أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - راتب شعبو - الدولة العميقة والمسارات المستورة للسلطة















المزيد.....

الدولة العميقة والمسارات المستورة للسلطة


راتب شعبو

الحوار المتمدن-العدد: 7072 - 2021 / 11 / 9 - 13:39
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تجري في فرنسا هذه الأيام محاكمة أحد منفذي سلسلة العمليات الإرهابية التي روعت باريس في شهر تشرين الثاني/نوفمبر من العام 2015، وأدت إلى مقتل حوالي 130 مدنياً وجرح المئات. الشخص الذي تجري محاكمته هو الوحيد الباقي على قيد الحياة من المجموعة المهاجمة. ورغم أن الهجمات التي شارك فيها تعتبر الأكثر دموية في فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية، ورغم أن الشخص المذكور يكرر إيمانه بتنظيم الدولة الإسلامية الذي تبنى العمليات، ولا يبدي أي ندم، ويكرر القول إن منفذيها هم إخوانه، فإنه يتمتع بكل ما يضمنه له القانون من شروط المحاكمة إلى شروط في السجن. وقد سبق له أن احتج، عن طريق محاميه، على ضيق الساحة التي يسمح له ممارسة الرياضة فيها، باعتباره في العزل الانفرادي.
ليس من السهل احترام الحقوق القانونية لشخص شارك في مجزرة بحق مدنيين، ولا يزال، فوق ذلك، بضمير مرتاح. وقد يبدو "احترام" هذا الشخص والسماح له بالتعبير عن أفكار ممسوخة تنتهي إلى قبول قتل مدنيين وهم يحضرون حفلاً موسيقياً أو مباراة في كرة القدم، استفزازاً لعموم الناس وعلى رأسهم أهالي الضحايا. لكن هذا هو القانون، الذي ينبغي احترامه وإنفاذه على طول الخط، بصرف النظر عن "المشاعر". لا سبيل آخر لضمان القدر الممكن من المساواة والعدل في إدارة المجتمع.
بالمقابل، يمكن أن يستيقظ الناس، في بلد ما مثل سوريا، على تنفيذ حكم الإعدام بحق 24 شخصاً بتهمة إشعال الحرائق التي ضربت سوريا في تشرين الأول/أكتوبر 2020، دون تحديد هوية الأشخاص ولا مكان إعدامهم ولا طريقة الإعدام. مع معرفة وسائل التحقيق الشهيرة التي يعترف الشخص تحتها بأي شيء، ليخرج مسؤولو هذا البلد ويقولون إن المجرمين اعترفوا بجريمتهم. وليس من باب سعة الخيال أن نقول إنه ما من شخص في البلد المذكور في منأى عن أن يكون أحد هؤلاء الذين نفذ بهم حكم الإعدام. يكفي إرسال دورية لاعتقال أي شخص يراد به الشر، وتحميله جريمة ما وجعله يعترف بارتكابها. لا ضمان لأحد، حين تريد السلطة الحاكمة أن تؤذيه، لسبب ما. ولا ضمان لأحد حين يريد محقق أن يظهر لأسياده إنه حقق إنجازاً أمنياً واعتقل من نفذ جريمة ما، فيلصقها ببريء "اعترف" بجريمته. هذا ما يجعل الدفاع عن التعيس (البريء المدان) دفاعاً عن النفس. وهذا ما يجعل الناس في بلد يحكمه القانون، مضطرين لوضع احترام القانون فوق المشاعر، لكي يضمنوا حقوقهم، لأن انتهاك حقوق فرد يعني ويعادل انتهاك حقوق الجميع.
يشكل هذا مدخلاً للكلام عن طريقتين عامتين لإدارة المجتمعات، في عالم اليوم. الطريقة الأولى أن تحوز فيه جهة ما (غالباً فرد حوله مجموعة مقربة) على سلطة لا تُنازع، أكانت سلطة مفروضة بالعنف والقوة (ديكتاتور)، أو مفروضة بالتقليد (ملك أو زعيم عشيرة). في هذه الحالة، تكون الإدارة سهلة لأنها لا تبالي باحترام أي حقوق بل تفرض نفسها بالقوة. هناك مصدر واحد (أبدي، أي لا يوجد في النظام مدخل لتغييره) للسلطة التي تتخذ القرار وتمتلك القدرة على فرضه وتنفيذه. يمكن تشبيه هذه الإدارة البسيطة بالخط المستقيم الذي ينطلق من نقطة ثابتة هي مركز السلطة، وينتهي في تنفيذ القرار، أو في "حل" المشكلة. هنا، يفترض بالمجتمع الاستسلام أو التسليم بأن السلطة المفروضة أبدية وأن ما يصدر عنها إنما يمثل الإرادة العامة. والحال أن مثل هذه السلطات منفلتة من المساءلة، ولا تعبر إلا عن إرادة أهل السلطة في أولوية تسيير مصالحهم وأولوية تأبيد سيطرتهم. هكذا تهمش الإرادة العامة ولا تدخل المتن إلا في لحظة الاحتجاج.
الطريقة الثانية هي أن يدير المجتمع نفسه عبر الالتزام بعهد اجتماعي أو قانون عام توافق عليه غالبية الناس، ويرتضيه الجميع، وينطوي هذا العهد أو هذا القانون على آليات محددة تسمح بتعديله أو بتغييره. يتم عبر هذا القانون إنتاج دوري لمركز سلطة تحكم المجتمع وتتعامل مع صراعاته وما يتعرض له من مشاكل، دون الخروج عن القانون الموضوع. يمكن تشبيه هذه الإدارة المعقدة بالدائرة التي تكون فيها كل نقطة هي البداية والنهاية. هنا لا يكون مركز السلطة حراً في قراره، يوجد قانون عليه التقيد به بالدرجة الأولى، بوصفه ناظم حياة الجميع، ويوجد أيضاً رقابة من خوله بالسلطة (جمهور الناخبين) وهناك تأثير التنظيمات المعارضة، فضلاً عن وجود السلطة القضائية وعلى رأسها المحكمة الدستورية بوصفها ضابطاً رئيسياً من ضوابط السلطة، ووجود سلطة الإعلام وسلطة الاحتجاجات الشعبية ... الخ. هذا يعني أن هناك حضور فاعل للإرادة العامة، يحد من سيطرة إرادة أهل السلطة على حساب المجتمع.
قد يكون الوجود الواقعي الصافي لكل طريقة، أقل من الوجود الهجين الذي يجمع عناصر من الطريقتين بنسب متفاوتة. في العالم الواقعي يمكن للخط المستقيم أن يتلوى ولكن دون أن يستدير، وللدائرة أن تتكسر دون أن تفقد دائريتها. نشهد في العالم إدارات تجمع بين الطريقتين، مثل النموذج الإيراني، حيث توجد لجنة تقرر المرشحين للرئاسة، فتصادر سلفاً بالتالي على قرار جمهور الناخبين بأن تحدد خياراتهم، كما تضيف مرجع أعلى يكون منطلق لخط مستقيم في القضايا الأساسية.
ما يسمى "الدولة العميقة" يعبر عن سعي أصحاب المصالح الكبرى في الأنظمة الديموقراطية التي تتغير فيها السلطات السياسية، إلى ضمان استقرار المسار العام للسياسات رغم تغير السلطات، بما يضمن استمرار سير هذه المصالح. أي هي نوع من ضبط فاعلية الإرادة العامة. أو بكلام آخر، الدولة العميقة في البلدان الديموقراطية هي تقرّبٌ من النمط الأحادي لإدارة المجتمع حيث يكون مركز القرار ثابتاً. على هذا، لا تحتاج الدولة المستبدة إلى دولة عميقة، مركز السلطة الظاهر هو مركز السلطة الفعلي، وإن كان يخضع، بطبيعة الحال، في ممارسة السلطة، لتأثيرات داخلية وخارجية شتى. لكن مركز السلطة الأحادي هذا يمكن أن يوزع سلطته في جسم الدولة عبر مسارات لا تتفق مع المسارات الظاهرة للسلطة، كأن يحوز ضابط الأمن على سلطة تفوق سلطة الوزير، أو أن يحوز ضابط برتبة أدنى على سلطة تفوق سلطة ضابط أعلى منه في الرتبة وهكذا. هذا يسمح بالحديث عن دولة ظاهرة تحترم شكل الدولة وذات سلطات فعلية محدودة، وعن مسارات مستورة تمر عبرها السلطة الفعلية التي تحرك هيكل الدولة.
كما أن الدولة العميقة، غير الخاضعة للتبدلات الانتخابية، تمثل حلاً للمصالح الكبرى في التغلب على الإرادة العامة التي تغير السلطات في الأنظمة الديموقراطية، فإن المسارات المستورة للسلطة تمثل حلاً لصاحب السلطة المستبدة في التكيف مع الشكل الحديث للدولة. في الحالة الأولى تنتقص الديموقراطية، وفي الثانية تُهان الدولة الحديثة.



#راتب_شعبو (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الانقلاب في السودان، عن المعجبين بحكم القوة
- السودان: يا سلطة مدنية، يا ثورة أبدية
- السلطة وركائزها النفسية
- بين إريك زيمور وقيس سعيد
- نقد المعارضة الجذرية
- على ضوء الحاضر السوري الكئيب
- بين سجنين، أبطال في أمة مفككة
- ضرورة التمييز ومعرفة الفروق
- درعا، قليل مما يمكن قوله
- الحديقة في المنفى
- أصوات سورية تعلو بالخيبة
- أفغانستان وظاهرة التنكر الوطني
- موت البرامج السياسية
- انقسام جديد بين السوريين
- لكي تكون الديموقراطية ممكنة
- في الحاجة إلى مركزية مضادة
- العرض التونسي للمشاهد السوري
- -نريد وطناً-
- هل يمكن تجاوز الانقسام السوري؟
- بين إرهاب قادر وإرهاب قاصر


المزيد.....




- صاعقة تضرب طائرة ركاب في إيطاليا
- يعزلون روسيا عن حلفائها
- مقتل طفل وإصابة 7 مدنيين في اشتباكات مسلحة في مدينة الزاوية ...
- روسيا ترد على تحذير واشنطن من استخدام النووي وزيلينسكي يتحدث ...
- -بلومبيرغ-: أنباء عن استقالة مسؤولين بارزين في مؤسسة التأمين ...
- باريس.. تفريق مظاهرة عند السفارة الإيرانية
- قطر.. القبض على شابين نشرا فيديو أساء للعملة الوطنية (فيديو) ...
- دونيتسك: القوات الروسية تزحف على مدينة أرتيوموفسك
- الحوثيون يعلنون ضبط أكثر من طن من الحشيش وورشة لتعبئته في صن ...
- فلوريدا وكوبا تستعدان لعاصفة -إيان- وكندا تحصي أضرارها بعد م ...


المزيد.....

- العدد 56 من «كراسات ملف»: الاستيطان في قرارات مجلس الأمن / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- هيثم مناع: عميد المدرسة النقدية في حقوق الإنسان / ماجد حبو، مرام داؤد، هدى المصري، أسامة الرفاعي، صالح النبواني
- اسرائيل والتطبيع مع الدول العربية-المسار واّليات المواجهة 19 ... / سعيد جميل تمراز
- كتاب جداول ثقافية: فانتازيا الحقائق البديلة / أحمد جرادات
- غرامشي والسياسي، من الدولة كحدث ميتافيزيقي إلى الهيمنة باعتب ... / زهير الخويلدي
- خاتمة كتاب الحركة العمالية في لبنان / ليا بو خاطر
- على مفترق التحولات الكبرى / فهد سليمان
- رواية مسافرون بلاهوية / السيد حافظ
- شط إسكندرية ياشط الهوى / السيد حافظ
- إشكالية وتمازج ملامح العشق المقدس والمدنس / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - راتب شعبو - الدولة العميقة والمسارات المستورة للسلطة