطاقة المظلمة (أو السوداء أو المعتمة). وعلى عكس المادة المظلمة، لا يبدو أنها قابلة للوصف من حيث الجسيمات.
هذه الطاقة المظلمة لها ضغط سلبي. يعمل كنوع من مضاد الجاذبية الذي يغذي التوسع الكوني، في حين أن جاذبية المادة تبطئه. مع تمييع المادة الباريونية والظلام مع توسع الفضاء، تظل كثافة الطاقة المظلمة ثابتة تقريبًا.
ما هي الطبيعة أو الماهية الحقيقية للطاقة المظلمة؟ هل يمكننا الاستغناء عنها؟ سنقدم بعض عناصر الاتجابة.
من وجهة نظر براغماتية، الطاقة المظلمة هي كمية إضافية يتم إدخالها في النموذج الكوني القياسي أو المعياري لتكييفها مع الملاحظات والمشاهدات الرصدية الفلكية. أدخل أينشتاين بالفعل في عام 1916 معلمة مخصصة، سماها "الثابت الكوني"، في معادلاته. أراد إنشاء نموذج ثابت للكون، بما يتفق مع قناعاته آنذاك. لهذا، كان لا بد من تعويض سحب الجاذبية للمادة بقوة طاردة. يتوافق الثابت الكوني بالضبط مع هذا التنافر. ومع ذلك، اكتشف إدوين هابل في عشرينيات القرن العشرين أن المجرات تتحرك بعيدًا عن بعضها البعض، وهي علامة على أن الكون يتوسع. في الوقت نفسه، أظهر الفيزيائي ألكسندر فريدمان والراهب جورج لوميتر بشكل مستقل أن معادلات النسبية العامة لأينشتاين، في غياب ثابت كوني، تؤدي إلى توسيع هيكيلية الكون. لذلك رفض أينشتاين فكرته الأولية واقترح أن يكون الثابت الكوني صفرًا.
ثابت لفعل كل شيء:
لم يتم اتباع هذه التوصية دائمًا، لأن الثابت الكوني كان عمليًا للغاية، عندما كان النموذج الكوني في تضارب واضح مع البيانات وحلول المعادلات، لحل الوضع عن طريق تعديل مناسب لقيمته. في التسعينات، على سبيل المثال، بدا أن بعض النجوم في العناقيد الكروية أقدم من الكون. من خلال تقديم ثابت كوني إيجابي لزيادة عمر الكون، تم محو هذا الاختلاف. ومع ذلك، فقد أدت النماذج النجمية الأفضل والملاحظات الأكثر دقة إلى تخفيض عمر هذه النجوم وتم وضع الثابت الكوني مرة أخرى جانباً.
ومع ذلك، منذ عام 1998، عاد الثابت الكوني إلى المقدمة. اكتشف هابل أن طيف المجرات يتحول نحو الأحمر - تتحول الخطوط المميزة للعناصر الذرية إلى أطوال موجية أطول - مقارنةً بأنظمة قريبة من الأرض. هذا الإزاحة أكبر كلما كانت المجرة بعيدة. وهذا يعني أن المجرات تتحرك بعيدًا عنا، وكلما كانت أبعد مسافةً - كما لو كانت الإزاحة ناتجة عن تأثير دوبلر، لكن الظاهرة على المحك أكثر تعقيدًا وتفترض توسع الفضاء. وهكذا اقترح هابل القانون الذي يحمل اسمه الآن، أي أن مجرتين تبتعدان عن بعضهما بسرعة تتناسب مع المسافة بينهما. ثابت التناسب هو ثابت هابل، المشار إليه H0. لاحظ أنه ليس ثابتًا، لأنه اختلف عبر تاريخ الكون.
من الصعب قياس ثابت هابل لأنه لتحديد العلاقة بين الانزياح الأحمر والمسافة بدقة، تحتاج إلى قياس موثوق للمسافة. ومع ذلك، لفترة طويلة، لم يكن هذا هو الحال بالنسبة للمجرات البعيدة. سرعان ما توصل الفلكيون إلى فكرة استخدام انفجارات نجميّة تدعى المستعرات العظمى من النوع Ia كمؤشرات للمسافة. إنها انفجارات نووية حرارية للأقزام البيضاء، ونجوم مضغوطة تجمع كتلة الشمس في قطر الأرض. مستقرة بشكل طبيعي، يمكن أن تنفجر عندما تجمع مواد ممزقة من نجم مصاحب يتجاوز ما يسمى كتلة حد شاندراسيكار Chandrasekhar، والتي تساوي حوالي 1.4 كتلة شمسية. المستعرات من النوع Ia ساطعة جدًا وبالتالي فهي مرئية حتى في المجرات البعيدة. تلمع لبضعة أسابيع مع تألق شديد، ثم يضعف اللمعان لعدة أشهر.
مصلحة هذه المستعرات العظمى هي أنه من حيث المبدأ، لديها جميعًا نفس الكتلة والهيكل نفسه، وبالتالي لمعان جوهري متطابق. وبالتالي يطلق عليها غالبًا "الشموع القياسية": بشكل أدق، ليس لديها نفس اللمعان بالضبط، ولكن العلاقة التجريبية تعطي أقصى لمعانها وفقًا لشكل منحنى اللمعان؛ لذا فهي شموع "قابلة للمعايرة". اللمعان الجوهري المعروف، يتم استنتاج بعدهم من اللمعان الملاحظ.
-----------------------------------------------------
space (انظر The Big Bang Paradoxes ، بقلم C. Lineweaver و T. Davis)

تسارع إشكالي:
لتمييز سرعة التوسع في الفضاء، نقارن المسافة من نوع مختلف من المستعرات العظمى التي تحدث في أوقات مختلفة. من الناحية العملية، المهمة صعبة، لأن هذه الأحداث نادرة (حوالي حدث واحد لكل مجرة ولكل قرن!)، ولأننا يجب أن نعاير العلاقة بين الذروة ومنحنى اللمعان مع المستعرات العظمى التي تعرف بعدها في مكان آخر. بفضل التقدم المحرز في السنوات الأخيرة، يتم الآن قياس المسافة من المجرات البعيدة بدقة تبلغ حوالي عشرة بالمائة.
وبالتالي، تم تقييم ثابت هابل بنفس الدقة التي تبلغ عشرة في المائة بسرعة 70 كيلومترًا في الثانية لكل ميغا بكسال (تبلغ قيمة ميغا بكسال حوالي 3.3 مليون سنة ضوئية). وبالتالي، تبتعد عنا مجرة تقع في 100 ميغا بكسال، بعيدًا عن فيضان التوسع، بسرعة 7000 كيلومتر في الثانية (التي يجب أن نضيف إليها حركتها الخاصة).
ولكن، في عام 1998، أظهرت العديد من الفرق البحثية أن المستعرات الأعظم البعيدة أقل تألقًا، وهذا يعني بعدًا أكثر مما يقترحه تحولها نحو اللون الأحمر. وبعبارة أخرى، يجب أن يكون الكون قد توسع بشكل أسرع منذ أن انفجرت هذه المستعرات العظمى عما كانت عليه في السيناريو السائد آنذاك، حيث كان من المفترض أن يتباطأ التوسع ببطء. يمكن إعادة تسريع التوسع هذا في النماذج الكونية على أساس النسبية العامة لأينشتاين بواسطة ثابت كوني إيجابي، والذي يعمل على مقياس الكون كمحرك للتوسع (على عكس الثقالة والتي تميل إلى تجميع المادة وجذبها وبالتالي تبطئ التوسع). تتضمن النماذج التي تعيد إنتاج القياسات بشكل أفضل أقل من 30 في المائة من المادة "الجاذبة" (المادة الكلاسيكية والمادة المظلمة) مقابل أكثر من 70 في المائة من طاقة ذات كثافة ثابتة، ممثلة بالثابت الكوني.
تم تأكيد هذه النتيجة الثورية بوسيلة أخرى، وهي قياس إشعاع الخلفية الكونية. تم اكتشاف إشعاع الخلفية الكونية الميكروية هذا الذي يغمر الفضاء في جميع الاتجاهات بنفس الكثافة في عام 1964 من قبل أرنو بينزياس وروبرت ويلسون من مختبرات بيل. طيفها هو جسم أسود: يظهر جسمًا كان في حالة توازن حراري مع بيئته. في عام 1992، أظهر القمر الصناعي COBE (COsmic Background Explorer) من وكالة ناسا أن درجة الحرارة السفلية المنتشرة كانت 2728 كلفن.
ما هو أصل الخلفية المنتشرة؟ في بداية تاريخه، كان الكون حارًا وكثيفًا لدرجة أن النوى الذرية والإلكترونات كانت مفصولة. انتشرت الفوتونات باستمرار بواسطة الإلكترونات الحرة. ومع ذلك، أدى التوسع في الفضاء إلى التبريد التدريجي لهذه البلازما، وعندما وصلت درجة الحرارة إلى حوالي 3000 كلفن، تم إعادة تجميع الإلكترونات مع النوى لتشكيل الذرات، وتم إطلاق الإشعاع. الخلفية الكونية الميكروية ليست سوى هذا الإشعاع الأول المنبعث في تاريخ الكون، الذي انتشر بحرية منذ ذلك الحين وتم تبريده من خلال التوسع الكوني.
ماذا نقرأ في الخلفية الإشعاعية الكونية الميكروية المنتشرة؟
على خرائط الخلفية الكونية الميكروية التي رسمها القمر الصناعي COBE ، ظهرت بقع تتوافق مع اختلافات درجات الحرارة في ترتيب بضع عشرات من الميكروكيلفين ، أو 1 لكل 100000. ومع ذلك، كانت الدقة الزاوية للقمر الصناعي منخفضة جدًا بحيث لا تستطيع أن تشكل دليل على الهياكل الصغيرة.
خلفه، القمر الصناعي WMAP (Wilkinson Microwave Anisotropy Probe) ، الذي تم إطلاقه في عام 2001 ، والذي رسم خريطة الخلفية الميكروية الكونية بتعريف حوالي 12 دقيقة قوسية (40 في المائة من قطر القمر المكتمل). كشفت الخريطة التي رسمتها WMAP عن اختلافات في درجات الحرارة على نطاق زاوي صغير. هذه التقلبات ستكون بذور المجرات وغيرها من الهياكل الكبيرة للمادة في الكون.
يمكن أن تتحلل إشارة الاختلافات في درجة حرارة الخلفية الميكروية الكونية لإظهار اتساع التقلبات كدالة في مقياسها، ما يسمى طيف الطاقة.
هذه التقلبات هي انعكاس للاهتزازات التي اجتازت الكون قبل انبعاث القاع المنتشر. في ذلك الوقت، تسبب الصراع بين انهيار الجاذبية للمادة نفسها والضغط الإشعاعي للفوتونات في تذبذبات في البلازما الساخنة. أدت تقلبات الكثافة هذه إلى اختلاف في درجة الحرارة، والذي تم الحفاظ عليه في الخلفية المنتشرة أثناء إعادة تركيب الإلكترونات مع النوى: لمراقبة تقلبات درجة الحرارة في الخلفية المنتشرة وهي مراقبة تقلبات الكثافة في الكون البدائي. تظهر العديد من القمم في طيف الطاقة للخلفية المنتشرة، والجزء الرئيسي على مقياس درجة واحدة تقريبًا. ما هو أصلهم؟ نقوم أولاً بحساب أكبر مسافة يمكن أن تنتقل فيها الموجة الصوتية من الانفجار الكبير إلى إعادة التركيب. هذه المسافة، التي تسمى أفق الصوت، تخبرنا عن هندسة الكون. في الواقع، تعتمد الزاوية التي نرى فيها طولًا معينًا على بعدها وانحناء الفضاء. بالنسبة للمسافة نفسها، تكون زاوية الانحناء الموجب أكبر مما ستكون عليه للانحناء الصفري، وأقل في حالة الانحناء السالب. هذا الأفق الصوتي مرئي اليوم في شكل تقلبات على مقياس درجة واحدة في الخلفية المنتشرة. من خلال معرفة حجمه ومدى بعده (مسافة الخلفية المنتشرة، أي نصف قطر الكون المرصود) والزاوية التي يتم رؤية الأفق الصوتي فيها، نستنتج أن انحناء الفضاء يساوي صفر تقريبًا. وبعبارة أخرى، فإن هندسة الفضاء مسطحة (أو "إقليدية").
هذا الانحناء الصفري له تأثير على محتوى الكون: وفقًا للنسبية العامة، تعتمد هندسة الزمكان على محتواها من الطاقة. لكي يكون الانحناء صفرًا، يجب أن تصل الكثافة الإجمالية للكتلة والطاقة إلى قيمة حاسمة، يحددها ثابت هابل. يشير التحليل الدقيق للخلفية المنتشرة إلى أن الطاقة الإجمالية لا تختلف بأكثر من اثنين في المائة من هذه القيمة الحرجة.
الحساب المطلوب ليس متوفراً:
يجعل الهيكل العام لطيف القدرة لتقلبات الخلفية المنتشرة، من الممكن تحديد المحتوى المادي للكون. على سبيل المثال، تكون التقلبات أكثر وضوحًا كلما زادت كثافة المادة الباريونية مقارنة بكثافة المادة المظلمة. توجد هذه العلاقة في اتساع الذروة الأولى والثانية في طيف القدرة. تظهر أن الكون يحتوي على مادة مظلمة أكثر بحوالي ستة أضعاف من المادة الباريونية. تتوافق هذه القيم مع القياسات الفلكية الأخرى، ولا سيما تلك المتعلقة بالتخليق النووي.
إذا كانت المادة الباريونية والمادة المظلمة هي المحتويات الوحيدة للكون، حيث يكون الانحناء صفراً، فيجب أن نعزو ذلك إلى الكثافة الحرجة، وبالتالي إلى ثابت هابل، وهي قيمة أقل بكثير من تلك التي تمت ملاحظتها اليوم. للتوفيق بين القيود التي توفرها الخلفية المنتشرة وقياس ثابت هابل، قدمنا مكونًا إضافيًا للكون. الأكثر طبيعية هو ثابت كوني إيجابي، يوفق بين تسارع التوسع والكثافة الحرجة. لذلك يجب أن يكون شكلًا من أشكال الطاقة ذات الكثافة الثابتة، أو يساوي تقريبًا 0.74 (مقارنة بالكثافة الحرجة). ويستنتج من ذلك أن الكثافة الإجمالية للمادة تساوي تقريبًا 0.26، بما في ذلك 0.05 للمادة البارونية و0.21 للمادة المظلمة. وباختصار، فإن الجمع بين الخلفية المنتشرة وقياس التمدد الكوني يعلمنا أن الكون مسطح، وأن المادة المعروفة تمثل فقط حوالي خمسة بالمائة من محتواه، وأن 21 بالمائة تتوافق مع مادة غامضة سوداء وأن 74 في المئة المتبقية تتكون من "طاقة مظلمة" أكثر غموضا. هذه الأخيرة هي التي تحدد التوسع الحالي والمستقبلي للكون.
طبيعة الطاقة المظلمة:
في ذهن آينشتاين، كان الثابت الكوني ذو طبيعة هندسية بحتة. ولكن ما هي الطبيعة الحقيقية للطاقة المظلمة؟ بعد فترة وجيزة من تقديمه، لاحظ الفيزيائيون أنه يمكن تفسيره من حيث طاقة الفراغ. في نظرية الكم الكوانتوم، لا يكون الفراغ فارغًا أبدًا حقًا، ولكنه يغمر في حقول متقلبة حول قيمة متوسطة صفرية، والتي تولد طاقة معينة غير صفرية. لا يمتلك الفيزيائيون حتى الآن الأدوات النظرية اللازمة لحساب طاقة الفراغ هذه. ومع ذلك، أعطت المحاولات الأولى قيمًا أكبر بعامل 10120 من كثافة الطاقة المظلمة المستخرجة من القياسات الفلكية. في سياق ما يسمى نظرية التناظر الفائق théorie de super symétrie، ينخفض هذا الاختلاف إلى 60 مرتبة من حيث الحجم، وهو أفضل، ولكنه لا يزال كثيرًا جدًا! سينشأ هذا التناقض من باب أولى إذا كان الثابت الكوني صفرًا: يجب أن نوضح لماذا لا توجد القيمة النظرية العالية لطاقة الفراغ نظيرًا يمكن ملاحظته في الكون. لا أحد يعرف كيف يمكن تعويض مساهمته بهذه الدقة. ربما تحل نظرية صحيحة عن الجاذبية الكمومية، توحد النسبية العامة والفيزياء الكمومية، مشكلة الاختلاف في ترتيب الحجم.
ما هي الأدلة الأخرى التي لدينا؟ وقد أدخل البعض، لأسباب أخرى، مفهوم "المناظر الطبيعية"، حيث توجد لدى المناطق الكونية المختلفة قوانين فيزيائية مختلفة، بما في ذلك الثابت الكوني. وهكذا نجد أنفسنا في كون ثابت كوني ضعيف لأن هذه الحالة تسمح بوجود مراقبين. هذا السيناريو الذي يستدعي مبدأ الأنثروبيا يصعب اختباره.
اقترح علماء الفيزياء الفلكية أن الثابت الكوني هو انبثاق حقل غير معروف يسمى الجوهر، يفترض أنه متغير بمرور الوقت. إذا كان هذا هو الحال، يمكن للملاحظات أن تسلط الضوء على تطور مختلف للتوسع الكوني - على سبيل المثال أكثر وضوحًا أو على العكس من ذلك - مقارنة بفرضية الثابت الكوني، وهو ... ثابت. ولكن في الوقت الحالي، تجادل القياسات الدقيقة بشكل متزايد لصالح كثافة طاقة ثابتة.
من إنجازات فيزياء الكموم الكوانتوم، فإن أكثر المرشحين الطبيعيين لتفسير المادة السوداء والطاقة المظلمة: بالنسبة للأولى جسيمات أولية جديدة، والثانيًة، طاقة الفراغ أو طاقة الحقول الافتراضية.. يمكننا أيضًا أن نتخيل كوننا راضين عن المكونات المعروفة وتعديل القوانين الأساسية للفيزياء، خاصة قوانين الجاذبية.
هناك العديد من نظريات الجاذبية البديلة. حتى لو تم رفض معظمها بسرعة، فإن البعض يستحق الاهتمام. لشرح ديناميكيات المجرات وعناوين المجرات دون اللجوء إلى المادة المظلمة - التي تم تقديمها تاريخيًا لهذا الغرض - اقترح الفيزيائي الإسرائيلي مردهاي ميلجروم، في أوائل الثمانينيات، تعديل قانون نيوتن لتفاعل الجاذبية مسافة كبيرة. في الواقع، تم التحقق من ذلك فقط تجريبيا على نطاق النظام الشمسي. في نظريته، التي تسمى MOND (ديناميكيات نيوتونية معدلة)، للتسارع الضعيف، يتم إنتاج نفس التسارع بواسطة قوة أضعف من قانون نيوتن. ولكن والحال هذه هل يجب أن نراجع أو نعيد النظر بالجاذبية؟
تستنسخ نظرية MOND بشكل صحيح منحنيات دوران معظم المجرات، ولكن لديها نقاط ضعف كبيرة: لا يتم احترام قانون الحفاظ على الزخم، وتفشل النظرية في تفسير ديناميكيات مجموعات المجرات. مشكلة أخرى هي أن النظرية غير نسبية، وبالتالي لا تنطبق على علم الكونيات.
في عام 2004، قام جاكوب بيكنشتاين ، من الجامعة العبرية في القدس ، بنشر نسخة نسبية لنظرية موند MOND (ديناميكيات نيوتونية معدلة)، نظرية الموتر-المتجهي ، اختصار TeVeS. مثل نظرية النسبية العامة لأينشتاين، فهي صيغة هندسية للجاذبية. في النسبية العامة، يصف ما يسمى موتر متري في كل نقطة الخصائص الهندسية للزمان. يتم حسابها عبر معادلات آينشتاين كدالة لتوزيع المادة والطاقة. الجديد في نظرية TeVeS هو إدخال "مجال عددي" إضافي، يحدد في كل نقطة شدة مجال الجاذبية، بالإضافة إلى حقل ناقل، والذي يظهر تأثير المقياس على المسارات حتى في غياب المادة.
في حالة الحد الأقصى للسرعات والتسارع، تستنسخ نظرية TeVeS النسبية العامة؛ في حالة السرعات المنخفضة والتسارع، يعادل الجاذبية النيوتونية ؛ وللتسارع الضعيف للغاية ، ينضم إلى نظرية MOND.
من المؤكد أن نظرية TeVeS هي إطار مناسب لمعالجة الأسئلة الكونية، ولكن مجالاتها الإضافية التي تم إدخالها بشكل خاص تمنحها طابعًا اصطناعيًا. تعتبر النسبية العامة لأينشتاين أكثر أناقة وتشرح بشكل مثالي الظواهر التي تحدث على مقاييس تتراوح من ملليمتر إلى تلك الخاصة بالنظام الشمسي.
ومع ذلك، فإن الشيء الأكثر إزعاجًا هو أن نظريات MOND وTeVeS وما يعادلها، التي تم إنشاؤها للتغلب على مشكلة المادة المظلمة، لا تقدم أي إجابة فيما يتعلق بالطاقة المظلمة.
من بين نظريات بديلة أخرى، يمكن أن تعوض نظرية الجاذبية المطابقة عن هذا النقص. الفكرة هي أنه في المقاييس الكونية، الجاذبية هي في الواقع بغيضة، بينما محليا، بالطبع، لا تزال جذابة. إن تسارع التوسع الكوني سيكون عندئذٍ مظهر الجاذبية، وليس نتيجة طاقة افتراضية مظلمة. ومع ذلك، لا يزال من السابق لأوانه التنبؤ بمستقبل هذه النظرية.
لا يزال هناك احتمال آخر. إذا كانت المستعرات الأعظم البعيدة تطرح العديد من المشاكل للاندماج بشكل متماسك في الإطار الكوني القياسي، فربما يكون الإطار نفسه غير مناسب؟
يعتمد النموذج الكوني القياسي على نموذج لكون فريدمان، متجانس ومتوسع باستمرار. الافتراض الكامن وراء هذا النموذج هو أن توزيع المادة في الفضاء موحد. ومع ذلك، فإن التوزيع الحقيقي غير متجانس: يتم تجميع النجوم في المجرات، والمجرات في التجمعات، والتجمعات في خيوط المادة التي تحيط بفقاعات كبيرة فارغة نسبيًا. هل التقريب في نموذج فريدمان صحيح؟ وفقًا لنظرية النسبية العامة، تعمل الكتلة على هندسة الزمكان. وهكذا، فإن المجرات وعناقيد المجرات وغيرها من الهياكل الكبيرة تحني الزمكان. ومع ذلك، يسعى علماء الكونيات إلى وصف الكون ككل، دون التركيز على خصائصه المحلية. للقيام بذلك، يحسبون باستخدام معادلات آينشتاين تطور الهندسة الكلية للفضاء تحت تأثير متوسط كثافة المادة .
من وجهة نظر رياضياتية ، يمكن أن يعطي حل المعادلات المتعلقة بكميات متوسطة مسبقة نتائج مختلفة تمامًا عن حل هذه المعادلات نفسها بكميات حقيقية ، ويتم حساب المتوسط بعدًا على الحلول.
تدرس العديد من الفرق البحثية الآن تأثير عدم التجانس في توزيع المادة على هندسة الزمكان. ولكن بدلاً من حل معادلات آينشتاين مباشرة من أجل التوزيع الحقيقي للمادة - وهو أمر معقد للغاية اليوم - حاول بعض علماء الكون أن يصفوا خلفيًا تغذية مرتدة كثافة المادة الحقيقية على هندسة كون متجانس، يحسب بداهة من متوسط الكثافة.
يمكننا أن نتخيل الكون المتجانس كسطح مرن يمتد بانتظام. السطح الأملس يتوسع باستمرار وانحنائه، صفر، ثابت. تخيل الآن أن المجرات عبارة عن كرات صغيرة توضع على السطح؛ يبتعدون عن بعضهم البعض مع توسع الأخير. عند النظر إليه عن كثب، لم يعد السطح أملسًا: فكتلة كل المجرات تشوهها قليلاً، وتشكل مجوفة صغيرة محلية. أي إن المجوفة الكونية وعرة. يمكننا حساب تأثير هذه التشوهات الصغيرة على الانحناء الكلي للكون، عن طريق حساب متوسطها في منطقة محدودة واستبدالها بتشويه واحد أكثر نعومة. في الواقع، فإن الجاذبية لها مدى لا نهائي، ولا يمكن للمرء أن يحد من تأثير التجانس على المنطقة الملساء. بل يجب تطبيقه على الزمكان كله.
وعلى نطاق واسع، يتم تعديل الزمكان العالمي بمتوسط مساهمة التجانس في توزيع المادة. بالنسبة لمنطقة من الكون مماثلة للكون المرئي، يؤدي تمهيد التجانس إلى إضافة مصطلح متوسط إلى متوسط الكثافة، كما ذكر Q. في ظل ظروف معينة، يمكن أن يتوافق هذا المصطلح التصحيحي مع تسارع محلي للتوسع، وإعادة إنتاج آثار الطاقة المظلمة.
(انظر علم الكونيات غير المتجانسة، بقلم T. Clifton and P. Ferreira، الصفحة 106)
يدرس العديد من الفيزيائيين الآن هذا المسار، الذي كان المنظر الجنوب أفريقي جورج إليس أول من لفت الانتباه إليه. يشدد توماس بوخرت، من جامعة ليون، على أهمية المعالجة المتماسكة للمصطلح التصحيحي س. يتطلب الوصف الكمي الصحيح لتأثير التغايرات مراعاة المصطلحات غير الخطية لنظرية النسبية العامة.، وهو حساب يقاوم حتى الآن كل الجهود.
أظهر بوخرت أيضًا أن مصطلح Q يساوي صفر عند النظر في عدم التجانس في حجم محدد بشروط حدود دورية، أي أن الحساب يتم في حجم مساحة محدودة، متكرر خطوة بخطوة. بما أن جميع المحاكاة العددية الحالية لتشكيل الهياكل الكونية تستند إلى مثل هذا النهج، فلا يمكن للمرء أن يبرز فيه تأثيرًا محتملاً للتغايرات اللامتجانسة hétérogénéité. لا يزال هناك الكثير الذي يتعين القيام به لإظهار ما إذا كان علاج التغايرات هو بديل صلب للطاقة المظلمة. سيكون التخلص من هذا المكون الغامض من النموذج الكوني خطوة كبيرة إلى الأمام، لكن مشكلة حساب طاقة الفراغ الكمي وتعويضه ستظل قائمة.
ثابت كوني لا غنى عنه:
لشرح الطاقة المظلمة وتسريع توسع الكون، يتنافس الفيزيائيون لتقديم النظريات الجديدة. ولكن هذا ليس ضروريًا: الثابت الكوني، الذي قدمه ألبرت أينشتاين ثم نفاه أو ألغاه، هو أكثر من كافٍ لحل اللغز.
منذ عام 1927 والمقال التأسيسي لعلم الكونيات النسبي الحديث من قبل عالم الفلك البلجيكي الراهب جورج لوميتر، اتفقت النظرية والملاحظات على إثبات أن الكون يتوسع، معظم الفلكيين يعتبرون أن هذا التوسع، تحت تأثير الجاذبية، يجب أن يتطور وتنتهي إلى التباطؤ. ومن ثم، فإنه على ثقة من أنه، بناءً على البيانات التي تم جمعها بواسطة التلسكوبات الكبيرة، شرع فريقان مستقلان بقيادة شاول بيرلميوتر وبريان شميت وآدم ريس في رسم خرائط الكون، معتقدين أنهما سيقيسان بدقة لم تتحقق من قبل. علامات هذا التباطؤ.
لدهشتهم، وجدوا أنه في حين أن توسع الكون قد تباطأ بالفعل في المليار سنة الأولى بسبب الجاذبية، لكنه تسارع بعد 7 مليار سنة. التفسير الأكثر طبيعية لمثل هذا التسارع هو التذرع بوجود قوة طاردة على نطاق واسع، قادرة على مواجهة قوة جذب الأجرام السماوية: إنها "الطاقة المظلمة". هذا الاكتشاف، الذي تم تأكيده من قبل طرق أخرى، سيكسب علماء الفلك جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2011. لكن نشر النتائج، في عام 1998، أدى بالفعل إلى ظهور التأثيرات المعتادة للإعلانات في الصحافة على نموذج: "نموذجنا للكون موضع تساؤل. حتى أن منتدى دافوس الاقتصادي خصص جلسة في يناير 2000 للموضوع أمام جمهور لم يفهمها. بدعوة العالم الفيزيائي الفرنسي جون بيير لومينيت كمتحدث مع اثنين من علماء الكون الأمريكيين، حاول التخفيف من ثورة وسائل الإعلام من خلال توضيح أن تسارع التوسع الكوني لم يشكك بالضرورة في النماذج العامة لـ Big Bang. لكنه لم يحقق أي نجاح: لم يكن من الواضح، أن جمهور ينتظر منه، أن يشرح أن الفيزيائي البلجيكي، جورج لوميتر المذكور أعلاه، قدم بحثاً باللغة الفرنسية قبل ستين عامًا مضت، قد أعطى بالفعل جميع خصوصيات ونوبات التنافر الكوني باستدعاء ثابت كوني.
في الواقع، تم التخلي عن هذا المصطلح، الذي ظهر في معادلات أينشتاين الأصلية في وقت مبكر من عام 1917 في شكل الحرف اليوناني λ، من قبل التيار الكوني لعلم الكون الأنجلو ساكسوني. ومع ذلك، فإنه يشرح بشكل طبيعي وبأسلوب أكثر أناقة هو ظاهرة التنافر الكوني دون تضمين أي غموض معين. تستحق القضية مزيدًا من التفاصيل، والاعتراضات المتكررة على تحديد الطاقة المظلمة واقترانها بالثابت الكوني، بعض التوضيحات. فالثابت الكوني كان أكبر خطأ آينشتاين باعتراف هذا الأخير لكنه كان خاطئاً فالثابت الكوني بات أكثر من ضروري اليوم لفهم ظاهر التوسع الكوني والتسارع في التوسع.
في عام 1917، رغب ألبرت أينشتاين منطقياً في استخدام نظريته الجديدة للنسبية العامة لوصف هيكل الكون ككل. كان الرأي السائد إذن هو أن الكون يجب أن يكون ثابتًا، أي لا يتغير بمرور الوقت. يتوقع أينشتاين أن تدعم نظريته هذا الرأي. ليست هذه هي القضية. نموذج الكون الذي طوره في المقام الأول ليس له نصف قطر ثابت للانحناء: إن قوة الثقالة الجاذبة التي لا ترحم، تعمل على كل جسم سماوي، تميل إلى زعزعة استقراره وجعله ينهار على نفسه -لكيلا ينهار كوننا على نفسه.
بالنسبة لأينشتاين، العلاج الوحيد لهذه المشكلة هو إضافة مصطلح مخصص ولكنه متماسك رياضيًا في معادلاته الأصلية. تتوافق هذه الإضافة مع نوع من "الجاذبية المضادة «، الطاردة، والتي تعمل كقوة نفور يتم الشعور بها فقط على النطاق الكوني. بفضل هذه الحيلة الرياضياتية، يظل نموذج أينشتاين دائمًا ولا يتغير. يمثل أينشتاين هذا المصطلح بالحرف اليوناني λ ويطلق عليه "الثابت الكوني". إنه في الواقع ثابت، لأنه يجب أن يحتفظ بنفس القيمة في المكان والزمان. من الناحية الرسمية، يمكن أن تأخذ أي قيمة مسبقًا، ولكن القيمة التي حددها آينشتاين ينتج عنها نموذج الكون الثابت.
في نفس العام، قام عالم الفيزياء الفلكية الهولندي ويليم دي سيتر ببناء نموذج آخر للكون النسبي الساكن، يختلف تمامًا عن ذلك الخاص بأينشتاين (يفترض أن كثافة المادة تبقى صفرًا بمرور الوقت)، ولكن أيضًا تتضمن ثابتًا كونياً، التي يتمثل تأثيرها هنا في إحداث انحناء الزمكان، في غياب المادة وبالتالي الجاذبية. يصبح دور الثابت أكثر وضوحًا في ضوء جديد. في نموذج دي سيتر Sitter De، تنفصل خطوط الكون (مسارات الزمكان) تليها المجرات بسرعة عن بعضها البعض بمرور الوقت، كما لو كان الفضاء في اتساع عام: وهذا يعني أنه في حالة عدم وجود المادة، فإن الثابت الكوني له تأثير واضح على بنية الكون. ومع ذلك، في نظر آينشتاين، يتم اختزال حل دي سيتر إلى فضول رياضياتي بسيط، لأن الكون الحقيقي يحتوي بالفعل على المادة.
حدث التطور الدرامي الأول في عام 1922، عندما درس عالم الرياضيات الروسي ألكسندر فريدمان النماذج الكونية النسبية دون الحكم المسبق على الطبيعة الساكنة للكون. يكتشف حلولاً بسيطة ودقيقة تجعل النماذج الثابتة لأينشتاين ودي سيتر حالات محددة جدًا للحلول الأكثر عمومية، والتي هي ديناميكية.
بعد فترة وجيزة، تؤكد الملاحظات الفلكية التي أجراها فيستو سليفر في الولايات المتحدة وشكلها إدوين هابل عام 1929 (الذي سيكسب وحده كل المجد) أن المجرات تميل بالفعل إلى الانفصال بمرور الوقت. في الوقت نفسه، يعيد المنظر البريطاني آرثر إدينجتون إعادة النظر في نموذج آينشتاين الثابت ويثبت أنه، مثل القلم المستقر على طرفه، غير مستقر: في أقل اضطراب، يجب أن يتوسع أو يتقلص.
تساعد هذه الحقائق الجديدة على الاعتراف بأن النموذج الكوني لأينشتاين لم يكن نموذجًا جيدًا للكون، وبالتزامن مع ذلك، يشكك في الثابت الكوني. بما أنه لم يعد يفي بوظيفته الأساسية، أي تثبيت نصف قطر الكون، ما الفائدة من الحفاظ عليه؟ آينشتاين هو أول من وجه نقده الخاص. بعد بعض التردد، اعترف أخيرًا بأهمية حلول فريدمان الديناميكية وفي الحل الجديد الذي طوره في عام 1932 مع دي سيتر، اختفى الثابت الكوني!
الرجل الذي رفض:
للوهلة الأولى، يبدو أن النقاش مغلق. ومع ذلك، كان هناك شخص لم يوافق على هذا الحل الترقيعي. اسمه جورج لوميتر. بدأ بحثه الكوني في عام 1925 وفهم الدور الديناميكي الذي يلعبه الثابت الكوني في نموذج دي سيتر. في عام 1927، أعاد اكتشاف الحلول الأكثر عمومية التي اكتشفها فريدمان وجعل لأول مرة الرابط بين توسع الفضاء والرحلة الواضحة للمجرات. إنه الأب الحقيقي لعلم الكونيات الحديث ونماذج Big Bang الشهيرة! في نموذج الكون الساكن (أ) الذي صممه ألبرت أينشتاين، فإن إدخال ثابت كوني يوازن الميل إلى الانهيار بسبب الجاذبية. طور جورج لوميتر نماذج ديناميكية أخرى. في عام 1927، المعروف باسم "الكون ذي التمدد الأبدي" (ب) ، يولد الثابت الكوني قوة طاردة تسرع التوسع. تم دفع البداية إلى ما لا نهاية إلى الماضي حيث تتصل بنموذج آينشتاين الثابت. في نموذج الكون المتردد (ج) ، الذي يعود تاريخه إلى عام 1931 ، الكون في البداية ، الانفجار الكبير ، ثم يمر بمرحلة يتباطأ فيها توسعه بسبب الجاذبية. بعد مرحلة من شبه التوازن، يتولى الثابت الكوني مهمة التوسع: يتسارع التمدد. بالنسبة إلى جورج لوميتر Lemaître، فإن الثابت الكوني هو مكون أساسي للنظرية النسبية، وهي ضرورة منطقية وملاحظة. طور حجة مسبقة في ثلاث نقاط. أولاً، الثابت الكوني ضروري للحصول على مقياس زمني للتطور أكبر بكثير من مدة العصور الجيولوجية. تتنبأ نماذج الانفجار العظيم التي ليس لها ثابت كوني بأن العمر النظري للكون، المحسوب من معدل توسعه، أقصر من عمر النجوم، أو حتى من كوكبنا ... ثم، عدم الاستقرار إن موازنة الجاذبية الجاذبة والتنافر الكوني هي طريقة لفهم كيف استطاعت النجوم والمجرات أن تتشكل خلال فترة حوالي مليار سنة بعد الانفجار العظيم. وأخيرًا، يتم تعريف الطاقة الموجودة في الكون فقط إلى أقرب ثابت مضافة، لأن النسبية العامة لا توفر طريقة تعديل أثناء التغيير التعسفي في مستوى الصفر للطاقة. وفقًا لـلوميتر Lemaître، يسمح الثابت الكوني بإجراء هذا التعديل. منذ عام 1934 رأى العلاقة بين الثابت الكوني وميكانيكا الكموم الكوانتوم. في عيون Lemaître، تم تزيين الثابت الكوني بكل الفضائل. ومع ذلك، لم ينجح أبدًا في إقناع أينشتاين، الذي ذهب إلى حد القول إنه مع إدخال الثابت الكوني كان قد ارتكب أكبر خطأ في حياته.
غالبًا ما يتم تفسير هذا البيان الغريب من خلال حقيقة أن والد النسبية العامة كان سيشعر بالسعادة لأنه أفسد جمال نظريته من خلال إدخال مصطلح غير ضروري. وهذا ليس صحيحًا، لأنه في عام 1916 تصور أينشتاين وجود هذا المصطلح خارج السياق الكوني. في حاشية، أشار إلى أن معادلات مجال الجاذبية ليست عامة قدر الإمكان وأن هناك مصطلحًا إضافيًا متوافقًا مع هيكل نظريته. علاوة على ذلك، أظهر عالم الرياضيات الفرنسي إيلي كارتان في عام 1922 أن الشكل العام لمعادلات النسبية العامة يجب أن يتضمن بالضرورة ثابت تكامل مطابق للثابت الكوني، وقد عرف أينشتاين هذه النتيجة. لا، كان الخطأ الحقيقي الذي ارتكبه أينشتاين هو إعطاء المصطلح الكوني قيمة خاصة جدًا لإجبار نموذج الكون الخاص به على البقاء ثابتًا. من خلال القيام بذلك، فقد غاب عن اكتشاف الرأس المؤسس لعلم الكونيات في القرن العشرين: توسع الكون. كان أينشتاين مدركًا تمامًا لهذا الأمر، ويمكن للمرء أن يفسر قراره المفاجئ بالتخلي عن جميع الأبحاث في علم الكونيات من عام 1933 على أنها نتيجة لجرح احترام الذات!
تبقى الحقيقة أن تنصل والد النسبية سيحمل ثقله، وسيتبعه بقية مجتمع علماء الكونيات: على الرغم من حجج لوميتر Lemaître القوية لصالحه، سيظل الثابت الكوني في الخزانة لمدة ستين عامًا، لا سيما منذ عام 1998 لم يأت أي رصد فلكي مباشر لدعم وجوده.
فضائل الفراغ:
عانت فكرة الثابت الكوني أيضًا من تفسيرها من حيث طاقة الفراغ. في عام 1934، في وقت كانت فيه نظرية الكموم أو الكوانتوم لا تزال في مهدها، كان لوميتر أول من أخذ طاقة الفراغ في الاعتبار وربطها بالضغط السلبي لتفسير الثابت الكوني. لكن مساهمته ستظل متجاهلة تمامًا.
لم يكن حتى أواخر الأربعينيات من القرن الماضي، عندما رفض غالبية الفلكيين فكرة الثابت الكوني، بدأ علماء الفيزياء النظرية في استكشاف خصائص الفراغ. لقد بدأوا يدركون أن فكرة الفضاء الخالي أكثر دقة مما ظنوا. الفضاء ليس وعاء سلبي مملوء بالمادة والإشعاع، إنه كيان مادي وديناميكي له "خامة". وهذا الجسد هو طاقة الفراغ. يفترض الفيزيائيون مثل بول ديراك ، إنريكو فيرمي وريتشارد فاينمان أن ما نسميه "الفضاء الفارغ" هو ، بحكم مبدأ هايزنبرغ ، مليء بـ "الجسيمات الافتراضية" ، التي تظهر كحقيقة مادية فقط ، سريعة الزوال. يلعب الفراغ الكمومي دور البنك الذي يمكن استعارة الطاقة منه لإنشاء جسيم وجسيم مضاد لفترة قصيرة جدًا (بحيث لا يمكن رصدهما). تتناسب كمية الطاقة التي يمكن استعارتها بشكل عكسي مع مدة القرض. حتى أن التقلبات الكمومية للفراغ الكهرومغناطيسي لها مظاهر مجهرية، تنبأ بها عام 1948 الفيزيائي الهولندي هندريك كاسيمير، الذي أظهر أنها تسببت في قوة جذب بين لوحتي توصيل متوازيتين. سطحان موصلان تمامًا يفصل بينهما فراغ يجذبان بعضهما البعض. ينتج "تأثير Casimir" من تقلبات كمية عفوية للمجال الكهرومغناطيسي في الفراغ.
وبالتالي فإن الفراغ ليس شيئًا، فمن المحتمل أن يكون مليئًا بالطاقة. بتطبيق هذا المفهوم على علم الكونيات، بدأ الروسي إياكوف زيلدوفيتش Iakov Zeldovitch مرة أخرى في عام 1967، دون أن يقرأ لوميتر Lemaître، أن المصطلح يعادل حقل طاقة كامنة في مساحة فارغة. الثابت الكوني بطريقة ما هو "ديناميت" الفراغ.
بناءً على قوة هذه الإنجازات النظرية، اقترح عالما الكون آلان غوث وأندريه ليندي في عام 1979 أن طاقة الفراغ تسببت في مرحلة من "التضخم" في الكون البدائي للغاية: خلال فترة زمنية قصيرة جدًا بين 1036 وبعد 1034 ثانية من الإنفجار العظيم، كان الكون سينمو بشكل كبير، حيث تسارع توسعه بشكل كبير خلال هذه الفترة. تم قبول أنماط التضخم بسرعة، لكن علماء الفلك يواصلون تجاهل الثابت الكوني، الذي يعتبر غير مناسب لوصف الكون اليوم. فقط عالم الكونيات الكندي المولد جيمس بيبلز، الذي منح في عام 2019 جائزة نوبل، اقترح في أوائل الثمانينيات إعادة إدخال الثابت الكوني في نماذج الانفجار العظيم. يشير تطوير نظرية التضخم إلى أن هندسة المساحة القابلة للملاحظة يجب أن تكون قريبة جدًا من هندسة انحناء صفري. ومع ذلك، لا توجد مادة كافية في الكون للوصول إلى مثل هذه الهندسة. لذلك استدعي بيبلز قيمة عالية من الثابت الكوني لملء العجز.
أخطاء حساب طاقة الفراغ:
لدى الفيزيائيين الذين يعملون على مفهوم الطاقة الفراغية مشروع أكبر في الاعتبار ألا وهو: توحيد التفاعلات الأساسية. لهذا الغرض، يضطرون إلى إضافة مصطلحات إلى معادلاتهم، والتي تمثل حقولًا طبيعية جديدة تمامًا. اخترع علماء الرياضيات مفهوم المجال في القرن التاسع عشر للتعبير عن مدى اختلاف كمية معينة من نقطة إلى أخرى في الفضاء. تبنى الفيزيائيون على الفور هذه الفكرة لوصف كمومي كيف تتغير القوى، مثل الجاذبية والكهرومغناطيسية مع المسافة من المصدر. على سبيل المثال، ينبع حقل هيغز، الذي تم تسليط الضوء على بوزنه التوسطي بشكل تجريبي في سيرن في عام 2012، من نظرية الكهرباء الكهربائية التي قدمها شيلدون غلاشو وعبد سلام وستيفين واينبرغ لتوحيد التفاعلات الكهرومغناطيسية والنووية الضعيفة. تم اكتشاف بوزون هيغز في عام 2012 في سيرن بواسطة كاشف الأطلس. هنا يتم خيانة من خلال تفككها إلى أربع جزيئات (الحزم الزرقاء والحمراء). إنه وسيط المجال الكمومي (حقل هيغز) الذي يقيد قيمة طاقة الفراغ، وهو السبب المحتمل للتوسع المتسارع للكون.
ولكن هناك ثمن يجب دفعه لإدخال حقول كمومية جديدة: فهي تمنح حالة الفراغ طاقة كامنة هائلة، والتي تتصرف تمامًا مثل ثابت من النماذج الكونية. كما تنبأ لوميتر Lemaître، هذا هو المصطلح المثير للجدل الذي تم إنعاشه ببراعة بواسطة نظرية الكموم الكوانتوم! يبقى فقط الجهد اللازم لحساب قيمته في إطار النموذج القياسي أو المعياري لفيزياء الجسيمات. وهناك كارثة! هناك عدة طرق ممكنة للحساب، ولكن القيمة التي تم الحصول عليها في معظم الحالات أكبر 10122 مرة من تلك التي حددتها الملاحظة وعملية الرصد الفلكية، فجوة مذهلة للغاية، تسمى "أسوأ التنبؤ في جميع الفيزياء" ، أن عقلنا لديه صعوبة في استيعابها. مع مثل هذه الطاقة الفراغية الكبيرة، فإن كل المادة في الكون ستكون مشتتة على الفور، ولن تتشكل المجرات أبدًا.
من المفهوم أنه من المزعج، في نظر الفيزيائيين النظريين، أن أفضل نماذج التوحيد، التي من المفترض أن تقوم بتنبؤات فائقة الدقة في مجال الجسيمات الأولية، تؤدي إلى مثل هذه النتيجة الكونية الشاذة. هذا مثال متطرف على المشكلة الأساسية التي تؤثر على النموذج القياسي أو المعياري لفيزياء الجسيمات: نحن لا نفهم لماذا المعلمات أو الثوابت الثلاثون المجانية أو التي تعتمد عليها في كتابة قوانين الفيزياء لها هذه القيمة أو تلك.
بالنسبة للثابت الكوني، فقد حاول الفيزيائيون كل شيء لتقليل الفجوة من خلال اختراع النظريات "خارج النموذج القياسي". الأكثر دراسة هو التناظر الفائق (سوسي)، لذلك يطلق عليه لأنه يفترض تناظرًا بين الفرميونات (الجسيمات التي تشكل المادة) والبوزونات (التي تنقل التفاعلات). ولكن لا فائدة ترجى من ذلك فلاشيء يمكن أن تفعله، وفشلت تمامًا في حل المشكلة.
لإنقاذ الموقف اليوم، تخيل علماء الفيزياء العالية الطاقة أن الثابت الكوني قد لا يكون ثابتًا حقًا. على سبيل المثال، اقترح روبرت كالدويل ومعاونوه في عام 1998 وجود كيان جديد يمتص الفضاء تمامًا، تمامًا كما فعل الأثير في أرسطو، وهو عنصر خامس يسمى "الجوهر". وقد استخدم الباحثون هذا المصطلح لتطبيقه على مجال الطاقة الافتراضي الجديد هذا. هذا، الذي يُنسب إليه اختلاف بطيء للغاية، لا يزال يمكن تمثيله في نماذج الكون باستخدام المصطلح الكوني، والذي يتوقف بعد ذلك عن تعريفه على أنه ثابت. يمكن دائمًا تفسيره على أنه ما يبقى في الكون عندما نزيل كل المادة وجميع الإشعاع. وبهذا المعنى، فإن الجوهر يتوافق مع شكل معين من الفراغ، ولكنه أكثر مرونة من الثابت الكوني بسبب تغيره بمرور الوقت. قيمة هذا المجال، عالية للغاية في الكون البدائي (وبالتالي بالاتفاق مع حسابات علماء الفيزياء عالية الطاقة)، ستنخفض جدًا خلال التطور الكوني، وفقًا للقيمة التي يقيسها علماء الفلك اليوم. نهج آخر هو أن نظرية الأوتار، امتداد للتناظر الفائق يهدف إلى تضمين وصف للجاذبية. يتعلق أحد أكثر مقترحاته المدهشة بالكون المتعدد. يأمل أنصارها الأكثر حماسة (والمعلن عنها) مثل ليونارد سوسكيند، أو برايان غرين، أو ماكس تيغمارك، في تحويل الفشل التوضيحي إلى خفة اليد الباهظة: إذا لم نفهم القيم التي تأخذها الثوابت الأساسية في كوننا، يكفي أن نفترض أن كوننا ينتمي إلى مجموعة غير محدودة تقريبًا من الأكوان المتعددة من الأكوان المتوازية، ويتم تزويد كل منها بمعلمات وخصائص موزعة بشكل عشوائي. في "الطروحات " المتعددة الأكوان، يكون الثابت الكوني كبيرًا بشكل غير عادي في معظم الحالات، ولكن لا بد من وجود عالم بعيد الاحتمال تمامًا حيث يكون صفرًا تمامًا، وآخر غير محتمل حيث يكون له "قيمة جيدة" - ومنها كوننا بالطبع.
تعد النظرية M، وهي امتداد لنظرية الأوتار التي اقترحها إدوارد ويتن، بالمزيد. وفقًا لمؤيديه، في عالم "الأغشية" متعدد الأبعاد من النظرية، يمكن استيراد الطاقة المظلمة المقاسة في غشاء الكون لدينا من الأبعاد الإضافية لـ "المصفوفة" التي ننغمس فيها. يرى باحثون آخرون أصل التنافر الكوني في تفاعلات الغشاء المحتملة - وهو ما يعني القضاء على كل الطاقة المظلمة. هذا لا يلقي أي ضوء على المشكلة، إذا تذكرنا أن النظرية M أكثر غموضاً بكثير من الطاقة المظلمة، والتي لها على الأقل تأثيرات ملحوظة على سرعة التوسع الكوني!
كما نرى، لا تحل أي من هذه النظريات الجديدة، المذهلة كما هي، الصعوبات بشكل أفضل من الإصدارات السابقة من الطاقة الأقل. فهي مثلهم، تدفعهم إلى الخلف قليلاً في كل مرة ، وبالتالي تنفر الخيال الذي يبتكرونه: خيال فيزياء موحدة تمامًا تكون قريبة من الانتهاء.
عند هذه النقطة، يتساءل المرء ما إذا كان لا بد أن يؤدي اكتشاف التسارع الكوني إلى العديد من الالتواءات النظرية. من ناحية، قد يعتقد المرء أن الأمر يتطلب المزيد من الخيال والإبداع لإخراج الفيزياء النظرية مما يعتقد أنه طريق مسدود. من ناحية أخرى، من المشكوك فيه ما إذا كانت الفيزياء الحالية لا تعاني من فائض الخيال مقارنة بعجز البيانات التجريبية.
وبين هذين الموقفين، تذكر أن ظاهرة التسارع الكوني يمكن وصفها ببساطة من خلال الثابت الكوني الكلاسيكي لمعادلات أينشتاين، دون استدعاء الفيزياء الجديدة. ومع ذلك، لمجرد أنه أبسط تفسير لا يعني أنه التفسير الصحيح. لذا، إذا لم يكن الثابت الكوني مرتبطًا بالفراغ الكمومي الذي يسبب التسارع الملاحظ للتوسع الكوني، فما هو السبب؟ والمشكلة المثارة هي التوافق بين الوصف الكلاسيكي للفضاء والزمان والجاذبية مع الكم من المادة: الطبيعة الغامضة للطاقة المظلمة توحي بأن شيئًا ما مفقود. أساسي في فهمنا للكون المادي. على هذا النحو، يمكن أن يكون توضيحها بمثابة دليل حول كيفية تطوير نظرية جيدة للجاذبية الكمية théorie de la gravitation quantique..
7
تعقب الطاقة المظلمة:
هل يمكننا إذن تخيل أجهزة تجريبية قادرة على تقييد نماذج الطاقة المظلمة المختلفة بشكل أفضل؟ يتميز هذا النهج بالضغط السلبي. هذا الأخير يعادل في الواقع التوتر، تمامًا مثل الأشياء المرنة والينابيع وألواح المطاط، عند الضغط عليها، يتم توجيه ضغط سلبي إلى الداخل.
يظهر أنه عندما يكون الضغط أقل من ثلث كثافة الطاقة، فإن قوة الجاذبية تتغير وتصبح منفرة. المعلمة الرئيسية هي معادلة الحالة، والتي تشرح العلاقة بين ضغط p للطاقة المظلمة وكثافة طاقتها ρ في الشكل p = w ρ c2، حيث w هي معلمة اعتمادًا على طبيعة الطاقة. للحصول على طاقة طاردة، يجب أن يكون w سالباً وأقل من - 1/3.
كما شهد لوميتر Lemaître في عام 1934، فإن الثابت الكوني أو الفراغ الكمي يتميز بـأن w = - 1، وبالتالي فهو طارد للمادة بشدة. الأشكال الأخرى للطاقة المظلمة، مثل النماذج المثالية، لها قيم تتراوح بين - 1 و - 1/3. يتميز الشكل الأكثر تطرفا للطاقة البغيضة، المسمى "طاقة الأشباح" بـ w <- 1. تسمح المرونة النظرية أيضا لمعادلة الحالة بالتغير بشكل تعسفي بمرور الوقت.
وضع علماء الفلك برامج رصد طموحة قد تقيد القيم المحتملة لـ w، وبذلك نماذج الطاقة المظلمة المختلفة. القيمة الحقيقية للثابت الكوني أمر في غاية الأهمية بالنسبة لعلم الكونيات لأن المستقبل الطويل جدا لكوننا يعتمد بالكامل عليه. إذا تبين أن المعلمة w قريبة جدًا من - 1، فإن نظرية النسبية العامة وثابتها الكوني ستأخذ في الاعتبار معدل تمدد الكون ووجود الطاقة المظلمة. من ناحية أخرى، فإن قيمة مختلفة بشكل كبير قد تعني إما وجود شكل آخر من أشكال الطاقة المظلمة أو الحاجة إلى مراجعة نظرية النسبية العامة ... يعتمد تطور الكون بشكل أساسي على الكثافة الكلية للمادة والطاقة التي يحتويها. عندما يقوم علماء الفيزياء الفلكية بجرد جميع أشكال المادة والطاقة، فإنهم يواجهون عددًا من المضاعفات. هيمنت أشكال مختلفة من الطاقة بدورها على مسار التطور الكوني وفرضت ديناميكياتها، أي الاختلاف مع مرور الوقت لعامل المقياس المكاني R، يمكننا على سبيل المثال تحديد نصف قطر الكون المرئي. هناك أربع مراحل. الأولى، التي ما زالت افتراضية، هي الفترة القصيرة للغاية للتضخم، حيث كان من الممكن أن يتوسع R بشكل كبير. خلال هذه الفترة تم إنشاء المادة. في المرحلة الثانية، سيطر الإشعاع، ولكن مع انخفاض كثافة الطاقة مع R - 4 بينما زادت R، تم استبدالها في المرحلة الثالثة بالمادة التي تنخفض كثافتها فقط مثل R - 3. ولأسباب مماثلة، كانت الطاقة المظلمة في المرحلة الرابعة تستغرق أكثر من 7 مليار سنة وتهيمن على الكون الحالي. بات تأثيرها الأهم هو تسريع التوسع، ولكن بسرعة أقل من خلال التضخم. لا أحد يعرف إلى أين سيقودنا ذلك، لأننا لا نعرف طبيعتها الحقيقية أو ماهيتها ولا نعرف قانون الاختلاف مع مرور الوقت. ومع ذلك، يمكن تحديد ثلاثة سيناريوهات.
ستسيطر الطاقة المظلمة المستمرة بشكل متزايد على توازن الطاقة في الكون، وسيستمر التوسع الملحوظ في الفضاء في التسارع حتى يصبح أسيًا. ستنكسر الهياكل غير المتصلة بالفعل بالجاذبية وستنتقل أجزائها بعيدًا عن بعضها البعض بسرعات واضحة أكبر من سرعة الضوء. سوف يمنعنا التسارع في نهاية المطاف من مراقبة أجزاء كبيرة من الكون هي مرئية اليوم. ومع ذلك، ستبقى الهياكل المرتبطة بالجاذبية، مثل المجرات والأنظمة الكوكبية، كذلك. لذا فإن النظام الشمسي أو مجرة درب التبانة سيظلان في الأساس كما هما الآن، في حين يبدو أن بقية محتويات الكون تفر منا. هذا السيناريو المسمى التجلد الكبير "Big Chill" أو الكون الجليدي هو الأكثر معقولية أو احتمالية في الوضع الراهن لمعرفتنا ومعلوماتنا العلمية.
مع تناقص كثافة الطاقة المظلمة في المستقبل (هذا هو النموذج المثالي)، يمكن أن تصبح المادة مهيمنة مرة أخرى. سوف ينمو الأفق الكوني، ويكشف عن جزء أكبر من الكون. سوف تسود الثقالة الجاذبة مرة أخرى ولن يتوقف التوسع عن التسارع فحسب، بل سينعكس وسيتقلص الكون ككل ليختفي في "أزمة كبيرة"، الانكماش الكبير يمكن أن يحدث بعد 18 مليار سنة.
إذا زادت الطاقة المظلمة بمرور الوقت، أو إذا كانت تهيمن عليها طاقة الأشباح البغيضة للغاية، فسوف تتسع المساحة بمعدل متزايد باستمرار، وسيتم تسريع نفسها. في هذه الحالة، ستكون النتيجة "Big Rip" التمزق الكبير، والذي سيحدث عندما يصبح التسارع لانهائي بعد وقت محدود. كل المادة في الكون، حتى الذرات، سوف تتمزق بسبب تمدد الفضاء. وفقا لأقصى سيناريو، سيحدث هذا الحدث في "بالكاد" بعد 22 مليار سنة. أولاً، سيتم فصل المجرات عن بعضها البعض وستذوب العناقيد. قبل حوالي 60 مليون سنة من التمزق الكبير، ستكون الجاذبية أضعف من أن تحافظ على تماسك مجرتنا، التي ستنتشر؛ قبل ثلاثة أشهر، سيتمزق النظام الشمسي. في الدقائق الأخيرة، سيتم تمزيق النجوم والكواكب، وقبل 10-19 ثانية، سيتم تدمير الذرات والأنوية نفسها، تاركةً الكون فارغًا بدون بنية.
هل نحن إزاء نهاية علم الكونيات التقليدي وبدء علم كونيات ثوري جديد؟ هذا مايعتقده الكثير من العلماء.
نهاية علم الكونيات:
إن تمدد الكون يمحو وراءه آثار الانفجار العظيم، لدرجة أن علماء الكونيات في المستقبل البعيد سيشكلون رؤية لتاريخ كوني مختلف تمامًا عن تاريخنا.
قبل 100 عام، كانت مقالة " من أجل العلم «حول تاريخ الكون وبنيته خاطئة تمامًا. في عام 1911، اعتقد العلماء أن مجرتنا تتكون من الكون بأكمله أي هي الكون. لقد رأوا ذلك على أنه "الكون - الجزيرة"، مجموعة من النجوم المعزولة محاطة بفراغ لانهائي. نحن نعلم اليوم أن مجرة درب التبانة ليست سوى واحدة من 400 مليار أخرى في الكون المرئي. في عام 1911، تصورنا الكون الأبدي والثابت. لم يشك أحد في أنه ولد من بقعة كبيرة كثيفة وساخنة، الانفجار الكبير، وتوسعت منذ ذلك الحين. لم تكن لدينا فكرة أن العناصر الكيميائية تم تصنيعها خلال اللحظات الأولى بعد الانفجار العظيم، ثم في قلب النجوم. إن توسع الفضاء وانحنائه المحتمل بسبب وجود المادة لم يحدث في أذهان الفيزيائيين. كان لا بد من اكتشاف الإشعاع الأحفوري المنتشر، وهو صورة شبحية للحظات الخلق الأخيرة، لانتظار تطوير تقنيات راديو مصممة ليس لاستكشاف ضخامة المكان والزمان، ولكن للهاتف.
لقد تغيرت بعض مجالات المعرفة البشرية في القرن بقدر تغير علم الكونيات، وقد غيّر هذا التطور رؤيتنا للعالم بشكل عميق. ولكن هل يجب أن تعكس علوم المستقبل دائمًا معرفة تجريبية أكثر مما كانت عليه في الماضي؟ في المقاييس الزمنية الكونية، قد يكون الجواب لا. نحن نعيش بلا شك في الحقبة الوحيدة في التاريخ الكوني عندما نتمكن من اكتساب فهم دقيق للكون.
لقد كان اكتشافًا ساحقًا، تم إجراؤه قبل أكثر من عشر سنوات، أثار تفكيرنا. أظهر فريقان منفصلان من علماء الفلك أنه على مدى الخمسة مليارات سنة الماضية، تسارع توسع الكون، الذي كان يعتقد أنه موحد، في الواقع. سيكون مصدر هذا التسارع في التوسع شكلًا جديدًا من الطاقة ذات طبيعة غير معروفة، والتي تتصرف على عكس الجاذبية: الطاقة المظلمة (انظر الطاقة المظلمة وبدائلها، بقلم G.Börner ، الصفحة 100). يشير معدل تسارع التوسع الكوني إلى أن الفراغ الكوني يحتوي على طاقة أكثر بثلاث مرات تقريبًا من جميع الهياكل والمجرات والعناقيد والمجموعات الفائقة للمجرات، بما في ذلك المادة المظلمة. ومن المفارقات أن ألبرت أينشتاين افترض أولاً وجود هذا الشكل من الطاقة بإضافة مصطلح في معادلاته للسماح للكون بأن يكون ساكنًا وهو: الثابت الكوني.
الطاقة المظلمة لها تأثير كبير على مستقبل الكون. مع غلين ستاركمان من جامعة كيس ويسترن ريزيرف في كليفلاند بولاية أوهايو، اكتشف أحد العلماء وهو لورنس كراوس (L.Krauss) آثارها وتأثيرها على مصير الحياة في الكون. التكهن ليست جيد. يصبح الكون المتوسع والمتسارع في توسعه، عاجلاً أم آجلاً غير مضياف للغاية: على الرغم من أن الحد الذي لا يمكن لأي إشعاع أو مادة أن يصل إلينا - الحد المسمى "أفق الحدث" - يتراجع بمرور الوقت، فإنه ينمو بسرعة أقل من الكون الذي لا يتمدد. يعني هذا الاكتشاف أن الكون المرصود لا يحتوي إلا على كمية محدودة من المعلومات، وبالتالي فإن معالجة المعلومات (والحياة) لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية.
قبل وقت طويل من هذا القيد من حيث المعلومات يشكل مشكلة، فكل المواد المتوسعة في الكون قد تم سحبها إلى ما وراء أفق الحدث. تمت دراسة هذه العملية من قبل أبراهام لوب وكينتارو ناجامين من جامعة هارفارد بواسطة عملية محاكاة حاسوبية. لقد أظهروا أن المجموعة المحلية من المجرات (درب التبانة وأندروميدا وسلسلة من المجرات القزمة) ستندمج في النهاية وتشكل مجموعة ضخمة من النجوم. ستختفي كل المجرات الأخرى في طي النسيان خارج أفق الأحداث. ستستغرق هذه العملية حوالي 100 مليار سنة، والتي قد تبدو لفترة طويلة، ولكنها قصيرة جدًا مقارنة بالخلود! كون يتجاوز إلى حد كبير أفقنا.
ما الذي يمكن لأحفادنا البعيدين - أو كائنات أخرى - الذين سيعيشون في هذه الكتلة الفائقة أن يفهموا من تاريخ الكون؟ للإجابة على هذا السؤال، دعونا نعود إلى أسس فهمنا الحالي للكون. الركيزة الأولى هي نظرية النسبية العامة لأينشتاين. لما يقرب من 300 عام، كانت نظرية نيوتن للجاذبية الكونية بمثابة الأساس لكل علم الفلك تقريبًا. تصف وتتنبأ بحركة الأجسام من مقياسنا إلى المجرات، ولكنها لم تعد كافيا لوصف الكون على نطاق واسع جدا. عالجت نظرية النسبية العامة هذا التحدي. بعد وقت قصير من نشر آينشتاين في عام 1916 لمعادلات النسبية العامة، حل الفيزيائي الهولندي ويليم دي سيتر المعادلات لنموذج مبسط للكون، يدمج الثابت الكوني. بدا أن أعماله تعيد إنتاج رؤية الكون المهيمن في ذلك الوقت: جزيرة - مجرة مغمورة في فراغ ثابت كبير.
أدرك علماء الكون بسرعة أن هذا الجمود كان تفسيرًا خاطئًا. في الواقع، كان عالم دي سيتر De Sitter يتوسع باستمرار. كما أظهر الراهب والعالم البلجيكي جورج لوميتر Georges Lemaître لاحقًا، فإن معادلات آينشتاين تتنبأ بعدم وجود الكون الثابت والمتجانس اللانهائي. مثل هذا الكون يجب أن يتوسع أو يتقلص. من هذه الملاحظة ولدت نظرية الانفجار الكبير، كما صرنا نسميها لاحقًا.
الركيزة الثانية أقيمت في 1920، عندما سلط علماء الفلك الضوء على توسع الكون. أول من لاحظ مثل هذه التأثيرات كان فيستو سليفر Vesto Slipher. قام هذا الفلكي الأمريكي بقياس سرعة حركة المجرات القريبة من خلال فحص طيفها الضوئي. مثلما تصبح صفارات الإنذار تقترب أكثر حدة، فإن الضوء المنبعث من النجوم التي تقترب من الأرض يقصر طوله الموجي. وبالتالي يتم تحويله إلى اللون الأزرق. على العكس من ذلك، تمدد موجات الضوء من الأجسام التي تتحرك بعيدًا، وبالتالي تتحول نحو الأحمر. من خلال قياس تحول مماثل في الضوء المنبعث من المجرات البعيدة، تمكن سليفر Slipher من تحديد أن كل هذه المجرات تقريبًا تتحرك بعيدًا (لقول الحقيقة، في ذلك الوقت، كان من غير الواضح ما إذا كانت هذه البقع الضبابية من الضوء مجموعات من النجوم المستقلة أو غيوم بسيطة من الغاز تقع في مجرتنا). بدا أننا في مركز حركة توسع عالمية.
لا يُعزى اكتشاف توسع الكون بشكل عام إلى سليفر، ولكن إلى عالم الفلك الأمريكي إدوين هابل. لم يحدد هابل سرعات المجرات القريبة فحسب، بل حدد أيضًا مسافاتها. استنتج استنتاجين يبرران سمعته السيئة. أولاً، أظهر هابل أن هذه المجرات بعيدة جدًا بحيث يجب أن تكون مجموعات مستقلة من النجوم، تشبه مجرتنا. ثم اكتشف علاقة بسيطة بين مسافة المجرات وسرعة هروبها: وتتناسب هذه السرعة بشكل مباشر مع بعدها. مجرة واحدة ضعف ما تتحرك أخرى مرتين بسرعة. تشير هذه العلاقة بين المسافة والسرعة إلى أن الكون يتوسع (في الواقع، في سياق النسبية العامة، لا ينتج الانزياح الأحمر من سرعة التنقل الفعلي للمجرات، ولكن من التوسع من المساحة التي تحملها). الأركان الأربعة للانفجار الكبير:
تم تحسين قياسات هابل منذ ذلك الحين، مؤخرًا من خلال ملاحظة المستعرات العظمى البعيدة، مما أدى إلى اكتشاف أن التوسع يتسارع (وبالتالي فإن علاقة التناسب هذه لم تكن دائمًا ثابتة بمرور الوقت).
الركيزة الثالثة للنموذج الكوني هي الخلفية الكونية الإشعاعية الميكروية المنتشرة، وهو إشعاع ضعيف بالميكروويف اكتشف بالصدفة عام 1964 من قبل الفيزيائيين أرنو بينزياس وروبرت ويلسون من مختبرات بيل، أثناء دراسة مصادر التداخل الراديوي. تم تحديد هذا الإشعاع بسرعة على أنه من بقايا أقدم ضوء منبعث في تاريخ الكون. لقد كان تأكيدًا على أن الكون مر في مرحلة كثيفة وساخنة وأنه قد برد وخفف منذ ذلك الحين.
الركن الأخير من الانفجار الكبير هو تركيب النوى البدائي. كان الكون البدائي، الحار جدًا والكثيف جدًا، في ظروف مثالية لحدوث الاندماج النووي. عندما كانت درجة حرارة الكون تتراوح بين مليار وعشرة مليارات درجة، يمكن أن تندمج أخف النوى الذرية لتشكيل نوى أثقل. هذا التوليف من النوى الذرية يمكن أن يعمل فقط لبضع دقائق، قبل أن تصبح درجة حرارة الكون منخفضة للغاية. اقتصر التخليق النوى على العناصر الأخف. تم إنتاج معظم الهليوم في الكون في ذلك الوقت من نوى الهيدروجين (البروتونات)، تمامًا مثل الديوتريوم، أو الهيدروجين الثقيل. تتوافق قياسات نسب الهيليوم والديوتريوم مع تنبؤات نموذج التخليق النووي. هذا يدعم النظرية ويجعل من الممكن تحديد وفرة البروتونات والنيوترونات في الكون بدقة.
التوسع يمحو مساراته خلفه:
هل أعمدة المراقبة هذه خالدة؟ وبعبارة أخرى، ماذا سيرى علماء الفلك في المستقبل عندما يمسحون السماء في 100 مليار سنة؟ بالعين المجردة، سيرون نفس الشيء تقريبًا مثل اليوم: نجوم مجرتنا. ستستهلك أكبر النجوم - ألمعها - كل وقودها النووي، لكن مجموعة من النجوم الأصغر ستستمر في إضاءة سماء الليل. سيظهر الفرق الكبير من خلال المقاريب القادرة على الكشف عن المجرات خارج مجرتنا: لن يروا أيًا منها! ستكون المجرات المجاورة قد اندمجت مع درب التبانة لتشكيل مجرة ضخمة واحدة، وستختفي جميع المجرات الأخرى تقريبًا، بعد أن تجاوزت أفق الأحداث. لن يكون هذا الاختفاء مفاجئًا، بل تدريجيًا، بسبب النمو التدريجي للتحول الأحمر.
عندما تصبح جميع الأجسام الأخرى في الكون غير مرئية تمامًا من مجرتنا، لن يعيد أحد اكتشاف توسع الكون. ستختفي كل المادة في الكون الآخذ في الاتساع خلف الأفق، وكل ما سيبقى مرئيًا سينتمي إلى مجموعة ضخمة من النجوم المرتبطة بالجاذبية. بالنسبة لهؤلاء الفلكيين في المستقبل، سيبدو الكون المرئي بشكل مدهش مثل كون - الجزيرة في أوائل القرن العشرين: مجموعة كبيرة واحدة من النجوم، ثابتة وأبدية، محاطة بمساحة فارغة.
تظهر تجربتنا الخاصة أنه حتى مع المعلومات، يصعب تطوير نموذج كوني جيد. بين عامي 1940 ومنتصف الستينيات، على سبيل المثال، عندما اعتمد صرح علم الكونيات في الرصد فقط على اكتشاف توسع الكون، تمسك بعض الفلكيين بفكرة الكون الأبدي في اقتراح نموذج الكون الثابت وكان آينشتاين موافقاً على ذلك. في هذا السيناريو، يتم إنشاء المادة مع توسع الكون، بحيث، بشكل عام، لا تتغير كثافته بمرور الوقت. أثبتت هذه الفكرة أنها طريق مسدود، لكنها توضح أن المفاهيم الخاطئة يمكن أن تتطور في غياب بيانات الرصد المناسبة.
ما هو الدليل الآخر على الانفجار الكبير الذي سيحصل عليه علماء الفلك في المستقبل؟ هل ستسمح لهم الخلفية الكونية الميكروية باستكشاف ديناميكيات الكون؟ للأسف لا. مع توسع الكون، تمتد أطوال موجات الإشعاع المنتشر ويخفف الإشعاع. عندما يبلغ عمر الكون 100 مليار سنة، فإن متوسط طول الموجة للخلفية المنتشرة سيكون بترتيب متر - وهو ما يتوافق مع موجات الراديو بدلاً من الموجات الميكروية - وستكون شدته 1000 مليار مرات أقل. سيكون من الصعب للغاية اكتشافه. ستكون خلفية إشعاعية منتشرة لا يمكن ملاحظتها أو رصدها في المستقبل البعيد، ستصبح خلفية الميكروويف الكونية غير قابلة للرصد. في مجرتنا، تمتلئ المساحة بين النجوم بالغاز المتأين. لا يمكن أن تمر الموجات الراديوية منخفضة التردد عبر هذا الغاز: فهي تنعكس أو تمتص (بنفس الطريقة التي تنعكس في بعض الأحيان على الأرض بواسطة الأيونوسفير - بين 60 و800 كيلومتر فوق مستوى سطح البحر)، مما يسمح لاستقبال البث الإذاعي بالتضخيم البعيد بعيداً عن مصادره).
لا يمكن لجميع موجات الراديو بترددات أقل من كيلوهرتز واحد - أو ما يعادل أكثر من 300 كيلومتر - دخول مجرتنا. علم الفلك الراديوي تحت الكيلو هرتز يغدو من المستحيل داخل مجرتنا. في الوقت الذي يبلغ فيه الكون حوالي 25 مرة من عمره الحالي، سيكون طول الموجة للخلفية المنتشرة قد تجاوز 300 كيلومتر. هذا الإشعاع غير قابل للكشف لسكان مجرتنا. وقبل ذلك، فإن التفاوتات الصغيرة في درجة الحرارة في الإشعاع المنتشر، والتي وفرت معلومات مهمة لعلماء الكونيات، سوف تكون ضعيفة للغاية بحيث لا يمكن دراستها.
ستخضع مراقبة المجرات البعيدة لنفس القيود. سوف تجعل الأطوال الموجية المتزايدة للإشعاع المنبعث من هذه المجرات من الصعب ملاحظتها وستجعلها تختفي تدريجياً. سيصبح تحولهم إلى الأحمر بلا حدود مع اقترابهم من الأفق. حسب حساب لورنس كراوس L. Krauss و ج ستاركمان G. Starkman أنه سيتجاوز 5000 لجميع المجرات في غضون 100 مليار سنة (في الوقت الحالي، فإن المجرة البعيدة المعروفة لديها انزياح أحمر يبلغ حوالي ثمانية، والقاع الانتشار الكوني، من حوالي 1100). في غضون 10000 مليار سنة، سيصل التحول الأحمر لهذه المجرات إلى قيمة لا تحصى وهي 1053! في ذلك الوقت، سيتم تحويل الأشعة الكونية الأكثر نشاطًا إلى اللون الأحمر بحيث يكون طول موجتها أكبر من حجم الكون المرئي.
سوف تغرق العناصر البدائية في الكتلة. هل يمكن لعلماء الكون في المستقبل البعيد اكتساب المعرفة عن الانفجار العظيم بملاحظة وفرة العناصر الكيميائية المختلفة؟ مرة أخرى ، على الأرجح لا. تستند صورة التخليق النووي البدائي الذي رسمناه إلى حقيقة أن نسبة الديوتريوم والهيليوم في الكون لم تتغير كثيرًا منذ إنتاجها، قبل 13.8 مليار سنة. على سبيل المثال، يمثل الهيليوم الذي يتم إنتاجه أثناء عملية تصنيع النوى البدائية 24 في المائة من الكتلة الكلية للمادة. على الرغم من أن النجوم تنتج الهليوم داخلها من خلال تفاعلات الاندماج النووي، إلا أنها لم تغير هذه النسبة بأكثر من نسبة مئوية قليلة منذ ذلك الحين. اقترح فريد آدامز وغريغوري لافلين من جامعة ميشيغان في آن أربور أن هذا الكسر قد يرتفع إلى 60 في المائة بعد عدة أجيال من النجوم. في المستقبل البعيد، سيغرق الهيليوم البدائي بعد ذلك في الهيليوم الذي تنتجه الأجيال المتتالية من النجوم.
حاليا، العلامة الأكثر موثوقية لدراسة التخليق النووي هي الديوتريوم. تأتي القياسات الأكثر دقة لوفرة الديوتريوم البدائي من مراقبة السحب الهيدروجينية المضاءة بواسطة النجوم الزائفة، ومصادر مشرقة وبعيدة للغاية، والتي سيتم تغذيتها من خلال الثقوب السوداء الهائلة. ومع ذلك، في المستقبل البعيد، ستكون هذه السحب الهيدروجينية، مثل الكوازارات، قد انتقلت إلى الجانب الآخر من أفق الحدث، أي إلى ما وراء الأفق الكوني، وبالتالي ستضيع وتغدو غير قابلة للقياس. يمكن ملاحظة الديوتريوم المجري فقط. ومع ذلك، تدمر النجوم الديوتريوم خلال دورة حياتها، لذلك لن تبقى سوى نسبة صغيرة. بالإضافة إلى ذلك، حتى لو لاحظ علماء الفلك في المستقبل الديوتيريوم، فلن يربطوه بالضرورة مع الانفجار الكبير: التفاعلات النووية التي تنطوي على جزيئات حيوية كونية، يشتبه اليوم بأنها مصدر محتمل لجزء صغير من لاحظ الديوتيريوم، ربما سيشكل أصلًا أكثر احتمالًا أو مقبولية. بالتأكيد، في المستقبل، لن تمثل وفرة العناصر الخفيفة دليلاً مباشراً على الانفجار الكبير، ولكن بفضل هذا، ستختلف كوزمولوجيا المستقبل عن علم الكونيات منذ قرن على نقطة واحدة على الأقل: سيتمكن الفلكيون والفيزيائيون النوويون من استنتاج أن النجوم تحصل على طاقتها من التفاعلات النووية. وحتى إذا تخيلوا - خطأ - أن كل الهليوم المرصود هو نتاج أجيال سابقة من النجوم، فيمكنهم استنتاج حد أعلى لعمر الكون. وهكذا يمكن لعلماء المستقبل أن يستنتجوا أن الكون ليس أبديًا. لكن الأنساب من المادة سيظل محاطًا بالغموض.
ماذا عن الفكرة الكامنة وراء هذه المقالة، التي تتنبأ بها نظرية النسبية العامة لأينشتاين بأن الكون يتوسع؟ يجب أن يتمكن رجال المستقبل البعيد، مثلنا، من اكتشاف نظرية النسبية العامة من القياسات الدقيقة لظواهر الجاذبية التي تحدث في نظام النجوم الخاص بهم. لكن استخدام هذه النظرية لبناء نموذج كوني يعتمد على مراقبة الهياكل العظيمة للكون.
بدون التجانس، من المستحيل تطبيق النسبية العامة:
تتنبأ نظرية آينشتاين بتوسع الكون فقط على افتراض أنه متجانس على نطاق واسع - وهي فرضية يعارضها البعض أيضًا (انظر علم الكونيات غير المتجانسة، بقلم T. Clifton و P. Ferreira، الصفحة 106). على أي حال، بالنسبة لأحفادنا البعيدين، سيبدو الكون غير متجانس! كما ذكرنا، سيشبه كون رؤية دي سيتر De Sitter المعزولة. ستنهار هذه المجرة في النهاية إلى ثقب أسود. سيكون هذا مصير الكون المرئي.
ألن يكون هناك طريقة لنسلنا لنرى توسع الكون؟ في الواقع، لا يزال هناك تأثير خفي للنسبية العامة يمكن أن يخون هذا التوسع: يجب أن ينبثق أفق الحدث عن إشعاع يتوافق مع درجة حرارة منخفضة بشكل غير عادي، حوالي 10-30 كلفن. حتى لو اكتشف الفلكيون المستقبليون هذا الإشعاع، فمن المحتمل أن يعزوه إلى مصدر محلي آخر للضوضاء. يمكن للمراقبين الطموحين أيضًا إرسال مجسات خارج مجرتنا واستخدامها كنقاط مرجعية للكشف عن التوسع الكوني. يبدو أن وجود فكرة مسبقة غير مرجح بالفعل، ولكن وضعها موضع التنفيذ أمر غير واقعي: ستستغرق المسابر مليارات السنين، على الأقل، للوصول إلى مسافة بحيث يؤثر التوسع بشكل كبير على سرعتها. بالإضافة إلى ذلك، نظرًا للمسافة، سيحتاج المسبار إلى طاقة مماثلة لطاقة النجم لإبلاغ نتائجه.
وبالتالي، فإن مراقبي المستقبل سوف يتنبأون بلا شك بأن مصير الكون سينتهي في شكل انهيار محلي - أو "انكماش كبير"، بدلاً من التوسع إلى الأبد تحت تأثير الثابت الكوني. بدلاً من الموت بلطف، سيموت كونهم المحدود مثلما يحدث مع تحطم الطائرة.
تقودنا هذه الانعكاسات إلى استنتاج غريب للغاية: قد تكون نافذة الزمن التي يمكن خلالها للمراقبين الأذكياء تخمين الطبيعة الحقيقية لكوننا الآخذ في التوسع محدودة. إذا استمرت الحضارات المستقبلية في الوصول إلى أرشيفاتها التاريخية القديمة، فقد تكون هذه المقالة جزءًا منها. أنهم يعتقدون أنها قصة أخرى. أما بالنسبة للحضارات التي لا تحتوي على مثل هذه المحفوظات، فسيُحكم عليها بالبقاء في جهل الانفجار الكبير إلى الأبد.
ولكن ما الذي يجعل الكون الحالي خاصًا جدًا؟ اقترح العديد من العلماء أن حقيقة وجود الحياة تساعد على الفرز بين الأكوان الممكنة والقضاء على تلك التي لا تتوافق مع وجودنا. يفسر هذا "المبدأ الإنساني الأنثروبي" المصادفة الزمنية التي نوقشت هنا (انظر كون آخر ممكن؟، بقلم أ. ريازويلو، الصفحة 114). ومع ذلك، نقترح تفسيرًا مختلفًا.
من ناحية، من المحتمل ألا تكون هذه هي المرة الأولى التي يتعذر فيها الوصول إلى المعلومات حول الكون من خلال التوسع المتسارع. إذا حدثت فترة وجيزة من التوسع المتسارع، أو التضخم، في الكون البدائي، كما يعتقد اليوم، فإن جميع الأنماط والهياكل المتعلقة بالمادة والطاقة الموجودة تقريبًا كانت لا رجعة فيها تمحى في الكون المرئي الحالي. في الواقع، كان أحد الدوافع الأولية لنماذج التضخم هو التخلص من الشذوذ الكوني، مثل الأقطاب الأحادية المغناطيسية، التي ربما كانت موجودة بكثرة في الماضي.
من ناحية أخرى، على الرغم من أننا محظوظون للعيش في عصر تؤدي فيه الملاحظات والمشاهدة والرصد بشكل طبيعي إلى نظرية الانفجار الكبير، فإن جوانب أخرى من الكون ربما أصبحت غير قابلة للرصد اليوم. ماذا فقدنا بالفعل؟ لا يوجد ما يقال إننا لن نكتشف يومًا ما - هذه الرؤية المتفائلة، لأننا أيضًا لم نتمكن من تحقيقها أبدًا - أن فهمنا الكامل للكون على ما يبدو يترك شيئًا مطلوبًا أو مرغوباً.
أدى تعاقب أجيال من النجوم إلى زيادة التعقيد الكيميائي للكون تدريجيًا. كانت النجوم الأولى تتكون من الهيدروجين والهيليوم، وهما العنصران المهيمنان في الكون. من خلال الاندماج النووي لأجيال من النجوم، يسمح اندماج الهيدروجين في ذرات أثقل (وجود أكثر من بروتونين في نواتهم) ما أدى إلى ظهور ذرات الكربون أو النيتروجين أو الأكسجين أو ذرات السيليكون.



#جواد_بشارة (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المستجدات الكونية
- كتاب جديد للدكتور جواد بشارة بعنوان الكون الجسيم والكون المت ...
- عرض لكتاب ألغاز ميكانيك الكموم العجائبية ملامح أولية لنظرية ...
- من الذي سيحكم العراق؟
- هل الكون المرئي مخلوق أم جزء من كينونة مطلقة ولانهائية؟
- هل يمكن للعلم أن يثبت وجود أو عدم وجود الله؟
- تفاصيل في قضية اغتيال قاسم سليماني
- هل ستظهر نظرية بديلة لنسبية آينشتاين تحت مسمى النسبية التشاب ...
- هل ستهاجم إسرائيل إيران؟
- ماذا لو لم يكن الانفجار العظيم هو بداية كوننا المرئي؟
- ماذا لو لم يكن للزمن بداية
- تأملات في الفيزياء المعاصرة ومصير الأرض والكون المتوقعين
- هل نحن وح
- دولة الصدر أم دولة الولائيين في العراق؟
- إرهاصات المشهد السياسي العراقي بعد الانتخابات الأخيرة
- ملاامح من تجربة تاركوفسكي الإخراجية
- الفيزياء التجريبية
- هل سيصبح العراق مسرح توتر جديد بين تركيا وفرنسا؟
- ماهية المادة السوداء أو المظلمة على المحك
- بين السينما والأدب


المزيد.....




- رحيل احد المصارعين اليابانيين الذي اعتنق الاسلام
- بحضور شيخ الأزهر وبابا الفاتيكان.. البحرين تنظم ملتقى الحوار ...
- مستوطنة إسرائيلية ترقص بشكل استفزازي في باحات المسجد الأقصى ...
- إسرائيل: اعتقال خلية لتنظيم داعش خططت للهجوم على مدرسة ثانوي ...
- المؤتمر الدولي السادس والثلاثون للوحدة الإسلامية سيعقد بطهرا ...
- مصارع ياباني اعتنق الإسلام وتعادل مع محمد علي واحترف السياسة ...
- اللواء حسين سلامي: العدو كان يريد ان يرسخ الاسلام فوبيا لدى ...
- مدفعية القوات البرية لحرس الثورة الاسلامية في ايران تستهدف ب ...
- محمد بن زايد انقلب على الشريعة الإسلامية كمصدر للتشريعات في ...
- السيد نصر الله: الجمهورية الاسلامية الايرانية بقائدها العظيم ...


المزيد.....

- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الثالث - الأخطاء العلمية / كامل النجار
- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الثاني، منطق القرآن / كامل النجار
- جدل التنوير / هيثم مناع
- كتاب ألرائيلية محاولة للتزاوج بين ألدين وألعلم / كامل علي
- علي جمعة وفتواه التكفيرية / سيد القمني
- Afin de démanteler le récit et l’héritage islamiques / جدو جبريل
- مستقبل الدولة الدينية: هل في الإسلام دولة ونظام حكم؟ / سيد القمني
- هل غير المسلم ذو خلق بالضرورة / سيد القمني
- انتكاسة المسلمين إلى الوثنية: التشخيص قبل الإصلاح / سيد القمني
- لماذا كمسلم أؤيد الحرية والعلمانية والفنون / سامح عسكر


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - جواد بشارة - فصل من كتاب الإرادة الحرة بين العلم والدين