أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود شاهين - رائد الحواري :مقالات في أدب محمود شاهين















المزيد.....



رائد الحواري :مقالات في أدب محمود شاهين


محمود شاهين
روائي

(Mahmoud Shahin)


الحوار المتمدن-العدد: 7100 - 2021 / 12 / 8 - 02:44
المحور: الادب والفن
    


تعدد الرواة في رواية
"نار البراءة"
تدور احداث الرواية عن "مليحة أبو الجدايل" المرأة التي تريد أن تأخذ حاجتها "من الرجل، فزوجها ضابط مع الفرسان: "كل ثلث شهور لشوفة مرة، ينام عندي زي القتيل" تحاول أن تغوي "علي الخطيب" أكثر من مرة، "قطفت سبلة شعير وحطيتها تحت بزي.. إطلعت عليه.. أبصر فيش كان يفكر .. حطيت إيدي على بزي وصرخت ..إلحقنيياعلي ( ما لك يا بنت ؟)( إشيبنخز في صدري يا علي)( وين ؟) (هان )( أخ يا علي )( تتحركيش استني لشوف وين !)(هان يا علي هان ) ! فتحت طوقي .. فكيت زرار القميص.. بان بزي مثل زغلول الحمام ( ما نيش شايفإشي يا بنت )" ومع هذا لم تفلح في أخذ حاجتها من "علي الخطيب" وتكون نهاية مسرحيتها "راح علي .. قام السبلة ورجع يشرب الشاي!!
آخ يا كشلي روحت بحسرتي ولوعتي !!" ومع أن هذا المحاولة فشلت وتأكد "لمليحة" أن "علي" رجل مخلص لزوجته ومتمسك باللأخلاق والمثل التي يحملها، إلا أنها تحاول معه مرة ثانية في مكان أكثر حساسية، "حطيت إيدي على قاع بطني وصرخت ( الحقني يا علي ) ( ما لك يا ولية ؟) انطرحت فوق القش ( افزع لي يا روحي إشي في....)( وين يا بنت ؟) (تحت أواعي يا روحي تحتهن ) ( حسبي ألله ونعم الوكيل .. لا تخافيشبيجوز سبله ) !!( لا يا روحي إشي بسبح الحقني من شان ألله )
رفع ثوبي إشوي ، قلت له فوق يا علي ، رفع كمان لما بين سروالي.. حطيت إيدي على السبله ..هان يا ويلي يا علي هان !!شديت السبله لفوق ورفعتها ( هيه في إيدي يا روحي ، إشي كبير بيجوز عقرب يا ويلي، أنزع سروالي يا علي ) !! ( أستغفرك يا ربي وأتوب إليك ) !!" وبعد فشل المحولة الثانية تتأكد بأنها أمام رجل صلب لا يمكن أن يقدم على الرذيلة، من هنا تبحث عن متنفس جديد فتجد ابن عمها "صقر أبو الجدايل" الفحل الذي سيشبع غريزتها، وهذا ما كان، تتكرر العملية بين "صقر ومليحة" أكثر من مرة، ويعرف عملها "أحمد أبو الجدايل" بأنها تمارس الرذيلة، يحاول أن يثنيها عن ذلك بالضرب المبرح، لكنها تبقى على حالها، إلى أن تقع الواقعة ويأتي زوجها وهي مع "صقر" فيخرج الدخيل عاري الملابس ومخفي الرأس، وهنا يتم اتهام "علي"، ويتم تشكيل لجنة تحكيم حسب نظام المخاتير، بأن توضع الجمرة على لسان "علي" فأن كان بريء فلن تؤذيه وأن كان مذنب فستشويه ورغم يقين "علي و وملحية واحمد أبو الجدايل" وأهل القرية ونساءها ببراءة "علي" من التهمة ـ وهذا ما جعل علي يقف شامخ أمام الامتحان ـ إلا أنهم جميعا لم يستطيعوا أن يرفعوا الظلم الواقع عليه، وما حصل أن تم وضع الجمرة على لسانه فلم يقد تحمل الألم فأخذ في الصراخ، فعتبر صراخه دليل على إدانته.

هذا ملخص لأحداث الرواية، وهنا نطرح مجموعة من الأسئلة يمكن أن تجيبنا عن الهدف من هذه الرواية، فهي سوداء بالمطلق، لماذا كان هناك أربعة رواة "الراوي، علي الخطيب، ملحة أبو الجدايل، عمها أحمد أبو الجدايل، والراوي"؟ وما الغاية من هذا التعدد، هل لهذا الأمر رمزية تلامس واقع القضية الفلسطينية أو بشكل أدق الثورة الفلسطينية في الدول العربية؟، وهل استخدام الراوي اللغة المحكية الفلسطينية ـ والتي كانت هي الصفة العامة في سرد الاحداث ـ تأكيد على فلسطينية الرواية والأحداث والأشخاص ومن ثمة فكرة الظلم الذي يشارك فيه الجميع، حتى "علي الخطيب" نفسه عندما قبل أن يخضع لامتحان الجمرة؟ وهل الحديث عن مشاهد التحرش التي قامت بها "مليحة أبو الجدايل" مع "علي" علاقة بتلك التي قام بها النظام الرسمي العربي مع الثورة الفلسطينية؟، وهل تأكيد براءة "علي" من قبل المدعية "ملحية" وعمها "أحمد" وعموم أهل القرية ومن ثمة قبولهم بامتحان الجمرة هو عين السلوك الذي تم من قبل النظام الرسمي العربي تجاه الثورة الفلسطينية والذي جعلها مدانة في كافة المواقع التي عملت فيها؟ وهل نهاية الرواية والتي جاءت بهذا الشكل: "عادت السكينة إلى أحمد ابي الجدايل ، وتنفست مليحة الصعداء ، وشوهد صقر أبو الجدايل يخرج من كهف في أحد الأودية ، وأعلن المختار مهنا تبري حمولته من علي الخطيب ، وتعهد أمام كافة الحمائل بأن تحصل حمولة السحايقة على كامل حقوقها .. ونزع عقاله عن رأسه وانهال به على رأس علي الخطيب الذي دنس شرف الحمولة !!!!!!" علاقة بالواقع العربي الرسمي والشعبي تجاه قضاياه الأساسية؟ وهل كانت أخر فقرة في الرواية " انطلق صوت عبده موسى من مذياع قريب ( شمس الأردن بتلالي من فوق السما العالي ) !!!!!!" تعبر عن حالة السخرية من الواقع الرسمي العربي؟ الذي يقتل نفسه بنفسه ويتغنى بالأمجاد الخيالية/الوهمية؟
اعتقد أن أهم ما في رواية "نار البراءة" الأسئلة التي تطرحها، فأحداثها تخالف السير المنطقي والعقلي والتحليلي، لكن أرادنا الراوي أن نتأكد بأن الحق والعدل ليس له أي أثر على الواقع الفلسطيني بدون أن يكون هناك وجود للقوة، وليس القوة المادية فحسب، بل قوة الرفض لما هو متبع وسائد ومتعارف عليه، قوة أن لا نقبل بالإجراءات ـ ألرسمية ـ حتى ولو بدت أنها السبيل الوحيد للحصول على الحق، علينا أن نخترع/نعمل/نخلق ادوات إحقاق مطالبنا بأنفسنا بعيدا عما يمارسه الأخرون. لأن لكل منطقة/شعب خصائص لا يمكن أن تكون متماثلة مع أماكن أخرى.

الرواية منشورة على الحوار المتمدن على هذا الرابط
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=439738



ايوب التوراتيوفاوست جوته
محمود شاهين
كتاب يدخلنا إلى تفاصيل سفر أيوب التوراتي مفصلا ومحلل طبيعة العلاقة بين "يهوة" والشيطان من جهة، وبين "أيوب" الذي يثبت على إيمانه وينجح في جلده وصبره على ما حل به من أذى جسدي واقتصادي وفكري/عقائدي، ويستخلص الباحث من هذه السفر مجموعة افكار، منها متعلق "بسفر أيوب" كنص أدبي إنساني مجرد: "أن سفر أيوب هو ملحمة الإنسان في مأساته مع الإله في مفهومه التوراتي" ص108، وهذا ما يجعل القارئ يتقدم من سفر أيوب ليتعرف عليه عن قرب وما جاء به، ومنها متعلق بتحليل الأحداث والشخصيات في السفر: "...الإله التوراتي هو الذي كسب الرهان مع الشيطان، لكن القراءة المتفحصة للنص تكشف أن الإله هو الذي خسر الرهان، بأن قدم كإله متبجح متحد ودون أخلاق إلهية، بينما قدم أيوب كإنسان نبيل مظلوم تمرد عليه وتصدى لمفاهيمه
واتهمه بالظلم بل وشكك في قدرته وخيرانيته، أي أن الشيطان كسب الرهان وبامتياز" ص108، وهذا الخلاصة تدفع المتلقي ليقرأ بتمعن وتفكير، وأن يتحرر من قدسية العهد القديم، وتجعله يتقدم من أدب الهلال الخصيب الذي تحدث عن قصة أيوب السومري ويبحث عن العلاقة بين النص الهلالي والنص التوراتي والتغييرات التي حدثت عليه، كما أن فكرة الصراع بين الإنسان والإله/الآلهة تأخذنا إلى جلجامش وانكيدو اللذان خاضا صراعا جسديا وفكريا مع الآلهة، واستطاعا قتل "خمابا" حارس غابة الأرز وسحق ثورة السماء وقتله، والرد على طلب عشتار للاقتران بجلجامش بصورة مهينة، وما رحله جلجامش للبحث عن الخلود إلا تحدى للآلهة وتمرد على قراراتها بفناء البشر.
من هنا، اعتقد كان على الباحث أن يقدمنا من بدايات ظهور قصة "أيوب" في النصوص القديمة قبل أن تظهر في الكتب السماوية ويطلعنا على التغييرات والتعديلات والاضافات التي حصل على القصة ومن ثم يبدأ بحثه المقارن مع فاوست جوته.
ومبررات هذا الأمر تكمن في الفكرة التي طرحها الباحث حينما تحدث عن فاوست قائلا: "بينما فاوست هو ملحمة النفس الإنسانية في البحث عن مكانة لها في الوجود، وإن شئتم الوجودين، الوجود الدنيوي والوجود الأحروي، وأن شئتم ما هو أكثر شمولية، الوجود في المطلق الأزلي بدنيوية وآخرته" ص108، فكرة الوجود أول تناول لها جاء في ملحمة جلجامش، وهل هناك أعظم من فكرة البحث عن الخلود، والتمرد على الموت؟.
والجميل في هذا الكتاب أن الباحث يوضح علاقة الكاتب بالسارد، جوته ببطل مسرحيته "فاوست"، فيقول: "من الواضح هنا أن فاوست يحمل فكرة جوته نفسه، وأكاد أجزم أن جوته كان يتخيل نفسه في فاوست، كما كنت أتخيل نفسي في "الملك لقمان" وفيما بعد في "أديب في الجنة" حيث جعلت من الملك لقمان شخصيتي الفصامية" ص92، وهذا يأخذنا إلى جدلية الكاتب والسارد/الراوي، مع أيهما نتعامل كقراء؟، وأيهما يجب أن (نحلله/نفككه) عندما نقرأ العمل الأدبي؟، وما الصلة/العلاقة بينهما وما هو حدود الاختلاف/الفاصل؟.
في الختام نقول أننا بحاجة إلى مثل هذه الكتب، التي تفكك النصوص وتحللها، مبينة أن هناك افكار واستنتاجات أعمق بكثير مما يظهر على السطح، وعلى القاري مهما كان موضعه، أن لا يأخذ النص برؤية الآخرين، بل برؤيته هو، كيف يراه، وكيف يفهمه.
الكتاب من منشورات مكتبة كل شيء، جيفا، الطبعة الأولى 2017


قصة "العبد سعيد"
محمود شاهين
قصة كنت قد قرأتها في مجموعة "الخطار" وها هو "محمود شاهين" يقربنا منها من جديد، مذكرا أن الأبداع يتجاوز للزمن، ويبقى حيا وحاضرا رغم قراءته/سماعه أكثر من مرة، فكلما سمعناه/قرأناه أكثر يمتعنا أكثر.
جمالية العمل الأدبي لا تكمن في الفكرة فحسب، بل في طريقة التقديم، وفي شكل العمل الأدبي، في قصة "العبد سعيد" يجعل القاص من النسوة المستمعات "للجدة زبيدة" والقارئ طرفا واحدا، فالنسوة والقارئ يتعرضون لعين التأثير القصصي، فالجدة بين فينة وأخرى نجدها تخاطب النسوة/القارئ بقولها: "يجوز أن لا تصدقن هذه القصة يا بنات، مكررة، لا تصدقن يا بنات من يقول أن المرأة لا تؤتمن على سر، ايه يا بنات .. قلت لكن أن لا تلمنني إذا ما تنهدت وبكيت" وهذا ما يجذب القارئ ويهيئه للاستماع إلى شيء/حدث غير عادي، فخلال اقسام القصة الأربعة تدخل "الجدة زبيدة" لتدفع النسوة/القارئ للانتباه والاهتمام بمجرى قصة العبد سعيد، وكلنا يعلم أن الحديث عن النساء يجذب القارئ، فما بلنا أن كانت المتحدثة امرأة، وتستخدم عبارة تشويق متعلقة بالحديث عن النساء وتأثيرهن بالعبد سعيد!!.
والجميل في هذه القصة انها جاءت بشكل قريب من الحكاية التراثية، وهذا ما يجعل أثرها راسخ في القارئ، وإذا ما أضفنا إلى كل هذا طبيعة القصة الشيقة، والتي تحدث عن الظلم الذي وقع على "العبد سعيد" من شيخ العشيرة بسبب قدرته على طرح أقرانه من الصبيان أرضا، ثم قطع يده من قبل من مأمور الجنود العثمانيين لأنه كان يجمع قطيع الأغنام من خلال عزفه على المجوز، فرغم أن القصة جاءت على شكل حكاية تراثية، إلا أن الرمز ظاهر وبقوة فيها، شيخ العشيرة/النظام يحولون دون وجود الابداع والمبدين، ونجد عقلية الشرقي التي تربط الشرف ببكارة المرأة فقط، فشيخ العشيرة خصى العبد سعيدة بحجة: "إذا ما كبر هذا الطفل فلن تبقى امرأة في العشيرة إلا وتنزع ثيابها له ، اذهب وأتني به سأقطع خصيتي" وهذا الأمر قاله مأمور الجنود العثمانيين أيضا:
"إذا كان هذا فعل العبد بالأغنام ، فما بالك بالنساء بالله عليك ؟!!!
همس المعاون دون تردد:
- أعتقد أنهن يشمرن له عن أفخاذهن يا حضرة المأمور !!"
بعدها يخبو "العبد سعيد ويرحل دون أن يدري أحد المكان الذي التجأ إليه، واعتقد أن القاص استطاع أن يوصل فكرته ـ رفض الظلم والوقوف إلى جانب المظلومين ، من خلال طريقة السرد التي استخدمتها "الجدة زبيدة" ومن خلال رفضنا للظلم الذي وقع على "العبد سعيد" فجعلنا ننحاز إليه ونقف معه متعاطفين رافضين الظلم والظلام.
القصة منشورة على صفحة الأديب محمود شاهين على الفيس.


الخطار" وحضور المكان
محمود شاهين
قرأت هذه المجموعة قبل ما يقارب ثلاثة عقود، وقد تركت في تأثيرا كبيرا، كما هو الحال بمجموعة "الخراب" لنصري الصايغ، وما أعادني إليها أولا، وعدت الكاتب أن أقرأ "الملك لقمان" وحاليا لن أتمكن من ذلك، حيث أنها تقع في حدود 500 صفحة، وهذا مرهق، لأني القراءة على الشاشة صعبة وترهق البصر، وثانيا، أعود بين الفينة والأخرى إلى بعض الكتب التي تأثرت بها لمعرفة أسباب هذا التأثر هل كان ناجما عن ظروف سياسية، نفسية، أم لأن هذه النصوص كانت فعلا متقنة ولا بد أن تترك أثرا في المتلقي.
على العموم المجموعة من منشورات دار القدس، بيروت، طبعة أولى 1979، وتقع في مائة صفحة حجم متوسط، ونصف هذه المجموعة وعددها ثماني تتحدث عن الريف الفلسطيني، والنصف الثاني تتحدث عن المدينة، فقصة "حبة تفاح، والمستلبون" تجري في المدن، وفي قصة "الثلج في جبل الشيخ"، وقصة "الأسباب العجيبة" في جنوب لبنان.
في قصة "العبد سعيد" يتحدث فيها محمود شاهين عن ولد يكون عبدا لشيخ القرية، وعندما يرى الشيخ الولد وكيف يصارع الآخرين يقول: "إذا ما كبر هذا الطفل فلن تبقى امرأة إلا وتنزع ثيابها له" ص6، فيقوم بخصي العبد سعيد، وعندما جاء الجنود الأتراك ووجدوه يرعى هذا الكم الكبير من الأغنام سألوه عن الكيفية التي يجمع بها القطيع وكيف يقوم بعده يوميا، فيقول العبد سعيد للمأمور أن يعطيه عهدا أذا أخبره بأن لا يمسه بسوء، فيأخذ العبد بالعزف على المجوز ف"أخذت الأغنام تهرع من كل صوب وتقف في طوابير منتظمة أمام سعيد... انتظمت النعاج في طابور والماعز في طابور آخر... وصلت كافة الأغنام وانضمت إلى الطابورين" ص10و11، وعندها يقول المأمور: "ـ إذا كان هذا فعل العبد بالأغنام فما بالك بالنساء؟.
ويأتي الجواب من احد الجنود على هذا الشكل: "ـ اعتقد أنهن يشمرن له عن أفخاذهن يا حضر المأمور، " ص11، وعندها يقرر المأمور أن يقطع أصابع العبد سعيد وهنا يفقد سعيد مقدرته على جمع الأغنام، وتبدأ الذئاب بافتراسها، فيقوم الشيخ بمعاقبة سعيد بالضرب المبرح، وبعدها يهيم سعيد في البرية وتنقطع أخباره.
هذا ملخص للقصة، ففها الطرح الطبقي واضح، وأيضا تماثل وتكامل الدور الذي يقوم به الإقطاع والنظام الحاكم، وهي قريبة من الحكاية الشعبية، حيث يستخدم الكاتب "الجدة زبيدة" كراوية للحدث، وهي تستخدم عنصر التشويق، كما هو حال الحكواتي، فتقول بين الفينة والفينة لمستمعات قصتها: " أن هذا اقرب من الخيال يا بنات، لكنه حدث بالفعل، فلا تلمنني إذا ما بكيت، .. آه، آه، .. أما عندما يعزف على المجوز فهذا ما لا يوصف" من هنا نستطيع القول بان الكاتب استخدام حدث واقعي والبسه الشيء من الحكاية الشعبية، فتشكل لدنا حدث متداخل فيه الواقعي بالحكاية.
وقد استطاع أن يوظف مفهمه للصراع الطبقي وكيف يتلاقي النظام الرسمي بأفعاله مع النظام الاجتماعي الاقتصادي، فأولا يقوم الشيخ بخصي سعيد ثم المأمور التركي بقطع أصابعه.
في قصة " العاقر" يقدم الكاتب الموروث الشعبي عن العاقر وكيف كانت تتصرف النساء مع هذا الأمر، فيقدم لنا صورة الجهل والتخلف وأيضا الطريقة التي تستفيد بها الجهة المتنفذة من هذا الجهل "العرافة وزوجها". وتكمن أهمية من هذه القصة بأنها تمثل صورة واقعية عما كان يمارس من عادات، ويضاف إلى هذه الأمر استخدام اللغة المحكية الفلسطينية، وهذا يشير بطريقة غير مباشرة إلى حضور الفلسطينية.
في قصة العنوان "الخطار" يؤكد الكاتب رؤيته عن التلازم والتكامل بين دور الإقطاع والنظام الرسمي في قمع المواطن، تتحدث القصة عن ولد يتيم ترهن أمه قطعة أرض لشيخ البلد، يقرر الولد أن يسدد قيمة الرهن من خلال مشاركته للكبار من أهل السواحري في عملية الخطار للبحر الميت لاستخراج وجلب الملح من هناك، يتعرض الخطار لخطر الفرسان الذين يقوموا بكشف المنطقة بالكشافات الضوئية، مما يدفع الخطار للغوص في المياه كلما اقترب النور منهم، وأثناء هذه العملية التي تكررت لساعات يختنق الولد "حسن" ويعود لامه محمولا على الحمار.
في هذه القصة كانت الأم/المرأة الفلسطينية حاضرة وفاعلة، وقد قدمها لنا الكاتب امرأة عظيمة صابرة مجتهدة منتجة، "عشر سنين يا بني، عشر سنين مرت على وفاة أبيك في حرب النكبة، كنتم صغارا يا حسن، خبأتكم، ربيتكم، منعت كل الشر عنكم داريتكم، مثل حجلة تداري فراخها يا ولدي، في الشتاء أبيع البقول يا بني، في الصيف انسج البسط للشيخ علي واغزل... تحملت الكثير يا ولدي" ص24، فالمرأة الفلسطينية هنا عنصر فاعل ومؤثر، ويتحلى بالصبر والتكيف مع الظروف.
وأيضا في هذه القصة استطاع الكاتب أن يستخدم عنصر التشويق المتمثل بالطريقة التي تحدث فيها عن الأم وهي تنتظر عودة ولدها، فكان الخطار من المناطق الأخرى يتقدمون ومعهم بعض الجثث، الذي قضوا في المياه المالحة أثناء استكشاف الفرسان، "أين قافلة البلد؟، لماذا لم تأتي حتى الآن؟ هل ستشاهد عيون حسن؟ لن تدعه يعود للملح ثانية ولو سيأتيها بجبل المنظار وتتوارى خلفه" ص47، فنجد في هذه القصة مقدرة الكاتب على جذب انتباه القارئ، وجعله يتفاعل مع الحدث.
قصة "جازي الحمدان" يحدثنا الكاتب عن "جازي الحمدان" التي تهجر بيتها وزوجها "احمد الخليل" الذي يتزوج عليها ببنت من عمر بناته وفي ذات الوقت يرد تزويج ابنته "فاطمة الخليل" لشيخ البلد الذي تجاوز الستين عاما، بعد أن قبض منه مهرها والبالغ ثلاثة ألاف دينار، لكن البنت ترفض الزواج، وتجد في البحث عن أمها سببا مقنعا لكي تتهرب من هذا الزواج، يتعرض احمد الخليل للضغط من قبل الشيخ، الذي يستمر بالدفع والصرف على الحفلات التي تقام يوميا أمام بيته احتفال وتحضيرا للزواج، فيقول "احمد الخليل" بضرب ابنته فاطمة بعد أن يربطها في المغارة ويمنع عنها الطعام، حتى تقول له بأنها موافقة على الزواج من الشيخ، فيفك قيدها، فتجد في هذا الأمر فرصتها للهرب من أبيها ومن الشيخ، وبعدها ينقلنا الكاتب إلى البئر التي ستلاقي "فاطمة الحمد" جثة والدتها "جازي الحمدان" فتقع في البئر، فيكون مصيرها كمصير والدتها، الموت في البئر.
في هذه القصة نجد الطرح الطبقي واضح من خلال الشيخ صاحب المال الذي يشتري النساء بالمال، وأيضا من خلال الراعي "محمد" الذي يحمل مشاعر خاصة اتجاه "فاطمة" لكن طرقة الشيخ الملتوية، والمتمثل بإعطاء "احمد الحمد" ثلاثة ألاف دينار مهرا لابنته، والذي يقوم بدوره بدفعها مهرا لزوجته الجديد، تمثل قذارة الإقطاع وشراسة المجتمع الأبوي، الذي يتعامل مع المرأة بطرقة قاسية ووحشية.
"احمد الحمد" يعامل زوجته بهذا الشكل، "ضربتها، عذبتها، منعت عنها الطعام حولت حياتهما إلى جحيم، لترضي عروستك، ولترغمهما على القبول بالشيخ عريسا، ليلة بكاملها تربط زوجتك في مربط الحمار، لتقنعها بزواج ابنتكما من الشيخ الذي يكبرها بأربعين عاما" ص60، بهذا الشكل تم التعامل مع الزوجة، أما البنت فبهذا الشكل: "يضربها على رأسها ويرفسها بقدميه، قيد يديها بحبل ربط إلى وتد دقه في حائط المغارة، واخذ يضربها بحبل آخر على ظهرها، وهي تصرخ" ص62، بهذا الشكل ينتقد "محمود شاهين" النظام الاجتماعي السائد ويعريه، فلا مجال للتلاقي معه أم القبول به.
اعتقد، عندما جعل الكاتب الزوجة والابنة تتعرضا للضرب القاسي والإهانة ومن ثم فرارهما كان يشير إلى ضرورة عدم القبول أو الاستمرار مع هكذا وضع، فإذا كانت النساء قد قاومن هذا الوضع فما بالنا الرجال!، خاصة أننا نعيش في مجتمع ذكوري.
في هذه القصص الأربع يتحدث الكاتب عن الريف الفلسطيني إن كان خلال المكان/القرية أو من خلال الشخصيات التي تناولها، وما يلفت النظر أنه تحدث عن الرعاة في قصتين، "العبد سعيد وجازي الحمدان" وكأنه يحمل شيئا من الحنين لهذه المهنة، فقد قدم لنا بطلي القصتان بصورة ايجابية، وأيضا صاحب مبدأ وشهامة، فالأول كان يتحلى بقدرات خارقة، من خلال القدرة الجسدية على مصارعة أقرانه، العزف الرائع على المجوز، والثاني يتحلى بالنخوة والإخلاص، حيث استمر في البحث عن "فاطمة الحمد" حتى بعد أيام من اختفاءها.
قصة "حبة تفاح" يطرح الكاتب قضية الصراع الطبقي بشكل مباشر، فعندما يقول صاحب الفندق بطرد العامل لسبب بسيط يتمثل بأكله لحبة تفاح، فهو هنا يطرح فكرته عن ضرورة مواجهة هذا الأمر، فيقول في نهاية القصة على لسان العامل المطرود: "أن موتنا أفضل من أن نبقى سلعة بيد الأسياد، لا تقبلوا بهذا الواقع، لا تقبلوا، يجب أن نضع حدا لهم، يجب.." ص55، اعتقد بان هذا الشكل من القصص كان يحاكي الطرح في الواقعية الاشتراكية تماما، فرغم اللغة الجميلة التي صاغ بها الكاتب، إلا أن فكرتها مكشوفة، ولم يترك للقارئ مجالا لأخذ أي جوانب أخرى من القصة سوى الجانب الطبقي.
قصة "المستلبون" يتحدث فيها الكاتب عن المسألة الطبقية وأيضا حالة الاغتراب التي يعاني منها الفرد في ظل النظام العربي القمعي، واعتقد بان هذه القصة تمثل واقع المثقف العربي أو الذي عمل في الأحزاب السياسية المعارضة، من هنا وجدنا تلازم حالة الفقر والاضطهاد وأيضا حالة الاغتراب، فهذه الحالات إذا ما اجتمعت في فرد لا بد أن تقتله، فيحدثنا بطل القصة عن نفسه فيقول: "إلى متى تصبر على هذا؟ لا لقمة جيدة، لا منام تريح فيه عظامك بعد عناء العمل، لا شيء، حتى الهواء سرقوه منك، والشمس ممنوع عليك رؤيتها من داخل خشتك، وإذا ما خرجت إلى الشارع تلاحقك عيونهم إلى أية ناحية تذهب إليها، وتجد صورهم في كل مكان، في الحدائق، في البقالات، في المقاهي، في المتنزهات، ممنوع على ص82، بهذا الواقع عاش وما زال يعيش المواطن في المنطقة العربية، فهو فعليا سجين، محاصر، مراقب، جائع، فقير، بائس، ولا وجود لأمل بالخلاص، اعتقد بأن هذا الحال عانى منه كل مواطن مثقف، سياسي، يقرأ، يفكر.
ومن خلال هذه القصة استطاع "محمود شاهين" أن يشكل لنا صورة الواقع العربي الذي لا يمكن لأحد أن يستمر فيه، فإما أن يقتل، يموت، أو يقتل ما بداخله ويمسي مواطن صالح ـ حسب مفهوم النظام ـ أو يهاجر، يهرب، يخرج من الجحيم العربي.
في القصتين السابقتين كان مكان الحدث المدينة العربية، الأولى "حبة تفاح" تجري أحداثها في احد فنادق مدينة القدس قبل سقوطها بيد الاحتلال، والثاني "المستلبون" في مدينة عربية، أي مدينة، وبعدها ينقلنا الكاتب إلى جنوب لبنان، إلى أيام العمل الفدائي الفلسطيني، العمل النقي، الصافي من الشوائب والبعيد عن الانتهازية والمزايدة، في قصة "الثلج في جبل الشيخ" يحدثنا عن واقع المقاتل الفلسطينيين المقاتل إلى يفني ذاته في سبيل الوطن والرفاق.
القصة تتحدث عن المنطقة التي يتواجد فيها المقاتلون في جنوب لبنان حيث الثلج يصل ارتفاعه ما بين المترين والثلاثة أمتار، تبدأ القصة ببرقية من القائد العام يقول فيها: "هناك عاصفة ثلجية تتجه الآن نحو الشمال، يجب العمل بسرعة لتوفير المواد التموينية للشباب، جهزوا كاسحات الثلج فورا... انتهى" ص69، ومن هنا تبدأ الأحداث حول المقاتل "فارس" الذي يبقى صامدا في موقعه، ويموت بهذا الشكل، "كان متمترسا وفوقه البندقية باتجاه العدو ويداه متجمدتان عليهما!! ولم يعرفوا متى فارق الحياة" ص76، ما يحسب لهذه القصة الرمزية التي جاءت في نهايتها، وأيضا الصورة النقية التي رسمها للمقاتل الفلسطيني، فعندما يحضر أحد الرفاق الشاي لفارس يقول له: "بكفي كاسه خلي للإخوان في الكمائن" ص72، هذه الآثار كان سمة تواكب العمل الفدائي، وهي تمثل الصورة الناصعة التي فقدتها الثورة فيما بعد.
القصة الأجود صياغة، والأكثر حداثة كانت قصة "الأسباب العجيبة التي حدثت بمواطن مجهول إلى الوقوف ضد الزيارة وضد المختار" ونجد في العنوان ما يتماثل مع أسم رواية أميل حبيبي "الوقائع العجيبة في اختفاء أبي نحس المتشائل، حتى أن العناوين الفرعية للقصة تتماثل مع قصة المتشائل، طبعا هذه لا يضعف القصة، بل جعلها متألقة ومتميزة، فهي مكثفة جدا، وتحكي هموم الفلسطيني الذي عانى من ثلاث هجرات في حياته، "وبما أنني لاجئ من يافا أولا ونازح من الضفة ثانيا ومطرود من شرق النهر ثالثا" ص91، وهذا الواقع المرير الذي عان منه المواطن الفلسطيني حيث يعرض لثلاث هجرات قصيرة في اقل من خمسة وعشرون عاما، لا يمكن لأحد أن يتحمله، لكن الفلسطيني كان يمتاز بقدرته العجيبة على التكيف مع الظرف الذي يعيشه.
من هنا قبل هذا المواطن وزوجته أن يعيشا في "خشة" لا تصلح للكائن البشري، حيث فيها الفئران والجراذين والحشرات والبق والبعوض، وهناك حمام مشترك لهم وللمختار وضيوفه الذي لا ينتهون.
توضح هذه القصة فساد النظام العربي الرسمي، وحجم الظلم الواقع على المواطن في ظل عدم وجود مراقبة على المتنفذين فيه، فالمختار هو الدولة، منه تحصل على شهادة الميلاد، والوفاة، وشهادة حسن سيرة وسلوك، شهادة زواج وطلاق، هو المؤسسة المدنية في النظام الرسمي العربي.
وما يحسب لهذه القصة لهذه القصة اللغة الساخرة التي استخدمها الكاتب، بالإضافة إلى موضوعيتها وتكثيفها،.
هناك ذكر لمدينة القدس في كافة قصص المجموعة باستثناء واحدة فقط، وهذا الأمر يحسب للكاتب الذي لم يغيب عاصمة فلسطين وجعلها حاضرة في الذاكرة والوجدان الفلسطيني، وأيضا نجد الصراع الطبقي ودوره في تمزيق المجتمع، خاصة الطبقة الفقيرة، ونجد تلازم الأزمة التي يعانيها المواطن الفلسطيني تحديدا من النظام الإقطاعي والنظام الرسمي، وكأن الكاتب يقول لنا: "ليس هناك فرق بين الرجل الإقطاعي/ الرأسمالي وبين النظام الرسمي، فكلاهما يقومان بظلم واضطهاد المواطن".
ونجد حضورا فاعلا ومؤثر للمرأة الفلسطينية، كما هو الحال في "الخطار، جازي الحمدان، العاقر" ونجد أيضا واقع الطفولة الفلسطينية في قصة "العبد سعيد، والخاطر" رغم قدم هذه المجموعة إلا أن لها نكهة خاصة، وتمتاز بلغة أدبية رفيعة، وتطرح الواقع الفلسطيني والمأساة التي يعيشها، وتؤكد أهمية المكان، وكما كانت اللغة المحكية الفلسطينية واضحة وحاضرة في العديد من القصص حتى أن القارئ يتعرف على فلسطينيتها من خلال تلك اللغة المحكية.
رائد الحواري



الكاتب في رواية
"موتي وقط لوسيان"
محمود شاهين
احيانا يكتب الكاتب نفسه، ما يشعر به، ما يؤرقه، ما يحمله في العقل الباطن، ما يفكر به، "محمود شاهين" في هذا الرواية يحدثنا عن محمود الفلسطيني، عن طفولته، عن الأب القاسي، عن الحياة الصعبة التي عاشها في ضواحي القدس، يأخذنا إلى عالم الواقع وما فيه من ألم ووجع، يحدثنا عن الرعي والأغنام، عن الفحل "دهمان" وابنه "مرداس"، وهو الحديث الأطول في الرواية والامتع، حتى أنه يتحدث عن تفاصيل دقيقة عن تلك الفترة، وإذا ما توقفنا عند تناوله للرعي سنجد فيه أحداث مشوقة ومحبوكة بشكل دقيق، حتى أن القارئ يجد فيها متعة من خلال حديثه عن علاقته مع القطيع، ومن خلال المصارع الاكباش التي يتناولها بطريقة مذهله. وكأن الراوي أراد بها أن يهرب من الحاضر إلى الماضي، إلى مغامراته مع الخراف، يريد أن يستعيد وجوده على الأرض التي تركها مكرها وغصبا، هذا ما نلمسه في هذه الرواية.
موضوع الرواية يبدأ في الحديث عن "لوسيان" التي يموت قطها "محمود" وتطلب من الراوي أن يحضر ليساعدها في دفن القط النافق، لكنه يرد عليها بجفاء، وبعدها يأخذ في الاتصال بها ليطمئن عليها، لكنها لا تجيب، فيبدأ بالحديث مع نفسه، مستذكرا ماضيه، علاقته الطيبة مع الحيوانات، القطيع، الكلب "فيدل" كلب حيدر حيدر، مع قطة طفولته، ورغم كل هذه العلاقة الحميمة مع الحيوانات إلا أنه تعامل بجفاء تجاه موت "القط محمود"، ولم يبد أي اهتمام بمشاعر "لوسيان"، لماذا؟، وما هو لظرف الذي كان فيه؟، وكيف حدث هذا الانقلاب عند الراوي؟.
الواقع
سنجيب عن هذه الأسئلة من خلال الرواية، ونبدأ من الواقع الذي ينعكس أثره على الراوي من خلال الكابوس "فقد رأيت في نومي لحاماً يحمل على كتفيه رجلين مذبوحين ومسلوخين، ويدخل بهما إلى الملحمة، كان رأس الرجلين يتدليان على ظهر اللحام وقد بدا تماما أنهما ذبحا من الوريد إلى الوريد" مشهد قاتم وموحش، لكن ما هي المؤثرات/المشاهد/الأصوات/الأحداث التي تجعل فنان وأديب تأتيه مثل هذه الكوابيس؟.
واقع الفلسطيني الذي تعرض للتشرد والقتل على يد الأعداء والأشقاء أينما تواجد وعلى مر السنين، هو السبب: "...لأفتح المذياع متفقداً أخبار الموت الفلسطيني، أو لأقل أخبار القتل...أخذت اخبار القتل تتوالى عبر المذياع، رباه كم كان هناك من القتلى، قتلى في جامعة بير زيت، قتلى في غزة، جرحى في أماكن أخرى من الأرض المحتلة، عشرات القتلى في مخيمات: عين الحلوة، الرشيدية، برج البراجنة، شاتيلا" ضمن هذا الواقع لا بد للراوي أن يتأثر، ومن ثمة تأتيه الكوابيس، فهل يعقل أن يسمع ويشاهد كل هذا الكم والعدد من القتلى والجرحى ولا يتأثر؟.
الفلسطيني
رغم التضحيات الكثيرة والسنوات الطوال التي خاضها الفلسطيني ليتحرر ويتقدم من وطنه إلا أن النصر ما زال بعيد المنال، فكيف يفسر/يحلل لنا الراوي هذا الامر؟
"رباه (أقول لنفسي) ورغم كل هذا صرعه داود بالمقلاع؟! اللعنة، هل يكمن قدرنا في أنه كتب علينا القتال مدى الحياة دون تحقيق النصر؟! وبالتالي لا يمكن لحياتنا أن تجدد إلا بالموت، طالما أن اليهود لم يفنونا رغم طول هذا الصراع عبر التاريخ...قضيت حاجتي وأنا اتصفح كتابا عن المجازر الإسرائيلية ضد الفلسطينيين"، ضمن هذا الواقع، وهذا التاريخ، وهذا النص الديني لا يمكن للفلسطيني إلا أن يكون في حالة صراع، وكأنه والمحتل يخوضان صراع الإلهة "البعل" رمز الخصب، والإله "يم" يمز الموت.
الراوي
يعيش الراوي في إحدى احياء دمشق الشعبية، حيث باعة (المازوت) يطلقون زامور مزعج وحاد، مما يسبب حالة من التوتر للراوي، ورغم أنه يمتلك "مسدس" إلا أنه كان : "كم مرة أطلقت النار على باعة الزفت هؤلاء، أطلقتها في خيالي طبعا، إذ لا اتصور أن اقتل أحداً من هؤلاء التعسين حقيقة، بالتأكيد لن افعلها" بهذا المكان غير المريح لكاتب وفنان يعيش الراوي، وعليه أن يتكيف بالطريقة التي يجدها مناسبة، فيضع على أذنيه قطع من القطن.
إذن الراوي لا يجد المكان المناسب لحالته ككاتب، فهو بحاجة إلى الهدوء لكي يستطيع أن يمارس عمله الإبداعي، من هنا سنجد أثر الواقع لخارجي "القتل والموت" والظرف الحالي "الاصوات المزعجة" يفرضان ذاتهما عليه، وهناك عامل أخر هو وحدة الراوي، فهو يعيش في منزله وحيداً دون امرأة أو ابناء: "...كل هذا الكم من النساء (زوجات والحبيبات والصديقات) والأولاد، عدا الأخوة والأخوات، تموت وحيدا، وحيداً يا محمود أبو الجدايل! وحيدا بائسا متعبا مرهقا مدمرا، لا احد يقدم لك حتى كأس ماء" ضمن هذا الواقع سيكون حال الراوي في غاية الصعوبة، وهذا ما عبر عنه عندما قال: "اللعنة علي وعلى أبي الذي يدعي أنه أنجبني" وإذا كان ما قاله في السابق ناتج عن غضب وتوتر، فأنه يحدث بواقعية فيصف حالته: "...ولست الآن إلا ابن النكبات، ابن الثورات المهزومة، الثورات المجوفة، ثورات الخيبة"
يحلل لنا الراوي نفسيته والأثر الذي تركته الأحداث والظروف التي مر بها فيقول: "آه يا لوسي . ربما أصبحت شريرا ، إذ ليس من المعقول أن لا تترك الأحداث التي مررت بها خلال أربعين عاما أية آثار سلبية على نفسيتي ، فهي أحداث مهولة يا لوسي ، عشت فيها عشرات المجازر ، وشاهدت مئات الجثث ، ولا أظن أنني قادر على التأثر لموت قط حتى لو لم أكن أكرهه" فهل أراد الراوي أن يبرر "للوسيان"، أم يبرر لنفسه، أم يبرر لنا عدم تأثره بموت القط محمود؟، أم أراد أن يكون كل هذا الحديث مبرر ليحدثنا عن مأساته كفلسطيني؟، ككتاب وفنان؟ كأب؟ كابن؟ كزوج؟ كإنسان؟.
وهل موقف "لوسيان" منه مبرر؟، موضوعي؟، منطقي؟ يجيبنا الراوي: "وكم بودي أن أتخلص من أفكاري الحمقاء وأنسى قطك ، بل وأنساك ايضا ، ولأكن شريرا ، ولأكن مجرما ، فلست الشرير أو المجرم الوحيد في هذا العالم المليء بالأشرار ، بدءا بي إذا شئت ، مرورا بالملايين ، وانتهاء بمغتصبي وطني وكل أصحاب السيادة ! لم يبق أحد كما ترين ، فالجميع أشرار . العالم كله أشرار يا لوسي" اعتقد أن الراوي أرد من "موت القط" أن يحدثنا عن نفسه، عن "محمود شاهين" الفلسطيني، المشرد، الفنان، الروائي والقاص والمفكر والفيلسوف، الذي يعاني على اكثر من صعيد، ويعيش بوضع غير مناسب، المكان، الظرف، الحالة الاجتماعية.
وإذا ما توقفنا عند مشاعر "لوسيان" تجاه موت قط وتغافل العالم وما يطلق عليه "المجتمع الدولي" تجاه الفلسطيني الذي يقتل منذ عام 1919 ولغاية الآن ولا يبدي العالم/المجتمع الدولي أي فعل على ارض الواقع، يتأكد لنا حجم الهوة التي يعيشها هذا الفلسطيني وبين نظريات وقوانين دولية/إنسانية.
المرأة/الأم
قلنا في موضع غير هذا ان المرأة تمنح الكاتب الهدوء والسكينة، وعندما اختار الراوي أن يحدث "لوسيان" كان منسجما مع حالته الصعبة، فهو يريد من خفف عن نفسه ويخلصها من حالة الكآبة والضغط التي يمر بها، فوجد في "لوسيان" المتنفس، لهذا نجده كثيرا ما يقول "آه يا لوسي، يا لوسيان" رغم عدم تواجدها المادي/الجسدي في حالات النداء، لكنه في العقل الباطن ـ يرد أنثى، لهذا استعان بها وأحضرها وخاطبها، مرة في اليقظة ومرة حقيقة، فوصفها لنا: "ولوسيان امرأة ناعمة كحرير الشام ، وشفافة كماء زمزم ، يمكن أن تخدشها نسمة هواء في غير أوانها" فمن تكون بمثل هذا الوصف تستحق ان تكون الأقرب والأكثر حميمة من الكاتب.
لكن هناك امرأة أخرى لها مكانتها عند الراوي وقد حدثنا في رواية "أديب في الجنة" انها أم "محمود شاهين" وقد حدثنا عنها وعن القسوة التي عاشتها كمرأة في مجتمع ذكوري متخلف، وحدثنا عن الطريقة التي عوملت بها من الأب القاسي، لكنها كانت حنونة معه، يقول عنها: "آه يا امي لو انك إلى جانبي لتواسيني بكلمة منك ، لتغدقي علي حنانك ، لتضمي رأسي إلى صدرك المترع بالأمومة والحنان ، وتملسي بيدك البلسمية على صلعتي ، أنا حزين ووحيد ومتعب يا أمي ." في حالة اليأس، الوحدة، نحتاجها، كبارا كنا أم صغار، واعتقد بأن الراوي كان في ذروة الحاجة لها عندما قال: "وتملسي بيدك البلسمية على صلعتي" فرغم عمره الكبير إلا أنه ما زال بحاجة إلى حضورها، وجودها، وهذا ما قاله "للوسيان": "خرجت من الأرض المحتلة للمرة الثانية أواخر عام 1970 ... ، ولن يستقبلني صدر أمي كما كان" فقدان الأم عند الراوي له أثر كبير، حتى اننا نجد علاقته الحميمة مع "لوسيان" ناتجة عن فقدانه لصدر الأم، فوجد فيها ما يماثل تلك الأم، لكنها بالتأكيد ليست ما يرده، ما يحتاجه.
الأب
بشكل شبه كامل يأتي الأب بصورة سلبية، والراوي هنا يؤكد هذا الأمر، فيقدم انا الأب بصورة الرجل القاسي والذي يتحارب كل المخلوقات: "فقد كان أبي يضرب كل شيء : نحن وأمي يوميا لأتفه سبب. البغل إذا أحرن أو سطا على أكياس الشعير ، الكلب إذا غفل عن القطيع أو نام في غير المكان الذي حدده له ، الدجاج إذا دخل حقول الحنطة أو الشعير أو التبغ ، القط إذا اختلس قطعة جبن أو لم يفلح في اصطياد الفئران التي كانت تعج في عزبة أبي . الأغنام إذا لم تدر الحليب المطلوب ، الكبش إذا لم يكن فحلا كما يريده ، والزرع إذا لم يحمل جيدا ، واخيرا الأرض إذا لم تخصب !!" وكأننا في المنطقة العربية كتب علينا أن نعاني من الأب كما نعاني من النظام الرسمي، فكلاهما وحشي في تعامله ولا يعرفان إلا البطش.
الرواية منشورة على الحوار المتمدن على هذا الرابط
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=441134


تعدد الرواة في رواية
"نار البراءة"
محمود شاهين
تدور احداث الرواية عن "مليحة أبو الجدايل" المرأة التي تريد أن تأخذ حاجتها "من الرجل، فزوجها ضابط مع الفرسان: "كل ثلث شهور لشوفة مرة، ينام عندي زي القتيل" تحاول أن تغوي "علي الخطيب" أكثر من مرة، "قطفت سبلة شعير وحطيتها تحت بزي.. إطلعت عليه.. أبصر فيش كان يفكر .. حطيت إيدي على بزي وصرخت ..إلحقنيياعلي ( ما لك يا بنت ؟)( إشيبنخز في صدري يا علي)( وين ؟) (هان )( أخ يا علي )( تتحركيش استني لشوف وين !)(هان يا علي هان ) ! فتحت طوقي .. فكيت زرار القميص.. بان بزي مثل زغلول الحمام ( ما نيش شايفإشي يا بنت )" ومع هذا لم تفلح في أخذ حاجتها من "علي الخطيب" وتكون نهاية مسرحيتها "راح علي .. قام السبلة ورجع يشرب الشاي!!
آخ يا كشلي روحت بحسرتي ولوعتي !!" ومع أن هذا المحاولة فشلت وتأكد "لمليحة" أن "علي" رجل مخلص لزوجته ومتمسك باللأخلاق والمثل التي يحملها، إلا أنها تحاول معه مرة ثانية في مكان أكثر حساسية، "حطيت إيدي على قاع بطني وصرخت ( الحقني يا علي ) ( ما لك يا ولية ؟) انطرحت فوق القش ( افزع لي يا روحي إشي في....)( وين يا بنت ؟) (تحت أواعي يا روحي تحتهن ) ( حسبي ألله ونعم الوكيل .. لا تخافيشبيجوز سبله ) !!( لا يا روحي إشي بسبح الحقني من شان ألله )
رفع ثوبي إشوي ، قلت له فوق يا علي ، رفع كمان لما بين سروالي.. حطيت إيدي على السبله ..هان يا ويلي يا علي هان !!شديت السبله لفوق ورفعتها ( هيه في إيدي يا روحي ، إشي كبير بيجوز عقرب يا ويلي، أنزع سروالي يا علي ) !! ( أستغفرك يا ربي وأتوب إليك ) !!" وبعد فشل المحولة الثانية تتأكد بأنها أمام رجل صلب لا يمكن أن يقدم على الرذيلة، من هنا تبحث عن متنفس جديد فتجد ابن عمها "صقر أبو الجدايل" الفحل الذي سيشبع غريزتها، وهذا ما كان، تتكرر العملية بين "صقر ومليحة" أكثر من مرة، ويعرف عملها "أحمد أبو الجدايل" بأنها تمارس الرذيلة، يحاول أن يثنيها عن ذلك بالضرب المبرح، لكنها تبقى على حالها، إلى أن تقع الواقعة ويأتي زوجها وهي مع "صقر" فيخرج الدخيل عاري الملابس ومخفي الرأس، وهنا يتم اتهام "علي"، ويتم تشكيل لجنة تحكيم حسب نظام المخاتير، بأن توضع الجمرة على لسان "علي" فأن كان بريء فلن تؤذيه وأن كان مذنب فستشويه ورغم يقين "علي و وملحية واحمد أبو الجدايل" وأهل القرية ونساءها ببراءة "علي" من التهمة ـ وهذا ما جعل علي يقف شامخ أمام الامتحان ـ إلا أنهم جميعا لم يستطيعوا أن يرفعوا الظلم الواقع عليه، وما حصل أن تم وضع الجمرة على لسانه فلم يقد تحمل الألم فأخذ في الصراخ، فعتبر صراخه دليل على إدانته.

هذا ملخص لأحداث الرواية، وهنا نطرح مجموعة من الأسئلة يمكن أن تجيبنا عن الهدف من هذه الرواية، فهي سوداء بالمطلق، لماذا كان هناك أربعة رواة "الراوي، علي الخطيب، ملحة أبو الجدايل، عمها أحمد أبو الجدايل، والراوي"؟ وما الغاية من هذا التعدد، هل لهذا الأمر رمزية تلامس واقع القضية الفلسطينية أو بشكل أدق الثورة الفلسطينية في الدول العربية؟، وهل استخدام الراوي اللغة المحكية الفلسطينية ـ والتي كانت هي الصفة العامة في سرد الاحداث ـ تأكيد على فلسطينية الرواية والأحداث والأشخاص ومن ثمة فكرة الظلم الذي يشارك فيه الجميع، حتى "علي الخطيب" نفسه عندما قبل أن يخضع لامتحان الجمرة؟ وهل الحديث عن مشاهد التحرش التي قامت بها "مليحة أبو الجدايل" مع "علي" علاقة بتلك التي قام بها النظام الرسمي العربي مع الثورة الفلسطينية؟، وهل تأكيد براءة "علي" من قبل المدعية "ملحية" وعمها "أحمد" وعموم أهل القرية ومن ثمة قبولهم بامتحان الجمرة هو عين السلوك الذي تم من قبل النظام الرسمي العربي تجاه الثورة الفلسطينية والذي جعلها مدانة في كافة المواقع التي عملت فيها؟ وهل نهاية الرواية والتي جاءت بهذا الشكل: "عادت السكينة إلى أحمد ابي الجدايل ، وتنفست مليحة الصعداء ، وشوهد صقر أبو الجدايل يخرج من كهف في أحد الأودية ، وأعلن المختار مهنا تبري حمولته من علي الخطيب ، وتعهد أمام كافة الحمائل بأن تحصل حمولة السحايقة على كامل حقوقها .. ونزع عقاله عن رأسه وانهال به على رأس علي الخطيب الذي دنس شرف الحمولة !!!!!!" علاقة بالواقع العربي الرسمي والشعبي تجاه قضاياه الأساسية؟ وهل كانت أخر فقرة في الرواية " انطلق صوت عبده موسى من مذياع قريب ( شمس الأردن بتلالي من فوق السما العالي ) !!!!!!" تعبر عن حالة السخرية من الواقع الرسمي العربي؟ الذي يقتل نفسه بنفسه ويتغنى بالأمجاد الخيالية/الوهمية؟
اعتقد أن أهم ما في رواية "نار البراءة" الأسئلة التي تطرحها، فأحداثها تخالف السير المنطقي والعقلي والتحليلي، لكن أرادنا الراوي أن نتأكد بأن الحق والعدل ليس له أي أثر على الواقع الفلسطيني بدون أن يكون هناك وجود للقوة، وليس القوة المادية فحسب، بل قوة الرفض لما هو متبع وسائد ومتعارف عليه، قوة أن لا نقبل بالإجراءات ـ ألرسمية ـ حتى ولو بدت أنها السبيل الوحيد للحصول على الحق، علينا أن نخترع/نعمل/نخلق ادوات إحقاق مطالبنا بأنفسنا بعيدا عما يمارسه الأخرون. لأن لكل منطقة/شعب خصائص لا يمكن أن تكون متماثلة مع أماكن أخرى.

الرواية منشورة على الحوار المتمدن على هذا الرابط
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=439738
لدليل في رواية
"النهر المقدس"
محمود شاهين
قبل البدء نحب أن نشير إلى أن هذا النوع من الروايات القصيرة ينسجم تماما مع العصر، عصر النت والسرعة، ومثل هذه الروايات بالتأكيد تحتاج إلى جهد استثنائي وقدرات خاصة من الكاتب، لأنها تقدم شكل الرواية بأقل عدد ممكن من الصفحات، كحال قصة الومضة، من هنا نقول أن من يكتب بهذا النوع من الروايات لا بد أن يكون كاتب محترف ومتمكن من قدراته الروائية، وهذا ما أكده لنا "محمود شاهين" في رواية "النهر المقدس".
عندما نقرأ للكاتب اكثر من عمل في وقت واحد يمكننا أن نكتشف ما في داخله من مشاعر، وانعكاسها على ما قدمه من اعمال أدبية، بعد رواية "أديب في الجنة" وأبناء الشيطان" تأتي رواية النهر المقدس لتوكد أن "محمود شاهين" ينظر ويقدم المرأة بصورة المضطهدة، وهذا ما جاء في روايته "أديب في الجنة" عندما تحدث عن أمه والطريقة لقاسية التي استخدمها الأب في تعامله معها: "كان أبي أقسى أب يمكن أن يتخيله المرء... عاشت معه أمي أياما مريرة تحت وطأة ظلم فظيع، ...وما أن يجدها حتى يسوقها أمامه ويجلدها برسن البغل على ظهرها إلى أن يعيدها إلى البيت" ص437، وعندما تحدث عن "ذؤابة" في رواية "أبناء الشيطان" ايضا قدمها لنا بصورة المرأة التي تتعرض لكافة الضغوط النفسية والجسدية والاجتماعية، وفي هذا الرواية "النهر المقدس" يقدمها لنا امرأة مضطهدة ومع هذا نجدها تتحمل وتقبل أن تخوض مغامرة الهجرة مع دليل قذر يعمل لتحقيق مصالحه الشخصية، من هنا نجده يتعامل مع المحتل، ويتاجر بأروح الناس، دون وجود أي وازع أخلاقي يردعه.
قبل الدخول إلى شخصية الدليل "عارف العلي" ننوه إلى أن هناك تقارب بين شخصية "أبو الخيزان" بطل رواية "رجال في الشمس" لغسان كنفاني" وشخصية "عارف العلي" فكلاهما دليل، وكلاهما يتقاضيا الأموال نظير تهريب الناس، وكلاهما لا يلقيان بالاً بأرواح الناس، وكلاهما يتعامل مع "حرس الحدود" لكن الفارق بينهما أن الأول هرب رجالاً والثاني هرب نساء، من هنا سيدخلنا الراوي إلى الطريقة التي يفكر فيها "عارف العلي" تجاه النسوة اللواتي يقودهن إلى الضفة الشرقية للنهر، فأول ما فكرة فيه بعد أن حدد الثمن الباهظ "أربعون دينار" الذي سيتقاضاه عن توصيل "وردة" وابها "فارس" هذا الأمر: "لكن كيف اترك هذا الغزال من بين يدي، غزال يا عارف غزال، لحم كالفستق المقشر، أرداف، آه، كيف تتركها؟ بشرفك ألا تقبل أن تصحبها، بلا أجر؟! آخ، سمكة يا عارف، ما فيها جنس العظام وأنت الصياد، لا أحد ينادي ارجع، ارجع هذا يكفي" الدخول إلى داخل نفسية "عارف" أراد به الراوي أن يوضح لنا حجم القذارة التي وصل إليها، فلا يكفيه المتاجرة بالأرواح والعمالة مع المحتل، بل ويريد أن يستغل المرأة التي أؤتمن عليها ليأخذ حاجتها منها، لنتابع معا بقية الطريق إلى الضفة الأخرى من "النهر المقدس" "يقصر عارف العلي من خطواته.. يسير إلى جانب وردة يختلس النظرات إليها )عينان فم، خدود، عنق ، صدر، وردة إنها وردة فعلاً، من أسماها بهذا الاسم؟ تنزلق عيناه إلى أسفل، ينظر بعينين شبقتين إلى ردفين مكتنزين.. تجتاحه موجة من الشبق العارم.. تطرق أسنانه .. ترتخي شفتاه ما الذي يمنعك من رفع هذا الثوب عالياً، لتملس على هذين الردفين، تغرس أصابعك فيهما.. تفرك لحمهما حتى يقطر الدم منه.. تضجعها هنا على حصباء الوادي.. تقلبها بطناً وظهراً.. لا يوجد غير الشمس والجبال والأودية، علها تصرخ؟ قد لا تقبل؟ ما الذي سيحدث بعد ذلك، هل تهرب وتعود إلى القرية؟ ثم تفضحك بين الناس، وتخسر كل تجارتك بعد أن تخسر ثقة الناس.. أم تغتصبها وتقتلها إذا حاولت الهرب" أفكار شيطانية بكل معنى الكلمة، فهي يعقل أن يصل المؤتمن على امرأة ابنها في طريق خالاً من الناس أن يفكر بهذا الشكل الشيطاني،؟، وهل يمكن أن يكون الرادع عنده فقط الخوف من الفضيحة وخراب تجارته؟ وإذا ما توقفنا عند الطريقة التي يفكر بها تجاه "وردة" يتأكد لنا بأنه شخص فاقد لكل القيم الإنسانية ويتعامل بشكل شهوني غريزي.
رغم الطريق الطويل والشاق والحمل الثقيل الذي تحمله "وردة" ظلت صامدة تتحمل مشاق الطريق ووعورتها، لكن "عارف" يستغل كل شيء ليشبع حاجته من "وردة" فبعد مسير طويل وشاق يقرر أن يستريح وأثناء تنزيل الحمل و"فارس" عن أنه يقول "عارف" بهذا الفعل: "وضعت ورده الطفل إلى جانب حجر، وطلبت من عارف أن يساعدها في إنزال الحمل عن ظهرها.. وكانت فرصة أخرى غير متوقّعة أمام عارف، فوقف خلفها ملتصقاً. أمسك بالحمل عن ظهرها وأخذ ينزله .. أحست وردة بشيء جعلها تجزم أن عارف يتعمد التحرش بها‍! ! ولم تنبس مفضلة التريث على فتح المعركة معه." لكن هل سيكتفي هذا الشيطان بما قام به، أم أن أفكاره الشيطانية ستأخذه إلى ما هو أبعد؟ المشهد التالي يبين الطريقة التي يفكر بها: "ما أجبنك يا عارف لم يبق إلا أن تمد يدك وترفع هذا الثوب إلى أعلى، وبعدها ينتهي كل شيء... ماذا تتوقع من امرأة خائرة القوى أن تفعل معك؟ وليست خائرة القوى فقط، ولم تشاهد زوجها منذ ستة أشهر.. لماذا لا تمد يدك يا حيوان، يا جبان، لماذا؟" التفكير الشيطاني يفصل ويحلل كافة التفاصيل المتعلقة "بوردة" التعب والانهاك، وعدم أخذ حاجتها من زوجها "محمد" منذ أكثر من ستة أشهر، وهذا ما جعله يعتقد بأن الضحية ستسقط في شباكه، فكل الظروف تخدمه وتقف ضدها، من هنا نجده يتقدم خطوة ثانية تجاه "وردة" التعبة والوحيدة،
"ومد عارف يدا مرتجفة.. استقرت على أعلى فخذ وردة المسبلة الجفنين.. فتحت وردة عينيها، نظرت إلى وجهه ،بدا الاحمرار وقد اندفع منه، وظهر الرعب مسيطراً عليه.. وقالت بصوت لا يخلو من نفرة:
ـ ماذا تريد يا عارف؟
ارتعدت فرائصه"
ما حال دون اكمال الجريمة أن "عارف" شخصية مهزوزة، يفكر كتاجر، كشخص يبحث عن مصالحه المادية، ورغم أنه يفكر بالمتعة والحصول عليها وقد اتخذ مجموعة من الأفعال إلا أنه كشخص مهزوز لا يمتلك الجرأة ليكمل ما بدأ به، من هنا نجده سرعان ما تراجع أمام أول مظاهر الصد التي ابدتها "وردة" تجاه. فيأخذ في التراجع والتقهقر عن مشروع الاعتداء على "وردة". "أيقن عارف أن لا فائدة ترجى من وردة، وأنها قد تكون على معرفة تامة بنواياه. منذ أن لمس كتفها للمرة الأولى، وأنها كانت تكتم غيظها طوال الطريق.. ولم يفكر في أمر اغتصابها خوفاً على تجارته أن تبور وخوفاً على سمعته سيما وأنه من آل العلي الذين حملوا المشيخة أبا عن جد، ولهم مكانتهم بين العشيرة. كما أنه ليس بهذه الشجاعة؟؟ لكنه لم يقطع الأمل" من هنا يلجأ إلى اكمال الطريق من خلال الذهاب لإحضار بقية النسوة اللواتي ينتظره.
إذا كان امرأة واحد جعلت "عارف" يهيم بها، متخيلا إياها ملبية ما يحتاجه منه، فكيف سيكون حال مع خمس نسوة؟: "خمس نساء وفتاة عذراء، وأنت والليل والسماء والأرض، ولا تستطيع أن تفعل شيئاً.. تبا لك، جبان، جبان، سيقتلك الظمأ ولن ترويه مدى حياتك.. قال لك شلومو ماذا لديك اليوم؟ فقلت له خمس نساء وفتاة عذراء . قال لك هذا صيد دسم! ! فرفضت حرصاً على تجارتك وسمعة العائلة بينما صورة الفتاة العذراء التي ماتت من استمرار النزيف بعد أن قتل شقيقها واغتصبتماها وبعض الجنود تمثل في مخيلتك.. والآن ماذا ستفعل؟ ! ! اقترب من هذه العذراء ..أنظر كيف تضطجع على جنبها، إنها ممتلئة .. تمدد خلفها، حاول أن تتحرش بها، أملس بيدك على فخذها.. جبان لا تستطيع أن تفعل ذلك.. إذن عريهن في مخيلتك وضاجعهن في آن واحد أيها الجبان، دعهن يستلقين على بطونهن تحت ضوء القمر.. هكذا .. يا سلام..، إنها ليست المرة الأولى التي تعرّى فيها النساء على ضوء القمر، أنظر إلى سحر الأجساد المستلقية أمامك.. بمن تبدأ؟ بالعذراء؟ والأخريات؟ فيما بعد، ليكن ! ما أجملك أيها القمر! ! وما أجمل الأجساد عندما تتعرى على نورك! " بهذا المشهد يدخلنا الراوي إلى حقيقة "عارف" فهو قد شارك جنود الاحتلال في القتل والاغتصاب، لكنه هنا لأنه وحيد ويجد نفسه أضعف من أن يقدم على تنفيذ جريمة فعليا، لهذا نجده يقوم بها بالتخيل، وهذا التخيل لا يقل جرما عن تنفيذها على أرض الواقع، لأن ما يردعه ليس الأخلاق أو المثل، بل لأنه ضعيف ويخاف على تجارته أن تبور، وليس لأي سبب آخر.
التاجر لا يبحث إلا عن تحقيق الربح، لهذا نجد "عارف" الذي كان من المفترض أن يقطع بالنسوة النهر ويوصلهن إلى الضفة الشرقية منه، وأن يأمنهن في المواصلات، يتراجع عن كل هذا التعهد، عندما شاهد مجموعة من العائدين يريدون دليلا يوصلهم بأمان وبعيدا عن جنود الاحتلال، "وحتى لا يضيع عارف فرصة ثمينة، قد يقبض من ورائها مبلغاً محترماً، أعلن للنساء أن مهمته قد انتهت، وانثنى إليهن يهنئهن بسلامة الوصول. وبكل بساطة، أشار باتجاه النهر، وقال إنه ما عليهن إلا أن يقطعن هذه المسافة القصيرة بين الأشجار ليصلن إلى النهر، ويعبرنه بكل هدوء، إذ أن المياه قد لا تصل إلى ركبهن." لكن هل فعلا كان عبور النهر كما وصفه عارف، أم أن النسوة وخاصة "وردة" بعد الذي لقيته منه اعتبرت أن عبور النهر وحيدة أفضل وأرحم من أن يكون هذا القذر معها، فلم تبالي عندما تركها وزميلاتها الأخريات؟، "أرغمت وردة نفسها على الاطمئنان لكلام عارف كما أرغمت نفسها مسبقاً على التصديق أن تحرشاته عفوية بريئة! ! واندفعت أمام النساء فتبعنها ،وسمعت صوت أحد العائدين يقول: انتبهن من الدوامات!.. فانبرى عارف قائلاً: لا تخفن لا توجد دوامات في هذه المنطقة" "عارف" تاجر بكل معنى الكلمة حسب المفهوم الماركسي، لهذا لم يفكر إلا بالربح وبالمال، ولم تكن حياة النسوة بالنسبة له أي قيمة، فقد حصل على أجرته قبل أن يبدأ أول خطوة، وهنا ستكون النهاية مؤسفة "لوردة" بحيث تبتلعها الدوامة ثم تلقي بها جثه هامدة: ".. وبعد قليل شاهدن الدوامة تقذف بجثة وردة فتسحبها مياه النهر أمام عيونهن.. دون أن يتمكّن من عمل شيء... ومكثن يرقبن الجثة الطافية فوق الماء في ذهول مخيف، إلى أن حدّ الظلام من مشاهدتها.. فتراجعن إلى الشاطئ يلفهن الحزن والأسى، بينما صراخ الأطفال يعلو ويعلو في استغاثات مفجعة، ولم يعد جنود الاحتلال يخيفون أحداّ! ! !" نهاية مأساوية تتماثل مع نهاية رواية "رجال في الشمس" لكنها لم تطال إلا شخصية "وردة" وليس كل المجموعة، لكن تبقى صورة الدليل/القائد القذر والمهزوز والخائن والتاجر هي الباقية والفاعلة.
وعند نهاية الراوية نتوقف متسائلين لماذا جعل الراوي "عارف" طليقا ويكمل ما يقوم به من تجارة بشرية وعمالة للمحتل؟ ولماذا جعل "وردة" تعيش حالة الفرح فقط من خلال الذاكرة/التخيل؟، هل لهذا الأمر علاقة بما عاشه الراوي في طفولته، فكان عليه أن يموت "وردة" كإشارة وانعكاس لما مرة به بعد أن ترك أمه في حالة اضطهاد للأب وهاجر؟ أم أن هذه النهاية تحمل شيء من واقع الفلسطيني الذي يلاحقه الموت أينما ذهب؟، فكانت هذه النهاية تعبر عن واقع الحال؟

الرواية منشورة على الحوار المتمدن على هذا الرابط
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=441256

المعرفة في رواية
"أبناء الشيطان"
محمود شاهين
المجتمع العربي يهمل التعليم الجنسي ويتعامل معه كفعل محرم يحظر تناوله أو الحديث فيه أو عنه، فثقافة "العيب والحرام" ـ حسب راي الاستاذ "نضال دروزة" مسيطرة ومهيمن على العقول، لهذا نجد العديد من حالة الزواج تنتهي بالطلاق لوجود خلل في الثقافة لجنسية عند الأزواج، "محمود شاهين" يقدم رواية جريئة، لأنها تكشف احدى عيوبنا، وطريقتنا في التعامل مع المرأة، ففي هذه الرواية تتحمل "ذؤابة" من زوجها "حكيم" ما لا تتحمله عشيرة من النساء، إن كان هذا التحمل لكونها زوجة وعليها أن تحافظ على زوجها في مجتمع ذكوري ينظر إليها نظرة دونية، أو كانت أنثى وعليها أن تلبي وتشبع رغبات الذكر "زوجها" أو كانت إنسانة تتفهم الحالة المرضية التي يمر بها "حكيم" وعليها أن تراعي حالته.
الأهم في الرواية أنها تقدم لنا امرأة جلدة وصابرة لكنها تبقى إنسانة من هنا نجدها ـ احيانا ـ تتقهقر متراجعة عن ثباتها وجلدها أمام عتو حالة "حكيم" المرضية، يبدأ الراوي روايته بمشهد في غاية القسوة والعنف: "أركعها على ركبتيها على حافة السرير وشمر لباس البيت الفضفاض الذي ترتديه على ظهرها وحسر سروالها قليلا أسفل رد فيها واستل (سوأته ) ! وواقعها بعنف في سرعة فائقة متأوهاً بصوت عال دون أن ينزع قطعة من ملابسه، ودون أن تفارق مؤخرة فتاة البكيني التي شاهدها على المسبح مخيلته" رواية تبدأ بهذا المشهد لا بد أن تجعلنا نتألم لواقع المرأة، فهي مجرد وعاء يضع/يفرغ فيه الزوج حاجته، فما قام به "حكيم" لا يتعدى فعل حيوان يمارس غريزة الجنس. أما "ذؤابة" فكانت ضحية تغتصب أقرب منها إلى زوجة تمارس الحب مع زوجها.
لم تكن هذه المرة الأولى التي تعامل بوحشية من قبل "حكيم" ولم تكن المرة الأولى التي لا تشبع غريزيا كما شبع زوجها، بل هو نهج متكرر ومتواصل يقوم به "حكم"، وهي دائما من تقدم التنازلات له، فهي قبلت أن تكون وسيلة التفريغ حارم نفسها من المتعة في سبيل ارضاء الزوج المريض: "وصممت على أن تمتعه بأقصى ما تستطيع دافعها أمر واحد ، أن تجعله يشعر بالإشباع ويكف عن اختلاس النظرات إلى النساء، وكانت مستعده لأن تجعله يواقعها أينما شاء !!!" هذا حال المرأة العربية، لكن هذه الارادة تلازمها ألم جسدي ونفسي، وهنا تكون "ذؤابة" تمارس شيء من المازوشية بحق ذاتها، معطيه المجال "لحكيم" لأن يمارس سادية جنسية بشكل فج وغير عادي، "وحين استند على بطنها مقرباً باهه من عنقها ،احتوته بقبضتيها ،ثم أخذته ملء فيها ، وأطبقت عليه بشدقيها .
تأوه حكيم من أعماقه وذؤابة تقبل عليه تقديماً وتأخيراً. وجاهد قدر الإمكان أن لا يمثل فم سارة في مخيلته ، غير أنه لم يفلح .صرخ بعد لحظات .مخافة أن ينتشي في فيها ! " خلص توقفي " غير أنها لم تتوقف !!!!
ما أدهشه أن ذؤابة راحت تنتشي أيضا مطلقة الرعشات الرعشة تلو الرعشة . لم يصدق ماذا يجري " فهي هنا ضحية ومساهمة في جلد ذاتها، بينما كان "حكيم" جلاد بامتياز، يمارس دوره كذكر مسيطر ومهين لا ينافسه أحد في زوجته.
لكن ليت الأمر توقف عند هذا الحد، بمعنى أنه أخذ حاجته منها، ولم ليسمح لها بأن تأخذ كافيتها منه كما أخذ كفايته منها، بل نجده يمر بحالة من الصرع الشيطاني فيبدأ بالصراع: "باكيا من أعماقه ويلطم بيديه على جانبي رأسه " لا ،لا ، لا لا حول ولا قوة إلا بالله ، لا حول ولا قوة إلا بالله "" ولم يكتفي بهذا الأمر بل أضاف إليه هذا الفعل: " ابعدي عني ، لا تلمسيني ، الشيطان يسكنك الآن ، أنت قذرة ، وسخة "...لا ! عاهرة ! عاهرة ! اخرجي من حياتي ، انصرفي ، لن أحيا مع امرأة عاهرة تسكنها الشياطين " أي امرأة هذه التي تتحمل كل هذا، تتحمل ممارسة جنسية غير سوية، وزوج لا يعطيها كفايتها، وعليها أن تتحمل مرضه وما يلازمه من صراخ وشتم.
فهل سيتوقف الأمر عند هذا الحد أم أن هناك مزيد من الضغط ستتعرض له "ذؤابة"؟ ، المشهد التالي يعطينا الاجابة: "" أخرجي قبل أن أمزق جسدك "
تراجعت ذؤابة تقهقراً دون أن تستدير
... هربت نحو مدخل البيت ... . فوجئت به يخرج خلفها ويصرخ " أين تهربين يا عاهرة " ... فتح الجيران أبواب بيوتهم ليتبينوا الأمر . هرع شاب بعباءة خلف ذؤابة . توقفت حين التفتت وشاهدت الشاب يتبعها على المصعد حاملاً عباءة . لف الشاب العباءة على جسدها فيما فتحت فتاة باب بيتها وهتفت " ذؤابة حبيبتي "...كانت ترتجف بشدة والدموع تغطي وجهها" أي امرأة هذه التي تستطيع أن تتحمل مثل هذا الوضع؟ وأي ذكر هذا الذي يقوم بهذا الفعل؟ مشهد في غاية القسوة والعنف، ليس العنف الجنسي فحسب، بل العنف السادي، عنف متطرف وغير إنساني، ومع كل هذا نجدها تتحمل وتقبل بالزوج على علته.
يطلب منها "حاتم" أخ "حكيم" أن ترتدي النقاب لكي تخفف من حدة التوتر والمرض عند "حكيم" فما كان منها إلا أن قبلت الأمر بصدر رحب: " من أجل أن يشفى حكيم مستعدة لأن أرتدي النقاب مدى الحياة يا حاتم" بهذا الشكل كانت الزوجة العربية تتحمل فوق طاقتها الجسدية والنفسية والاجتماعية في سبيل الحفاظ على الزوج.
سنتوقف عند هذا الأمر لنشير إلى أن المرأة تلعب دور الضحية وبشكل متقن، فلا نجد منها أي مبادرة للرد أو للمواجهة أو لصد أفعال الزوج غير السوية، فقد وضعت نفسها لتكون "جمل المحامل" وكأنها كمرأة عربية عليها أن تقوم بهذا الدور فقط، وليس منن واجبها أن تقاوم أو تواجه العنف الجسدي والنفسي، من هنا نقول أن "ذؤابة" تعاني من "المازوشية" كما يعاني "حكيم" من السادية، وكأن المجتمع العربي مقسوم إلى هاذين المرضين، قسم مازوشي "نساء" وقسم سادي "ذكور" .
بعد أن تخف حالة "حكيم" المرضية يعود إلى البيت، لكن الحالة تعاوده بشكل أكبر من الأول، حتى أن "ذؤابة" تطلب من "حاتم" الحضور بعد أن كسر شاشة التلفزيون لأنه يبث صور شيطانية، وهنا تتعرض "ذؤابة" إلى ضغط إضافي عندما قبلت أن يسمع "حاتم" ما يدور بينها وبين "حكيم" لنجدتها عند اللزوم: "وحرصت على أن تخبره أن حكيم سيواقعها بعنف إن لم يكن بوحشية في تلك الليلة وعليه أن ينام عندهما حتى إذا حدث ما لا تحمد عقباه يتدبر الأمر .ستتحمل كل ما سيفعله حكيم إلا إذا تجاوز قدرتها على الاحتمال ، حينها ستصرخ باسمه وعليه أن يهرع لنجدتها فوراً . بل وطلبت إليه أن يظل قريبا من باب غرفة النوم ليسمع استغاثتها. وستحاول أن ترفع صوتها ليعرف ما يجري." لهذا نقول أن المرأة العربية تتحمل فوق طاقتها وتعطي أكثر مما ينبغي لها، ومع هذا تعامل باحتقار.
نلخص حالة المرأة العربية بما قاله الطيب النفسي عنها: "صدق أو لا تصدق ثمة نساء يتزوجن وينجبن ويمتن دون أن يعرفن ما هي النشوة الجنسية ،هن مجرد جسد شبه وعاء وظيفته أن يمتع الزوج ويتقبل إفراغ طاقته فيه ليحمل وينجب ، ويخدم الزوج" وهذه الشهادة كافية لنتأكد أننا نحن مجتمع الذكور ساديين في تعاملنا مع المرأة إن كنا نعي هذه الممارسة السيادية أم لا.
بخصوص حالة "حكيم" فقد أوضح لنا الطبيب ما يمر من مرض يتمثل في "مشكلة أخيك يا عزيزي هي هوس ذهاني ديني، يتصارع في شخصيته الجنس والدين ، الأول يدفعه إلى الحياة بجمالها والثاني إلى التدين ، ودائما ينتصر الدين عنده على رغبات الحياة .وهي الحالات الأخطر في الهوس الحاد ، مبعثها كبت جنسي وتربية دينية واجتماعية خاطئة بتخويف الأجيال منذ طفولتهم من عذاب النار ومن عقاب الله ومن غواية الشيطان" وهذا التوضيح لحالة "حكيم" يشير بطريقة ما إلى الحمل الثقيل الذي تحملته الزوجة.
ينهي الراوي روايته بنهاية طبيعية، حيث يستفحل حالة "حكيم" المرضية بعد أن يقوم والده بأرساله إلى أحد الشيوخ ثم إل أحد الكهنة بحيث يتعرض للجلد على مأخرته ليطرد الشيطان منه، وبعد أن يخرج من جلسة الشعوذة يقوم: "ليراه يتحول إلى وحش تكسو جسده حراب شوكية فتاكة ، راح ينتفض ويطلقها يمينا وشمالا وخلفاً وأماماً لتصرع أو تجرح عشرات الناس ، وكان أول الصرعى أبوه الذي اخترقت جسده سبع حراب . راح الوحش يجري صارخاً في الشارع " كفرة ملحدين " ويطلق حرابه في كل الاتجاهات ليصرع العشرات " وكرد طبيعي على هذا العنف كان لا بد من إيقافه بأي طريقة ومهما كان الثمن والذي جاء "وراحوا يطلقون النار عليه من مسدساتهم ، لكنه لم يسقط ، إلا بعد أن أتى أحدهم برشاش وأفرغ طلقاته في جسده"
الراوي يتعاطف مع المرأة وهو أن ينصفها، لهذا نجده ينهي روايته بنهاية سعيدة والتي جاءت بهذا المشهد "بعد قرابة ثلاثة أشهر من مقتل حكيم وأبيه .
تزوج حاتم من ذؤابة في حفل مهيب دام فيه الرقص حتى الصباح
... عاشت ذؤابة مع حاتم حياة سعيدة " وكأن الراوي لم يرد لنا أن نكون مكتئبين، فجعل النهاية سعيدة، أو أنه أراد أن يخفف عن بطلة الراوي "ذؤابة" فجعلها تنعم بحياة سعيدة في نهاية الأحداث. أو أراد أن يكافئها على جلدها وعلى صبرها وعلى عطائها بهذه النهاية، واعتقد بأن النهاية كانت موفقة تماما، وقد اعطت القارئ شيء من راحة الضمير خاصة بعد المشاهد القاسية والمؤلمة.
الرواية منشورة على الحوار المتمدن من خلال هذا الرابط http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=434543

أسئلة الوجود في رواية
"أديب في الجنة"
محمود شاهين
هناك العديد من الأسئلة تلازم وجودنا، من نحن؟، وكيف وجدنا؟، ومن أوجدنا؟، من هو الله؟، وما هي ماهيته؟، وأين هو؟، وكيف ولماذا خلقنا؟، وما علاقتنا بالكون؟، ما هو الموت؟، وما هو جحيم؟، وما هي جنة؟، وما هي الطاقة؟، وهل نستطيع أن نستغني عن الله؟، وهل نستطيع التحرر من أفكارنا الدينية؟، أسئلة كثيرة أخرى يقدمها الملك "لقمان" وعلينا أن نتوقف عندها.
رغم أن الرواية فكرية بامتياز إلا أنها تقدم لنا عالم خيالي، عالم الجنة وما فيها من نعيم، وتقدم لنا العوالم الأخرى وما فيها حياة، فالملك "لقمان" جال في الفضاء ووصل إلى ما لا يمكن للعقل البشري أن يصله، حتى أنه قدم لنا معجزة تتجاوز كوكب الأرض لتصل عظمة معجزته إلى العوالم الأخرى، فبعد أن واقع زوجته "نور السماء" حملت ب "سحب السماء" الذي حملت به وولدته خلال يوم واحد، وكبر في اليوم الواحد ثلاثة أعوام، "سيكبر ثلاثة أعوام في اليوم الأول لولادته، ومثلها في اليوم الثاني ومثلها في اليوم الثالث، وهكذا إلى أن يكمل ثمانية عشر عاما في ستة أيام، ليكون بذلك آية للبشرية تهديها إلى الصواب وطريق الخلاص" ص365، وهذا "سحب السماء" ما كان ليكون لولا تحرر الراوي من الأفكار التقليدية، فأراد به أن يكون "معجزة إلهة لم تحدث في تاريخ الخلق البشري من قبل" ص368و369، وكان "سحب السماء" غاية في الجمال حتى أن العديد من الأميرات والربات وقعن في حبه وتمنين أن يحظين به كزوج أو كعشيق، حنى أن هناك حروب كونية حصلت بسببه، وكانت آخر تلك الحروب مع أبو الربة "عشتار" الذي خاض حربا خاسرة مع الله رب الملك "لقمان" وانتهى به الأمر إلى الانتحار.
ما هنا يمكننا القول أن الرواية تعد خرقا وتجاوزا للأفكار التي نحملها، إن كانت على مستوى العقائد الدينية أو الفكرية التي نحملها عن الله وعن الكون وعنا نحن البشر، وعن الجن، وعن الجنة والجحيم والقيامة، وعن الزمن والوقت، عن المجتمع المثالي الذي نسعى له، عن الجنس عن الموت، عن الكون والعوالم الأخرى التي لا نعرف عنها شيئا.
التوحد
يحاول أن الراوي أن يفسر لنا حقيقتنا وعلاقتنا بالكون وبالخالق، وما هي العلاقة التي يمكن أن تفسر ـ منطقيا ـ حقيقة وجودنا، فهو يقدم أفكار وعلينا أن نتوقف عندها متفكرين بما جاء فيها، فهي ليست مقدسة بالتأكيد، لكنها مهمة لنتشيط الذاكرة والعقل ولفحص قدرتنا الإيمانية والعقائدية على الصمود أمام هذا التيار الجارف من الأفكار.
يقدم تفسير نشأت الكون بقوله: "فعملية الخلق يا صاحبات وأصحاب الجلالة، تكاملية بين الخالق وخلق، فلا خلق دون خالق ولا خالق دون خلق، ولا غنى لأحدهما عن الآخر، وفناء أحدهما فناء للآخر، فالله في كل كائن في الكون وفي كل إنسان، يسري بطاقته العظيمة الخلاقة في كل جسد، وفي كل مكان، دون أن يحد وجوده مكان أو زمان، ونحن دون طاقته السارية فينا، لن نقدر على فعل شيء، أو أن نقوم بأية حركة" ص16، بالتأكيد لن نتفق في كل ما جاء به "لقمان" فهو ينفي وجود الخالق في حالة نفي وجود المخلوق/المخلوقات، وهنا نطرح سؤال: هل المقصود بالمخلوقات الكائنات العاقلة، الإنس والجن والملائكة؟ أم الجمادات والكواكب الأخرى؟ فإذا كانت الاجابة كل المخلوقات العاقلة وغير العاقلة فهذا يقودنا إلى أنه يمكن أن نستغني/نلغي وجودنا نحن، ونؤكد بقاء ووجود الخالق، ما دام هناك مخلوقات أخرى ـ الجمادات والكواكب ـ موجودة، لأن عدم وجودنا هنا لا يلغي الموجودات الأخرى ومن ثم لا يلغي وجود الخالق، لا يلغي وجود الله.
ومن مظاهر التوحد بين الخالق والخلق:
"لنشهد أن لا إله إلا الله
ونشهد أن الإنسانية حبيبة الله
هي إليه تستند
وهو عليها يعتمد
لا غنى للخليقة عنه
ولا غنى له عن الخليقة
فهو الواحد في الكل
والكل في الواحد يتحد" ص25، يحاول الملك "لقمان" أن يمرر مفاهيم خاصة به من خلال التوحد بين الخالق والمخلوق، وهنا المقصود بالمخلوق الإنسان دون سواه من المخلوقات الأخرى، فهناك الكواكب والمجرات والجمادات وحتى الحيوانات والأشجار التي تعتبر جزء اساسي وحيوي من الكون المخلوق، فهل هذه المخلوقات تستطيع الاستغناء عن الخالق؟، وهل الخالق يستطيع أن يستغني عنها؟، الاجابة على السؤال الأول بالنفي، لأن الخالق هو من يسير الكون ومن أوجد الاسباب لبقائها موجودة وفاعلة، بينما الاجابة على السؤال الثاني بالتأكيد، لأنه ليس بحاجة إليها، وهو في غنى عنها، ولا يشكل ـ فنائها ـ بالنسبة له أي مشكلة، وبما أنه المالك المطلق للكون وما فيه ويقدر أن يخلق عوالم أخرى من لا شيء، فإن فناء هذه المخلوقات لا يزيد أو ينقص من ملك الخالق شيء.
"لقمان" يحاول أن يمنطق أفكاره ويجعلها عقلية مجردة، يقول عن الله: "لم يكن هناك ومنذ الأزل إلا الخالق وحده، الذي كان يخلق نفسه بنفسه لنفسه، وظل يخلق نفسه بنفسه لنفسه، وما يزال يخلق نفسه بنفسه لنفسه" ص108، هل يمكننا القبول بفكرة أن الخالق يخلق نفسه بنفسه ولنفسه؟ أم يكفنا أن نقول أن الله موجود منذ أن لم يكن هناك احدا/شيء/ سواه، وكل ما بعده هو/هم مخلوق منه؟.
يحاول "لقمان" في موضع آخر أن يخلط الخالق بالمخلوق فيقول:
"أنا الله أل بلا حد
لا غنى للخلقة عني
ولا غنى لي عن الخليقة
فنحن الواحد في الكل
والكل في الواحد يتحد" ص133و134، لا أدري لماذا يصر "لقمان" على هذا الجمع بين ماهتين مختلفتين، ماهية الخالق وماهية المخلوق؟، ولماذا لم يفصل بين المخلوقات العاقلة إن كانت بشرية أم جنية أم نورانية أم غير العقلانية مثل الحيوانات والأشجار، وبين المخلوقات الأخرى من جمادات وكواكب ومجرات أو أي مخلوقات نحن لا نعرفها، وهي بالتأكيد موجودة؟
فهو يتعمد أن يوصلنا إلى هذه المقولة: "فالوجود واحد وليس وجودين، خالق ومخلوق، فالجميع حسب رأي جلالتكم خالقون ومخلوقون" ص140، فالمقطع الأول خاطئ لأنه هناك خالق ومخلوق، والمقطع الثاني صحيح نسبيا، بمعنى أننا نحن البشر مخلوقون وخالقون في الأرض، من هنا نحن نعمرها ونوجد فيها كل ما هو جديد، لكن لا يمكن أن نقول عن الخالق بأنه مخلوق أو أنه يخلق ذاته أو يخلق نفس.
"ويقول: "عملية الخلق تكاملية بين الخالق والمخلوق" ص145، فكرة صحيحة نسبيا، بمعنى أن الخالق الذي خلقنا وخلق الكون، أوجد الأسباب التي يمكننا من خلالها أن نطور العديد من الوسائل الخدماتية أو المعرفية التي تقربنا من المعرفة ومن الراحة وتبعدنا عن الجهل والتعب، من هنا كلما خلقنا/وجدنا/اخترعنا شيء يبنى عليه ليسهل وليكون مقدمه لخلق/ايجاد/اختراع شيء أكمل وافضل واجود من سابقه.
يحاول "لقمان" أن يجمع المتناقضات من خلال قوله:
"أنا في الهيولى البدائية كنت
دون أن يكونني أحد
أوجدت نفسي بنفسي لنفسي
دون أن أدري ما الغاية وما القصد
وبقيت دهورا كامناً
لا أدري إن كانت أدري ما أريد
وما لم أرد" ص156، هل يمكن أن يكون الخالق "لا يدري ولا يعرف" فهو أقرب إلى المجرب منه إلى الخبير العليم الحكيم، فهو كالإنسان الأول يخوض تجارب دون أن يدري ما سيصل إليه أو ستصل له التجارب/الأفعال التي يقوم بها، ومن خلال هذه الطرح يريد "لقمان" أن يقنعنا أن الخالق والمخلوق هما واحد ولا يمكن الفصل بينهما، ليس في الماهية فحسب بل بالتفكير وبالأعمال والأفعال والغايات والوسائل التي ينتهجها، وهذا الاسقاط البشري على الخالق يتماثل مع ذلك الذي كان في بداية تشكيل المجتمعات البشرية التي اعطت الآلهة صفات بشرية، واعمال كالأعمال التي يقوم بها الناس، فجعلوا منها الأرباب والربات وهي تغضب وتفرح وتتزاوج وتنجب، وهذا الورائية كان على "لقمان" أن ينتبه لها، ويقدم أفكارا متطورة ومتجاوزة ما قدمته المجتمعات القديمة، لا أن يأتي بها كما جاءت قبل أكثر من خمسة آلاف سنة.
وهذا ما كان فعليا عندما جسد "لقمان" الله في هيئة إنسان وقدمه لنا بهذه المشهد: "...احتضنته واحتضنني، نشرع في البكاء على كتفينا، نبكي فرحا بلقائنا وحزنا على عدم تحقيق طموحاتنا، فقد بدا الله حزينا لأنه لم يستطع بعد أربعة عشر مليار عام من عملية الخلق أن يحقق الوجود الكامل والإنسان الكامل، وأنا بدوري فشلت في أن أهدي إنسانيا إلى إيماني حسب رؤياي، جففنا دموعنا ونحن نعود إلى جلوسنا، أحدنا في مقابل الآخر، سألت الله:
ـ لماذا كلفت نفسك وتجسدت في صورتي لتظهر لي يا إلهي؟ قال:
لأنني في حاجة إليك لأن تكون معي على كوكب الأرض وليس في الكون كله." ص344، فالله هنا هو الصورة البدائية التي شكلها الإنسان القديم عن الله، فجعله يقوم بعين الأفعال والأعمال التي يقوم بها الإنسان، فتجاوز الصورة المطلقة التي جاءت بها الله في آخر رسالة سماوية، رغم أنه كان يمكن أن يأخذ بها ويقدمها كفكرة تنسجم ما الله المطلق وليس مع الله المجسد بشريا، لكن يمكن أن "لقمان" ما زال يعيش في عالم الأساطير والتجسيد البشري، فلم يستطع أن يتحرر بعد مما علق في ذهنه من افكار بشرية عن طبيعة وماهية الله، فقدمه لنا بصورة إنسانية كاملة لهذا وجدناه يبكي كما نبكي.
حتى عندما أريد "لقمان" أن يقربنا من الفكرة الصوفية والتي تتمثل بالتوحد بين الخالق والمخلوق كما جاء عن الحلاج، قدمها لنا بشكل بدائي: "...وستكون دون البشر أول إنسان يتحد مع وجودي ويحل في وهو حي، ودون أن يذوق طعم الموت، أتمنى لك وجودا جميلا في وجودي، وسأجعل من اتحادك بي وحلولك في آية وعبرة ومعجزة للبشرية كلها، ...ومد الله يديه ووضعهما على كتفي قبل أن يعانقني مودعا، قال:
ـ أنت بعد اليوم لن تكون أنت، وصورتي هذه لن تكون ثانية، أودعك ايها الحبيب" ص345، لا ادري لماذا يصر "لقمان" على أن يكون الله على هيئة إنسان، وليس دون تحديد، وهذا يعطيه عظمة أكبر، فالتجسيد دائما يقلل من المجسد، ويجعله ضمن المنظار المحدد، المعلوف، على النقيض من الفكرة غير المجسدة، وهذا ما جاء به القرآن الكريم عندما صورة "شجرة الزقوم" ب"رؤوس الشياطين" فلا نحن عرفنا الشجرة ولا شاهدنا رؤوس الشياطين" وهذا ما جعل الصورة اكثر اتساعا وغير قابلة التحديد، فكان وقعها وأثرها على القارئ/المستمع أكثر وأكبر.
الطاقة
يحاول "لقمان" أن يستخدم المصطلحات العلمية في تقديم أفكاره عن الله والخالق والخلق، فيستخدم "الطاقة" كوسيلة علمية يمكنه من خلالها أن يقنع البعض بما يقدمه من افكار:
"ـ ما هو الخلق مثلا؟
ـ الخلق تحولات وتجليات الطاقة والمادة.
ـ وأين توجد الطاقة والمادة؟
ـ الطاقة تسري في الكون والكائنات وتتجلى كمادة في الكون والكائنات.
...
ـ هل هي أزلية؟
ـ أجل.
ـ هل هي مكتملة؟
ـ أبد ليست مكتملة ولا تعرف ما هو الكمال المطلق ومتى تبلغه رغم قدرتها العظيمة.
وعملية الخلق كيف تتم؟
ـ عملية الخلق تكاملية بين الطاقة والمادة، أي بين الخالق والمخلوق، فالكائنات تخلق نفسها بنفسها بفعل الطاقة الناتجة عن العناصر المادية التي توفر لها وتفاعلها مع الطاقة الكلية السارية في الكون" ص116، يمكن قبول هذا الافكار بشكل نسبي انتقائي وليس بشكل كلها، فهي تتفق جزئيا مع قول "بن رشد" هناك السبب الأكبر هو خلق الله للكون وما فيه، وهناك السبب الأصغر وهو أن الإنسان مسؤول عن أفعالة وعماله" فعملية الخلق الأولى تمت وصدرت عن الله، وهي مستمرة من خلال تعاقب الفصول ومتواصلة، فهي مكتملة نسبيا، لهذا نجد في كل عام عين الفصول والأيام، لكنها في ذات الوقت تعمل ضمن مسلسل لا بد أن ينتهي في زمن معين، فهي من خلال تعاقب الأيام والسنون تعمل للوصول إلى نهايتها، لهذا هي غير مكتملة ـ نسبيا ـ فكمالها يعني نهايتها، لأن الموت هو النهاية الطبيعية لأي بداية، لأي مخلوق.
يحاول "لقمان" أن يجرد الطاقة عن محيطها الإنساني بحيث تكون مادة صرفة: "أن الطاقة ليست إلهاً، وغير قادرة على كل شيء، وبالتالي هي ليست إلهاً، إنها طاقة سارية في الكون والكائنات يتم بواسطتها فعل ما هو خير وفعل ما هو شر أيضا في عملية الخلق" ص150، بهذا الشكل يحاول "لقمان" أن يبرر الأفعال التي لا يرضى عنها والتي تسبب الخراب والموت، فهي منفصلة عن أي فعل إنساني، ومتحررة من الخضوع للمفاهيم والأفكار الأخلاقية والمثالية التي يحملها "لقمان".
لكنه في موضع آخر يقدمها لنا على أنها متوحدة مع الخالق،ـ أو هي والخالق شيء واحد: "الخالق: طاقة أو قدرة سارية في الخلق كله، لم ينزل تشريعات ولم يرسل انبياء، وهو محبة مطلقة وخير مطلق وعدل مطلق، 1. يفهم الانبياء على أنهم عرفوا دورهم في المجتمعات بأن يكون أنبياء، فكانوا، أي هم من قرروا أن يكونوا أنبياء وليس الطاقة الخالقة أو الخالق، أي كما يختار الإنسان أن يسلك طريق الفلسفة والحكمة.
2. الطاقة طورت نفسها بنفسها عبر مليارات السنين، من المادة التي وجدت فيها، وما زالت تتطور لتصل إلى الكمال ما غير معروف بالضبط، لهذا فالخلق غير مكتمل حتى الآن
3.
الطاقة لا تنفصل عن المادة والمادة ولا تنفصل عن الطاقة.
الوجود مكون من مادة وطاقة ولا شيء غير ذلك.
8. الكائنات تخلق نفسها بنفسها بفعل الطاقة الناجمة عن العناصر المادية الأولية التي توفرت لها" ص178و179،
الفقرة الأولى تشير إلى أن الإنسان هو من يقرر أن يكون نبي أو رسول، وليس السماء، الله، فهو من يختار ويحدد ماهية ذاته، وهذا يحمل شيء من عدم المنطق، فكيف يختار/يتشكل/يريد الإنسان ليكون صاحب رسالة دون أن يعلم ماهية هذه الرسالة وماذا سيقول فيها، وما هي الفكرة التي تحملها رسالته؟ ومن هي الجهة التي سيوجهها لها، وما هو السبب الذي يجعله أن يكون ـ دون غيره ـ صاحب رسالة، اسئلة من حقنا أن نطرحها على "لقمان".
في النقطة الثانية يعدينا "لقمان" إل فكرة الخلق الذاتي للكون وما فيه، وهي أيضا فكرة غير منطقية، فعل المادة/الطاقة جاءت بنفسها ولنفسها وتعمل بنفسها، وهي تسير دون وجود خطة واضحة لها، فكيف تعمل دون وضوح الخطة، الهدف الذي تسعى إليه؟، فهي هنا أقرب إلى العمل الطبيعي اليومي والذي يتماثل مع تعاقب الأيام والأشهر والفصول، دون وجود أي هدف غاية منه سوى تكرار ذاته ليس أكثر.
وفي النقطة الثالثة يجمع بين المادة والطاقة فهما مصدر للحياة والكون، وهنا يجبرنا "لقمان" على التوقف، فهذا الأمر يمكن أن ينطبق على الجمادات وحركة الطبيعة، أما فيما يتعلق بالكائنات الحية، من أشجار وحيوان وإنسان فلا يمكن تكون صحيحة لأن هناك" روح" وهي لا تخضع لمسائل المادية، وإنما لشيء خارق للطبيعة/للمفاهيم الإنسانية، فعندما تذهب الروح يمسى الجسد بلا فعل ويبدأ في التفكيك والتحليل، وهذا يقدنا إلى نفي النقطة الأخيرة التي يتحدث فيها عن خلق المادة لذاتها، فهل يخلق الجسد الميت جسد حي؟ وهل يمكن للميت أن يصبح حي؟، من هنا كان على "لقمان" أن يفصل بين العناصر الجامدة والعناصر الحية ليكون أكثر منطقية في طرحه للأفكار.
والطاقة تتماثل مع الله في عدم الفناء: "ـ أبدا الطاقة لا تموت، كأهم تجليات المادة وتحولاتها" ص257، "لقمان" يحاول أن ينحي فكرة الله المطلق ويستبدلها بالطاقة، والتي يعطيها صفات ربانية، بحيث تكون هي الله، وهذا ما جاء بشكل واضح عندما قال: "إن كل فعل نقدم عليه هو بفعل الطاقة السارية في اجسادنا، لكن ليس بتحكمها فيه، فنحن إن ارتكبنا خيرا أو شرا نرتكبه بفعل هذه الطاقة دون أن يخالجني شك بأن الطاقة مع فعل الخير وليست مع فعل الشر" ص273و274، إلغاء منطقي لفكرة الشيطان/الشر، لأنه يحملنا نحن الفاعلون تبعية هذا الفعل، إن كان جيد أم سيئ، فهي يحرر الطاقة من أي صفات إنسانية أو ربانية، لأنها في النهاية ناتجة عن مادة، والمادة بحد ذاتها لا تحمل صفات إنسانية، خير أو شر، لهذا نقول بأن هذا القول في هذا الموضع صحيح تماما، لكن هل قصد لقمان" المادة والطاقة بصفتها المجردة؟ أم أراد شيء آخر؟.
يجيبنا بقوله: "بأن الخالق العظيم ليس إلا طاقة الطاقات السارية فينا من أعلاه إلى أدناه، وأنها تتمظهر وتتجلى في الوجود بكل مكوناته، وأن الكائنات الحية لا تستطيع أن تقدم على فعل أي شيء دون هذه الطاقة، وإذا أردنا الدخول في عملية الشروع في الفعل الدى العقل، فإنما نرى أن أمرا طاقويا فوق إلكتروني هائل السرعة يصدر عن الدماغ إلى المجال لطاقوي الحيوي المحيط بالإنسان، المتصل بطاقة الكون الكلية والعقل الكوني، ليقوم بالتفكير أو الفعل" ص283و284، إذن الطاقة لم تكن مقتصرة على مفهومها المجرد، بل أراد بها "لقمان" أن يؤكد على أنها والخالق شيء واحد، كما هو الحال بين الكون والخالق، بين المخلوق والخالق، وبالتأكيد أن هذا الجمع أو الخلط غير مقنع ولا يتوافق والطبيعة الإلهية التي تتجاوز المادة/الطاقة وتتميز علنها بمسألة الروح.
الخيال والواقع
يشكك "لقمان" بين وجودنا الواقعي ووجودنا في الخيال، فهو يعمل على (لخبطة) مفهوم الوجود، هل هو حقيقي، واقعي، أم خيالي وهمي، "يقدم في بداية الرواية أسئلة عديدة حول الواقع والخيال، لكنه يحاول أن يجيب على بعضها في متن الرواية، يقول: "نعم أنتم حقيقة، لكن بقدر أنتم خيال، الوجود الحقيقي هو الله وحدة، وما الوجود المتجلي إلا مجرد وهم" ص104، إذا ما توقفنا عند قوله السابق "يخلق نفسه بنفسه ولنفسه" فهذا يتناقض مع قوله هنا أن "الحقيقي هو الله وحده" فبما أن كل الموجودات الخالقة والمخلوقة تحمل بين ثناياها الوهم والخيال فأين هو الواقع؟ الحقيقي؟ أم أن "لقمان" مصاب بحالة من عدم الوضوح والجمع و(اللخبطة) بحيث لا يريدنا أن نمسك بأفكاره، فيجعلنا نضيع بين الوهم والحقيقة، كما ضيعنا بين طبيعة الخالق والمخلوق؟.
هذا الجمع بين المتناقضات، وعدم تحديد الأنواع والأصناف حسب طبيعتها، ليست المادية فحسب بل الروحية يقدم عليه "لقمان" فيقول على لسان زوجته الجنية "نور السماء": "إذا كان الوجود نتاج خيال طاقة ما ولتكن إلهاً فنحن نرى ونلمس تحقيق خيال! حتى تخيل، ما هو مجسد واقعيا، يغدو مجسداً، كما أنا الآن مجسدة مع أنني جنية" ص111، عندما تشتبك الأمور على "لقمان" يحاولا الزوغان من خلال استخدام مصطلحات تسهل عليه عملية الهروب إلى الأمام، فيستخدم كلمة "طاقة وجنية" محاولا أن يقنعنا بوجهة نظره.
وهذا الأمر يعيده في أكثر من موضع، يقول: "نحن في واقع متخيل ومتخيل غير واقعي" ص190، عدم تحديد المسافة الفاصلة بين الواقع والمتخيل/الوهم/الحلم يشير إلى عدم اكتمال الفكرة عند "لقمان" لهذا نجده يمارس الجمع والخلط بين عناصر غير متحدة أصلا وغير متوافقة لا في المفهوم ولا في العناصر ولا في الطبيعية.
فعدم وضوح الفكرة واكتمالها عند "لقمان" جاء في هذا القول: "هذا الواقع ناتج عما تخيلته أنا، وما تخيلته أنا ناتج عن عقلي، وما عقلي وما نتج عنه من خيال وتحقيق إلا بفعل الطاقة السارية في جسدي المتصلة بالطاقة الكونية السارية في الخلق، وإن شئت الألوهة، وإن شئت الخالق العظيم! وطالما أننا نحس بوجودنا فهو من منظورنا واقع واقعي، بغض النظر عما إذا كان من منظور الألوهة واقعا حقيقيا أو افتراضيا متخيلا" ص272، هل هذا تراجع عن فكرة الخلط والجمع بين الخيال والواقع؟ أم أنه لعبة جديدة قام بها "لقمان" حاول من خلالها أن يزيدنا تشويشا؟ أعتقد أن في أخر الفقرة السابق ما يشير إلى أن الفكرة لم تكتمل عند "لقمان" لهذا نجده يضيف ويطورها كلما فكرة فيها أكثر، ويمكن له أن يزيد ويزيد إلى ما شاء الله دون أن كل أو يمل، فبما أنه يتحدث عن فكرة "الخلق غير مكتملة، والتي خلقت نفسها بنفسها ولنفسها، ودون أن تعلم/تخطط/تضع الاستراتيجية المناسبة لما تقوم به، فأن الأفكار التي يطرحها تخضع لعملية التجريب والتطور إلى أن تصل إلى ما هو مقبول منطقيا ، ولا أقول مقنع.
وهذا ما اعترف به وأقر به "لقمان" عندما قال عن خالقة وموجده "محمود شاهين" "المشكلة أيها الأديب أنك ترى الحقيقة خيالا ولا تريد أن ترى الخيال حقيقية، وآمل أن لا يضيع عقلك بينهما" ص435، بهذا يمكننا القول أن الفكرة التي يقدمها "لقمان" لم تكتمل ولم تنضج كفاية عنده، فقدمها لنا بشكل "بيضة خداج" لا هي قابلة لنمو لتكون طيرا، ويصعب أكلها لأنها غير ناضجة بعد.
الفكر

إذن "لقمان" يقدم لنا أفكارا غير كاملة وهي في طور التطور والتكوين، ولا يدري إلى أين سيصل بها ومن خلالها، وإلى أين ستوصله، وبما أنها أفكار ستكون المساحة المتاحة لها واسعة، بحيث يكون من الصعوبة تحديدها أو الامساك بها، من هنا يعمل "لقمان" بشكل منهجي على الافلات من تحديد ما يريده بدقة وبوضوح، يقول: "وأنا لن أتأكد من صحة أفكاري إلا بلقاء الله نفسه، وإن لم ألتقيه سيظل فهمي اجتهادا كغيره قابلا للخطأ والصواب" ص179، فكل ما يقوله يبقى ضمن دائرة الشكل والنقاش والحوار والتجريب، لكنه يضعنا في خانة المستحيل عندما طالب بلقاء الله نفسه ليؤكد الأفكار الأخرى التي لا تتوافق مع أفكاره وتخالفها، فمن أين نأتي أو كيف نعمل على ايجاد هذا اللقاء بين الخالق والمخلوق؟
يعود بنا "لقمان" إلى المربع الأول من خلال اللعب بالمصطلحات وتداخلها، يقول: "...لأن الدخول في العقل الإنساني والدماغ والنفس والروح والضمير والزمان وحتى المكان والله نفسه ووجوده، مصطلحات أوجدها العقل البشري بعد اختراع اللغة قبل بضعة آلاف معدودة من السنين، ولم تكن معروفة للبشر قبل ذلك، وهي مسائل أو مصطلحات أعجزت العقل البشري حتى الآن عن إيجاد أجوبة قاطعة عنها، وخاصة فيما يتعلق بالله والعقل" ص282، بهذا الكلام يبرر "لقمان" لنفسه ولنا الأفكار والتحليلات التي يطرحها، فبما أن هناك مسائل ما زالت غير مكتملة عند البعض وغير حقيقية وقابلة للنقاش فمن حقه أن يدخل فيها ويقدم ما اعتقاده فيها. ولكنه هل فعلا أن "العقل الإنساني والدماغ والنفس والروح والضمير والزمان وحتى المكان والله نفسه ووجوده" أوجدها العقل البشري؟، ولم تأتي من الخارج، من عالم غير محسوس وغير ظاهر لنا؟ وما الدليل على أنها من اختراع العقل البشري؟ فمن المكن أن تكون هناك بداية لغوية أوجدها الخالق في الإنسان الأول وتم تطويرها ونموها إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه الآن دون أن ندري، أليس باستطاعة الله الذي أوجد الكون وما فيه بقادر على خلق لغة أو لغات بشرية تتطور كما تتطور بقية المخلوقات الأخرى كما هو حال الإنسان والكائنات الحية لأخرى؟
وهذا الأسئلة قريبة من السؤال الذي وجهه الإمبراطور "للقمان"
"ـ أتساءل لماذا ليس في الإمكان أن يكون العقل أولا وبه تم خلق الوجود!
ـ لأنه لا يمكن أن يوجد عقل في العدم ومن العدم، هل ستعيدنا إلى البدء بالكلمة ليكن كذا فكان! أي أنه كان يوجد عقل إلهي في العدم ويعرف لغة أيضا؟" ص321، هناك احتمل أن يكون الخالق أوجد اللغة/الفكرة قبل أن يبدأ في خلق المادة والكون، وبما أننا نحن البشر والكائنات الحية من حيوانيات وجن وملائكة لسنا مادة فقط بل مادة وروح، والروح لا يمكن أن تعرف أو الامساك بها بالمطلق، لأنها شيء نحس به ونشعر بوجوده ولا يمكننا أن نجسده بالمادة، يمكننا الافتراض بوجود عقل/فكرة خارج المادة المحسوسة لنا نحن البشر، وبما أننا نؤمن بوجود التخاطر وبوجود الجن وبالأعمال الخارقة التي يقوم بها البعض يمكننا الإيمان والجزم بوجود العقل/الفكر قبل وجودنا المادي كبشر وقبل وجود المادة نفسها الكواكب والمجرات.
الاسئلة
أهم ما في الرواية الأسئلة التي تطرحها، فهي تحفز العقل على الخوض في تفاصيل تعتبر من المحرمات والمحظورات، ومع هذا استطاع "لقمان" أن يقدمنا منها حتى وأن لم يقنعنا بما يقدمه، يبقى إثارة أفكار الوجود مهمة وحيوية لنا ولعقولنا، لأن الإثارة تحفز وتنشط العقل وتخلق فضاءات غير متاحة في الحالة العادية، لهذا نقول ان "لقمان" فعل بعقولنا ما لم يفعله أحد وجعلها تبحث وتستفسر عن العديد من المسلمات والحقائق، خاصة ما يتعلق منها بالوجود والكون والله.
"ـ ما المقصود بالربوبية؟
ـ هي الإيمان بوجود رب لكن أحدا لم يعرف طبيعته وجوهره بعد" ص142.
"...فهو لا يعتبر الإلحاد ولو مجازا خارج دائرة الإيمان، فالإلحاد إيمان بالوجود" ص147.
"ـ هل ترون أن الألوهة تدرك وجودها، وأن كانت عقلا هل هو منزه عن المادة؟
وهل يحق لأي إنسان أن يعتبر نفسه إلها أو عقلا أو خالقا؟
فلماذا تبحثون عن الله؟ هل تشكون في وجوده" ص294،
"هل ترى أن الخالق في بداية التكوين، قد مر بتجارب كثيرة إلى أن بدأ الإمساك بحقائق نظرية؟" ص299.
"إذا اعتبرنا أن الذات الخالقة مدركة لوجودها، فلا يعقل لمن يتحد معها أن لا يدرك وجوده، كونه جزءا منها؟" ص312.
"هل نعتبر أن من يقتل إنسانا يقتل الله؟" ص317.
"إلا ترون أن من أبدع القوانين وأوجدها قادر على خرقها؟" ص332.
"لماذا ورث الخالق هذه المهارات للحيوان ولم يورثها للإنسان رغم أنها نتاج طاقوي أيضا" ص382.
"لماذا لم يجسد الخالق تخيله بنفسه وتركه للإنسان وربما للكائنات الحية الأـخرى أن تراه مجسدا وهو ليس كذلك؟" ص428.
"لماذا أراد الخالق أن يجعل الإنسان المتخيل يتجلى ـ بمعنى أدق أن يرى نفسه متجليا ـ والكائنات المتخيلة بدورها، تتجلى، قبل أن يكتمل تخيل وتصور عملية الخلق بركتها؟" ص432.
نترك هذه الأسئلة كما هي دون الخوض فيها، لكن تبقى اسئلة "لقمان" مشروعة لتقديم افكاره والتي أراد بها ومن خلالها أن يؤكد فكرته حول الكون وما فيه، والمتوحد مع الخالق، وعلى تطور الكون معرفيا/فكريا وماديا وطاقويا.

لقمان والله
يتناقض "لقمان" مع ما قدمه لنا من افكار عن الانبياء والرسل، فقد سبق وأن قال أن الانبياء هم من يختارون أن يكونوا أنبياء، ولا يختارهم أحدا، لكنه عندما يحدثنا عن ارتباطه بالله ينسف ما قاله في السابق: "ليس في مقدوري أن أصف لك شعوري ومدى فرحتي وأنا أدرك أن الخالق اصطفاني من بين البشر وأنني الآن أزف إليه في هذا المعراج المهيب لأحل في ذاته وأتد بها إلى الأبد" ص348، وهذا دليل إلى أن الأفكار التي يقدمها "لقمان" لم تنضج بعد ولم تكتمل، لهذا تبدو احيانا متناقضة وغير متوافقة مع بعضها البعض.
المسيح
يقدم لنا "لقمان" فكرة جديدة عن المسيح، فهو يطرح حول شخصيته مجموعة من الأسئلة من الواجب أن نتوقف عندها، لما فيها من إثارة عقلية: "إذا كان الخالق هو يسوع المسيح فمن كان يدير الكون خلال أيام موته الثلاثة؟ وفي الإمكان أن أتساءل بدوري، رغم محبتي للمسيح: هل كان المسيح إلها منذ ولادته؟ وهل كان يدير العالم وهو طفل؟، وإذا كان هذه هي الحال، فمن خلق الخلق وأداره قبل ولادته؟" ص164.
القيامة
أثر المعتقد الديني لا بد أن يكون حاضرا عند الإنسان حتى لو أظهر أشكال من التمرد وعدم اليقين بهذا الدين، "لقمان" يرسم لنا مشاهد تشير إلى أثر المعتقد الديني عليه من خلال حديثه عن مشاهد تتماثل مع تلك التي تتحدث يوم القيامة، "ازدحمت في الأفق أفلاك، ودنت كواكب من كواكب، وتألفت في السماء نجوم، وهام في الكون أقمار دنت من أقمار، وطارت شهب شهبا ومذنبات، ...وتفجرت في أديم الأرض طاقة أحالت عناصر الأجداث إلى كائنات طاقوية وطاقات، أحدثت لجة في معمعة الخلق، فتأججت نيران براكين وانفجرت مرسلة إلى السماء نذيرا بهول القادم من آيات" ص296 بكل تأكيد هذه الصورة تتماثل مع ما جاء في الكتب السماوية عن يوم القيام، لكن "لقمان" يقدمها لنا بلغته وبطريقته الخاصة.
إذا كان ما سبق يتحدث عن الأرض والكواكب والنجوم، فكيف سيكون حال المخلوقات الأخرى، الإنس والجن؟: "أما ما يتعلق بتساؤلك عن الجن، فهم يفقدون قدراتهم يوم الحساب ويعودون إلى طبيعة أقرب إلى الطبيعة البشرية" ص459، أيضا هذه الفكرة مأخوذة عن الكتب السماوية ولم تأتي من خيال "لقمان" وهذا يؤكد إلى أن أثر الفكر الديني حاضر ومؤثر فيه رغم ما يبديه من أفكار مغايرة لما هو سائد.
الدين
يقدم "لقمان" فكرته عن دور وواجبات الدين فيقول: " أن المعتقدات كانت تسعى لبعث الأمل في النفس البشرية بعد الموت، بإيجاد حياة أخروية في ملكوت السماء مع الله أو في جنته" ص290و291، وهذا الأمر "الإيمان باليوم الآخر" ما زال يمثل أحد أهم أركان الإيمان، وبدونه يفقد المؤمن أهم عنصر في العقيدة السماوية.
عقيدة "لقمان"
يقدم لنا لقمان عقيدة جديدة يقول فيها: "17ـ الطاقة الخالقة الكلية ليس لديها جنة ونار ولا حساب ولا عقاب ولم تنزل تشريعات وقوانين ولم تحلل ولم تحرم.
19ـ جهنم والحساب والعقاب ليست قيما لا تتناسب مع أية قيم رحمانية خيرانية جمالية تتمثل في الألوهة.
20ـ الجنة هي الكوكب الذي نعيش عليه إما أن نحيله إلى قيم خير وحق وجمال أو نحيله إلى جحيم كما يحدث اليوم على كوكب الأرض.
20ـ العبادة مسألة تخص الإنسان بينه وبين نفسه وبينه وبين خالقه" ص181و182، لنا أن نقرأ ما يقدمه "لقمان" وأن نبدي رأينا فيما جاء في عقيدته التي يدعو إليها، فهو يؤمن بالخير الموجود في الإنسان، وما دونه ليس له أي قيمة، وكان أن النار والجنة غير وادة في عقيدته، لكن هل فعلا كان "لقمان" مقتنعا فيما يقوله في هذه المقاطع، سنجيب من خلال ما يحدثنا به لاحقا. لنتأكد بأنه كل الأفكار اتي يطرحها هي أفكار قيد التكوين والتشكيل والنمو، ولم تكتمل بعد.

المجتمع المثالي
يسعى "لقمان" لوجود مجتمع إنساني مثالي بعيدا عن الحرب والقتل: "أدرك الآن أن الغاية من وجودكم هي تحقيق قيم الخير والعدل والحق والجمال والمحبة ورفعة الحضارة الإنسانية، وأن عملية الخلق لديكم تكاملية بين الخالق والمخلوق وأن لا غنى لطرف لديكم عن الآخر" ص47، يحاول "لقمان" أن يجمع بين أفكاره المجرد عن الكون وبين نظرية أخلاقية يسعى لتكون منهج للناس، وكأنه بهذا يهرب إلى الأمام، لأن البشر ليسوا متماثلين في فهمهم للخير الذي ينشده "لقمان" ولكل أمة أو قومية أو طائفة دينية مشروعها الخاص والمتناقض مع الأمم والجماعات الأخرى، ولهذا نجد انتشار الحروب بين المجتمعات.

الموت
يحدثنا "لقمان" عن الموت ضمن رؤية خاصة، يقول عنه: "فعندنا يوجد موت ودفن، والطاقة الحيوية تخرج من الجسد وتنضم إلى الطاقة الخالقة بينما تتحلل الطاقة المادية في التربة لتغذيتها" ص45، فهنا اعتراف من "لقمان" بأن الروح "الطاقة الحيوية" تذهب إلى "الخالق" وهذه اشارة إلى أن الفكرة السابقة لم تكن مكتملة وغير واضحة عنده، لكنه يعمل جاهدا على تقديم أفكار إنسانية بعيدة عن العقائد الدينية السماوية.
لا يكتفي "لقمان" بما قاله بل يضيف إليه: "أن الإنسان لدينا يدرك أن موته هو مشاركة ضرورية في تجديد الحياة واستمرارها، ... هل يشعر المرء بوجوده المادي الطاقوي بعد الموت" ص173، كلنا يعمل ان الموت حالة طبيعية لكل الكائنات الحية، لكن "لقمان" يثير سؤال يشير إلى عدم حسم مسألة الموت تماما عنده، فهو ما زال يشك بوجود حياة أخرى بعد الموت، لهذا نجده يتساءل عن الشعور به بعد الموت.
لكن "لقمان" كشخص يفكر بطريقة مادية يرى في الموت جانب علمي واقعي فيقول: "فالموت عندي ضرورة لاستمرار الحياة وتجددها، حتى لا ينضب مخزون الأرض وبالتالي الكون من المادة والطاقة" ص291، رغم منطقية ما جاء به "لقمان" إلا أنه يتناقض مع فكرته حول المادة والطاقة التي لا تفنى وانما تجدد شكلها.
العقل الباطن للراوي
الراوي "لقمان" لم يستطع أن يتحرر من كونه رجل/ذكر، لهذا نجده يركز كثيرا على الفتيات الجميلات المرتديات ما يثيره هو، احيانا نجده يتحدث عن مكان متعلق بالنساء لكنه يقدمه لنا من منظور الرجل/الذكر، كما هو الحال في هذا المشهد: "قدمت الرئيسة مرافقتها في الحفل الاستقبال، ... ارتدت الفتيات تنانير قصيرة زرقاء تكشف أفخاذهن، وقمصانا بيضا وربطات كحلية، وارتدى الشباب الملابس التي تحوي الألوان نفسها" ص144و115، إذا ما توقفنا عند هذا الوصف نجد "لقمان" يركز على ملابس الفتيات ويمر مرور الكرا على ملا بس الشباب، رغم أن الذي أقام الحفل هي امرأة وليس رجل، وهذا يشير إلى أنه لا يستطيع أن يتخلص من دوره كرجل مهيمن ومسيطر على شخوص وأحداث الرواية.
ونجده يصف الخدمة في الاحتفال بهذا الوصف: "... وأجمل الفتيات لخدمة الضيوف" ص119، بما أن الضيوف كانوا ذكورا واناثا كان من المفترض أن يكون الخدم من الجنسين، ليتمتع كل جنس بنظيره، لكن "لقمان" الرجل المسيطر والمهيمن يبقى ينظر إلى الأشياء وإلى الأشخاص من منظر الرجل/الذكر.
الأب والأم
قلنا في موضع غير هذا أن الأب غالبا ما يقدم بشكل سلبي على النقيض من الأم التي تأتي بصورة الضحية، من هنا نجد الراوي يتعاطف معها، فهي تتماثل معه في حالة القهر والاضطهاد، "لقمان" يحدثنا عن الأب القاسي: "كان أبي أقسى أب يمكن أن يتخيله المرء... عاشت معه أمي أياما مريرة تحت وطأة ظلم فظيع، ...وما أن يجدها حتى يسوقها أمامه ويجلدها برسن البغل على ظهرها إلى أن يعيدها إلى البيت.... تذوقت طعم سيط أبي منذ نعومة أظافري، المرة الأولى حين كنت في حدود الخامسة" ص437، إذن الأب سالبي وقاسي ويتماثل مع السلطة الحاكمة، بينما الأم جاءت بصورة الضحية التي تهان وتضطهد كما هو حال العامة من المجتمع.
وهذا ما أكده لنا حين قال عنه: " أبي إله ظالم جدا، ولا أظن أن هناك إلها أكثر ظلما منه، وليس في استطاعتي أن أكون معه" ص468.
المكان
هناك عقدة عند الفلسطيني تجاه المكان، لأنه كفلسطيني مطلوب منه أن يلغي مكانه وجغرافيته ومطلوب منه أن يلغي "فلسطينيته" وبما أن غالبية الفلسطينيين أجبروا على ترك وطنهم مكرهين ومجبرين نجدهم يحنون لهذا المكان فنجده حاضرا في غالبية أعمالهم الأدبية، فهو جزء منهم ومن وجودهم وشخصيتهم.
فعندما يسعى "لقمان" لجمع السلاح من سكان الأرض نجده يخاطب جنوده بهذا القول: "ألم يرى جندك من كل أسلحة الدمار الشامل على أرض فلسطين إلا سكاكين الفلسطينيين أيها الملك؟" ص21، وهذه الفقرة تشير إلى انحياز "لقمان" لفلسطين ولشعب فلسطين.
"وكد الملك شمنهور أنه تم بناء المدن المدمرة وفي مقدمتها مدن حلب وحمص ودرعا وحماة ودوما وكل المدن والبلدات المحيطة بدمشق وغيرها" ص24، "لقمان" الذي عاش في سورية وشب فيها وقدمت له كل ما تقدمه الأوطان لأبنائها فنجده يوفي لها الجميل من خلال دعوته لبناء المدن والبلدات التي خربتها الحرب.
وبعد أن يعم الأرض السلام وينعم أهلها بالحياة، نجد "لقمان" يخصص لنا بلاد الشام دون سواها بهذا الوصف: " ـ أريد أربع حوريات من كوكب جلالتك!.
ـ على عيني، أنا انتمي لمنطقة عربية يقال لها بلاد الشام، فيها أربعة بلدان هي سورية والأردن ولبنان وفلسطين، أنظري هؤلاء حوريات من بلاد الشام" ص329، هذا التخصص للمكان يشير إلى المكان الذي يعشقه لقمان" وينتمي إليه، لهذا خصه دون غيره من الأماكن.
يحدثنا "لقمان" عن القدس، مسقط رأسه من خلالك " استأجرت غرفة صغيرة في بلدة قريبة من القدس" ص439.

الرواية من منشورات مكتبة كل شيء، حيفا، الطبعة الأولى 2017.

الجنة في "غوايات شيطانية"
محمود شاهين
في هذا العمل الروائي ينفرد "محمود شاهين" في رسم مشاهد من الجنة التي وعد الله بها عباده الصالحين، فهو يقدمها لنا بصورة تتجاوز العقل البشري، وهذا الأمر ينطبق مع الحديث الشريف الذي يقول عن الجنة: "ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" لكن خيال الكاتب وسعة أفقه جعلته يتخيل نفسه فيها، فوصف لنا مشاهد من الأنهار والكائنات الحية من طيور وحيوانات ومشاهد طبيعية تخلب العقل، كما كان حضور الحور العين من خلال شخصية "الملكة" وقدرتها على التغير الزمن والعودة به إلى الماضي شيء خارق للقدرات البشرية، ونجد حضور المكان الأرضي للأديب محمود شاهين في روضات الجنة يعكس حالة الخوف والشقاء والعزلة والاغتراب الألم التي عاشها، فوضع شرطين للخروج مما يحمل بؤس وعقدة القمع التي مر بها، الأول نسيان كل ما كان على الكوكب الأرضي، والثاني التوحد مع "الملكة" وهنا كانت الأرض تماثل "العالم السفلي" في الحضارات القديمة والذي يحمل معنى الموت والعذاب واكل الطين والظلام، فهو عالم البؤس للبشر والبقاء ضمن حالة من العذاب السرمدي. أما الجنة، عالم الفضاء، مملكة إبليس، فهو عالم رحب، فيه من المتع المادية والبصرية والروحية "ما لا يخطر على قلب بشر".
محمود شاهين لم يكتفي بهذا الدخول إلى عالم الجنة، بل توغل أكثر في رؤيته للعالم الفضائي وقدم لنا الشيطان "إبليس" ممثل الشر والعدو اللدود للإنسان بهيئة جديدة، تتناقض وتتنافى مع ما جاء في الكتب المقدسة، قدمه لنا صديق حميم للإنسان، ومؤمن صادق ومخلص لله، وهذا التقديم الجديد يجعلنا نتعمق ونتوغل أكثر بالتفكير بمسألة الإيمان، فيجعل من الإيمان الشرط الأساسي للوصول إلى حالة التوحد مع الله، فبدون الإيمان لا يمكن أن يصل أي كائن إلى مبتغاه، وهذه دعوة لأن نكون جميعا مؤمنين بالله.
لكن هذه الدعوة للإيمان لا تختص ولا تقتصر على المسلمين وحسب، بل تمثل دعوة لكل أتباع الديانات، فالكاتب لا يفرق بين دين ودين، أو بين مذهب ومذهب، فهو يجمع ويوازي كل الأفكار الدينية ضمن مسار واحد، من هنا يمثل كتاب "غوايات شيطانية" حالة إنسانية عالمية تتجاوز المكان والزمان والقوميات والأفكار.
هناك تأثير واضح في هذا العمل ما جاءت به ملحمة "عشتار ومأساة تموز" وأيضا "إنشاد الأناشيد" خاصة مسألة الحوار بين الأديب "محمود شاهين والملكة"، فهناك تماثل واضح مع النص الملحمي ولنص التوراتي، ونجد تأثره بالملحمة جلجامش في مسألة الخلود، ودور الغسيل في تحويل الكائن البشري أو أي كائن إلى شيء جديد، فانكيدو بعد أن اغتسل اخذ صفات ومضامين وشكل غير ما كان عليه قبل الاغتسال، وهذا الأمر ـ الاغتسال ـ جاءت به المسيحية من خلال فكرة التعميد بالمياه، فيصبح الشخص المعمد كائن جديد قادر على الدخول إلى ملكوت الله، ولم يقتص تأثير الكاتب بالأفكار والمعتقدات الدينية الإسلامية وحسب بل تأثر بالمعتقدات المسيحية والمجوسية والبوذية والكونفوشسية، وهناك العديد من الفلاسفة والأدباء والشعراء يعترف الكاتب بتأثره بهم وبشكل صريح لا لبس فيه.
لم قرأت مطلقا نصا أدبيا تحدث عن وصف الجنة والعالم الخارجي، فهذه الأسبقية تحسب لمحمود شاهين، الذي قدم رؤيته عن الفضاء وما فيه من خرق للعقل البشري، فالزمان والمكان يفتقد في ذلك العالم، الأنثى تقدم نفسها بصورة سباعية سرمدية، وتقدر أن تحول الرجل السبعيني إلى طفل رضيع، النص الروائي فيه العديد من الأفكار الخارقة للمنطلق البشري، وتستحق منا أن نقف عند ما جاء به محمود شاهين في "غوايات شيطانية".
المكان
تكمن أهمية المكان بأنه نقطة الانطلاق، بداية الحدث، فبدون مكان لا يمكننا تحديد الشيء/ إنسان، فمن خلال الجغرافيا يمكننا أن نتعرف على العديد من صفات ومشكلات هذا الإنسان، فالمنطقة العربية تتخصص في خلق حالة من الفقر والقمع والاضطهاد ووجود سلوك قبلي عشائري يلغي أو يهيمن على مفهوم الدولة المدنية، كما أن وجود دولة الاحتلال الإسرائيلي ساهمت بشكل أو بآخر في تعميق مأساة المواطن في المنطقة العربية، لكنها بالنسبة للفلسطيني تشكل السبب المباشر والرئيسي والاهم فيما يعيشه من حالة التشرد واللجوء والعذاب في وطنه أو في دول الطوائف العربية.
فيكون المكان السبب الرئيس لما يمر به الإنسان من اغتراب وعزلة، الكاتب يبدأ رحلته من دمشق، "فهل يعقل ألا أجد أحدا في دمشق كلها يدعوني إلى حفلة رأس السنة" ص3، فدمشق كانت حاضرة في النص بشكل أساسي، ورددها في أكثر من موضع، كما هو الحال بالنسبة للقدس والجليل، فالكاتب هنا يوحد بين الجغرافيا في بلاد الشام، متجاوزاً الخارطة السياسية إلى الخارطة الطبيعية.
يتعمد محمود شاهين على ذكر كافة الأماكن التي تركت أثرا فيه، إن كان هذا الأثر ايجابي أم سلبي، وكأنه يريدنا نحن القراء أن لا ننسى تلك الجغرافيا التي تواجد فيها، رغم دعوته لنسيان كل تلك الأماكن وما تحمل من فرح أو شقاء، فتقول له "الملكة": "سأنسيك يا حبيبي
ليالي الدفء في ظل الزمهرير!
ورغد العيش في أزقة المخيم الموحلة
وأعراس العشاق في الجليل
وتلويحة ضفائر الصبايا في غزة وأريحا
من تحت أشجار النخيل"
... وتطريزات الحرير في قبة ثوب أمك والطيلسان!
وطريق رام الله ودرب الألام وباب الاسبطوالغيصلان"
.. في فضاء القيامة
وعلى أسوار الأقصى
وشرفات المكبر
ورأس العمود
وسلون
.. وبسمة من نجى ابنها من مجزرة الخليل
سأنسيك
عكا وحيفا والجليل"
لا يوجد أي لبس في قوة وحضور المكان، فالكاتب يؤكد على قوة تأثره بالجغرافيا التي تواجد فيها وعليها، فهو أسير تلك الجغرافيا، تلازمه في كل مكان أينما حل وحيثما كان، من هنا نجده يسعى جاهدا للتخلص من قوة تأثيرها عليه، فنجد "الملكة" في كل مقطع تقول "سأنسيك" فهي تعلم بقدرتها على قرأت الخواطر والأفكار التي تدور في رأس الأديب، فتعمل على زرع بذور الأمل في تخلصه مما عانى في عالمه الأرضي من خلال محو كل ما حدث، ومحو المكان، ومحو
الأشخاص، ومحو الأحداث من ذاكرة الأديب. فهذا المحو يعد أهم شرط للتهيؤ للحياة الجديدة، حياة الجنة التي لا شقاء ولا مرض ولا الم فيها.
لكن المكان لم يكن بشكل مطلق يمثل حالة الحزن والألم، فيحدثنا عن أماكن فيها الفرح وأخرى فيها الألم، "أدرك أن الياسمين في دمشق
يعشق نسيم السلام
وأن الورود الجورية الجريحة
في حدائق بيروت
ظمئة للارتواء من رحيق السلام
... وأن جراح عمان الدفينة
ترنو إلى كفكفة دموعها
لتضمخ ضفائرها بشذا
عطر السلام"
إذن الجغرافيا ليس بالمطلق كانت تسبب الألم للكاتب، بل هناك شيء من الفرح، وحتى الألم الذي حدث يتوق الكاتب لتجاوزه ويتعامل مع مسببيه "عفى الله عما مضى" فالتسامح وتجاوز حالة الظلم والألم الذي حدث يعد تسامح من الكاتب وينم عن سعة صدره والصفح الذي يتمتع به.
الزمن
الزمن في الرواية زمنين، الزمن الأرضي العادي المتعارف عليه من قبل البشر، وزمن كوني فضائي اليوم فيه بألف سنة مما نعد، الأول يمثل حالة البؤس والعذاب، والثاني يمثل حياة النعيم والجنة التي يحلم بها البشر.
فالزمن الماضي الأرضي يحدثنا عنه الكاتب بمعنى: "لا لا أرجوك
لا أريد العودة إلى الوحدة والاغتراب
ولا العودة الرجوع في الفناء
ولا العودة إلى الرصاص
ولا العودة إلى القنابل
ولا العودة إلى الزلازل
ولا أريد القصاص
أريد الخلاص" بهذه الوجع كان الزمن الأرضي يتماثل للكاتب، فهو لا يحمل سوى الألم والقهر، ويريد أن يتجاوزه بكل سلبياته، فهو لا يعني إلا البؤس، ولا بد من الخلاص منه من هنا نجده يقول: "أريد الخلاص" والخلاص يكون في العالم الفضائي، عالم الجنة، والحوريات والطيور وحيوانات والأنهار والطبيعة الخلابة، فنجده يسعى مطالبا بهذه الحياة الجديدة قائلا عنها: "لنتوحد يا حبيبتي
أنا وأنت
وأنت وأنا
ونحن ونحن
مع الله
خارج حدود المكان
وبعيد فوق الزمان
لنندغم في غيهب الروح الخالدة والأغوار
المجهولات
لنتوحد بجمال مملكة السماء ورحلة النسيان
ـ الآن يا حبيبي
طاب المرام
فارتشف من طل شفاهي
قطرا
وتذوق من رحيق السنى
شهد السماء
وجرع من خمر نهودي
كؤوس الثمالة
لثم عيونا هي السحر
هامت بالغرام" بهذا العالم المفتوح السرمدي يتمكن الأديب من تحقيق الحلم، الحياة في الجنة، فهو قد تخلص من ماضيه المأساوي، ويحيا مع ملكة السماء حياة العشاق، فلا أحلا ولا أمتع من تلك الحياة.
الحواس
الحواس في العالم الأرضي غيرها في العالم الفضائي، فالإحساس يتغير، وقدرة الحواس أيضا تكون في السماء أضعاف مضاعفة عنها في الأرض، طبعا هذا ناتج عن التغير سرعة الزمن، وأيضا تغير الحالة التي يعيشها الأديب، ففي الأرض كان الجحيم الأرضي، وفي السماء كانت جنة الفردوس.
"كنت مأخوذا بما اسمعه وأراه أينما نظرت إلى أمام إلى الخلف، إلى اليمين أو الشمال، أعلى أو أسفل، وهالتنا النورية تحلق بنا فضاء الماء، والملكات يحففن بنا بجمالهن الحوري، ورغم أنني لم أكن اجلس على شيء أراه، إلا أنني كنت أحس وكأنني اجلس على أركية ملكية وثيرة!
ورغم إدراكي الأكيد أنني في أعماق البحر إلا أنني كنت أرى اتساع الأفق من حولي وامتدادها إلى ما لا نهاية، وكأني احلق في الفضاء... ووجدت نفسي املك القدرة على الإبصار إلى آفاق بعيدة، بحيث بدت لي الفرق التي تبعد عني ألاف الكيلو مترات وسط هذا البحر الشاسع، وكأنها أمامي" بهذا الإحساس الخارق للطبيعة البشرية يحيا محمود شاهين في الجنة، فرغم انه يحدثنا عن عالم البحار، إلا أننا نستنتج بأنها ليست مثل بحارنا، قدرتنا السمعية والبصرية تتجاوز المنطق المتعارف عليه، فيكون هناك أفق سرمدي لا يمكن أن يحد بجغرافيا معينة. المتعة لم تكن ناتجة عن مضاعفة القدرات السمعية والبصرية وحسب، بل أيضا عن الجمال الأخاذ الذي يبصره، والأنغام الموسيقية التي يستمتع بسماعها، فيكون جمال الطبيعة ورقة النغم قد أوصلتنا إلى ذروة المتعة، وهذا ناتج عن تأثيرها أضعافا مضاعفة، وهذا العطاء العظيم الجمالي للجنة يتوازى وينسجم مع القدرات الخارقة التي يتمتع بها الكائن البشري في الفضاء، فتكون المتعة اكبر وأعظم من أن نتخيلها نحن الأرضيون.
لغة الكلام لا حاجة لنا بها في السماء، إنها من متخلفات الأرض وما تحمل من الم ووجع، فالمخاطبة في السماء ليست بحاجة إلى النطق، يكفي أن نفكر بما نريد لكي يستمع احدنا للآخر، "أحسست وكأني القي راسي على صدر الله، وقد تضوع عطر
رباني من نهدي الملكة "فاتنة السماوات" ليتسلل عبر انفي ويسري في ظمأ ملايين مسامات جسدي.
خاطرني الملك إبليس وأنا أتوحد مع نهود الملكة والموسيقا الكونية:
ـ هل أنت سعيد
فخاطرته
ـ أنا أولد من جديد، أنا أحيا بعد موتي، وأنا مدين لك بان أسعى عند الله ليغفر لك ويعفو عنك خاطرني هاتفا "بصحتك" وسمى بالله وراح يجترع شيئا من بين نهدي "شمس البحار"!
وفوجئت بخمر يتدفق كنبع من بين نهدي الملكة فاجترعت بضع جرعات لأتذوق خمرا أطيب من الشهد، أحسست بجسدي ينتشي من شعر رأسي إلى أخمصي قدمي من جراء تذوقه، فرحت أجترع الجرعة تلو الجرعة إلى أن توقف تدفق الخمر" على هذه الشاكلة تكون الحواس، حواس خارقة للعادة، وذات قدرات هائلة على التواصل، كما أنها تجعلنا نستمتع أضعاف مضاعفة بما كنا نستمتع به في العالم الأرضي، وهنا يتأكد لنا قول القرآن الكريم، " وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ" فمن معاني ذلك أن المتعة وللذة التي نحصل عليها في الجنة تكون مضاعفة لما نحصل عليه في الدنيا، لأن حواسنا تكون أيضا خارقة ومتجاوزة لما وجدنا عليه.
فالكاتب من خلال هذا المشهد يقدم لنا تخليه للطبيعة الإنسان في عالم الجنة، فيجعلنا نتخيل ما في ذلك المكان من نعم ولذائذ ومتع، حيث يكون عالم الحواس قد أخذ معنى جديد، فلا يكون الحار حار، ولا البارد بارد، كل ما في الجنة يكون تأثيره ايجابيا على الإنسان، فلا يشعر بأي الم أو وجع، فهي عالم وجد فقط لكي نتلذذ به وننعم بما فيه، "وتنبهت إلى أن الأسماك الهابطة من أعلى أو السابحة حول الموقد ترتد عنه ما أن تقترب منه، مما يدل على أنها تتحسس حرارته، مددت يدي لأتحسس الحرارة بدوري، كان ثمة حرارة، غير أن الماء كان باردا وهذا ما أطار صوابي! سحبت يدي وأنا أنظر إلى الملكة بكل دهشة العالم.
قالت ببساطة :
ـ هنا يتآخى الماء والنار أيها الأديب، لا النار تؤثر على حرارة الماء ولا الماء يطفئ النار!!
ـ هل هذا يعني أن النار في هذا البحر تبقى مشتعلة إلى الأبد؟!
ـ اجل أيها الأديب، إنها نار الله التي لا تنطفئ!!" الجنة عالم آخر، فيه العديد من الظواهر التي لم نألفها في الأرض، فكل ما فيها لا يؤذي، حتى أن النار فيها لا تحرق، لكنها تعمل على إنضاج الطعام، فتكون كما ألفناها في الدنيا، تقدم لنا العديد من الفوائد وتساعدنا على الاستمتاع أكثر بما نأكل، وهذا أمر متعارف عليه عند كل البشر، لكنها في المقابل تفقد قدرتها على أذية الإنسان، فهي هناك وجدت فقط لخدمتنا وجعلنا نشعر باللذة أكثر، ولن تشكل أي أذى لنا مطلقا، فقد أزيلت منها خاصة الأذية.
التوحد والتعدد
هناك مفهوم التوحد بين الأجساد، بحيث تكون أجساد مادية تنصهر في جسم واحد، أو هناك جسد واحد قادر على الانقسام أو تكوين أعداد مضاعفة منه بأشكال مختلفة أو مماثلة له، بمعنى وجود نسخ من الكائن البشري تحمل عين الصفات والقدرات الأصلية أو قدرات جديدة أقوى من الأصل، ومن مفاهيم التوحد أيضا وجود حدثين/ ظاهرتين متباينتان تتوحدان ليعطيان نتيجة واحدة، كما هو الحال بين الماء والنار، فعالم الجنة زاخر بمثل هذا التوحد والتعدد، والهدف منه مضاعفة قدرة المخلوق على الاستمتاع، "ـ وهل تنامين بجسدك السباعي على الأسرة السبعة؟
ـ بل على السرير السباعي
ـ يحيرني جسدك هذا بسباعيته التي لا افهمها.
ـ ليس من السهل علينا أن نفهم حكمة الخالق، فأنا واحد في سبع، وسبع في واحد! ووحدتي في تعددي، وتعددي في وحدتين لا الواحدة تنفصل عن الكل ولا الكل عن الواحد" بهذا التعدد تكون شخصية الكائن البشري أو الجني قادرة على مضاعفة ذاتها ومن ثم جعل تلك المتعددات تتلذذ وتنعم بما يتلذذ وينعم به الأصل، فالهدف من هذا التعدد هو المتعة والحصول على مزيد من النعيم.
ويحدثنا الأديب محمود شاهين عن كيفية تعدده فيقول : " لم أجرؤ على رفع رأسي من بين نهديها خوفا مما سأراه، لكني أحسست قبل أرفعه أنني أصبحت إنسان بسبعة أجساد وسبعة عقول وسبعة أرواح، وكل جسد بخمس حواس، وسرت رعشة في كافة أنحاء جسدي.
ورفعت راسي وإذا بي أرى نفسي في سبعة مثلاء يعانقون الملكة في الوضع ذاته وقد تحلقت أجسادنا على السرير الدائري لترسم دائرة انعكست في المرآة الماسية
من سقف القبة ألقوسي" من خلال التعدد يمكن للكائن البشري أن يضاعف لذته، فلكل من أمثاله أن يغدق من المتع ما يريد، ويمكن أيضا أن تكون له إحساسي اكبر من الأصل، لكي يستمتع أكثر بما في الجنة من نعم، فكل إنسان أو جني له الخيار أن يكون على صورة شكله الأصلي، وأن يكون بقدرات واصفات وأشكال مختلفة، وكل هذا للتلذذ والتمتع والسعادة والهناء، فهي الجنة التي نحلم بها جميعا.
لن يقتصر التعدد على السبعة فقط، بل يمكن لهذا السبعة أن تتضاعف إلى سبعات والبسعات إلى سبعات بحيث يصل التعداد إلى الملايين، "... أما الأكثر كمالا أن لا تبقي على شكل هؤلاء الأشخاص ثابتا بل متغير، فتغيرهم إلى سبعة آخرين بأجسام وأشكال وأعضاء مختلفة وهكذا إلى ما لا نهاية!!!!
ـ وهل سأبقى أنا أنا يا حبيبتي؟
ستبقى أنت أنت يا حبيبي واحد في سبعة، وسبعة في سبعة، وسبعات في سبعات في ملايين، وملايين في واحد إلى ما لا نهاية" بهذا التعدد غير المتناهي يكون الإنسان في الجنة، فهو لم يعد بقدرات الحواس عادية، وأيضا لم يعد شخصا واحدا، بل يمكن نسخ أعداد هائلة منه وبقدرات جديدة خارقة.
الله
هناك أكثر من موضع تحدث فيه الكاتب عن الله، خاصة عند الشدائد وعدم وضوح الرؤية لديه، فنجد إيمانه في العديد من المناسبات والأحداث التي يمر بها في الجنة والعالم السماوي، فيحدثنا الأديب "محمود شاهين عن فكرته عن الله، وأيضا نجد فكره إبليس عن الله، وكلاهما له مفهوم خاص عن الله، فيقول إبليس عن الله: "الله الكلام!
واللا كلام
وما يعبر عنه الكلام
وما لا يعبر عنه الكلام
وما لن يعبر عنه الكلام
بل ويستحيل على الكلام أن يرتقي إلى التعبير عنه!
وسع كرسيه السماوات والأرض
ولم تتسع لوجوده السماوات والكواكب" بهذا الكلام يتحدث إبليس عن الله، فالله اكبر وأعظم من أن نعبر عنه بالكلام، وأيضا ـ في حالات معينة ـ يمكن أن نعبر عنه بكلمات، التعبير لا يكون لأيا كان، بل للخاصة التي تصل بإيمانها درجات فوق العادية، هي من تستطع أن تحدثنا عن الله.
وقدرات الله فوق الكائنات كافة، فيقول عن قدرات الله: "يخلق وجودا من العدم، وعدما من الوجود" فالله وحده قادر على هذا الأمر، وليس لأحدا من الخلق أن يقوم بها الأمر.
وعندما يقع إبليس في مشكلة يعود كالبشر إلى الله، فيدعوه بخالص الدعاء ويسلم أمره لله لأنه هو القادر على كل شيء، فعندما يتم تحويل الأديب محمود شاهين إلى طفل، ويعرف إبليس بأنه ارتكب خطأ من قبل الملكة التي أرضعت الأديب أكثر مما ينبغي فيقول : "استغفر الله استغفر الله
وأتوب إليه
سبحانه سبحانه
ما أعظم شأنه" فهذا التسليم لأمر الله ناتج عن الإيمان بالله، فكل المؤمنين وقت الشدة يسلمون أمرهم لله الواحد احد.
ونجد الأديب يحدثنا عن الله عندما يجد نفسه في عالم آخر لم يعهده من قبل فيقول: "يا إلهي يا حبيبي يا إلهي يا حبيبي، كن معي يا إلهي، كن معي يا إلهي، ولا تتخلى عني يا إلهي، ليس لي إلا أنت يا إلهي" فهذا الإيمان بالله والتقدم الله وقت الشدائد ناتج طبيعي لكل الناس المؤمنين فالإيمان ظاهرة تريح النفس وتعطي صاحبها مقدرة على التكيف مع الأحوال والظروف من خلال تعلق المؤمن بالأمل وبقدرة الله العظيمة على إحداث كل شيء.
الشيطان إبليس
يقلب الكاتب مفهوم إبليس عند كل المؤمنين، بصرف النظر عن معتقدهم الديني، إن كانوا مسلمين، مسيحيين، بوذيين، مجوس، وكل الديانات الأخرى، فمفهوم الشيطان عندنا أنه العدو اللدود للإنسان وللخير، لكن الكاتب يجعله كائن مؤمن وموحد لله، فهو يمثل الكائن المؤمن التائب توبة نصوحة لا لبس فيها.
وهذا الانقلاب في مفهوم إبليس ومملكته السماوية يعد أهم فكرة يقدمها الكاتب، فمن خلال الحوار الذي دار بين الأديب وإبليس نستنج بأنه مؤمن بقناعة راسخة وعقيدة لا تزحزحها الزلازل ولا البراكين، فيقول إبليس عن غضب الله عليه لأنه رفض السجود لآدم: "هو غاضب مني اجل، أما أنا فلم اعد غاضبا منه، ولم اعد افسد في الأرض، ولا اطمح إلا في رضاه وعفوه وصفحه" بهذا الكلام يحدثنا إبليس عن توبته إلى الله، فهو يقول بأنه لم يغضب أبدا من الله، لأنه يعرف أن الله على حق وهو كان على باطل، من هنا نجده يقدم خدمة عظيمة للأديب من خلال نقله من الأرض إلى الجنة السماوية، حيث يتماهي الإنسان مع المكونات الفضائية ويتحول إلى كائن آخر غير الذي كان.
ملاحظة اعتمدنا على النص المنشور في الحوار المتمدن، من هنا لم نضع أرقام الصفخات
رائد الحواري

تعدد المداخل في كتاب
"ألوهة المسيح وفلسفة الألوهة"
محمود شاهين
قرأت الفصل الأول من الكتاب، وقد وجدت فيه فكرة "أننا، كلما قرأنا أكثر تأكد لنا باننا بحاجة إلى المعرفة أكثر، وأننا ما زلنا نجهل العديد من المسائل، الأمور، المعارف، لهذا نقول: "كلما قرأنا نجد أنفسنا بحاجة إلى معرفة أخرى، بمعنى أننا نزداد جهلا بما لا نعرفه، لهذا ما ان ننتهي من قراءة كتاب حتى نبدأ بكتاب آخر، فالمعرفة عالم لا يمكننا أن نمسك به بالمطلق.
الكتاب "محمود شاهين" لا يتحدث عن ألوهة المسيح فحسب، بل نجده يتحدث عن نصوص توراتية، عن القرآن الكريم، عن ابن عربي، عن الاساطير المصرية والسومرية والكنعانية، ويحاول أن يربط مسيرة المسيح بالعظماء السوريين/الفلسطينيين، عز الدين القسام وعبد القادر الحسيني وياسر عرفات، ويعمل عن الربط بين شخصية المسيح بما جاء في روايته "لقمان"، وبهذا يكون "محمود شاهين" قد فتح لنا أكثر من باب، وأكثر من نهج معرفي، فنجد أنفسنا أمام عالم الاساطير وعالم الكتب المقدسة وكتب الفلسفات الدينية وعالم الرواية.
الكاتب يحاول ان يحيد التوراة عن الانجيل، ويعتبر ذلك خطأ فادح بحق تعاليم السيد المسيح الذي جاء بتعاليم تتناقض تماما مع نهج التوراة، فقد اشارة إلى تسامح المسيح وإلى الأخلاق النبيلة التي جاء بها ليس للسوريين/للفلسطينيين فحسب بل لكل البشرية، وهذا أيضا يعد تناقضا مع نهج التوراة التي تتعامل مع قبيلة واحدة، هي قبيلة اليهود فقط، وهنا يمكن أهمية طرح السؤال: لماذا وكيف تم الجمع بين التوراة والانجيل، ولصالح من؟.
هناك مجهود أدبي ومعرفي وصياغة تجذب المتلقي وتجعله يسهم في البحث الذي غير المنتهي، فهناك مجموعة من الاقتراحات لكل من يعمل على البحث في مسألة/ماهية المسيح، ضرورة العودة إلى اللغة الآرامية/السريالية التي تكلم بها السيد المسيح لنعرف أكثر الفرق بين ما طرحه الانجيل وما جاءت به التوراة، كما أن تألم وصراخ المسيح وهو مصلوب "ربي لماذا تركتني" تشير وتؤكد ما جاء به القرآن الكريم حول صلب المسيح، "وما صلبوه وما قتلوه ولكن شبه لهم" وهذا يمكن أن يكون الجواب الشافي عن صرخة الوجع والألم التي صدرت عن المصلوب، واعتقد بأننا أمام شخص مؤمن بالله، ومن اتباع المسيح هو الذي يصدر مثل هذه الصرخة، لما فيها من ألم وما تحمله من توسل/أمل في الخلاص من هذا العذاب.
الأسئلة الوجودية التي يطرحها الكاتب كافية لتحررنا من افكارنا وتجعلنا نكون أمام حالة من البحث الموضوعي عما نحمله من أفكار ومعتقدات، وبالتأكيد مثل هذه الأسئلة تعمق الأيمان بمعتقداتنا، بصرف النظر عن اختلافاتنا الايدولوجية/العقائدية، وهذا ما يعمق فينا فكرة احترام الآخر، وتقبل الاختلاف الفكري، وبهذا نكون أمام حالة من التنوع والتعدد الذي يعد احدى أهم سمات المجتمعات المدنية والحضارية.

عديقي اليهودي
رواية فكرية تاريخية سياسية
محمود شاهين
بعض الروائيين يضعون لأنفسهم خطاً/نهجاً خاصاً بهم، يميزهم عن الآخرين، وعلى سبيل المثال "أسامة العيسة" الذي يقدم مادة تاريخية سياسية في رواياته، فأصبح هذا الخط يميز رواياته، ومحمود شاهين يقدم أفكاراً عن الخلق والخالق والكون والمعتقدات الدينية والاسطورية، بحيث لا نجد هذا الأمر ـ عربيا ـ إلا عنده، فبعد روايات "زمن الخراب، وأديب في الجنة، وغوايات شيطانية، والملك لقمان " ها هو يقدم "عديقي اليهودي" التي يفند فيها التوراة، وأيضا يقدم فكرته عن الخالق والخلق والكون.
لكن عالم الرواية يختلف عن طبيعة الكتب البحثية أو الفكرية، وهذا يستدعي وجود خبرة ووعي من السارد، لكيفية تقديم مادته البحثية/الفكرية بقالب روائي،وهنا يكمن ابداع السارد، تقديم مادة بحثيه وفكرية بقالب روائي مقنع وممتع في ذات الوقت، وسنأتي على تفصيل النهج الروائي المستخدم لاحقا، لكن أيضا، تقديم المادة الفكرية/البحثية لها أسس ومعايير ليقتنع المتلقي بها، وهذا يعتمد على طريقة وشكل المقدم للمادة، من هنا تكمن أهمية الرواية، فالمجهود الفكري لا يقل أهمية عن الشكل الروائي، وهو مجهود ينم عن معرفة الباحث وسعة ثقافته واطلاعه وتنوع ثقافته، وهذا يجعل "عديقي اليهودي" رواية، ومادة فكرية دينية في ذات الوقت.
اسماء الشخصيات
اسم بطل الرواية الفلسطيني "عارف نذير الحق" واسم الصياد اليهودي "يعقوب سليمان" واسم ابنته "سارة" وزوجتة راحيل"، طبعا للأسماء مدلول يخدم الفكرة التي يختفي وراءها معنى الاسم، من هنا يمكننا الاستنتاج أن معنى اسم بطل الرواية الفلسطيني: "العارف، ينذر المحتل بالحقيقة، أو العالم يبشر/يكشف الحق والحقيقة، وهذا نجده في ثقافة وعلم وسلوك "عارف"، وإسم "يعقوب" يعني إسرائيل، حسب التوراة، و"سليمان" يشير إلى ملك اليهود الذي بنى الهيكل، وسارة وراحيل المرأتان اللتين أنجبتا اليهود، فمعنى اسم عارف عبد الحق، يقابله إسرائيل ومملكة سليمان وأصل اليهود، وهذا يشير إلى مواجهة، بين عارف/عالم وإسرائيل، ومواجهة بين ينذر/يكشف حقيقة أصل اليهود ومملكة سليمان، بهذا تكون اسماء الشخصيات قد أسهمت في تحديد طبيعة الأفكار التي أراد السارد تقديمها.

المكان
يتعامل الفلسطيني مع المكان كما يتعامل مع الحياة البشرية، جسد وروح، من هنا نجده يحرص على ذكره وحتى أنه يعطي تفاصيل دقيقة عنه، كما لو أنه يتحدث عن جسده، وهذا يعود إلى طبيعة الصراع الاستيطاني مع الاحتلال، "عارف نذير الحق" يتحدث عن القدس وعن برية القدس كما لو أنه يصف ماذا يرتدي من ثياب: "كنت أمارس رياضة المشي شبه اليومية في بطاح برية القدس التي شهدت طفولتي، وراحت مستوطنات الاحتلال تقضمها شيئا فشيئا، ...كنت سائراً في منعطفات وادي الدكاكين" ص7. التغييرات التي تحدث في المكان وتغير معالمه يعرفها الفلسطيني، وعندما قال "عارف" شهدت طفولتي" أراد أن يؤكد على أنه المكان أصبح جزء منه، من كيانه، كما أن للمكان تاريخا وأحداثا: "يفصل وادي أبو هندي بين أراضي الديسة والسواحرة، فجنوبه للسواحرة وشماله للديسة، مع بعض التجاوزات في القسمة للديسة، تجعلهم يمتلكون أرضا جنوبه.. وكثيرا ما شهد هذا الوادي مشاجرات على الأرض بين الطرفين في أوائل القرن العشرين" ص396،مثل هذه التفاصيل تأتي لتؤكد على أن الأرض فلسطينية، وأن أصحابها يعرفونها ويعرفون تاريخها، وعندما يقتل الاحتلال "عارف" في "وادي عزبة مشتى المخالدة" ص459، كان السارد يحقق وصية "عارف" بالدفن في المكان الذي حدده في الوصية، فعلاقة "عارف" بالمكان بدأت منذ الطفولة وانتهت به، هو شيخا تجاوز السبعين، أليس هذه الأحداث وتفاصيل عن المكان تؤكد على العلاقة الحميمة بينهما؟.
القدس
القدس بالنسبة للفلسطيني هي فلسطين، ولا يمكن أن يتخلى عنها، ليس لكونها مقدسة فحسب، بل لأنها رمز للسيادة الوطنية، وتمثل العاصمة التي يسعى لإقامتها، في المقابل الاحتلال يدعي أنه المكان المقدس بالسنبة له، فيها الهيكل، يفند "عارف" هذه القدسية من خلال معلومات ومكتشفات تاريخية حديثة مع "يعقوب" مستشهدا بالبحث الذي قدمه "فاضل الربيعي": "...جبل قدس في مديرية سامع بمحافظة تعز (نحو ثمانين كلم غرب عدن) ...إن أورشليم التي سجلتها النقوش الآشورية هي مدينة دينية وليست جبلا...إن التوراة في النص العبري، لا تذكر ولا تسجل ولا تلمح، حتى مجرد تلميح، إلى أن القدس هي أورشليم كما يزعم اللاهوتيون التوراتيون" ص46 و47، هذه المعلومة أراد بها عارف أن يؤكد على فلسطينية وعروبة القدس وفلسطين، وعلى أن مكان اليهود تاريخيا ودينيا ليس فلسطين، وهذا يعد هجوم معاكس على الفكرة الصهيونية التي تدعي أنها تريد عودة اليهود إلى أرض الميعاد.

الفلسطيني والاحتلال
الاحتلال الاستيطاني يعد من أقذر وابشع أنواع الاحتلالات، فهو يسعى للسيطرة على الأرض ومحو معالمها القديمة وتغييراتها، ويعمل على محو وشطب السكان أما بالقتل أو بالتهجير، أو جعلهم يفكرون ويتصرفون حسب الثقافة الاستيطانية، فيكونوا (مواطنين) من الدراجة الثانية، لهذا لا يمكن التعايش مع الاحتلال الاستيطاني، يتحدث "عارف نذير الحق" مع المستوطن اليهودي العراقي "يعقوب سليمان" عن هذا الامر: "...الإبقاء على العداء بيننا وبينكم ليس في صالح الطرفين، وسيظل التوتر قائما إلى ما لا نهاية له، واعتقادكم أننا سننسى تاريخنا، ونرضخ لكم، ونعيش تحت احتلالكم إلى الأبد اعتقاد خاطئ" ص47، فهنا حسم قاطع بأن الاحتلال الاستيطاني لا يمكن أن يكون عادلا أو يسعى لعدالة، فهو جاء ليقضي وينهي وجود شعب، ليزرع شعبا آخر.
الفلسطيني الحضاري
الصراع الدامي بين الفلسطيني والاحتلال له عدة أوجه، منها الحضاري والثقافي، والذي ينعكس على الممارسة والسلوك، "عارف نذير الحق" ينظر إلى القتل بطريقة تتناقض وطريقة تفكير المحتل، فعندما يأخذ بندقية "يعقوب" لا يسمح له تفكيره وثقافته أن يطلق عليه النار: "لم تراودني فكرة قتله، لأنني ضد القتل من حيث المبدأ، وربما لإحساسي أن قتله لن يحل المشكلة، فهي مشكلة وطن بكامله، وليست مشكلة شخصية معي، ولو كان الأمر كذلك لربما قتلته وانتهى الأمر" ص8، هذه الأفكار جاءت ويعقوب نائم، وهي تؤكد على إنسانية الفلسطيني، وعلى أنه ينظر إلى عدوه كإنسان رغم العداء وتظل ثقافته ضد القتل بوجه عام، على النقيض من المستوطن الذي يقتل لمجرد القتل: "لماذا لم تقتلني؟" بهذا السؤال يؤكد يعقوب على نهج القتل الذي تمارسه دولة الاحتلال والمستوطنين: "إذا ما تطلب الأمر أن نبيدكم عن آخركم يوما ما فلن نتوانى عن ذلك" ص9، وهذه المفارقة بين الشخصيتين تشير إل تفوق الفلسطيني ثقافيا وحضاريا على المحتل، رغم أنه يمتلك تكنولوجيا ومعرفة متطورة: "ـ هل أفهم من هذا أنك لو اضطررت إلى قتلي لن تكون سعيدا بذلك؟
ـ بل سأكون حزينا، وربما حزينا جدا، فأنا لا أتصور نفسي قاتلا مهما كان نوع ضحيتي، وكثيرا ما أتمنى بيني وبين نفسي أن أكون قتيلا لا قاتلا" ص22، بهذا الحوار يحسم "عارف" تفوقه الثقافي والعملي على المستوطن "يعقوب" فلا مجال للمقارنة بين إنسانية عارف ووحشية يعقوب.
وإذا ما توقفنا عند هذا الحوار يمكننا القول أن السارد أراد أن يشير ـ بطريقة غير مباشرة ـ إلى الهوة التي تفصل الفلسطيني عن المستوطن، الأول، رغم أنه محتل ومعتدى عليه، إلا أنه لا يقدم على القتل، بينما المستوطن، رغم أنه قوي ومحمي إلا أنه يقوم بالقتل من باب وهم الدفاع عن نفس ودون وجود مبرر لذلك.
ولم تقتصر ثقافة"عارف" الفلسطيني على حق الحياة للبشر فحسب، بل تعدتها لبقية المخلوقات: "...أن طيور الحجل لم تغير عادتها في عدم الخوف مني، رغم أنني أحمل البندقية التي طالما رأتها كثيرا تفتك بأخواتها على يد يعقوب، كانت تفر بضعة أمتار على سطح الأرض، ثم تتابع درجها أو تتوقف إلى أن أمر، على مقربة أقدام منها، إلى حد أنني شعرت أن بإمكاني أن أمد يدي لأمسك إحداها"ص58، رغم (التغييرات) في هيئة "عارف" (يحمل بندقية الصيد) إلا أن طيور الحجل لم تفر منه، واستمرت بالتعامل معه كجزء من الطبيعة، من الوادي، وهذا ما أثار المستوطن "يعقوب" الصياد، الذي يخرج بالبندقة ليصطاد كل ما يشاهده من حياة: "ما هذا بحق السماء هل تعرفك الطيور؟
ـ لماذا لا تعرفني طالما أتجول كثيرا في بطاحها دون أؤذيها، وأقدم لها المساعدة إلى من يحتاج منها إليها.
ـ وتحبك أيضا؟
ـ إنها طيور بلادي يا يعقوب، تعرفني وأعرفها، ولست غريبا عليها مثلك، ولا أسعى لقتلها كما تفعل أنت، فلماذا لا تحبني؟!" ص61، يحاول "عارف" أن يثبت وجوده وحقه في الحياة هو وما على هذه الأرض من كائنات، وأيضا أن (يغير) من فهم المستوطن، بأن الحياة حق لكل المخلوقات، وعندما قال "طيور بلادي" أراد بها أن يشير إلى أن الاحتلال يزيل ويغير ويشوه كل ما هو على الأرض، من بشر وطيور وأشجار معالم.
الفلسطيني واليهودي
في التاريخ القديم هناك بقاء واستمرارية للثقافة والحضارة الوطنية حتى بعد قدوم دولة جديدة، فمن يأتي إلى منطقتنا كان يحمل أفكارها وثقافتها وحتى معتقداتها الدينية، ورغم اختلاف اللغة، فالتفوق الحضاري والثقافي أبقى حضارة وثقافة المنطقة تنحو بخط تصاعدي، رغم ظهور واختفاء دول كثيرة، من هنا نجد أن الحثيين واليهود عبدو "البعل" السوري، في رواية "عديقي اليهودي" يؤكد السارد على استمرارية النهج الحضاري وتنامي الثقافة الهلالية، حتى في ظل وجود احتلال استيطاني عنصري.
اللقاء بين "عارف" ويعقوب كان في برية القدس، فالفلسطيني كما رأينا تعامل بإنسانية مع المستوطن "يعقوب" بمعنى أنه نظر إليه كيهودي، وليس كعدو يجب قتله، وهذا ما أثر ـ لاحقا ـ إيجابيا على يعقوب، فأخذ ينظر إلى "عارف" كإنسان وليس كعدو، الثقافة التي يتمتع بها "عارف" جعلته يذهل المستوطن: "ممكن أن يأتي قريبا هذا ونكون عديقين!!، ضحك للكلمة التي لم يسمع بها من قبل، تساءل مستوضحا:
ـ ماذا تقصد بالضبط؟
ـ أقصد أن نكون عدوين في جلد صديقين أو العكس!"ص20، بهذا الثقافة اللغوية استطاع "عارف" أن يثبت تفوقه الثقافي على عدوه، فاستخدم مصطلح "عديقين" بمعنى عدوي وصديقي، فأراد بهذا اللفظ أن يبين تفوق الفلسطيني لغويا، من خلال اشتقاق لفظ متشابك "عديقي" وثقافيا، نظرته للحياة وللطبيعة والصراع، وسلوكيا، بعدم قتله لعدوه، وحتى أنه ـ لاحقا ـ أعاد له البندقية.
يبدأ "يعقوب" بالتأثر بثقافة "عارف" ونهجه في الحياة، فلم يعد يصطاد الطيور أو الحيوانات: " سددت البندقية نحو الحجلة الواقفة، وهممت للضغط على الزناد، وإذا بصوت عارف يصيح في مخيلتي: إياك! لم أضغط على الزناد، وظلت الحجلة واقفة وكأنها تدرك أنني لن أطلق النار عليها" ص79، فتغير السلوك ليس بالأمر السهل، لكن شخصية "عارف" المنسجمة بين ما تقول وما تفعل، جعلت "يعقوب" يتغير ويتحول في سلوكه وطريقة تفكيره ليكون إنسانيا، ينظر إل الحياة والطبيعة نظرة جديدة، غير تلك التي تشربها من مؤسسات ومدارس الاحتلال.
ونجد أثر عارف ينتقل إلى الألفاظ والتعابير التي يستخدمها "يعقوب": "ـ عارف لا يحب الصيد، ولا يرغب في مشاهدتي أفتك بطيور وحيوانات بلاده، فقد طلب إلي أن لا أفعل ذلك ولو أمامه. أذعنت له" ص132، اللافت أن يعقوب استخدم "طيور وحيوانات بلاده" ولم يستخدم "الطيور"بمعنى أنه أصبح يقر بأن فلسطين أرض وبلاد عارف، وليست أرض يعقوب أو المستوطنين، من هنا يمكننا القول أن هناك خلق جديد "ليعقوب" قد تم بفضل "عارف"، وهنا يكون عارف قد أكمل مهمته الحضارية والثقافية، والتي تتمثل بتحويل الغزاة والدخلاء إلى مواطنين أسوياء يحملون ثقافة وأفكار المنطقة الحضرية والإنسانية.
ولم يقتصر أثر عارف على "يعقوب" فحسب، بل طال أيضا ابنته "سارة"التي اقامت علاقة روحية معه، فكانت تنام في بيته كصديقة وكحبيبة وكتلميذة: " استيقظت في حدود التاسعة صباحا على قبلة عارف تنطبع على خدي، كنت مستيقظة في السرير لكني لم أنهض، وكأني كنت أنتظر عارف أن يدعوني للنهوض، حتى لا أقترف ما يعكر صبيحته بنهوضي قبله، لا أذكر أنني نهضت من نومي على قبلة في حياتي، ولم أكن أعرف أن لقبلة المحب في الصباح، فعل السحر في الجسد" ص357، بهذا يكون "عارف" قد غير سلوك وتفكير الأب والإبنة معا، بمعنى أنه أوقف التأثير الصهيوني على الجيل المتصهين "يعقوب" وعلى الجيل الجديد "سارة".


اليهودي
السارد يكشف حقيقة اليهود، فهم جزء من شعوب المنطقة، ولا يمكن أن يشكلوا أمة أو شعبا، فمن خلال الحوار الدائر بين يعقوب وابنه شمعون يمكننا أن نجد كيف يفكر اليهودي: "ـ أنا بخير آب واتفقنا على الزواج أنا وصديقتي يوئيلا ..المصرية، أضاف مصرية بعد تردد وكأنه مدرك لما يقوله عن جنسي يوئيلا، تساءلت بدهشة:
ـ مصرية؟!
ـ أجل آب من أصل مصري ما الغريب في الأمر؟
ـ ليست من أصل يهودي أو إسرائيلي، بل من أصل مصري، هذا يعني أنها تنتمي إلى مصر وليس إلى إسرائيل!
ـ آب ألم يحضر يوسف أباه يعقوب وأخوته ليعيشوا معه في مصر.. لقد أصبحنا مصريين وشاركنا في بناء أعظم اهرامات في العالم، ثم إن اليهودية دين وليست قومية" ص80.
الجميل في هذا الطرح أنه جاء على لسان يعقوب اليهودي وابنه شمعون، بمعنى أن اليهودي في فلسطين يعي تماما أنه جزء من المجتمع الذي جاء منه، فالمصري يعتبر نفسه مصرياً، والعراقي عراقياً، وهكذا، والأهم في الحوار أنه تطرق إلى أن الدين لا يمكن أن يشكل قومية في يوم من الأيام.
وها هو يعقوب يتحدث عن نفسه عندما جاء إلى فلسطين: "لم يعرف شمعون.. وكأنه بفضل الانتماء إلى مصر أو العراق أكثر مما يفضل الانتماء لإسرائيل! وكان أبي يعاني من الإشكالية نفسها، فحرص على تعليمنا العربية وأوصانا بتعليمها لأبنائنا" ص82، إذن هناك جذور اليهودي التي لا يمكنه التخلي عنها، فالوطن الأم يبقى عالق في الوجدان، رغم الامتيازات والحياة الرغيدة التي توفرها له دولة الاحتلال، فالمسألة القومية أو الوطنية لا تتشكل إلا عبر تواجد واستمرارية البشر على أرض معينة قد يصل لآلاف السنين، بعدها يمكن أن يشكلوا قومية أو أمة.
"عارف نذير الحق" أيضا يتحدث مع "سارة" العراقية وليس الإسرائيلية: "تبدين عراقية ومن نسل جلجامش أو مردوخ العظيم" ص102، هذه العبارة أراد بها " عارف" أن يؤكد على أصالة العراق والعراقيين، وأيضا التأكيد على أن جلجامش ومردوخ أقدم من يهوه ومن إبراهيم ومن يعقوب وموسى، وهنا العراقة لا تقتصر على الزمن فحسب، بل إلى الآثار الثقافية والحضارية والفكرية التي أنتجها العراقي قديما.
يؤكد "عارف" من خلال حواره مع "يعقوب" العراقي، على أن هناك فرقاً بين اليهودي والصهيوني، فهو يقبل الإنسان اليهودي كما يقبل أي إنسان آخر، فالدين لا يشكل مانعا/حاجزا بين الناس، بل الفكرالعنصري والسلوك الوحشي، الارهابي هو الحائل بين تواصل الناس، يقدم السارد هذا الحوار بين العديقين:
"...سرقوا تراث الشعوب، وأنتم سرقتم الأرض، وتسرقون حتى المطبخ والأزياء والعادات والتقاليد، أي لصوص أنتم يا يعقوب. والمؤسف أننا نسعى للتعايش معكم!
ـ أعذرني يا عارف فليس لنا يد في كل ما جرى، حسب ما أخبرنا أبي، تم نسف كنيس في بغداد من قبل عملاء الحركة الصهيونية، لإرهاب اليهود ودفعهم للهجرة إلى فلسطين، ، وراحت القنابل تنهال على الاحياء اليهودية، قال أبي لم يكن أمامنا غير الهرب، وقد تجمع في مطار بغداد أكثر من خمسين ألف يهودي في يوم واحد، لتنقلهم الطائرات إلى فلسطين.
ـ ... وأعرف أن نوري السعيد قبض ثمنكم من الحركة الصهيونية خمسة ملايين دولار ... لولا اليهود العرب لما قامت لإسرائيل قائمة حينذاك.. يهود اليمن كانوا مشتتين في أودية وبقاع وجبال اليمن الشاهقة، فكان لا بد من تجنيد جيش من راكبي الجمال لجلبهم عنوة وتسفيرهم إلى إسرائيل. لقد قبض ثمنهم أيضا"" ص122 و123، بهذه المكتشفة تنجلي الحقيقة، حقيقة أنه تم زج اليهود ودفعوا مجبرين وعنوة على مغادرة أوطانهم والقدوم إلى فلسطين، فكان هناك تجار بشر مثل نوري السعيد وغيره، وهذا ما يؤكد على أن هناك هجرة قصرية حدثت لليهود العرب، ويجب محاسبة ومحاكمة من كان لهم ضلع بها.
العلاقة الطبيعية والسوية بين "عارف ويعقوب"، جعلت يعقوب يحجم عن ممارسة دور المخبر للمخابرات الإسرائيلية، بمعنى أن يكون صهيونيا، وهذا يؤكد على أنه عاد إلى يهوديته وعراقيته وإنسانيته: "أقسم أنني لن أسجل كلمة مما سيجري بيننا، ولن أكتب أية تقارير فيما بعد" ص313و314، وهنا تكتمل الفكرة، أن الناس يستطيعون التواصل فيما بيهم، ولن يكون الدين حائلا بين تواصلهم، حتى لو استخدمته إحدى الجهات السياسية وشوهة صورته، يبقى الإنسان هو الإنسان، إذا ما استخدم عقله ولم يسلم رأسه لما يقدم من أفكار أو أحداث.
الصهيوني
ولكي لا نكون مجرد متلقين لما يقدم لنا من أحداث وشخصيات وأفكار، يعمل السارد على تقديم صورة الصهيوني، وكيف يفكر ويعمل، لكي نتأكد أن هناك هوة سحيقة بين ما هو سياسي وما هو ديني، في بداية اللقاء بين عارف ويعقوب يقول يعقوب: "ـ ما يهمني هو منح الأرض لنا، ولا يهمني أمر عنصرية الله إن كان عنصريا، كما لا يهمني أمر وجود آلهة أخرى ساعدت على قيام دولتنا... فأمر تفضيلي على البشرية أمر يستحق الإيمان بهذا الإله حتى لو لم يكن له أي وجود!" ص11، فهنا تتضح الفكرة، فكرة الرفاهية التي ينعم بها يعقوب، والمكانة الرفيعة التي يعامل بها كمواطن إسرائيلي، وما دون ذلك لا يهمه، وهنا كان لا بد من وجود أفكار/معتقد/ايدلوجيا تخدم فكرة استقرار وتبرر وجود هذه الدولة: " نشأت على هذه الأرض أرضي منذ القدم، وهذا ما ننشئ أجيالنا عليه، بحيث يتبعوننا دون أن يفكروا في الأمر وتاريخيته ومدى صدقه وحقيقته أو خرافيته!" ص16، الربط بين المصالح الشخصية ـ وحتى إن أخذت شكل الدولة/الشعب ـ وبين الامتيازات المادية والرفاهية هو الذي يجعل اليهودي صهيونيا، بمعنى أنه يحصل على (رشوة) متعددة الأوجه، فيترك إنسانيته ويتحول إلى صهيوني، مع الاحتفاظ بيهوديته، التي أصبحت ـ بعد أن شوهت ـ أحدى الركائز الفكرية التي تعتمدها الصهيونية لتحقيق أهدافها السياسية والاقتصادية في المنطقة العربية: "أنا اسمي. يعقوب سليمان، رغم اعتقادي إلى حد ما بحقيقة ما تقوله يا عارف، إلا أنني لست مستعدا لأن أتخلى عن كذبة أوجدت لي وطنا، حتى لو كانت هذه الكذبة، كذبة فعلا، ولا تحمل أي قدر مهما كان من الحقيقة" ص18، بعد هذا القول، لا يمكن أن نضيف أي كلمة، فقد نطق السارق بالحقيقة وكشف لنا دوافع الجريمة.
تحدثنا "سارة" عن حبيبها الصهيوني وكيف يفكر: "أشكرك يا سيدي لأنك لم تخلقني امرأة أو حمارا أو خنزيرا أو عربيا" ص31، وهذا ما جعلها تنكره لتخلف تفكيره ونظرته البائسة.
أما "راحيل" فنجدها تصدق الكذبة، علما أنها من أوجدها، تقول عن الطعام الذي أعدته: "..مسخن إسرائيلي أصلي ولن أسمح لأي منكم أن يقول لي أنه طبخ فلسطيني" ص83، أكيد مثل هذه السرقات مكشوفة للسارق قبل المسروق، وهذا ما يؤكد على تفاهة وهشاشة الفكرة الصهيونية، التي تعمل على سرقة اسم الطعام.

فكر عارف التسميات/الأسماء
إسرائيل
يعمل عارف على كشف زيف وبطلان الفكرة الصهيونية التي تعتمد على التوراة، لتثبيت حقها في فلسطين، وسبب ودوافع عارف لتفنيد التوراة، ليس دينيا، بل سياسيا، فهو يعري الفكرة السياسية ليس الدينية، لأن السياسية استخدمت الدين/التوراة كغطاء وتبرير للجرائم التي اقترفت بحق الفلسطينيين، يبدأ عرف من "يهوه" إله بني إسرائيل: "... يا رجل ها هناك إنسان عاقل يتخلى عن عبادة مردوخ العظيم ليتبع عبادة يهوه؟ يهوه الذي لم يسلم حتى اليهود من شره، ولا يكاد يمر عام دون أن ينزل بهم المصائب، رغم أنهم شعبه المختار حسبما يقول كتبه التوراة" ص12، بهذا الشكل يكشف عارف حقيقة يهوه، الرب الذي تعتمد الحركة الصهيونية على أقواله وأفعاله، فهو ربها وحاميها ومرشدها ومخلصها.
"بنو إسرائيل حسب توراتكم، هم نسل يعقوب أو أتباعه، وبعد أن تصارع يهوه معه ليلا بطوله، وأطلق عليه اسم إسرائيل، أي عبد الله، وإيل هو كبير آلهة شعوب هذه المنطقة... أن تكون دولتكم دولة بني قينقاع مثلا، بدلا من دولة بني إسرائيل! ثم قل لي بإلهك! إذا كانت البشرية كلها من نسل آدم، وآدم من خلق يهوه، فكيف يتخلى يهوه عن البشرية التي خلقها ويختار بني يعقوب (إسرائيل) دون غيرهم" ص 41و42، اللافت أن عارف يكشف سخافة حتى الاسم، يعقوب الذي صار إسرائيل، وكأنه يقول أن كل الأفكار والأسس ـ وحتى اسم الدولة ـ مشوه أو مسروق أو مبني على خرافات، فيا لها من دولة ويا له من شعب هذا الذي يقبل أن يؤمن بالخرافات.
الساميون
أيضا، حتى التسميات التي جاءت في التوراة، والتي يستخدمها ويطلقها علماء التاريخ يكشف عارف بطلانها وعدم صحتها: "...وهذه التسمية (الساميون) ظهرت في أواخر القرن الثامن عشر، استنادا إلى التوراة، ليتم تداولها فيما بعد دون أن يأخذ بها معظم شعوب الأرض، أخذ بها بعض المستشرقين ممن يجهلون التاريخ أو ممن يهمهم تزوير التاريخ ليعزوه إلى اليهود" ص38، وهذا ما جعل الباحث السوري توفيق سليمان يعد كتاب "اسطورة النظرية السامية"، عارف يكشف أن الكذبة يتبعها ويرددها (علماء) وهذا ما يمررها على بقية العامة، على الناس، فتمسى واقعا وحقيقة، رغم زيفها وبطلانها.
كنعان
"كنعان" أيضا من الكذبات التي مرت دون التوقف عندها ، فأمست "واقعا/حقيقة: "...كانت تنسب إلى الأشوريين، ثم تحولت فيما بعد إلى السوريين، لأن وجود كنعان هذا والكنعانيين المنسوبين إليه لا وجود لهم خارج النص التوراتي، وهو على الأغلب تلفيق تم لاحقا من قبل المستشرقين ليتلاءم مع التوراة... وأصل جذر المفردة (كنع) حسب بعض اللغات القديمة يعود إلى الخنوع (خنع) والقناعة (قنع) والتواضع والانخفاض، ولا يشير إلى قومية أو عرق بشري أو حتى شعب، وحتى اليوم لم يعرف المؤرخون ما هو مؤكد ولا لبس فيه لنسب الكنعانيين، أو بلاد كنعان" ص278 و279.
يعتمد عارف على التاريخ واللغة لتفنيد التسميات التي تعتبر (حقيقة) حتى بالنسبة لمن يعتبرون انفسهم خبراء وعلماء ومتخصصين، وكأن "عارف" يريد أن يقربنا من الحقيقة، من الموضوعية، وأن نتخلى عن (المسلمات/الحقائق) التي نرددها ونؤمن بها، طالما أن هذا الأمر متعلق بنا نحن، من لا نقتنع بالنص التوراتي ككتاب مقدس، فما بالنا بالنسبة لمن يؤمن بالتوراة ككتاب مقدس!.
أصل اليهود
بعد أن تم كشف الحقيقة وتبين زيف الأسماء وبطلانها، ينقلنا "عارف" إلى الحقيقة، إلى الأصل، الجذر الذي جاء منه اليهود، فهل هم (شعب) نقي العرق؟ أم كباقي الشعوب تتعدد وتتنوع الأصول؟: "... أن قبائل يهودية وجدت في اليمن وجنوب الزيرة العربية، وقد تطرقت النقوش الأشورية والبابلية إلى ذلك، من ضمن تدوينها للغزوات والحروب، ومن هذه المناطق التي وجدوا فيها: بعض مناطق اليمن ويثرب وتيماء وخيبر ودوس واليمامة ونجران، ويرى الباحثون أن هؤلاء كانوا ينحدرون من قبائل رئيسية كبني قينقاع، وبني إسماعيل، كيهود غطفان وكنانة، ويهود من قبائل سبأ وحمير، ويتفقون أيضا على أن الهجرات كانت تتم من الجزيرة العربية إلى خارجها وخاصة إلى بلاد الشام، وليس العكس، نظرا لصحراوية الجزيرة وانهيارات سد مأرب في الجنوب، .. هل هاجرت كل هذه القبائل من بلاد الشام الخصبة، إلى الجزيرة العربية الصحراوية لتنعم بصحراويتها، أم أن العكس هو الذي حدث حسب رؤية المؤرخين؟" ص43و44، اللافت أن عارف ينسف فكرة الأصل (النقي) لليهود، ويجعلهم جزء من سكان المنطقة، فهم عاشوا في الجزيرة العربية ونشأوا فيها، بمعنى أن نظرتهم الدونية للعرب تعد نظرة دونية لأصلهم، فهم بالأساس عرب كباقي العرب، وما التدين باليهودية إلا كتدين العرب بالوثنية أو بالمسيحة أو بالإسلام، فالدين لا يمكن أن يكون فاصلا بين الشعب، ولا يمكن أن يمحو حقيقة الأصل الذي ينتمي إليه الإنسان، فالاختلاف في الدين لا يمكن أن يؤدي إلى خلاف عرقي/سلالي، فالأول عقلي، والثاني جسدي.
وهذا ما اكتشفه "يعقوب" بعد أن استمع إلى عارف: "اليهود عرب من الجزيرة واليمن، واليهودية نشأت هناك، وانتقلت مع المهاجرين إلى بلاد الشام، فاليهودية وبنو إسرائيل لا علاقة لهما بالقوميات والأعراق" ص52، ميزة ما يأتي من أفكار في الرواية، أنه يأتي من طرفي الصراع، عارف الفلسطيني، ويعقوب اليهودي، واعتقد أن اختيار السارد لشخصية "يعقوب" العراقي كان موفقا، حيث أن حضارة العراق تمتد إلى آلاف السنين، وقبل أن يظهر إبراهيم كنبي أو رسول، مما يجعله ـ إن تخلى ـ عن الفكرة الصهيونية، التي تعتمد على التوراة، والتي تمتد إلى ألفي عام، أن يستند/يتكئ على فكرة أعمق زمنيا وتاريخا، وانضج حضاريا وثقافيا من تلك التي جاءت بها التوراة، وهذا ما أكده حينما قال: "كان أبي على حق وهو يفتخر بحضارة أجداده العريقة في سومر وآشور وبابل وأكاد، ويلعن الزمن الذي جعل جده يعتنق اليهودية ليعتنقها هو وأبوه من بعده، لتجيء الحركة الصهيونية وتحرمه حتى من قوميته العربية التي تبلورت على مر الزمن" ص53، فهنا يصل "يعقوب" إلى الحقيقة الكاملة، الحقيقة التاريخية، حقيقة كونه عربيا يدين باليهودية، وحقيقة أن عليه أن يتخذ اجراء يصحح به الخطأ الذي وقع عليه وعلى ابناء دينه، والذي وقع على الفلسطيني.

الخالق والخلق
كما تحدث محمود أبو الجدائل في رواية زمن الخراب عن الخالق والخلق، يتحدث "عارف نذير الحق": "أن القائم بالخلق كان في الخلق نفسه أي في المادة، وأن الوجود كله جاء من المادة ..هذا القائم، الذي أطلقت عليه البشرية اسماء مختلفة، بعد اختراع اللغات، كالله او يهوه، أو الرب! والغريب أن تعتمد العقائد السماوية اللاحقة قصة الخلق من الماء، دون أن تقدم مفهوما لماهية الخالق، وجعلته سابقا على الخلق والوجود، وقدمت مفهوما مبهما له، على أنه ليس كمثله شيء، حسب المفهوم الإسلامي" ص 25، بهذا الطرح الجديد يفسر "عارف" وجود الخالق والمخلوق، الله والكون، وهي يرى أن عملية الخلق لم تكتمل بعد، وما زالت مستمرة ومتواصلة: "يمكن القول أن الوجود هو التصوير غير المجلو في العقل الكوني للخالق، أريد لنا أن نراه حقيقة وهو ليس كذلك، لنساهم في صنع التصور وتطويره، إلى أن يكتمل بما يرضي الخالق، ليتم اظهاره كوجود حقيقي مكتمل" ص107، ولا تقتصر عملية الخلق واكتمالها على الجمادات بل تطال الإنسان أيضا: "الكمال هو أن يحقق الإنسان الغاية من وجوده، وهي: تحقيق قيم الخير والمحبة والعدل والجمال والرقي الإنساني" ص108، قد تبدو رؤية "عارف" عن الخلق والخالق صعبة بعض الشيء، لكنه يوضحها من خلال حواره مع "سارة":
" ـ من أوجدنا حسب رأيك؟
ـ أوجدنا قائم بالخلق يمكن أن أسميه الخالق أو المبدع
لماذا ليس الله أو ما يقابلها في لغات أخرى؟
ـ هذه مفردات لغوية أوجدها البشر بعد اختراع اللغات، منذ بعضة آلاف محدودة من الأعوام، بينما الخالق موجود منذ مليارات الأعوام، هو الأول الذي يفترض أنه ليس قبله شيء.
ـ هل هو واحد أم أكثر؟
ـ هو واحد في كل هائل ومتعدد
ـ من أوجده؟
ـ أوجد نفسه بنفسه لنفسه
ـ وما هو من حيث ماهية جوهره؟
ـ طاقة. طاقة تتجلى في مادة متعددة الأشكال والأحجام والفضاءات والحيوات.
ـ هل هو ضمن زمان ومكان؟
ـ لا. هو خارج حدود الزمان والمكان.
ـ وماذا عن الشكل؟
ـ كل الأشكال واللا أشكال شكله دون أن يكون له شكل محدد بعينه.
ـ ماذا لو قلنا أنه يشبه الإنسان؟
ـ مستحيل." ص374-376، اعتقد، أن مثل هذه الافكار بحاجة إلى التوقف عندها والنظر فيها، فهي جديدة، ونجدها ـ أحيانا ـ تتوافق ونظرتنا إلى الله الخالق، و أحيانا تتناقض، لكنها تبقى أفكارا نقرأها ولنا الحق في مناقشتها أو تركها.

نقد التوراة
(3)
"الخلق"
الفكرة الرئيسة في الرواية هي التوراة وما جاء فيها، تبدأ عمليه تحليلها من الفصل الأول الذي يتحدث عن الخلق الكون، وحتى الثاني والعشرين الذي يتحدث عن خروج اليهود من مصر على يد موسى، أعتقد أن الهدف من وراء ذلك ليس إبراز نباهة السارد وقدرته المعرفية، بل نسف الأسس الفكرية والدينية التي قامت عليها الحركة الصهيونية، أرض الميعاد وشعب الله المختار، فهو يفند أن أرض فلسطين ليست أرض الميعاد، وأن شعب الله المختار فكرة مخترعة من البشر وليس الله، ومتناولا أن العديد من القصص التوراتية إذا ما توقفنا عند تحليلها عقليا، وقارنا كيفية سرد الأحداث فيها، سنجدها تتنافى مع العقل والمنطق، فهناك أكثر من كاتب/سارد لهذه الأحداث، من هنا نجد فيها التباين وحتى التناقض.
جاء في التوراة عن عملية الخلق: "11:1وقال الله لتنبت الأرض عشبا وبقلا يبزر بزرا وشجرا ذا ثمريعمل ثمراً كجنسه برزه فيه على الأرض وكان كذلك.
12:1 فأخرجت الأرض عشبا وبقلا يبزر بزرا كجنسه وشجرا يعمل ثمرا بزره فيه كجنسه ورأى الله ذلك أنه حسن.
مسكين هذا المؤلف كم ظلم الله، فهو لم يكن يعرف ضرورة الشمس والضوء لعملية الخالق، فخلق النباتات والأشجار قبل أن يخلق الشمس، بالتأكيد لم يكن يعرف بعملية التمثيل الضوئي والطاقة والكهرومغناطيسية ومختلف التفاعلات التي تجري بين الضوء وعملية نمو النباتات" ص68، من يقرأ العهد القديم لا يتوقف عند هذا الأمر، كيف يتم ذكر خلق النباتات ونموها، قبل خلق النورين"الشمس والقمر؟، لكن عارف نذير الحق، يجلنا نعيد النظر في صحة ما نقرأه، ونتوقف عنده، متسائلين، كيف مرت علينا هذا الآيات دون أن نتأملها ونفكر فيها، علما بأننا قرأناها أكثر من مرة، لكن يبدو هيبة (المقدس) تجعل عقلنا مستكينا ومستسلما، بحيث يفقد القدرة على التفكير.
هابيل وقابيل
أما في مسألة النزاع بين هابيل وقابيل، "لم تمر سوى أيام على عملهما حتى قاما بتقديم قرابين إلى الله: "3 وحدث من بعد أيام أن قايين قدم من ثمارالارض قربانا للرب، 4 وقدم هابيل ايضا من ابكار غنمه ومن سمانها. فنظر الرب الى هابيل وقربانه، 5 ولكن الى قايين وقربانه لم ينظر. فاغتاظ قايين جدا وسقط وجهه." لا أعرف لماذا يحتاج الله إلى قرابين، وكيف عرف قابيل وهابيل ذلك، غير أن التفكير في النص قد يقودنا إلى أن الله أشبه بالإنسان وأنه يحتاج إلى طعام وشراب بل من يخدمه... فالكاتب بدوي يحب الشواء والإله الذي تخيله، كان بدويا على شاكلته حتى أنه جرده من إنسانيته، فما بالك بألوهيته، " ص91-93، أيضا نحن لا نتوقف عند فكرة الصراع بين الأخوين، هابيل وقابيل، ونمر عليها مرور الكرام، لماذا يتقبل الله الأغنام ولا يتقبل الخضار والفاكهة؟، ولماذا لم يتم أبداء أسباب أخلاقية/دينية تحول دون تقبل قربان قابيل، فتكون مقبولة للقارئ، لكن يبدو، كما قال "عارف نذير الحق" أن من كتب النص هو بدوي بامتياز.
"17 وعرف قايين امراته فحبلت وولدت حنوك. وكان يبني مدينة، فدعا اسم المدينة كاسم ابنه حنوك. لا نعرف من أين جاء قايين بامرأته ومتى تزوج، .. والطريف أن يبني مدينة لأسرة لا يزيد أفرادها عن ثلاثة، ولا نعرف كيف سيبنيها ومن ماذا، يبدو أن الحضارة بدأت تأتي إلى أسرة آدم بسرعات هائلة." ص96، بهذا التحليل يتبين للقارئ الأخطاء التي وقع فيها من كتب العهد القديم، فهو يكتب دون أن يتفكر فيما يكتبه، أو أنه كتبه متسرعا فسقطت أحداث وشخصيات، ما جعل النص مشوها وناقصا.
"في الإصحاح الخامس من سفر التكوين يا يعقوب، نجد أنفسنا أمام كاتب آخر غير السابق الذي قص علينا قصة الخلق، فهذا الكاتب يخبرنا أن آدم أنجب أبنا اسمه شيت، ولم يتطرق لا إلى قابيل ولا إلى هابيل ولا إلى قصتهما. 1 هذا كتاب مواليد ادم، يوم خلق الله الانسان. على شبه الله عمله. 2 ذكرا وانثى خلقه، وباركه ودعا اسمه ادم يوم خلق. 3 وعاش ادم مئة وثلاثين سنة، وولد ولدا على شبهه كصورته ودعا اسمه شيثا.
يتضح هنا أن آدم حمل ذاتيا دون امرأة، بإرجاع الولادة إليه. ...وإذا كان هابيل قد قتل قبل أن ينجب، فلماذا لم يذكر هذا الكاتب ذلك، ولماذا لم يتطرق إلى قايين (قابيل) الذي أنجب قبائل وأمما وبنى مدينة؟ واضح أن هذا الكاتب لا يعترف بوجود حواء وقابيل وهابيل، فلديه تصور مختلف" 109و110، من فينا كان ينتبه أو يتوقف عند هذا الأمر؟، فقد كنا نقرأ العهد القديم بقدسية أو بقراءة عادية ودون أن ننتبه إلى هذه الخروقات والتناقضات، لكن عارف نذير الحق يكشف لنا ضحالة قراءتنا وضحالة ما نقرأ.
نوح والطوفان
وبخصوص الطوفان، يقتبس "عارف" نص من ملحمة جلجامش الذي يتحدث عن الطوفان، مؤكدا أنه يسبق العهد القديم بما يزيد عن ألف وخمسمئة عام، ثم يحلل حالة الكائنات التي خرجت من السفينة بعد انحسار الطوفان: " فخرج نوح وبنوه وامرأته ونساء بنيه معه. 19 وكل الحيوانات، كل الدبابات، وكل الطيور، كل ما يدب على الارض، كأنواعها خرجت من الفلك. المؤسف أن نوحا وأسرته والكائنات الأخرى لن يجدوا ما يقتاتون عليه بعد فعلة الله، فكل شيء قد أبيد خلال ما يقارب من نصف عام من الطوفان" ص130، أيضا نجد خلل في حبكة قصة الطوفان، ولو أن القصة جاءت بشكل أسطوري، لكنا أوجدنا مبررا/تحليلا يساعدنا على فهم الخلل في النص الأسطوري ـ لكن أن يأتي الخلل في كتاب مقدس، فهذه جريمة بحق المؤمنين.
وقصة نوح التوراتية فيها العديد من الهفوات والتجاوزات: "18 وكان بنو نوح الذين خرجوا من الفلك ساما وحاما ويافث. وحام هو ابو كنعان. ولا نعرف أين كان كنعان هذا ولماذا ذكره الكاتب هنا؟...21 وشرب من الخمر فسكر وتعرى داخل خبائه. وأصبح لديه خمر أيضا؟ عجيب هذا المؤلف، بهذه السرعة يغرس نوح كرما ويثمر ليصنع من الثمر خمرا ويسكر ويتعرى... 22 فابصر حام ابو كنعان عورة ابيه، واخبر اخويه خارجا.
لاحظ التركيز على اسم كنعان االذي ظهر فجأة ولم يكن له وجود من قبل.. ولماذا يركز المؤلف على العورة؟ ثم هل تستدعي هذه الحادثة ذكرها في كتاب يفترض أنه مقدس؟ ... 25 فقال: «ملعون كنعان! عبد العبيد يكون لاخوته». عجيب أمر الكاتب! اختلق كنعان ليصب نقمته عليه مع أن أباه هو الذي رأى العورة!" ص137-139، لو قارنا قصة نوح في العهد القديم بتلك التي جاءت في ملحمة جلجامش، لوجدنا الحبكة والخيال وطريقة التقديم أفضل بكثير مما جاءت في العهد القديم، يكفي أنها اقتصرت على الخلاف بين البشر والآلهة، ولم يتم المساس أخلاقيا بشخصية "أوبشتيم"، ولم يتم تناول أولاده بأي سوء.
إبراهيم وأرض الميعاد
قصة الوعد الإلهي بأرض الميعاد، عليها الكثير من النقاط، فقد تم تطوير وتكبير الوعد بشكل تدريجي، فبدت القصة وكأنه كلما جاء شخص جديد أضاف أرض جديدة للوعد الإلهي، يبدأ الوعد بهذا الشكل: "15 لان جميع الارض التي انت ترى لك اعطيها ولنسلك الى الابد.
الوعد هنا يتعلق فقط بما يستطيع إبراهيم أن يراه بعينيه من الأرض الكنعانية، وليس الأرض الكنعانية كلها، وهذه المساحة من الأرض لا تكاد تذكر مع البلاد الشاسعة من النيل إلى الفرات" ص155، تحليل منطقي ويتفق مع العقل، فالأرض التي يمكن أن يراها أي إنسان في أي موقع من فلسطين، لا يمكن إلا أن يشاهد جزء صغير منها، خاصة إذا عرفنا أن تضاريس وطبيعة فلسطين لا تسمح لأي مشاهد أن يحيط بها مجتمعة.
والنقلة النوعية في قصة إبراهيم التوراتية ذهابه إلى دمشق " 2 فقال ابرام: «ايها السيد الرب، ماذا تعطيني وانا ماض عقيما، ومالك بيتي هو اليعازر الدمشقي؟» لا نعرف أين ذهبت ثروة إبراهيم الهائلة ومئات غلمانه بحيث أصبح يسكن في بيت لدمشقي، ولا نعرف من أين جاء هذا الآخر، وكيف ظهر على المسرح" ص157، القفزات البعيدة هي من تؤكد على أن النص كتبه أكثر من كاتب، فالفجوات في الأحداث غير متسلسلة ولا متنامية بشكل منطقي، بل تأتي فجأة، وعلى القارئ أن يتقبلها، لأنها نصوص مقدسة!!.
"8 واعطي لك ولنسلك من بعدك ارض غربتك، كل ارض كنعان ملكا ابديا. واكون الههم». يبدو أن أرض كنعان أصبحت الكرة الأرضية كلها، ففي كل وعد تختلف الأرض، ويختار يهوه أن يكون إلها لنسل إبراهيم، المؤسف أنه ليس للنسل كله، لأنه سيتحول إلى نسل يعقوب الذي سيغير اسمه إلى إسرائيل" ص162، بدأت مساحة الأرض الموعودة تتوسع، فشملت كل أرض كنعان، لكن هل يكتفي من كتب التوراة بأرض كنعان، أم أنه يريد مزيدا من الأرض؟.
للإجابة لابد من أيجاد (سلالة) تتكاثر وتنتشر لتقدر أن تهيمن على الأرض، وهنا يأخذنا السارد إلى الحديث عن نسل إبراهيم: "23 فأخذ ابراهيم اسماعيل ابنه، وجميع ولدان بيته، وجميع المبتاعين بفضته، كل ذكر من اهل بيت ابراهيم، وختن لحم غرلتهم في ذلك اليوم عينه كما كلمه الله. لم يمر معنا أن إبراهيم ابتاع أطفالا، 24 وكان ابراهيم ابن تسع وتسعين سنة حين ختن في لحم غرلته. غريب كيف يعرف الكاتب الأعمار بدقة متناهية، ولا نعرف هل هو نفسه الذي كتب عن خلق آدم وحواء، أم الكاتب الذي تحدث عن خلق ذاتي من آدم، أم غيرهما" ص165، أيضا يتم اختلاق ناس/جماعة دون أية مقدمات، أليس إبراهيم من اختاره الله ليعطيه الأرض؟، فلا داعي لأي تفسير أو تبرير، فبما أن الكتاب مقدس، فلا يجوز لنا البحث فيه ولا في المعلومات أو الأحداث التي تقدم!!.
ومن المفارقات في قصة إبراهيم هذا الحدث: "20 وقال الرب: «ان صراخ سدوم وعمورة قد كثر، وخطيتهم قد عظمت جدا. 21فقد نسي المؤلف الصورة الأولى ويريد أن يقدم يهوه هنا كرب رحيم وعادل! أو أننا هنا أمام مؤلف آخر" ص172، إذا ما قارنا هذه القصة مع الطوفان سنجد فروقات كبيرة بينهما، فهنا الله يعفو ويتجاوز عن الخطايا، حتى أنه يقبل أن يناقش: " ربما نقص الخمسون بارا خمسة. اتهلك كل المدينة بالخمسة؟» فقال: «لا اهلك ان وجدت هناك خمسة واربعين». 29 فعاد يكلمه ايضا وقال: «عسى ان يوجد هناك اربعون». فقال: «لا افعل من اجل الاربعين». 30 فقال: «لا يسخط المولى فاتكلم. عسى ان يوجد هناك ثلاثون». فقال: «لا افعل ان وجدت هناك ثلاثين». 31 فقال: «اني قد شرعت اكلم المولى. عسى ان يوجد هناك عشرون». فقال: «لا اهلك من اجل العشرين». 32 فقال: «لا يسخط المولى فأتكلم هذه المرة فقط. عسى ان يوجد هناك عشرة». فقال: «لا اهلك من اجل العشرة». " ص 173، يبدو وكأننا أمام عملية بيع بالمزاد العلني، ويظهر النص أن إبراهيم أكثر رحمة من الله، كما أن طول الحوار وطريقة تقديمه تشير إلى تواضع الكاتب، كل هذا يجعلنا نقول أن القصص التوراتة ضعيفة البناء والحبكة.
"2 وقال ابراهيم عن سارة امراته: «هي اختي». فارسل ابيمالك ملك جرار واخذ سارة. يبدو أن الكاتب أعاد سارة إلى الصبا بضعة عقود إلى الوراء، ونسي أنها أصبحت عجوزا غير قابلة للزواج. 3 فجاء الله الى ابيمالك في حلم الليل وقال له: «ها انت ميت من اجل المراة التي اخذتها، فانها متزوجة ببعل»إبراهيم يرتب الخطأ والله يعاقب الضحية! منطق عجيب، والعقاب تهديد بالموت هذه المرة، يلاحظ أن النص التوراتي يستخدم مفردة (أبيمالك) كما ترد هنا في كافة المواضيع" ص180، انحياز الله إلى إبراهيم بهذا الشكل، يشير إلى عدم عدالته، فمن المفترض أن تكون العدالة الإلهية عدالة مطلقة، فما بالنا عندما تكون ظلم وجور؟.
"3 فاستحلفك بالرب اله السماء واله الارض ان لا تاخذ زوجة لابني من بنات الكنعانيين الذين انا ساكن بينهم، ... والأغرب أن لا يرغب إبراهيم في تزويج اسحق من بنات الكنعانيين الذين استضافوه وأكرموه!،4 بل الى ارضي والى عشيرتي تذهب وتاخذ زوجة لابني اسحاق». المفترض أن أرض إبراهيم وعشيرته في أور الكلدانية وليس في حاران آرام كما سنرى" ص196، يبدو أن تيه اليهود لم يكن في سيناء فقط، بل سبقة تيه جغرافي يتمثل في تحديد وطن إبراهيم، كما أن النص التوراتي يشوه صورة النبي والإنسان معا في إبراهيم، فبعد كرم الضيافة نجده يوصي ابنه بعدم الزواج من الكنعانيين، رغم ما أبدوه من أخلاق وعطاء.
ويعقوب
يعقوب هو المؤسس لبني إسرائيل، حتى أنهم نسبوا له، فهو بعد أن تصارع مع الله حتى بزوغ الفجر أصبح اسمه إسرائيل وليس يعقوب، لكن العهد القديم تقدم لنا هذا النبي المؤسس بصورة مشوهة، تصور أنه يسرق البركة من أخيه "عيسو" وحادثة سرقة البركة لا تطال يعقوب فحسب، بل تشوة أيضا اسحاق، الذي لا يملك إلا بركة واحدة فقط، ورغم شكه في صاحب اليد التي يتحسسها إلا أنه يعطي البركة ليعقوب، ليهيم "عيسو" على وجهه.
"30 وحدث عندما فرغ اسحاق من بركة يعقوب، ويعقوب قد خرج من لدن اسحاق ابيه، ان عيسو اخاه اتى من صيده، 31 فصنع هو ايضا اطعمة ودخل بها الى ابيه وقال لابيه: «ليقم ابي وياكل من صيد ابنه حتى تباركني نفسك» ... 32 فقال له اسحاق ابوه: «من انت؟» فقال: «انا ابنك بكرك عيسو». 33 فارتعد اسحاق ارتعادا عظيما جدا وقال: «فمن هو الذي اصطاد صيدا واتى به الي فاكلت من الكل قبل ان تجيء، وباركته؟ نعم، ويكون مباركا». 34 فعندما سمع عيسو كلام ابيه صرخ صرخة عظيمة جدا، وقال لابيه: «باركني انا ايضا يا ابي». 35 فقال: «قد جاء اخوك بمكر واخذ بركتك»وماذا يحدث لو أنه بارك عيسو أيضا؟ هل ستنقلب الدنيا؟ ...يفترض أن الباكورة للإثنين كونهما ولدا معا حتى أن يعقوب كان ممسكا بعقب عيسو .فهل كون عيسو نزل من الرحم أولا، يكون بكرا، ولا يكون يعقوب ذلك.. هل هذا منطق المؤلف أم منطق الأبوين أم منطق يهوه؟" ص216، لو توقف أي إنسان عند هذه القصة لن يصدق أنها مقدسة، وأنها متعلقة بأنبياء، وحتى بأشخاص أسوياء، فكيف تقرأ إذن على أنها مقدسة؟.
أما مسألة التسمية بإسرائيل، فهي أيضا تبدو مضحكة: "26 وقال: «اطلقني، لأنه قد طلع الفجر». فقال: «لا اطلقك ان لم تباركني»وماذا يعني لو طلع الفجر؟ هل يخاف يهوه طلوع الفج أم أن لديه موعدا ما؟!، ثم أنه كإله كان بمقدوره أن يؤخر طلوع الفجر" ص242، ولم تقتصر عملية التشويه على قدرة يهوه الجسدية، بل طالت قدرته المعرفية: "27 فقال له: «ما اسمك؟» فقال: «يعقوب» عجيب أمر يهوه لا يعرف أن من يصارعه هو يعقوب فيسأله عن اسمه" ص243، اعتقد أن هذا القدر يكفي، ليجعل أي قارئ يعيد قراءة العهد القديم، ليكون هو الحكم على قدسيته أو خرافته.
تقنية السرد
المادة الفكرية كثيرة ومتنوعة، وتخل في تفاصيل التفاصيل، لهذا كان لا بد من وجود وسيلة تخف على القارئ من (نشاف) المادة الدينية، فكان الترطيب يأتي من خلال تعدد الروايات في الرواية، حتى أننا نجد في بعض الفصول أكثر من راو، وأحيانا كان يخلي عارف أو يعقوب أو سارة المجال للسارد الرئيس، ليقوم بعملية السرد، لكن هذا الإخلاء لم يأتي فجأة، بل على مراحل، ففي الفصول الأخيرة، وقُبيل مقتل عارف وسارة، وجدنا حضور للسارد (الخارجي) الذي أخذ يروي الأحداث بعد قتل "عارف وسارة".
ولكن السارد لم يكتف بهذا الأمر، بل نجده كان يُسمعنا تعليق عارف أو يعقوب أو سارة على تحليله للعهد القديم، وبما أن التعليقات كانت أحيانا كثيرة تأتي بشكل ساخر، فإن هذا أسهم كثيرا في قبول القارئ للمادة التحليلية المطروحة في الرواية، وجعلته يتقدم منها باندفاع ورغبة لمعرفة المزيد.
وإذا أضفنا إلى ما سبق، نهاية وبداية كل فصل، والتي جاءت قريبة من طريقة تقديم حكايات ألف ليلة وليلة، يتأكد لنا عبقرية السارد الذي استطاع أن يقدم مادة فكرية بشكل روائي، وبما أن ما يقارب من ربع الرواية، أكثر مائة صفحة تتحدث عن أحداث روائية، بعيدا عن التحليل والمادة التاريخية، يتأكد، أننا أمام رواية تمتلك كل مقومات الرواية.
بين زمن الخراب وعديقي اليهودي :
اللافت أن السارد يتحدث عن شخصية "عارف" كما تحدث عن شخصية "محمود أبو الجدايل" في رواية " زمن الحراب"، فكلاهما تجاوز الستين، كما أن كلا من "لمى وسارة" وهما فتاتان ترغبان في ممارسة الحب، رغم فارق العمرالكبير.. حتى أننا نجد (طقوس) الجلسة الرومنسية ، فهناك المكسرات والفاكهة والمشروبات، وأيضا نجد عين فكرة الخلق والخالق في الروايتين، حتى أننا نجد قصيدة الخلق والخالق والوجود في كلتا الروايتين، كل هذا يجعلنا نقول أن "محمود شاهين" يسعى ليقدم أفكاره عن الوجود بأعماله الروائية، متجاوزا روايات الأحداث فقط، فهو يركز على الفكر وعلى أن يقدم للقارئ طروحات جديدة، حتى لو اختلفت وتباينت مع معتقداته.
الرواية من منشورات مكتبة كل شيء، حيفا، الطبعة الأولى 2018.


رواية زمن الخراب لمحمود شاهين
رائد الحواري
1 من 2
الكاتب يعرف روايته ب"رواية فكرية تاريخية اجتماعية" وهذا ما يجعلنا نتعاطى مع الرواية ضمن هذا التعريف، ومن يتابع الأعمال الروائية "لمحمود شاهين"، سيجدها أعمالاً تتباين مع ما هو سائد، فهو يعتمد على (الرواية الفكرية) التي يقدم من خلالها أفكاره ورؤيته عن الحياة والوجود والخلق والخالق، لكنه يبقى محافظا وملتزماً بطبيعة وشكل الرواية.
واللافت في الرواية أن الكاتب هو نفسه السارد، وقد أشير إلى هذا الأمر في أكثر من موضع في الرواية، فهو يزيل التباين بين الكاتب والسارد، ويجعلنا نتحدث بوضوح عن الكاتب وليس السارد، والأرض/الجغرافيا التي ينطلق منها الكاتب هي (عمان) ولكنه يستحضر دمشق والقدس في أكثر من موضع، وإذا كانت "عمان، دمشق" مدينتين عامتين للجميع، فإنه يتحدث عن المكان الخاص، البيت، الذي لم يكن فقط للمنام والراحة بل كان المرسم للوحات الكاتب، والمكتب لرواياته.
والرواية تتحدث عن أفكار غير مألوفة لنا، والتي سنأتي على تناولها لاحقا، كما أنه يقدم موضوعا اجتماعيا نفسيا (علاقة جنسية بين الأب وابنته) ويعالجه بطريقة غير معهودة، فبدا الكاتب وكأنه طبيب نفسي، استطاع أن ينهي تلك العلاقة المحرمة والشاذة ـ رغم طول الزمن الذي مُورست فيه، ورغم أنها أصبحت عادة عند الطرفين ـ من هنا نقول أننا أمام زمن الخراب، خراب المجتمع والحكومات وخراب الأفراد والأسرة.
المكان
كل من هجر من وطنه مكرها يبقى المكان عالقا في ذاكرته ووجدانه، وهذا الأمر أصبح سمة الأدب الفلسطيني، الذي يكاد أن يكون (ذكر وحضور المكان) عاما في كل ما ينتجه الفلسطيني من أعمال أدبية، قبل أن يلحقه الأدب العراقي والسوري، والكاتب يجمع بين ارتباطه بالمكان العام، المدينة، وبين المكان الخاص، البيت، فهما يأخذان عين المكانة والأهمية: "لم يفكر حتى حينه في ترك بيته مهما حدث، كان يفضل الموت على مغادرته، ففيه يكمن نسيج روحه ودفق مشاعره وأحلامه، عقله، ذاكرته وذكرياته، مؤلفاته ومخطوطاته، لوحاته ومنحوتاته، تحفه ومقتنياته، مكتبته الهائلة الزاخرة بأهم الكتب التي يحتاج إليها، ...دمشق المدينة التي فضل العيش فيها على أجمل مدن العالم، هل سيترك دمشق؟ محال! بل مستحيل.
.. آه يا دمشق، آه يا حزني الكبير، كانت دمشق بالنسبة إليه أمه بالرضاعة، كما كان يقول في بعض حواراته الصحفية، أما ا القدس فلم تكن إلا أمه بالولادة، لكنها لم ترضعه قطرة من حليبها، ولم يعرف طعمه، رغم محبته لها.
دمشق هي من ألقمته ثديها منذ أن لجأ إليها، ومنحته كل حنان الأمومة، وأغدقت عليه معرفتها الشاملة، حتى كونت شخصيته" ص4 و5، مقطع ليس بحاجة إلى تفسير/توضيح مكانة دمشق وعلاقة الكاتب/السارد بها، فقد أعطاها صفة الأم، وهذا لوحده كاف لتأكيد العلاقة الوطيدة التي تجمعهما، كما أنه يتحدث عن بيته، مرسمه، مكتبه، مكتبته، فالعلاقة حميمة ووطيدة، وفي نفس الوقت علاقة متنامية، فدمشق هي من صقلت وساهمت في تشكيل وبناء شخصية "محمود أبو الجدايل".
والكاتب لا يتعاطى مع المكان من الخارج، بل انه يعرفه بكل تفاصيه وأزقته: "خرج من عند الصراف ليعود إلى البيت، ولم يعرف كيف وجد نفسه يسير في اتجاه المسجد الأموي، مع أنه كان يجب أن يسير في الاتجاه المعاكس، حتى لم يدر وهو يجتاز الحريقة ويدخل البزورية مارا بقصر العظم، أنه يودع الأماكن التي عاش فيها وألفها، وربما يودعها لآخر مرة" ص10، اعطاء مثل هذه التفاصيل لم يأتي من عبث، بل جاء ليؤكد ـ العقل الباطن ـ للكاتب، العلاقة التي تجمعه/تربطه بالمكان، واعتقد أن استخدامه في هذا الفصل صيغة السارد/الآخر وليس أنا المتكلم تؤكد على هذا الأمر، فالكاتب لم يستطع أن يتحدث عن نفسه ـ كما هو الحال في بقية الفصول التي تتحدث/تتناول الأحداث، لكنه فقط عندما يتحدث عن المكان يستخدم صيغة السارد/الآخرـ لهذا وجد الحديث عن (الآخر) يمنحه شيء من الراحة والقدرة على كتابة ألم مغادرة دمشق والبيت.
وهذا ما أكده لنا في هذا المشهد:"...رغم أنه طوال عمره يحس ويعيش الحياة كفلسطيني، إلا أنه ولأول مرة راح يشعر بأردنيته، في مقابلات صحفية معه كما سبق، كان يذكر دمشق أكثر مما يذكر عمان "إذا كانت القدس أمي بالولادة فدمشق أمي بالرضاعة، فقد عشت فيها أكثر من أربعين عاما كونت فيها ثقافتي وشخصيتي وكتبت مؤلفاتي ورسمت قرابة عشرة آلاف لوحة، ولم أعش في القدس إلا قرابة عشرين عاما في بداية عمري، أما عمان فلم أعش فيها إلا أقل من ثلاثة أعوام"ص23، في هذا المقطع نجد استخدام صيغة السارد/الآخر وصيغة أنا المتكلم، وهذا يعود إلى الكاتب بعد أن غادر دمشق، لم يستطع أن يتحدث عنها بحيادية، فاستخدم صيغة السارد/الآخر، واقتبس من حديث صحفي، ما يشعر به تجاه الأمكنة، فجاءت المعلومة وكأنها غير متعلقة مباشرة بالكاتب، بل ضمن سرد السرد، وبهذا يكون "محمود أبو الجدايل" قد كشف علاقته الحميمة بدمشق، بطريقة مباشرة وغير مباشرة، بحيث تصل الفكرة للقارئ من خلال السرد، ومن خلال شكل وطريقة تقديم السرد.
عمان لم تكن دمشق، فالمدينة الغارقة في القديم، ليست مثل المدينة الحديثة، فأصحاب الدكاكين وسكان الحارات في دمشق القديمة كلهم يعرفون "محمود أبو الجدايل" ويعرفهم، لكنه في عمان غريب/دخيل:"أمضى محمود قرابة ساعتين دون أن يبيع شيئا .. أعاد اللوحات إلى حقيبتها وانصرف يجر شيخوخته وثقل أحزانه ولوحاته، بخطى متهالكة وصوت يصرخ في دخيلته:
"متى تدرك أنك مشرد في عمان ولم تعد في دمشق، متى؟" ص65، وكأن السارد يؤكد على تباين عراقة المدن، فدمشق التي يعمها السواح والمهتمون بالفن، تفتدها عمان، واللافت أن السارد عندما يريد أن يتحدث عن ألم مفارقة/الابتعاد عن المكان يستخدم صيغة السارد، وكأنه بهذا يريد أن يفصل/يبعد نفسه عن "محمود أبو الجدايل".
"شعر بأنه بحاجة لأن يمشي، لعله ينسى أو يتناسى ما يحدث في سوريا، لعله ينسى بيته الجميل في دمشق، البيت المتحف/ الأقرب إلى قلبه من كل بيوت العالم لما يحويه من فنون وتحف ومؤلفات ومكتبة زاخرة بالكتب القيمة" ص77، هل لهذا التكرار من مبرر؟ أم أنه جاء (زخرفة) زائدة للرواية؟، كما قلنا في البداية، إن العلاقة التي تربط الفلسطيني بالمكان علاقة غير عادية، فهو يجد نفسه وكيانه في المكان، بصرف النظر أن كان هذا المكان في فلسطين أو في دول الجوار، فهو والمكان الروح والجسد، لهذا نجده دائما يستحضره ويستعين به ليتجاوز أزمته، فندب المكان وحال الذي وصل إليه بطل الرواية، يمنح السارد/الكاتب شيء من الراحة ليكمل روايته، عمله الأدبي، من هنا نجد (تكرار) الندب والحسرة على البيت ودمشق.
الكاتب يستخدم الخيال في الرواية، وهو يعترف بأنه بالخيال يهرب من الواقع، فكلما تضيق عليه الحياة والمحيط يتجه إلى العالم المتخيل، لكنه أيضا في عالم المتخيل (يهذي بدمشق): "...وهامت في الكواكب الإنس أرواح وانتفض في الأجداث رميم العظام، وأطل على الأكوان نور نبي وأشرق في السحاب وجه يسوع وخيم على السماء جلال العذراء، وهتفت باسم دمشق الجراحات... فالتعجت في جروح دمشق اللواعج واعتلج في قلوب الملحدين المؤمنين والمؤمنين الملحدين اللعاج" ص105، إذن دمشق حاضرة حتى في هروب الكاتب من واقعه، وهذا ما يجعلنا نقول أن المكان/دمشق والكاتب هما كائن/جسد واحد، لا يمكن الفصل بينهما.
انتماء الفلسطيني وتعلقه بالمكان وبمن قدموا له العون لا يمكن أن يكون عابرا، حتى في حالة الفرح والنشوة نجده يستحضر الذين عاش بينهم ومعهم، عندما يكون "محمود أبو الجدايل ولمى" في جلسة ملوكية في احد متنزهات البحر الميت، وتحضر لهما مائدة ملوكية تكفي لعشرين شخصا، نجد "محمود أبو الجدايل" يستذكر سوريا وأهل سوريا: "أتذكر المشردين والفقراء، كلما عشت لحظات مترفة، وحزين جدا على الشعب السوري، لا استطيع أن أنسى مأساته، أصبحت تقلقني أكثر من المأساة الفلسطينية" ص293، وأجزم أن هذا الموقف يتجاوز الموقف (الإنساني) فهو يؤكد على اجتماعية أبو الجديل وانصهاره في المجتمع السوري، حتى أن الألم الحاصل الآن للسوري جعله يقدمه على وجعه وألمه القديم، ألم فلسطينيي الذين ولدو في فلسطين وانتموا إليها، هذا هو الفلسطيني وهكذا هو انتماؤه.

الفلسطيني
هناك مأساة للفلسطيني/للكنعاني تكررت منذ آلاف السنين، فكلما يأتي الخصب/البعل يلحقه الموت/يم ويزيل الخضرة عن الأرض ويحزن الناس، وكلما أنجز عملا يتبعه الخراب، يلخص لنا "محمود أبو الجدايل" هذه المأساة: "البطل الفارس، الذي يحارب بشجاعة ويحقق الانتصارات، لكنه يهزم ويستشهد في النهاية، وكأن القدر قد رسم له مسبقا هذه النهاية التراجيدية، وهذه هي حال البطل الفلسطيني بدءا من جليات التوراتي وانتهاء بياسر عرفات" ص26و27، فهو بهذا المقطع لخص تاريخ فلسطين ومسيرة الثورة الفلسطينية، منذ ثورة الظاهرعمر وحتى الآن، فرغم العطاءات العظيمة والانجازات، إلا أن النهاية تكون محزنة وبائسة، "فأبو الجدايل" الذي كان أحد أعلام دمشق ويعيش بواقع طبيعي/عادي ها هو نكرة في عمان، يعمل ليتقي شر التشرد والجوع، فالبناء والانجاز اللذان تحققا في دمشق انهارا، وكان عليه أن يبدأ من الصفر، هذا حال الفلسطيني/الكنعاني.
الأم والأب
غالبية الكتاب يقدمون الأم بصورة جميلة/ايجابية، بينما يقدمون الاب بصورة سلبية، أو يغيبونه ويهملون حضوره، "محمود أبو الجدايل ولمى" يؤكدان على هذا التقديم: "آه يا تعبي! آه يا أمي التي لم أرها منذ تهويد القدس! آه يا أمي التي رحلت دون أن أراها، دون أن تراني! ماذا سأفعل بحق السماء؟" ص17، الكاتب يستعين بأمه من خلال تذكرها وتذكر الألم الذي حصل له ولها، وهذا يشير إلى تعلقه ومحبته لها.
وهذا ما جاء حتى في التخيل، عالم الخيال: "همست الملكة له متسائلة عما بقى في ذاكرته، أجاب أنه لا يستطيع أن ينسى الحزن ووجه أمه" ص92، فالأم حالة خاصة واستثنائية بالنسبة ل"محمود أو الجدايل" فهي دائمة الحضور والذكر.
أما لمى فتحدثنا عن تفاني امها في العطاء فتقول: "..أمي الحبيبة يا محمود دمرنا أنا وأبي حياتها.. ضحت بنفسها، وكانت ترفض الذهاب إلى المستشفيات أو مقابلة أطباء حتى تسترعلينا ولا تفضح عارنا" ص285، بهذا العطاء كانت الأم.
بينما نجد الأب يقدم بصورة سلبية، تتمثل بقسوته وشدته: "...منذ أن أخرجه أبو الجدايل الأب من المدرسة ليرعى قطيع الغنم" ص143، فالأب هنا لا يهتم بتعلم "محمود" ويجبره على رعي الأغنام، وقسوة الأب لم تقتصر على الأب فقط، بل طالت الأم أيضا التي كانت تعمل في الحقل وهي حامل بوليدها وفي شهرها: "كانت أمه تحصد في الحقل برفقة أبو الجدايل الأب وآخرين، حين داهمها المخاض"ص57،وتقدم لمى مأساتها مع ابيها بقولها: "...كم كنت أتمنى لو استطيع أن اقتل الرغبة الجنسية إلى الأبد، وأن اقطع فرجي وعضو أبي أيضا" ص285، بهذا يكون الأب يمثل القهر والسطوة، بينما تمثل الأم العطاء والحب.
يتبع.
*****

رواية زمن الخراب 2
لمحمود شاهين
الملف الثاني
"محمود أبو الجدايل"
"محمود أبو الجدايل" الشخصية المحورية في الرواية، وغالبا ما تحدث عن نفسها ـ إذا ما استثنيا حديث الألم والقهر ـ التي كانت تستعين بالسارد، ليتحدث بديلا عنها، وهو شخصية واقعية، إنسانية، لكنه يأخذنا إلى عالم الخيال والتخيل، فيرسم لنا الجنة وما فيها من نعيم، وأيضا يقدم لنا مشاهد القيامة وما فيها من أهوال، سنتناول أولا محمود أبو الجدايل الإنسان، الفنان، الأديب، ونرى كيف تكون مشاعره تجاه الفقد والبعد: "...حتى ألفى نفسه بطنا على السرير، وهو يدرك إلى حد لم يبلغه من قبل إلى أي مدى يعني فقدانه وتركه لبيته ودمشق، تمنى من الله شيئا واحدا فقط أن يتيح له أن يبكي، ولم يكد ينهي تخاطره مع الله إلا والدموع تنزل من عينيه مدرارا، وراح يبكي ويبكي ويبكي.. يبكي حاله، ويبكي دمشق، يبكي بيته، ويبكي الحياة برمتها" ص41، رغم أن السرد جاء على لسان سارد خارجي، إلا أن مشاعر "محمود أبو الجدايل" هي المتكلمة، فكثرة استخدام الحروف واسماء الاشارة "حتى، على، وهو، إلى، لم، من، أي، أن، له، مع، إلا" والتي تشير إلى حالة غارقة في الألم والوجع، وأيضا تكرار "يبكي" سبع مرات يؤكد على أن المقطع جاء من "محمود" وليس من السارد، وهنا يكون (الكاتب) قد اخفق في التخفي وراء لغة السارد، وكان عليه أن يتكلم بلغة الأنا، لأن اللغة والمشاعر السابقة لا يمكن أن تأتي من سارد خارجي، واعتقد أن تكرارها "يبكي" سبع مرات يشير إلى ـ العقل الباطن ـ للكاتب الذي يعرف قدسية رقم سبعة ومكانته الدينية، وما يؤكد هذا الأمر أنه جاء بعد حالة إيمانية صافية "مناجاته/تخاطره مع الله" فهو هنا مؤمن ومتوحد مع الله، لهذا كانت الاستجابة مباشرة وآنية.
وهذا يأخذنا إلى أن الكاتب يحاول ـ قدر المستطاع ـ أن لا يتحدث عن مشاعر الألم أمامنا نحن القارئ، ويفضل أن تأتي هذه المشاعر على لسان سارد خارجي، وهذا يشير إلى نفوره من الحديث القاسي/المؤلم، فهو يتوق للفرح، وهذا ما سنجده في أفكاره عندما يحدثنا عنها، فهو يرفض وينفي فكرة الألم/العذاب حتى لأولئك الأشرار، الذين يعاقبهم بطريقة (مهذبة ولطيفة): "فقد نزه الخالق عن العذاب وجعله محبة مطلقة" ص46، "محمود أبو الجدايل" الأديب الفنان صاحب المشاعر المرهفة يرفض العذاب والتعذيب، ويتعامل مع الحياة من منظور السعادة والهناء.
الضغط الشديد على "أبو الجدايل" جعله شخصا قلقا، أرقا، متوترا، لهذا كان يأخذ حبوب منومة، لكنها لم تكن تفي لتهدئته وتسكينه:" فهذه الحبوب ... لا تنوم دجاجة، فكيف بمن يحمل كل هذا القلق" ص62، وهذه اشارة إلى الأديب الفنان الذي يتأثر بكل شيء وبأي شيء، فهو يتمتع بمشاعر مرهفة تؤثر فيها أبسط الأشياء، فكيف بتدمير وطن وتشريد شعب؟.
وهذا الضغط جعله يتجه إلى الخيال: "يهرب محمود أبو الجدايل من عالمه الكريه في "زمن الخراب" هذا، ليعيش مع أحلامه في عالم متخيل يريح نفسه وينسيه هذا العالم، أصبحت معظم كتاباته في العقود الأخيرة تدور في فانتازيا موغلة في الخيال المطلق، دون أن تتجاهل البحث عن ماهية القائم بالخلق" ص156، إذن الخيال هو العالم الآخر الذي يستطيع به الأديب الفنان أن يكون/يجد ذاته فيه، فقد أرهقته الحروب وأتعبه التشرد، وآلمه مشاهدة المهجرين والمشردين.
ولكن هذا العالم المتخيل لم يكن دائم النجاح، الواقع بسطوته كان حاضرا وأقوى من التخيل: "فلم يكن في بعض الاحيان ينجح في تمثل عالم متخيل أو استنهاض دخيلته إلا لبضع دقائق، ليجد نفسه بعد ذلك يغوص في الواقع من حوله، ...يشرع في الكتابة، إما عن الحال التي آل إليها العرب في مجتمعات ما تزال ترزح تحت نير التخلف والاضطهاد، وإما عن رؤيته الفلسفية عن القائم بالخلق، في اتعس محاولة لإنقاذ أمة لا تقرأ، من الجهل المحدق بها" ص165، يعرفنا "محمود" بنفسه اكثر، فيحدثنا عن مشاعره تجاه الواقع، والواقع هنا لا يتمثل بهمومه الشخصية فحسب، بل بالواقع العام، واقع الأمة وهمومها، فهو يحمل همين، همه الشخصي وثقل الحياة عليه، وهموم امته/شعبه، ومحاولته التخلص من الضغوط بالحبوب أو التخيل، ما هي إلا تأكيد على نبله وانتمائه لواقعه، فهو ليس بليدا، أو غير مبال، بل إنسان وطني/قومي ومنتم، ويعمل فوق طاقته على تبيان وتوضيح حالة الأمة بكتاباته ولوحاته.
فأعماله الفنية والأدبية وسيلته في التعبير، يحاول بها أن يعالج مشاكلة المادية، وأيضا يكشف مواضع الخلل في الأمة لتبينها ومعالجتها، لكن ليس كل ما يصدر عن الفنان الأديب مبهر: "ثمة لوحات أحبها وثمة لوحات أرسمها بسرعة لأتسلى، ليس كل ما يرسمه الفنان يعجبه، مع أنه يعجب بعض الناس وليس كل الناس، والأمر نفسه ينطبق على الكتابة" ص175، وأعتقد أن هذه الموضوعية في الحديث عما يصدره من أعمال أدبية وفنية يعد حالة استثناء، لأن غالبية الكتاب والفنانين يتعاملون مع انتاجهم كما يتعاملون مع أولادهم، بمعنى: مهما كانت طبيعة العمل يعتبرونه عملا يمثلهم وخارجا من دخائلهم، فنقده وإظهار ما فيه من مغالاة زيادة أو نقصان يعدونه تعديا وتناولا شخصيا لهم وليس لأعمالهم.
ويحدثنا عن رؤيته/نظرته للنساء وكيف يراهن: "ـ ... كنت في الماضي أتخيل بعض الصديقات الجميلات اللواتي لم استطع الوصول إلي قلوبهن، غير أنني مللت من نساء الأرض، فألجأ في أحيان كثيرة إلى نساء من عالم السماء، حتى مع ربات وملائكيات وحوريات...الحب مع الربات مسألة خارقة" ص181، اللافت أن "أبو الجدايل" يتحدث عن أفكاره بحرية ووضوح أمام "لمى" وكأنها بحضورها وأسئلتها تفجر/تحرك فيه الطاقة الفكرية، وتفتح لها الأبواب لتنطلق بحرية ودون معيقات، فتجعله يسهب الحديث، وإذا ما ربطنا حديثه عن النساء المتخيلات، بقوله السابق عن لجوئه إلى عالم الخيال وقت الضيق، يمكننا الاستنتاج أن التخيل والخيال جزء حيوي من سلوك "أبو الجدايل" فهو يتعامل معه بكثرة، فهل أصبح "أبو الجدايل" رجلا خياليا؟ أم بقي رجلا أرضيا يعيش الواقع؟.
"أنا شخصيا بات لدي عقدة من الحياة الزوجية بحيث أصبحت أنكرها وألغيها من حياتي أحيانا، بعد أكثر من ربع قرن من حياة الوحدة والحرية...أشرت إلى عدم الحرية في مجتمعنا ومحدودية اختيار شريكة العمر، التي تتم بشكل خطأ، وتكون في الغالب نتاج الحاجة إلى الاكتفاء الجنسي، وليس بدافع الحب كما يعتقد الكثيرون" ص197، تأكيد آخر أن العالم الأفضل عند "أبو الجدايل" هو عالم الخيال، فلم تعد حياة الناس على الأرض وسلوكهم ـ حتى في مسألة عادية/طبيعية، الزواج ـ تنسجم مع افكار"أبو الجدايل" فطريقة تفكيره تجعله خارج المكان والزمان، رغم حضوره ماديا (جسديا) بيننا.
طريقة التفكير التي وصل إليها "أبو الجدايل" كانت لها مقدمات وبدايات ودوافع، يحدثنا عنها بقوله: "...لكن حب المعرفة لدي الذي رافقني في سن مبكرة لعب دورا في المسألة، إضافة إلى أنه اتيح لي أن أتعرف إلى أشاص يفكرون بمنطق وعقلانية وعلمانية إلى حد كبير، رحت أبحث عن نفسي في هذا العالم متعدد الثقافات، وأسعى لإيجاد موضع لي فيه.. نميت معرفتي وطورت ثقافتي بكثرة القراءة والاطلاع والتأمل والتفكير، ...لم أقرأ كتابا منذ أوائل عشرينيات عمري إلا بعين نقدية" ص 260، بقدراته الذاتية، والتوقف عند الأفكار المقدمة في الكتب. وفي المقابلات الشخصية، استطاع "أبو الجدايل" أن يشكل/يكون ثقافة/رؤية/افكارا خاصة به عن الحياة والكون والمجتمع والمعتقدات، فهو لم يأخذ/يتعامل مع أي نص/أفكار على أنها مقدسة، بل قابلة للتحليل والبحث، فوصل إلى هذه الفكرة: " لقد أصبحت على قطيعة شبه مطلقة مع المعتقدات كلها، وحسمت الأمر بأنها فكر بشري وليس إلهيا.. لكني لم أحسم فهمي للقائم بالخلق، فكنت أقرب إلى الالحاد، واستغرق الأمر أربعة وعشرين عاما أخرى لأبدأ بحسم الأمر في اتجاه التصوف وتأسيس مذهب صوفي جديد أسميته "الصوفية الحديثة" تبلور في الأعوام اللاحقة، وما يزال التعمق فيه قائما لدي" ص262، وهنا يطرح "أبو الجدايل" أهمية وضرورة التفكير، فهو يرفض تقديس كل ما هو جاهز/مطلق/كامل، ويتعامل مع كل شيء، على أنه قابل للبحث والتفكير والتطوير، وهذا الأمر يشير إلى تأثره بمبدأ "الشك" الذي يدعو إلى التفكير في كل ما يحيط بالإنسان من البدايات، فأينما أوصله التفكير تكون الحقيقة/الإيمان.
اعتقد أن الخراب الذي نعيشه الآن، وبعد خراب أربع دول، وقبلها ضياع فلسطين والاسكندرون والأحواز، يجعلنا نتأكد بضرورة وأهمية فتح باب التفكير وعدم أخذ أي أفكار ـ حتى المقدسة ـ على أنها مسلمات، فالبحث والتفكير أصبح ضرورة لنا، إن اتفقنا على ما وصل إليه "أبو الجدايل" أم لم نتفق، يبقى التفكير والبحث طريق الخلاص من التكلس والصدأ الذي أصاب عقولنا..
****
إيمان محمود أبو الجدايل
رواية "زمن الخراب" لمحمود شاهين
(3)
رائد الحواري

الإيمان مسألة مهمة وضرورية في حياة الإنسان، من هنا نجده يتخاطر/يناجي الله وقت الضيق، ـ عندما كان بحاجة للبكاء ـ وقد استجاب لطلبه، لكن إيمانه يختلف عن بقية الناس، فله معتقده الخاص به، يحدثنا عن علاقته/إيمانه بالله في أكثر من موضع في الرواية: "إلهي! ما قطعت ملايين السنين الضوئية بحثا عنك، إلا ويحدوني أمل أنك موجود، وأنك قادر، فإن كنت موجودا وقادرا، أتوسل إليك أن تعيد الحياة إلى كل من أحرق في جهنم هذه" ص 53، إذن هو يؤمن بالله الخالق، ولهذا يتوسل إليه ليخلص أولئك المعذبين من جهنم، وفي هذا المقطع نجد (الرحمة)” تجاه الآخرين، فيبدو وكأنه وسيط سلام ورحمة إلى "الله" كمطلق، كامل. واللافت أن هذا الاستخدام يأتي وقت الضيق والشدة، فهو يعتبر الله الأقرب إلى الإنسان والذي يستعان به ليخلص الناس من المصائب والمحن، لهذا نجده يوضح رؤيته الإيمانية من خلال: "حين لا يكون هناك إله فليس ثمة إلا الله" ص56، فلفظ الله له مدلول خاص، استثنائي، هذا ما صرح به "ابو الجدايل".
وهناك حالة صوفية يتمتع بها "أبو الجدايل" تميزه عن بقية الصوفيين: "لكن سعادتي لن تكتمل إلا بلقاء الله" ص59، وهذا ما يجعلنا نقول أن حالة الإيمان حاضرة في وجدانه، فالله هو الغاية/الهدف الذي يسعى إليه "أبو الجدايل"، ويؤكد إيمانه في موضع آخر: "جزم خلالها من وجود الله في قلبه"ص85، إذن هو مؤمن بالله، لكن له رؤية خاصة فيما يتعلق بالنصوص والأفكارالدينية السائدة، إن كانت يهودية أو مسيحية أو إسلامية، فهو ينفي الطريقة المألوفة التي تتحدث عن خلق الإنسان: "لا يعترف الأديب محمود أبو الجدايل بأن البشرية ابتدأت بكائنين دعيا آدم وحواء... لا يعترف بنوح وأولاده ولا حتى بالطوفان المزعوم" ص68، وهنا نطرح سؤالاً، هل يمكننا أن نعتبر "أبو الجدايل" مؤمناً، هو يعترف بالله الخالق المطلق، لكنه يقف (جاحدا ونافيا) لمسلمات نزلت في الكتب السماوية، وهنا علينا أن نتقدم أكثر في الفكر الذي يطرحه لمعرفة الأسس التي يعتمدها.
القيامة
أي حديث عن القيامة لا بد أن يأتي متأثرا بما جاء به القرآن الكريم، فهو الكتاب الأكثر تناولا لأهوال القيمة والكيفية التي ستكون عليها نهاية الحياة على الأرض، والبدء بحياة أخرى، أما سعيدة في الجنة، وأما تعيسة في النار، وهذا هو الرأي السائد حسب المعتقدات السماوية، لكن محمود شاهين يقدم لنا مفهوما خيرانيا مختلفا للإله ، حين يقيم إله "أبو الجدايل" القيامة ليعيد الحياة إلى ملايين أعدموا في جهنم أقامها دكتاتورعمل من نفسه إلها ، وجعل لديه جهنما وجنة. وفصل إحياء الموتى هذا مأخوذ من ملحمته الأدبية " الملك لقمان " كما هي الحال مع فصل " ابن الله " المأخوذ من ملحمته الأدبية " غوايات شيطانية " وكأن محمود شاهين يلفت الانتباه إلى أعمال أدبية سابقة له لم تأخذ حقها ، وخاصة الملك لقمان التي منعت في العديد من الدول العربية . يصور مشهد إحياء الموتى كما يلي "هرع ملايين الجن وحملوا جبال الجماجم وألقوا بها في المحيط الجهنمي، أخذت اجسام بشرية كاملة تندفع عموديا من الماء وترتفع إلى أعلى وما تلبث أن تسقط لتحاول الصعود ثانية وهي تتخبط في الماء مقاومة الغرق. فيما أصوات ملاين من البشر تردد اسم الله لتعم الأصوات كوكب داجون كله ولتنطلق جثث الموتى إلى الفضاء لتملأ الكون" ص54و55، "
إنه إله محمود شاهين وإله محمود أبو الجدايل الذي يسمو فوق العذاب وفوق جهنم . إنه إله الخيرالمطلق والمحبة المطلقة والجمال المطلق . وإن كان المشهد لا يخلو من تأثيرات بالقيامة الاسلامية.
وحين يقدم " الملك لقمان / محمود أبو الجدايل ، على معاقبة الدكتاتور وأعوانه،
فهو يتخذ عقوبات مخففة جدا تنسجم مع مفهومه للألوهة:
"هل ستترك النسور محلقة بداجون وأعوانه.
"سأجعل النسور تطوف بهم الكوكب ومن ثم تلقي بهم في جزيرة نائية غير مسكونة، ليبدأوا الحياة من الصفر.
لن تعدمهم؟
لا، لن أعدمهم يكفيهم ما سيكابدونه من شظف العيش في الجزيرة" ص59.
وفي فصل (الجنة) الشيطانية " ابن الله " أيضا نلمس تأثرا ما بالنصوص الدينية عند الحديث عن الجنس " يا حبيبي، بدلا من أن تجعل مثلاءك يرضعون من نهد واحد من نهدي السباعيين، وزع أفعالهم، كأن يرضع أحدهم من نهد الكمال، والآخر من نهد الحياة، وآخر يداعب بطني وفخذي، وآخر يلثم فرجي الصغير الجميل الذي لا يعرف البول والدم والانجاب، وآخر يقبل ردفي اللذين لم تفح من بينهما إلا رائحة المسك والعنبر" ص86.
يستمر"أبو الجدايل" في جنة الشيطان، يضاجع عددا كبيرا من الجميلات اللواتي اشتاهن في حياته: "اختفت سارانيو من بين أحضانه ليجد نفسه يعانق هيلين الطروادية وليتحول خلال ومضة إلى باريس ويشرع في عناقها، ومع جسد ثان من أجساده السبعة ظهرت حورية راحت تلهب جسده بالقبل... آه آه يقتلني صهيلك تحتي، دعني اتروض برضع فرات نهديك ورشف رضاب شفتيك"ص91، يحاول "أبو الجدايل" أن يكون عادلا تجاه المرأة، فكما يتمتع هو بمجموعة نساء جميلات تتمتع النساء الأخريات بعين الطريقة، بمعنى أن الواحدة منهن تضاجع أكثر من رجل، كما يضاجع هو اكثر من امرأة.
ولم تقتصر متعة الجنة الشيطانية على الجنس فقط، بل هناك متعة بالجمال والفنون والأدب: فحين يتدخل القدر الإلهي في عالم الشيطان ويحيل محمود أبو الجدايل إلى طفل ليتبناه الله ، تقيم له الكائنات معراجا في السماء :"هفهف النسيم محلقا بأجنحة من الطل ليتمرغ الطفل بأحضان النسيم، قبله النسيم على خده فقبل خد النسيم، ... أفردت ملكة العشب جسدها بساطا ربيعيا مزهرا لموكب المعراج السماوي، .. ذاهنت ملكة الألوان الملك راجية أن يتيح لها نزع ألوان الحداد، لتصبغ المعراج لبرهة بالألوان" تلألأ الكون، كل الكون، بالألوان الألوان وراح يلثم عيني الطفل ، فلثم الطفل عيون الألوان. ص103، فالمتعة لا تقتصر على الجسد والمادة فقط، بل هناك متعة روحية جمالية، وهنا يكتمل النعيم، النعيم المادي/الجسدي، والنعيم الروحي/الجمال.

لمى
أن يتم الحديث عن جنس محرم في رواية عربية، فهذا يعد تمردا على الواقع، فطبيعة المجتمع/المواطن العربي يتلذذ بالستر والتكتم، ويعمل، الأفراد والجماعات والحكومات، على إبقاء الحظر والمنع، كما هو الحال بالنسبة للدين والسياسة، فغالبا ما يكون الحديث فيهما أوعنهما ممنوعا ومحظورا، من هنا تعد رواية "زمن الخراب" رواية متمردة على مفاهيم/ممنوعات/محظورات الواقع، فقد تناولت المحرم الأول الدين، وبحثت في موضوع ـ ماهية الخالق/الله ـ ولم يسبق لأحد أن تجرأ وتحدث فيه، وها هي الرواية تكمل تمردها الاجتماعي من خلال تناولها علاقة جنس، وليس جنسا (عاديا/طبيعيا) بل جنس محرم، محرم دينيا وإنسانيا وأخلاقيا، فأن يقدم أب على الاستمتاع جنسيا بابنته الطفلة، ويستمر معها حتى وصولها لحالة (البلوغ/النضوج) فهذا أم غير مألوف، ويشكل صدمة لنا نحن القراء، الذين نسعى هاربين من مشاهد الألم والقسوة والعنف.
"لمى" الطفلة يخضعها/يروضها أبوها للذة الجنسية، حيث كان يفرك فرجها بيديه وبقضيبه، حتى أصبحت تلك الممارسة ممتعة لها، ولا يمكنها الاستغناء عنها، يستمر الاب في هذه العلاقة حتى تنضج "لمى" ويمارس معها الجنس كمرأة ناضجة وهي في الثانية عشرة من عمرها، تعرف الأم هذه العلاقة، تحاول أن توقفها وتفشل، ومن ثم تصاب بالسرطان الذي ينهي حياتها، تتعرف "لمى" على "أبو الجدايل" من خلال النت، وتتصل به ليكون هو منقذها ومحررها من تلك العلاقة المحرمة.
إذن "لمى" تسعى/تعمل على انهاء والتخلص من جريمة/فعل غير أخلاقي ومحرم، وهي بمسعاها هذا تؤكد على رفضها لهذا الأمر، غير أنها كانت تعود إليه وكأنه أصبح قدرا لا مفر منه، والحال نفسه ينطبق على الأب الذي حاول أن يوقف العلاقة لكنه فوجئ بلمى تطلبها.. تحدثنا لمى عن مشاعرها: "أعتقد أن الظروف كانت أقوى مني، تبدو لي المسألة كمن يدمن على شيء ولا يستطيع التخلي عنه بسهولة" ص254، ورغم ضعفها، وما ستتعرض له من ضغوطات واتهامات من المجتمع، إلا أنها تقرر المواجهة وإنهاء فعل/جريمة هي ضحيتها قبل أن تكون شريكة فيها، فهي ضحية لممارسة منذ الطفولة حولتها إلى شريكة ، ولا شك أن الأب كان يعاني من المشكلة بدوره ، فما أن علم بعلاقتها مع محمود أبو الجدايل ، حتى قرر أن يخلي الطريق لها ، فوضع مبلغ خمسمائة ألف دينار في حسابها في البنك ، وأقدم على الانتحار بأن ألقى نفسه بسيارته من جرف عال إلى أعماق البحر الميت ..
تحدثنا "لمى" عن مشاعرها تجاه عشقها لأبيها وتجاه الجنس المحرم وأثره عليها: " لا أحب الشباب، ولا أحب الكهول الأغبياء... ربما رأيت فيك شيئا من أبي الذي لم أمارس الجنس مع غيره" ص266، هي مريضة نفسيا وخاضعة جسديا لشخص واحد فقط ، الأب، فلا ترى الجنس، اللذة الجنسية إلا معه، وقد تحدثت بهذا الأمر بوضوح: "أدمنا عليها كما سبق، ربما كان أبي يعتقد أن العلاقة ستنتهي بعد أن أكبر، لكنه وجد أنني متشبثة به وغير قادرة على قطع العلاقة معه، ولا أستطيع تخيل رجل غيره ينام معي" ص273، فممارسة الجنس مع ابيها أصبح جزءا من حياتها وسلوكها، اصبح عادة، لهذا كررت هذا الأمر في أكثر من موضع وأكثر من مرة: "لم استطع تخيل شخص غير أبي يمارس معي الجنس" ص274، إذا كان هذا الحديث عاما، ولم يدخل إلى تفاصيل العملية الجنسية، يبقى أثره محدودا، أو أنه يشير إلى اختلاق "لمى" لهذا الفعل لتتقرب من "أبو الجدايل" وليتعاطف معها، لكنها تتحدث بالتفاصيل والتفاصيل الدقيقة، تقول: "...وثمة صورة بعد هذه يبدو أبي فيها عاريا وهو يليف بين فخذي، ويبدو أنني كنت استشعر متعة ما، ...ذكر أبي المنتصب وهو يداعب بحشفته شفري فرجي صعودا ونزولا، لا أعرف كم كان عمري بالضبط، ربما كنت في السادسة، ..دالكا بين فخذي بأصابع يده الغارقة بالصابون أحيانا، وبحشفة ذكرة أحيانا أخرى،... يبدو أن ذكره كان يستهويني، وأنني كنت أستشعر متعة تدفعني إلى طلب ذلك، وهذا ما عرفته لاحقا حين كبرت" ص277، إذن الممارسة كانت حقيقية ـ في الرواية ـ ولم تكن متخيلة، لهذا كانت مشكلة لمى نفسية وجسدية معا، بمعنى أن حالتها صعبة، فالتخلص من عادة ليس بالأمر السهل، خاصة إذا عرفنا أنها مورست منذ الطفولة واستمتع بها، وكما أن تشويه صورة الأب بهذا الشكل ليس بالأمر السهل، فهو يحطم كيانية الإنسان، إن كان مستمعا أو مفعولا به.
تحدثنا عن بدايات احساسها بالمتعة واللذة فتقول: "...كنت أضع يدي فوق فرجي...فقد أصبح الأمر عادة عندي...ليتحول إلى عادة سرية فيما بعد" ص 279، هذا الاعتراف يوضح حجم المشكلة التي تعاني منها، فهناك عادة/سلوك اعتادت ممارسته، فكيف لها أن تتخلص منه أو تنهيه؟، فهو جزء من حياتها، وفي ذات الوقت يمنحها اللذة، لهذا كان قرارانهائه قرارا صعبا ويشكل نقلة نوعية في حياتها.
"دخلت المدرسة في السادسة حسب ما أعرف، وظلت علاقتي بأبي تتوطد وتدخل حالة حميمية لا يكاد أبي فيها يشبع من تقبيل خدي وفخذي، وأنا اتمتع بضمه إلي وتقبيله بدوري" ص279، أهمية هذا الحديث تكمن في أنه يشير إلى احدى مشاكل "لمى" والمتمثلة باللذة، فهي تذكرها مرارا وتكرارا، وكأنها بهذا الذكر تريد أن تبرئ نفسها من الجريمة وتلصقها/تنسبها/تبررها للمتعة التي كانت تسيطرعليها وقت ممارسة الفعل، ورغم هذا يبقى اعترافها خطوة في انهاء وتخلص من الأخطاء التي حصلت.
وتكشف عن حالتها قبيل نضوجها جسديا فتقول: "في الفترة ذاتها بدأت الدورة الشهرية تأتيني.. وبدأ جسدي يتأجج شهوة، ولم أكن أمل من ممارسة العادة السرية، سواء في الحمام أو قبل النوم، وكان اشتهائي لأبي يزداد" ص281، وهذا الأمر لم يقصد به تأكيد مرضها وتعلقها جسديا ونفسيا بالأب الذي أثراها وفتح باب الشهوة عليها وفيها، فكانت أسيرة لها ولمن يحدثها فيها.
تتقدم خطوة أخرى نحو كشف طريقة الاقدام على الفعل الجنسي: "...ودخلت الصالون لأجلس على فخذيه وأقبله .. ضمني إليه بشدة وشرع في تقبيل خدي وعنقي، وما لبث أن التهم شفتي وأدخل لسانه في فمي ليدور به حول لساني ويشرع في مصه، أظن أنني ذبت فيه وذاب هو في، حين شرع في رضع نهدي الصغيرين، ومن ثم عرى فخذي وشرع في تقبيلهما ، ليطرحني بعد ذلك على الأريكة، وينزع كيلوتي ويثني فخذي ليقبل فرجي الصغير، ومن ثم يخرج ذكره ليداعبني به ويلجني، لأغرق في نشوة طويلة.. يمكن القول يا عزيزي أنني منذ ذلك اليوم أصبحت متزوجة من أبي الذي لم أمارس الجنس في الواقع مع غيره" ص282، إذا كانت الممارسات السابقة تثير اللذة فقط، ودون أن تؤذي/تغير الجسم، فهي هنا اكتملت، وأصبح هناك فعل منكركان له اثره الجسدي والنفسي أكثر من الممارسات التي سبقتها.
وبعد موت أمها بسبب الصدمة التي أحدثتها معرفتها بالعلاقة بينهما، بدأت "لمى" تشعر بالذنب الفظيع" وكم كنت اتمنى لو في استطاعتي أن اقتل الرغبة الجنسية إلى الأبد، وأن اقطع فرجي وعضو أبي أيضا" ص285. إذن الصدمة الأولى التي جعلت "لمى" تعيد النظر بعلاقتها غير السوية هو موت أمها، لكن هذه الصدمة لم تدم أكثر من ستة شهور، لتعود العلاقة إلى ما كانت عليه.
من هنا كان التجاء "لمى" لمحمود أبو الجدايل" منطقي، فهي وجدت في أفكاره ما يمكن أن يكون علاجا لها، إن كان من خلال قدرته على التحليل وتفكيك العلاقة المحرمة، وهذا ما كان فعلا، أو من خلال السن والعمر الذي يتماثل مع عمر الأب، فهي وجدت في هيئة "أبو الجدايل" صورة جسد الأب، أي المتعة التي تحصل عليها، وهذا أسهم لاحقا في تحررها من جسد الأب، والالتجاء إلى جسد غير (محرم):"ربما رأيت فيك شيئا من أبي الذي لم أمارس الجنس مع غيره" ص266.
يستطع "أبو الجدايل" أن يحرر "لمى" من تعلقها بالجنس المحرم، وتستطيع "لمى" أن تفك وتحل (عقدة) "أبو الجدايل" المادية، من خلال شراءها لمجموعة من لوحاته، وبهذا تكون "لمى" قد اسهمت في حل عقدة رجلين، أبوها من خلال التوقف عن فعل الجنس معها، "وأبو الجدايل" من خلال شراء لوحاته، ونتوقف هنا لنشير إلى أن فعل المرأة كان متفوق على فعل الرجل، وكانت هي المبادرة في انهاء الجريمة، بينما كان أبوها مواكبا وباستمرار لفعل الجنس، ودون أن يحاول أن يمنع نفسه بجدية من الاقدام على ابنته.
الرواية من منشورات مكتبة كل شيء، حيفا، فلسطين، الطبعة الأولى 2019.





رواية قصة الخلق
ماهية الخالق والغاية من الخلق!
رائد الحواري
تقديم عمل فكري/فلسفي يستدعي من المُقدم استخدام أشكال أدبية وطريقاً تُسهل على المتلقي تناول هذا الفكر/الفلسفة، فالشكل هنا مهم وحيوي كحال الفكرة المُقدمة، من هنا سندخل إلى رواية "قصة الخلق" والتي يأخذنا عنوانها إلى الأسطورة السومرية "في العلا عندما، الأينوما ايليش" فهناك تشابه في فكرة الرواية والملحمة، فهما تتحدثنان عن الخلق وكيف تم خلق الكون، ولم يقتصر التشابه في الفكرة فحسب، بل طال أيضا أحداثا، فكلتاهما تحدثتا عن عالم السماء والآلهة/الله، والحوار بين الله الخالق والمخلوق، لكن بالتأكيد الخيال والصراع/الحوار بين الآلهة "في العلا عندما" كان أوسع، بينما في "قصة الخلق" لا نجده إلا في بضع مواضع من الرواية.
السرد :
السرد الروائي هو الذي حمل إلينا أفكار "محمود أبو الجدايل" عن الخلق والخالق، وبما أن هناك أفكاراً جديدة وتحتاج إلى وقفة وتأمل من القارئ، فقد أوجد السارد طريقة الحوار بينه وبين "أسيل القمر" من خلال إجراء لقاءات تلفزيونية بينهما، وكان يتخلل هذه الحلقات أسئلة تطرح على "محمود أبو الجايل" وهو يجيب عليها.
لكن هذه الحوارات لا تكفي لإعطاء المتلقي فسحة ليفكر فيما يطرح من أفكار فلسفية كونية، فأوجد السارد أحدثاَ "اجتماعية" تجري له ولمحبوبته "لمى"، يخفف بها من (حدة) الأفكار التي يطرحا، فكانت هذه الأحداث بمثابة (فاكهة) في الرواية، رغم ما فيها من قسوة وألم.
كما أن سرد الأحداث في الرواية لم يقتصر على شخص بعينه، فهناك السارد الخارجي/العليم: "فوجئ أبو الجدايل بآنسة جميلة ستجري معه اللقاء" ص16، وأبو الجدايل: " قابلتني أسيل بمرح ووجه مشرق وجمال أخاذ يتوهج كنور يغمر الكون بهالة ربانية" ص78، ولمى: "مر على رحيل أبي في البحر الميت قرابة عام ونصف، قلت لمحمود" ص67، وأسيل: "...لكن ما لا أفهمه أن اشتهاء محمود لي في هذا اللقاء بعد الزواج، قد اختفى تماما" ص175، وأحيانا في الفصل الواحد كان السرد يتوزع على مجموعة شخصيات كما هو الحال في "(19) أم بشير تتبتل إلى الله!" ص184 حيث نجد أكثر من سارد في هذا الفصل، "أم بشير، لمى، الإرهابيين، أسيل/ السارد الخارجي/العليم" كما تنوعت الأحداث، وهذا التشكيل في السرد جاء (ليخفف) على المتلقي ويخرجه من دائرة (صعوبة الأفكار) التي تحملها الرواية.
لهذا نجد أن تعدد الرواة في سرد الأحداث أسهم في التخفيف على القارئ، وإعطائه مجالاً ليستريح ويفكر فيما يطرح من أفكار، كما أن هذا التشكيل والتنوع في السرد أسهم في إيصال فكرة ضرورة الإستماع إلى الرأي الأخر، فكان السارد حامل/خادم لفكرة التعدد والتنوع التي حملتها فكرة الرواية.
كما أن تعدد الرواة منح الرواية لمسة ناعمة جعلت القارئ يتمتع بتلك الأصوات، ويتعاطف مع كل نساء الرواية، وينحاز لقضاياهن، لأنهن كن ضحايا المجتمع الذكوري، وهذه ميزة أخرى تحسب لأفكار الرواية، فالرواية عندما وصفها "فلسفية اجتماعية" كانت قضايا المرأة أهم المسائل التي طرحتها بالإضافة إلى "الإرهاب".
وإذا أخذنا النسق الذي جاءت به الرواية نجده مرتباً، فكان الفصل الفلسفي/اللقاء مع أسيل، يتبعه فصل اجتماعي/الأحداث التي تجري مع أبو الجدايل ولمى، استمر هذا الترتيب حتى الصفحة 112، "10 فاسق وبغي وقواد" والذي يتحدث فيه عن أم بشير زوجة الشخص الذي حاول اغتيال "أبو الجدايل"، في هذا الفصل كانت القسوة شديدة الوقع على المتلقي، حيث تحدث السارد عن مجزرة دير ياسين، والحياة القاسية التي مرت بها "أم بشير، وكيف أن زوجها فرض عليها القيام بدور المومس وأمام عينيه، وكيف استغل "الشيخ" سجن زوجها، وجعلها تقوم بدور البغي. هذا الفصل من أصعب فصول الرواية، لهذا عندما شعر السارد أنه أثقل كاهل المتلقي بالأحداث الدامية، والحديث عن الوحشية التي تعرضت لها "أم بشير" تجاوز النسق والترتيب الذي بدأ به الرواية، وأوجد فصلا لاحقا مباشرة "(11) أحلى وأجمل وأعظم أخ" ص123، والذي حل/فك فيه كل مشاكل "أم بشير وأسرتها، من خلال إيجاد بيت جديد لتسكنه بدل مسكنها الذي تحول إلى مبغى، وأعطائها شكاً بقيمة ثلاثة آلاف دينار لتبدأ به حياتها بشكل سوي، بعيداً عن الشيوخ والإرهاب والدعارة.

نبل السارد:
وهذا الموقف يحسب للسارد الذي (راعى) مشاعر القارئ، فأبى أن يتركه بحالة ألم ووجع على ما تعرضت له أسرة "أم بشير" فالموقف النبيل لم يقتصر على انهاء أزمة ومشكلة الشخصيات الروائية، بل طال القارئ نفسه. بهذا الشكل الإنساني استطاع السارد أن يوصل لنا فكرة نبيله، إضافة إلى كرم أبي الجدايل ومشاعره الإنسانية، ليس تجاه ابطال روايته فحسب، بل تجاه المتلقين لعمله أيضا، وهذه إحدى الأفكار الأخلاقية التي تحملها الرواية.
الخيال:
تخفيفا على القارئ، وتسهيلا لإيصال الأفكار التي جاءت في الرواية يستخدم السارد الخيال/التخيل، وأخذه إلى عالم متخيل، فهناك أربعة مواضع تم فيها الهيام في عالم السماء والخروج من الواقع، تحدثنا "لمى" عن أحد هذه المواضع بقولها: "يحب محمود أحيانا أن يخرج من العالم الواقعي الكريه ليعيش في عالمه الأدبي المتخيل، ومن أحب الشخصيات له شخصية الملك لقمان وشخصية أخرى لأديب يحيله الله إلى ابن له ... فراح يخاطبني على أنني مليكته نور السماء وهي بطلة ملحمة الملك لقمان.. وبناء عليه طلبت مائدة ملكية مهولة: تنبه العمال إلى أننا نتخاطب كملك وملكة فاحتاروا في أمرنا، ولم يجدوا مفراً من مخاطبتنا كملك وملكة" ص35، كلنا يعلم أن الخيال والفانتازيا يمتع المتلقي، ويخرجه من دائرة الأحداث القاسية، من هنا نجد هذا الخروج من الواقع تم من خلال إيجاد شخصيات متخيلة "الملك لقمان ونور السماء" ومن خلال تقمص هذه الشخصيات، بحيث يجعلها تعيش الدورين معا، دور التخيل/السماوي ودور الواقع/الأرضي.
لكن في موضع آخر يحرر جسده من الأرض ويحلق في السماء: "... يطلق العنان لخياله ليحلق فيها مبتدئاً بالتجرد من ثقل جسده متوغلا في أعماق نفسه، ليغدو بوزن الريشة.. يطير متجولا في الفضاء، تحف به أسراب من نجوم سماوية، يبحر بعيدا في أغوار الكون، ممتطيا متن سرير ملائكي... يسبح في هالات من الأنوار مختلفة الألوان... يتلون جسمه بكل الألوان التي مر سريره عبرها.. يهتف صوت مألوف له، طالما سمعه وهو يغرق في تأملاته .. إنه صوت الله دون شك:
"إلى أين أنت ذاهب يا محمود؟
"أبحث عنك يا إلهي
"تبحث عني؟ أنت تعرف أنني في كل مكان
"أريد أن أراك مجسدا
"تعرف أنني مجسد في كل شيء، فليس هناك من هو مجسد بغير مادتي
"أريد أن اراك أمامي في أجمل جسد تحبه" ص196،
نلاخظ أن هناك خيالاً جامحأ، من خلال تحرر الجسد من الأرض واطلاقه نحو السماء، وأيضا نجد أفكار السارد عن الخالق، وبهذا يكون الخيال قد أمتع المتلقي، وساهم في تسهيل إيصال فكرة الرواية للمتلقي.
يتجرأ السارد أكثر في تقديم فكرته عن الخالق فيقدمه بهذه الصورة: ".وخلال لحظات رأى محمود هيكلاً من ألوان متلألئة تنبثق في فضاء من النجوم المتوهجة ، راحت الألوان تنحسر عن الهيكل شيئا فشيئا لتتجلى عن فتاة ملائكية خارقة الجمال ترفل بثياب من السندس والاستبرق ، تجلس على كرسي وثير، تحيط بها هالة نورانية، تضفي على وجهها جمالا ساحرأً، وتضع على رأسها تاجاً مرصعاً بالجواهر، مطلقة شعراً طويلا على جانبي صدرها وعلى ظهرها .
انبهر محمود للحظات بجمالها الخلّاق وراح يهتف "ما أجملك يا إلهتي" وأحنى رأسه تحية واحتراما لها ، وخاطبها كإلهة طالبا إليها أن تتيح له تقبيل يدها. مدت الربة يدها فأخذها محمود وقبلها .. خاطبها متسائلا عما إذا كانت إلها أم إلهة. قالت :
- بل أنا الألوهة التي تكمن فيها الذكورة والأنوثة! أو الربوبية بشقيها الأنثوي والذكوري! دون أن تكون ذكرا أو تكون انثى .
- ماذا تكونين اذن يا ربتي ؟
- أكون الألوهة أو الله إن شئت !
- وبأي صفة سأخاطب جلالك ؟
- كما تشاء ، يمكن أن تخاطبني كربة أو كرب ، الأمرجائز ..
- ألا تفضلين جلالتك الأنوثة كونك اخترت جسدا وشكلا أقرب إلى الأنثى منه إلى الذكر؟
- صحيح . أنا أفضل الأنوثة فيّ على الذكورة ، وإن كانت غير انثوية !
- لكن كيف تكون الأنوثة غير أنثوية يا ربتي؟
- أنسيت انني طاقة يا محمود وأنني مصدر كل الأشياء كما أكون في كل الأشياء، دون أن أكون شيئا محدداً، فأنا كل شيء: أنا مصدر البصر مثلا دون أن يكون لي عيون ، ومصدر السمع دون أن يكون لي آذان ، ومصدر العقل دون أن يكون لي دماغ، ومصدر الكلام دون أن يكون لي لسان، وبالتالي أنا مصدر الذكورة دون أن يكون لي عضو ذكورة ، ومصدر الأنوثة دون أن يكون لي عضو أنوثة . وهذا الشكل الأنثوي الطارئ الذي ظهرت فيه بمساعدتك أحببت أن أظهر فيه لمحبتي للأنثى في الكون." ص198و199،
الدخول إلى ماهية الخالق مسألة أكبر من البشر، ولا يمكن للعقل البشري أن يلم بها او يستوعبها، لهذا قلة هم الذين تناولوا هذا الموضوع، لكن السارد يقتحم هذا الماهية، وبقدمها بالصورة غير المحددة، لا ذكر ولا أنثى، وهذا يوصل فكرة أن الخالق أكبر/أبعد من أن يستوعب تكوينه/ماهيته البشر، فرغم أن هناك تجسيد للخالق، إلا أن أن تركيبته/طبيعته لا تتوافق وطبيعة التكوين البشري.
الأسئلة:
قلنا أن الحوار الذي جرى بين "أبو الجدايل وأسيل" وبينه وبين "لمى" تخلله بعض الأسئلة، والأسئلة لم تكن موجهة لأبو الجدايل فقط، بل أراد السارد توجيهها للقارئ أيضا، ليشرح/يوضح الأفكار التي يحملها، من هذه الأسئلة: "ما لا أفهمه لماذا يخاف المسلمون على إلههم من إنسان يفكر بعقل حر، هل يمكن أن يخاف الله من انسان؟ بصرف النظر عن ماهية الله!" ص8 هذا السؤال جاء على لسان "لمى" وبما أنه جاء في بداية الرواية، فقد أراد به السارد (تحرر) القارئ من الأفكار التي يحملها ويجعله مهيئاً ليتقبل الاستماع/قراءة الأفكار التي تحملها الراوية.
والحوار الذي دار بينه وبين أسيل فيه مجموعة الأسئلة متعلقة بالوجود وماهية الخالق "- استاذ محمود . يكثر الحديث بين المثقفين عن الوجود والعدم دون التوصل إلى إجابات قاطعة ونتائج مرضية ، فهل جاء الوجود من العدم ؟
- عفواً، السؤال خطأ !
فوجئت أسيل القمر بالإجابة. تساءلت:
- أف! لماذا ؟
- لأن العدم نقيض الوجود ، أي لا شيئ على الاطلاق، فكيف يأتي منه وجود، أو خلق، وكيف يمكن لسائل أن يسأل سؤالا كسؤالك ؟
- هل لك أن توضح لي ، فأنا أشعر أن سؤالي ليس خطأ !
- لنفترض أنك تعيشين في بلدة نائية ، ليس فيها جزار، لكنك حصلت على لحم بطريقة ما ، فهل يمكن أن يسألك أحد أبناء البلدة الذين يعرفون أنه لا يوجد في البلدة جزار" هل أتيت باللحم من الجزار؟ "
- أكيد سؤال كهذا من قبل انسان يعرف أنه لا يوجد في البلدة جزار، ليس منطقيا ! لكن ما هو السؤال المنطقي في هذه الحال؟
- من أين أتيت باللحم ؟
- وفي مسألتنا يتوجب علي أن أسأل : من أين جاء الوجود ؟" ص18و19، فالأفكار جاءت من خلال الاسئلة، وأسئلة مضادة، وبما انها أسئلة تسند على العقل والمنطق، فبالتأكيد ستفتح آفاق العقل وتحرره وتجعله يحسن الإستماع لما يطرح، فالسارد هناك لا يفرض أفكاره على المستمع/القارئ، بل يقدمها، وعلى من يقرأها التفكير بها والتوقف عندها، وله أن يطرح أسئلة أخرى، وله أن يرفضها أو يأخذ بها، فالحوار هنا هو السيد والحكم والمعيار الذي تقاس به الأفكار.
أما عن غاية/الهدف من الوجود: "ص105، فثمة بعض الاختلاف بين ما يطرحه السارد وبين ما جاء في الأديان، التي أقرنت وجود الإنسان بغاية، بهدف معين، كما في الأديان القديمة حيث نجد أن الهدف هو خدمة الآلهة والعمل بدلا عنها، وفي الديانات السماوية عبادة الخالق. أما عند محمود أبو الجدايل فالغاية من الخلق هي رؤية الخالق لذاته في الوجود ، إضافة إلى مساعدة الخالق في عملية الخلق بحد ذاتها لبناء حضارة انسانية تتحقق فيها قيم الخير والعدل والمحبة والجمال . فالخالق دون خلقه الانساني لا يمكنه بناء مدن وإقامة حضارة.
أما عن ماهية وجوهر الخالق نفسه فهو عند محمود أبو الجدايل : "عقل طاقوي عظيم غير طقمادي-أي طاقة لا تنطبق عليها شروط ومواصفات الطاقة والمادة - يتصف بالوعي والحكمة" ) ص 50 )
وهذه الأفكار قرأناها كثيرا في مقالات وخواطر محمود شاهين نفسه (شاهينيات التي بلغت الآلاف ) . ويمكن القول أن محمود أبو الجدايل هو محمود شاهين نفسه وإن اختلفت الوقائع ، لكن الفكر هو نفسه فكر محمود شاهين وفلسفته.
وبما أن هناك كوناً مخلوقاً فلا بد من وجود زمن له، يحدثنا السارد عن زمن الخلق بهذا القول: "- هل هذا يعني أن عملية الخلق وتجسدها ما تزال في بداياتها؟
أما عن ماهية الخالق وخلق الكون والحياة، يقول السارد: "فعقل الخالق مسألة مختلفة تماما، لأنه لا شكل له يمكن أن نعرفه، ولا زمان ومكان خارج مسألة زمكانه...يمكننا تصور عقل الخالق، على أنه مسألة اعجازية بكل ما تعنيه الكلمة، بحيث يمكنه أن يتواجد في كل زمكان، وفي كل كائن، من أصغر جسيم دون الذري، إلى أكبر مجرة، دون أن يفقد أي جزيء في الوجود علاقته بكل الأجزاء الأخرى وعلاقته بالكون ككل، من هنا ياتي فهمنا للوجود الإنساني وارتباطه بالوجود الكوني" ص102، إن اتفقنا أو اختلفنا مع طرح السارد، يبقى الشكل والطريقة التي قدمت بها الأفكار سهلة وسلسة، وهذا ما يجعلها قابلة للنقاش والحوار، فلم تأت كمسلمات مقدسة، لا يمكن البحث فيها أو المساس بها.
الرواية من منشورات مكتبة كل شيء، حيفا، الطبعة الأولى 2021.



#محمود_شاهين (هاشتاغ)       Mahmoud_Shahin#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رد الصديق محمد القاسم على ما نشرته عن لقائنا وتعارفنا، وقد ش ...
- رُبّ صديق خيرمن أخ أو حتى ابن ، وألف عديق!
- مأساة العقل البشري!
- بعدين مع هذا الكورونا ، لا حب لا قُبل لا غرام ؟!
- عملية الخلق المنشودة لم تبدأ بعد !
- عملية الخلق ما تزال في بداياتها! مقالات ومقولات في الخلق وال ...
- رحمه الله أم لروحه السلام ! ؟
- نجوت من كورونا.. شكراً إلهي !
- في يوم مولدي: عملت جهدي لأن يكون لوجودي ضرورة !
- الكاتب العربي غيرمثقف !
- حالة احباط !!
- لا لمحاكمة زليخة أبو ريشة ووفاء الخضراء وزيد النابلسي.
- أليس هناك مفهوم مختلف للقائم بالخلق؟
- الطفولة المنتهكة !
- من أين يأتي الشر؟
- الحكمة من الحياة والموت!
- إجابات في صفحة الوجودية على سؤال لملحد يغضب أمه وأباه:
- أصعب المعارف الإنسانية
- لا خير في فجر يرسم بالقنابل!!
- بقاء الخالق !


المزيد.....




- شاعر المليون: تأهيل الشاعرة بشاير المقبل التميمي
- 16رواية لجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر»
- إلغاء فعاليات معرض البحرين الدولي للكتاب
- رامز جلال عن مشاركته بحفل -جوائز صنّاع الترفيه- بالرياض: أنا ...
- وَأنتِ تَقرَئين .
- الفنانة شيرين عبد الوهاب تعزي طليقها الفنان حسام حبيب
- رامز جلال يكشف عن حقيقة غيابه عن المشاركة في موسم رمضان المق ...
- رابطة -المجتمع المشترك-.. تجربة لتعريف الجمعيات العربية في أ ...
- وفاة الفنانة المصرية القديرة ولاء فريد بعد صراع مع المرض
- أرخيب كوينجي رسام روسي موهوب خذله معلمه أيفازوفسكي


المزيد.....

- في رحاب القصة - بين الحقول / عيسى بن ضيف الله حداد
- حوارات في الادب والفلسفة والفن مع محمود شاهين ( إيل) / محمود شاهين
- المجموعات السّتّ- شِعر / مبارك وساط
- التحليل الروائي لسورة يونس / عبد الباقي يوسف
- -نفوس تائهة في أوطان مهشّمة-- قراءة نقديّة تحليليّة لرواية - ... / لينا الشّيخ - حشمة
- المسرحُ دراسة بالجمهور / عباس داخل حبيب
- أسئلة المسرحي في الخلاص من المسرح / حسام المسعدي
- كتاب -الأوديسة السورية: أنثولوجيا الأدب السوري في بيت النار- / أحمد جرادات
- رائد الحواري :مقالات في أدب محمود شاهين / محمود شاهين
- أعمال شِعريّة (1990-2017) / مبارك وساط


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود شاهين - رائد الحواري :مقالات في أدب محمود شاهين