أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - راتب شعبو - أسرار الحديقة














المزيد.....

أسرار الحديقة


راتب شعبو

الحوار المتمدن-العدد: 7077 - 2021 / 11 / 14 - 15:49
المحور: الادب والفن
    


قبل التردد اليومي على الحديقة كنت تعتقد أن الكلاب حيوانات وفية للبشر، وفي جعبتك الكثير من القصص والشواهد، لكن الحديقة كشفت لك أن البشر أكثر وفاء للكلاب.
العجوز السمينة الجذع النحيلة الساقين، تمشي بتثاقل وهي بلباس البيت وراء كلبها الصغير الذي تخاله ليس سوى قطة تنبح. لا يمنع هذه العجوز شيئاً من الوفاء لكلبها صباح مساء بمشوار في الحديقة، الكلب يقضي حاجته في المكان نفسه كل مرة، ويعربد قليلاً بقدر ما يسمح له الحبل المشدود إلى يد العجوز التي تنظر إلى كلبها بقلب أم، وتثابر على رعايته بثبات العابدين، فلا يمنعها مطر ولا ثلج، لا حر ولا برد. وتخشى أن تطلق سراحه من الحبل فقد يكون وفاءه لها أقل من يتعبها في ملاحقته وهي عاجزة عن ذلك.
في جانب آخر من الحديقة سوف تجد سيدة أخرى أكثر شباباً، تخرج بلباس أنيق لتنزه كلبها وكأنها ذاهبة إلى العمل، وكأنها تقوم بمهمة رسمية، على وجهها نظرة جدية أقل أمومة من العجوز، ولكنها أكثر كرماً مع كلبها المتوسط الحجم ذا البقع البنية الكبيرة على أرضية بيضاء، فهي تحرره من الحبل وتتركه بضع دقائق لحياة كلبية طبيعية، يختار بحرية المكان الذي يقضي فيه حاجته، ثم يركض بعدئذ في كل اتجاه، قبل أن يتذكر الحبل، فيعود إلى قرب سيدته ويسلمها رقبته مستمتعاً بدلالها وحركاتها الراضية.
أما الرجل الأربعيني، بالقبعة التي لا تفارق رأسه والعصا القصيرة التي لا تفارق يده، فإنه يحرر كلبه دائماً من الحبل وينظر إليه بفخر. الكلب الأبيض الجميل الذي يشبه الذئب، يسير غالباً أمام سيده، ويبتعد عنه أحياناً، ويتوقف متأملاً المحيط، وقد يتجه، بتأثير غريزة ثابتة، صوب أحد رواد الحديقة، ولكن صوتاً خفيفاً من الرجل الواثق يجعله يتوقف، وإذا تكرر الصوت فإنه سوف يعود إلى حيث سيده الذي يقرر، بشعور واضح بالسيطرة والرضى والود، إعادة ربطه بالحبل أو لا، حسب مقتضى الحال.
الكلب الذي ينزهه رجل متهالك على عكاز، يحترم عجز صاحبه فلا يبتعد عنه حتى يعود ليتلجلج بين قدميه وعكازه، ويقمع رغبته فلا يدخل في معارك كلبية يمكن أن تقلق الرجل.
كل صباح تجد بشراً منوعين في الجنس والعمر والحال، ينشغلون بكلاب متنوعة هي الأخرى. كل صباح تجد مهرجان وفاء للكلاب. تقول لك الحديقة إن الكلاب تستعبد البشر وتوهمهم أنهم أسياد. الكلب يستعبد صاحبه بقليل من الطاعة التي يظهرها له. لا وظيفة لكلاب البيوت سوى إظهار الطاعة، وفي مقابل ذلك يخصص السيد مبلغاً من دخله لحاجات "الصديق" المطيع، وينشغل بتأمين كل مستلزمات رفاهيته، بما في ذلك مشوار الحديقة في كل حالات الطقس.
قد تقول، ماذا تقدم هذه الكلاب لأصحابها سوى الطاعة؟ هل تتحرض لدى الانسان حين يتحقق له السلام والاكتفاء، رغبة في التسيد فيمارسها على حيوان مثل الكلب، ثم يتعلق بحيوانه إلى حد أنه يصبح عبداً لعبده؟ لكن الحديقة تقول إن هذا الوفاء المتبادل لا علاقة له بالعبودية والسيادة، بل هو تعبير عن حاجتنا إلى كائن حي لا نشك في تعلقه أو حبه لنا، كائن لا يتكلم ولا يجادل ولا نشك في أنه يبطن ما لا يظهر. هكذا يكون هذا الكائن امتداد لنا، ويكون حبنا له هو حبنا لأنفسنا.
قد تقول أيضاً إن الكلاب تشبه أصحابها، فما أن ترى الكلب حتى ترتسم في مخيلتك صورة صاحبه قبل أن تراه. ولكن الحديقة تقول إنك أنت من يصنع التشابه بين الكلب وصاحبه، فالمرافقة الدائمة تصنع الشبه، كما تصبح العاهة الدائمة، مع الوقت، شبيهة بصاحبها.
هذا ما تحفظه الحديقة من أسرار عن الكلاب، ولا شك أنها تحتفظ بأسرار كثيرة عن رواد المقاعد الزرقاء، ورواد ملاعب البيتانك، ومحبي إطعام البط وطيور البحيرة، وعن العشاق الذين تفرش لهم مروجها الخضراء، وتمنحهم بعض العزلة في ثناياها ... الخ. ولكن ماذا تحفظ الحديقة عمن لا تشمله هذه البنود، ماذا تحفظ عن عابر يتأمل الجميع، ماذا تحفظ عني؟



#راتب_شعبو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الدولة العميقة والمسارات المستورة للسلطة
- الانقلاب في السودان، عن المعجبين بحكم القوة
- السودان: يا سلطة مدنية، يا ثورة أبدية
- السلطة وركائزها النفسية
- بين إريك زيمور وقيس سعيد
- نقد المعارضة الجذرية
- على ضوء الحاضر السوري الكئيب
- بين سجنين، أبطال في أمة مفككة
- ضرورة التمييز ومعرفة الفروق
- درعا، قليل مما يمكن قوله
- الحديقة في المنفى
- أصوات سورية تعلو بالخيبة
- أفغانستان وظاهرة التنكر الوطني
- موت البرامج السياسية
- انقسام جديد بين السوريين
- لكي تكون الديموقراطية ممكنة
- في الحاجة إلى مركزية مضادة
- العرض التونسي للمشاهد السوري
- -نريد وطناً-
- هل يمكن تجاوز الانقسام السوري؟


المزيد.....




- -السيد لا أحد ضد بوتين-.. فيلم قاد صاحبه إلى خانة -العملاء ا ...
- سوريا.. وفاة الفنان السوري عدنان قنوع
- وفاة الفنانة المصرية الشهيرة بـ-فاطمة كشري-
- وزارة الثقافة المغربية تتجه لوضع هندسة جديدة لمستقبل المسرح ...
- حفل توزيع جوائز الأوسكار يغادر هوليوود لهذا السبب
- شهوة الخلاص: لماذا يبحث الإنسان العربي عن نافذة نجاة؟
- بواقعية سينمائية.. إنفيديا تبدأ عصر -الذكاء التوليدي- في بطا ...
- إرث حضاري متجدد.. الجامعة العربية تحتفي بيوم الموسيقى العربي ...
- مساعد وزير الثقافة الإيراني: ترامب ونتنياهو يرتكبان الجرائم ...
- لإنقاذ تراث سينمائي متناثر: عمل جبّار ينتظر مؤسسة جان لوك غو ...


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - راتب شعبو - أسرار الحديقة