أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - عبد الحسين شعبان - مآلات الربيع العربي- وقفة مراجعة















المزيد.....



مآلات الربيع العربي- وقفة مراجعة


عبد الحسين شعبان

الحوار المتمدن-العدد: 7044 - 2021 / 10 / 11 - 19:30
المحور: حقوق الانسان
    


مراجعة نقدية

توطئة
يمكن القول إن ما حصل في تونس من تغييرات دراماتيكية مساء يوم الأحد 25 يوليو/تموز 2021 كان فصلاً ملتبساً جديداً لما سُميّ بالربيع العربي والوعد بالتحوّل الديمقراطي. ففي لحظة احتدام الصراع أعلن رئيس الجمهورية قيس سعيّد عن تجميد البرلمان وإعفاء رئيس الوزراء ووضع السلطة التنفيذية بيده، الأمر الذي أضاف إشكالات جديدة قانونية ودستورية إلى الإشكاليات السياسية القائمة والمحتدمة، والأزمة الاقتصادية الضاربة والمستفحلة، ناهيك عن اجتياح وباء كورونا (كوفيد19) الذي زاد من افتراق القوى السياسية وتباعد مشاريعها ووسائلها ومحاولات ائتلافاتها القلقة وتوافقاتها الهشّة لإيجاد حلول معقولة ومقبولة لأزمات البلاد المستعصية. والمسألة لا تخصّ تونس وحدها، بل تحتاج إلى مراجعة فكرية لمآلات الربيع العربي تدقيقاً وتمحيصاً ونقداً بما له وما عليه.
فلو قاربنا هذه المسألة من زاوية المؤرخ، وهذا يعني ربط هذه الحادثة إلى جانب تلك، وهذا الموقف إلى جانب ذاك، لاستخلاص بعض الاستنتاجات المتعلقة بالربيع العربي، ولكن التاريخ كما تعلمنا من شيخنا الكبير فريدريش هيغل، مراوغ وماكر، وخادع أحيانًا، فليس كل ما يكتب وكل ما يقال يمكن أن يوصل إلى النتائج المرجوة.
لكننا إذا أردنا أن نتناول المسألة من الزاوية الإعلامية، أي أن نؤرخ للحظة بحسب ألبير كامو، فاللحظة لا تعكس حقيقة ما جرى، وما يجري، وحقيقة الرؤية المستقبلية لعملية التغيير والإنجاز المنشودة.
أما حين ننظر للمسألة من زاوية السوسيولوجيا، وفقًا لعبد الرحمن بن خلدون أو أوغست كونت أو ماكس فيبر أو علي الوردي أو غيرهم، فإن السوسيولوجي لا يتنبأ بالأحداث، وإنما يُحلل ما هو قائم بعد مرور مدة زمنية معينة ليتوصل إلى قراءة استنتاجية للمستقبل.
ويمكن التوقف عند الرؤية الحقوقيّة والقانونية ولكن ببعدها الفكري أي من الزوايا المتعددة، وذلك بإخضاع ما يُسمى بـ"الربيع العربي" إلى معايير شرعية نظام الحكم أو عدم شرعيته، ومن زاوية المشروعية أو عدم المشروعية. فعندما نتناول الشرعية، فإننا نقصد قضيتين مركزيتين أساسيتين: الأولى هي رضى الناس، إذْ لا شرعية حقيقية من دون رضى الناس، أما الشرعية الثانية فهي ما يمكن أن يُقدَّم من منجز حقيقي على صعيد الواقع العملي. وهذا يتعلق بشرعية أي نظام، وأي سلطة، وأي حركة، وأي تيار فكري أو سياسي.
ولكن هذه الشرعية لم تكتمل أو تستكمل لنقض الشرعيات القديمة، كما أن منجزها ما يزال محدوداً وترك فوضى أحياناً واضطرابات ونزاعات مجتمعية دينية وطائفية وإثنية زادت من المشكلات القديمة وعطلت التنمية. ولا يكفي حرية التعبير التي توفرت بعد عملية التغيير وإن كانت مهمة وبعض الحريات الأخرى بما فيها إجراء انتخابات للحديث عن التحوّل الديمقراطي الذي يحتاج إلى استقرار وقوانين ومؤسسات وممارسات شفافة ورقابة برلمانية وشعبية وقضاء مستقل ونزيه.
أما المشروعيّة فلها علاقة بحكم القانون، ومدى الاقتراب أو الابتعاد من المعايير والمبادئ القانونية التي تقوم عليها الدولة العصرية.
فأحيانًا تسير الشرعية بعيدًا عن المشروعيّة، وهو ما يؤدي إلى اختلالات لاحقة، في حين أن المفروض أن تنسجم الشرعية مع المشروعية، وبهذا المعنى ستكون الدولة قد حازت على رضى الناس من جهة، إضافة إلى مُنجَزها، وحكم القانون من جهة ثانية، وهذا ما كانت تطمح إليه حركات التغيير التي رفعت شعارات مبسطة لكنها عميقة جدًا، بتأكيدها على الحرية والمساواة والعدالة، وهذه لعمري قضايا جوهرية طرحتها حركة النهضة الأولى، أو حركة الإصلاح الأولى، في القرن التاسع عشر، وهي لا تزال قائمة إلى الآن.

الحرّية والتنميّة
سؤالان مركزيان يرتبطان ببعضهما البعض، ولا يمكن فصلهما: سؤال الحرية، وسؤال التنميّة، والتنمية تتضمن مواطنة سليمة، تلك التي تقوم بدورها على أربعة أركان أساسيّة: الحرية والعدالة والمساواة والشراكة والمشاركة، تمثل مقاصد عملية التنمية المستدامة التي تختلف عن النمو الاقتصادي، حيث يمكن لبلد معين أن ينمو اقتصاديًا، لكنه لا يحقق تنمية مستدامة.
وقد حصل أن بلداننا حققت نموًا اقتصاديًا في العديد من المجالات، خصوصًا العراق وسورية ومصر والجزائر واليمن، لكنها لم تستطع أن تحقق التنمية المنشودة، بمعناها الحديث، أي التنمية الإنسانية الشاملة ببعدها السياسي والاقتصادي والثقافي والقانوني وإصلاح الفكر الديني أو المجال الديني ومن ثمّ إصلاح الخطاب الديني وإصلاح منظومة التعليم والتربية والإعلام والمجتمع المدني والقضاء الذي هو ركن أساسي لأي تحول جذري وحقيقي. وهذا ما حصل أيضًا في الدول الاشتراكية السابقة التي حققت نموًا اقتصاديًا، لكنها لم تتمكن من تحقيق تنمية شاملة ذات أبعاد إنسانية، وهو ما تطلق عليه أدبيات الأمم المتحدة تسمية “التنمية المستدامة”، بما يعني فتح خيارات جديدة للناس، وتتوّقف على هذه الخيارات عملية التقدّم الاجتماعي والاقتصادي في جميع الميادين التي جرى الحديث عنها.

الثورة كالحب
إن عملية التغيير هي عملية مركبة ومتداخلة وعميقة، فالثورة مثل الحب لا يمكن أن تأتي مرةً واحدة. إنها تأتي تدرّجًا خطوة خطوة مثل الحب، بالتراكم والتواصل والتفاعل، لهذا يبقى الحب عصيًا على الفهم، تمامًا كما هي الثورة التي لا تأتي دفعةً واحدة، ولا تأتي مجهزةً أو كاملة أو نهائية. إنها عملية تراكمية، وهي “بروسيس” طويل الأمد، وهي على حدّ تعبير المفكر السوري ياسين الحافظ: الثورة ليست نقرًا في السطح، وإنما حفرٌ في العمق. والحفر في العمق يختلف عن النقر في السطح. والأخير هو أقرب إلى تغيير فوقي أو سطحي أو جزئي لا يمس الأساسات، لذا نطلق عليه انقلابا، أو تحولا غير جذري، بمعنى ليس تحولاً عميقاً بعيد المدى يترك تأثيراته على العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
الحفر في العمق يحتاج إلى زمن وتراكم، ولهذا واجهت حركة التغيير طائفة من المنعرجات والمنحدرات والعقبات والعوائق، وتعرّضت خلال مسيرتها إلى انكسارات، ولم تستطع ككل ثورة السير بصورة مستقيمة، وإنما كانت هناك دروب وعرة ومفاجآت عديدة، ولاسيّما عندما دخل العنف والسلاح إليها، وأحيانًا بالضد من إرادتها، فأُجبِرَت عليه، أو "اضطرت" إليه، أو تناغم بعض أفرادها مع هذا التوجه الذي لم يكن من كينونتها الأولى.
الدرس التاريخي
هنا علينا أن نفكر بالدرس التاريخي، الذي يتطلّب التوّقف عند ما حصل، أين نجحنا؟ وأين أخفقنا؟ وما أسباب الإخفاق؟ وما أسباب الفشل؟ ومن ثم ما السبيل لإنجاز عملية التغيير من دون الخسارات التي حصلت طوال هذه السنوات العشر؟ أكانت في البلدان التي حصل فيها التغيير، أو تلك التي أُنجِزَت فيها المرحلة الأولى من عملية التغيير، بانتهاء الأنظمة واستبدالها بأنظمة جديدة، أو في البلدان التي لم تنجح فيها عملية التغيير، بل أضلّت الطريق إلى درجة التيه أحيانًا، خصوصاً حين اللجوء إلى استخدام العنف والتشبث بالسلاح والانخراط في احترابات داخلية قسم منها مدعوم خارجياً من جانب قوى لا تريد التغيير الحقيقي، بل ساهمت عملياً في تردي الأوضاع وتعطيل عملية التحوّل. وقد دفعت شعوب هذه البلدان ثمناً باهظا مادياً ومعنوياً. وأقصد بالتحديد سورية وليبيا واليمن وغيرها.
وكما استمرت عملية التدهور في الوضع اللبناني والعراقي على الرغم من حراكات شعبية واسعة، لكن القوى المتشبثة بالسلطة والمدعومة خارجياً والمصطفة طائفياً ودينياً وإثنيا بقيت على مواقفها دون أن تعنيها المأساة الحقيقية التي يعيشها الشعبين.
هنا أيضًا، لا بدّ من التوقف عند موضوع “بنية النظام العربية”، ولا سيّما الصراعات الداخلية التي عاشها ويعيشها النظام العربي الرسمي من جهة، وانعكاساته المجتمعية، ففي الغالب تأتي المُعارَضات على قدر ما تسمح به الأنظمة، وبهذا المعنى تكون أحيانًا صور بعض المعارضات وجهًا آخر لبعض الأنظمة، ولا سيّما تلك التي تراهن على اعتبارات أخرى غير الهويّة الوطنية الجامعة التي لا بدّ من التمسك بها، لأنها تمثل وتجسد رؤية وطنية حقيقية لعملية التغيير، وهي مسألة في غاية الأهمية.
ولا بد من إدراك دروس عمليات التغيير بتوفر العامل الذاتي بالترابط مع العامل الموضوعي، أي عندما تتوافر الحاضنة الاجتماعية الذاتية، وتلتقي مع الظرف الموضوعي، داخليًا وخارجيًا، ويحصل التراكم، ربما تحصل عملية التغيير بسلاسة أكبر في معظم الأحيان، خصوصاً حين يحصل التغيير سلمياً وتدرّجاً وبالتراكم.
أوروبا الشرقية
بماذا اختلفت حركة التغيير في مجتمعاتنا عن مجتمعات أوروبا الشرقية، أي البلدان الاشتراكية السابقة، وحتى عن بعض دول أميركا اللاتينية؟ فقد نضجت في تلك البلدان المجتمعات الحاضنة الاجتماعية للتغيير، والمقصود بعض الجماعات التقدمية التنويرية المدعومة شعبياً وبعضها مع الكنيسة، التي لعبت دورًا تحرريًا كما سُمّي في أميركا اللاتينية بـ "لاهوت التحرير"، من أجل إنجاز عملية التغيير، والتخلص من أنظمة، والإتيان بأنظمة أكثر انفتاحًا وبدساتير حديثة أوصلت هذه البلاد إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة، وقطعت الطريق إلى حدود معينة على العامل الخارجي، الذي عاث في بلداننا فسادًا لا حدود له.
وحتى في أوروبا الشرقية فقد حصلت إسقاطات أحياناً قادت إلى احترابات كما حصل في رومانيا التي شهدت صراعاً دموياً ويوغوسلافيا التي انشطرت إلى 6 كيانات واحتربت فيما بينها إثنياً ودينياً كما شهدت مجزرة بحق المسلمين من البوسنة والهرسك، والإتحاد السوفياتي الذي انفصل إلى 15 دولة وظلت بعض كياناته محتربة ومتصارعة ومتنافسة فيما بينها، بمن فيها من تحوّل إلى عدو لموسكو بعد أن كان تابعاً لها ويدور في فلكها.
ومع ذلك، ففي أوروبا الشرقية يمكنني القول إنه يوجد "خمس" مسائل أساسية امتازت بها علينا: المسألة الأولى، عدم وجود أميّة في أوروبا الشرقية، فكل أوروبا الشرقية كانت قد قضت على الأمية منذ حين، بسبب النظام الاجتماعي والسياسي السابق، وهذه مسألة تُسجل لمصلحة عملية التغيير، في حين أن الأمية ما تزال ضاربة الأطناب في مجتمعاتنا، بل إنها ازدادت في السنوات الأخيرة، ويكفي أن أقول إن أكثر من 70 مليون أمي يعيشون بين ظهرانينا في العالم العربي، أي إنهم يساوون أكثر من 20% تقريبًا من مجتمعاتنا العربية، هذا ما يتعلق بالأمية الأبجدية، أما الأمية التكنولوجية، فحدّث دون حرج.
أما المسألة الثانية، إن دور الدين كان ضعيفًا في أوروبا الشرقية، فيما لا يزال دور الدين في مجتمعاتنا قويًا، بل إنه انقسامي في الكثير من الأحيان، بسبب الصراعات الطائفية والمذهبية المتخلفة.
وكانت المسألة الثالثة أن للمرأة حقوقًا في أوروبا الشرقية ليست متوافرة في بلداننا، لا على الصعيد القانوني، ولا على الصعيد الاجتماعي، ولا على صعيد العمل والمساواة في الأجور والرواتب وغير ذلك من القضايا.
أما المسألة الرابعة فهي إن التقدم العلمي والتكنولوجي والاجتماعي كان قياسًا ببلداننا متقدمًا إلى حدود كبيرة، بل إن هنالك استعدادًا لقبول الجديد، ولقبول عملية التغيير مجتمعيًا، ولذلك كانت الهبة شاسعة واسعة وعميقة، في تلك البلدان بغضّ النظر عن طبيعة الأنظمة الشمولية في أوروبا الشرقية.
المسألة الخامسة تتمثل بأن دول الجوار الأوروبي كانت عاملاً مساعداً في التغيير لأنها تتمتع ببنية ديمقراطية قابلة لعملية التغيير، في حين أن البنية التي تعيشها مجتمعاتنا ودول الجوار التي حولنا ليست مهيئة لقبول عملية التغيير، لأنها هي أيضًا تحتاج إلى عملية إعادة نظر وتغيير وعملية ومراجعة نقدية جادة.
لهذه الأسباب أقول إن التغيير في أوروبا الشرقية عموماً كان سلسًا وسلميًا وبعيدًا عن عوامل التعصّب والتطرّف التي شهدناها بعد مدة قصيرة من عملية التغيير التي واجهتها مجتمعاتنا، خصوصًا مع صعود التيار الديني "الطائفي" الذي تربع على سدة الحكم في بعض البلدان، وشكل كابحًا كبيرًا لعملية التغيير.
لكن، على الرغم مما حصل، فإن الانتفاضات حتى لو تلكأت، أو تعثرت، أو تراجعت، أو ارتكست، أو نكصت، هي مثل الريح الخفيفة التي تسبق المطر، وهي ريح منعشة، ستأتي أكُلها آجلًا أم عاجلًا، والأمر يحتاج إلى زمن وتراكم طويل الأمد مثلما يحتاج إلى نقد جديد، فلم تمرّ الثورة الفرنسية بطريقة سلسة، فقد قُتل خلال السنوات السبع الأولى أكثر من أربعة ملايين إنسان، لكن النتائج جاءت بعد مئة عام، أو أكثر من مئة عام، خصوصًا في ما يتعلق بهيكلية الأنظمة باتجاه الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وتلك هي قيم إنسانية ما زال العالم يتحدث عنها إلى يومنا هذا.
وهذا لا يعني أن علينا انتظار قرن كامل، فالظروف تغيّرت والعالم أصبح أكثر تواصلاً وتفاعلاً وتداخلاً مع بعضه البعض إلى درجة يمكن أن نطلق عليه "قرية صغيرة" بفعل الثورة العلمية التقنية، فما بالك والعالم يدخل اليوم الطور الرابع من الثورة الصناعية والذكاء الاصطناعي.
لقد عانت مجتمعاتنا العربية، وعانى فكرنا العربي من الركود والاتكالية والتعويلية إذ كانت مجتمعاتنا غير منتجة فكريًا، وفقدت الكثير من عناصر الحيوية وأدت أو قادت إلى نكوص في الإبداع والابتكار، بل إننا عشنا الحاضر في الماضي، محاولين اجتراره بكل تقليدية واستكانة. ويحتاج الأمر إلى قراءة جديدة، بعقل منفتح ومرونة حركية ضرورية، خصوصًا بالتوقف عند موضوع العنف الذي صاحب بعض الحركات، باعتباره مستلزمًا من مستلزمات التغيير، وماذا لو لجأت القوى الحاكمة إليه، فما السبيل لتلافي الانخراط فيه؟
ثلاث مخاوف في الميزان
وبالعودة إلى الموضوع التونسي فثمة من يعتبر إجراءات رئيس الجمهورية تجاوزاً على مبدأ فصل السلطات الذي يعتبر ركناً أساسياً من أركان الدستور التونسي(2014) وهو من الدساتير المتقدمة عربياً، بل من أركان النظام الديمقراطي، في حين يذهب البعض إلى اعتبارها خطوة لا غنى عنها لتحجيم دور الإسلاميين وقص أجنحة حزب النهضة الإسلامي الذي لعب دوراً أساسياً بعد تغيير النظام العام 2011 ولحد الآن، حيث ما يزال الشيخ راشد الغنوشي في منصبه برئاسة البرلمان.
جدير بالذكر الإشارة إلى أن الأنظمة الديمقراطية تقوم على مبدأ الفصل بين السلطات الذي هو لا غنى عنه لأي انتقال إلى الحياة الديمقراطية، الأمر الذي زاد من التفكك والانقسام السياسي، فضلاً عن تنمية عوامل التعصّب والتطرّف ووليدهما العنف والإرهاب، ولعل مثل ذلك الإجراء أعاد مخاوف أساسيّة تسلّلت إلى الواجهة السياسية عشية التغيير. وهي التي تمثلّت في القلق من احتدام الصراع ما بعد التغيير بين القوى الدينية والقوى المدنيّة لاعتبارات إيديولوجية أو دينية أو حتى بصبغة طائفية أو لدوافع سياسية واجتماعية.
يُضاف إلى ذلك كان هاجس الخوف من الفوضى موازياً للخوف من هيمنة القوى الإسلامية، لاسيّما بعد تجربة "الفوضى الخلاّقة" التي ضربت أفغانستان ثم العراق بعد احتلالهما في عام 2001 و2003 على التوالي.
وثمة قلق عميق آخر، بل خوف كبير من محاولة استغلال القوى الخارجية لحركة التغيير، سواءً من خلال توجيهها أو التأثير عليها، وهناك الكثير من الأمثلة لما حصل في حركات تغيير عديدة في العالم. وكانت التجربة المصرية بمحاولة "الإخوان المسلمين" "أخونة الدولة" والهيمنة على مفاصلها الأساسية بما فيها القوات المسلحة التي سرعان ما تحرّكت مدعومة بقوى شعبية لاستعادة آليات عمل الدولة كما تم تركيبها بعد ثورة العام 1952 وما قبلها. وتبقى معايير رضى الناس والمنجزات العملية، أساس الشرعية السياسية، في حين أن المشروعية تقوم على حكم القانون، وهما أمران ما يزالان بعيدا المنال بعد تجارب الربيع العربي.
ولعل هذه المخاوف الأساسية الثلاث تحضر اليوم بقوة في التجربة التونسية، باعتبارها أول معقل انطلقت منه شرارة التغيير في العديد من البلدان العربية، وحسب ماوتسي تونغ "تكفي شرارة واحدة ليندلع اللهب في السهل كله".

اللحظة الثورية
هل ننتظر سنوات لاكتمال ما سميّ باللحظة الثورية؟ وكيف يمكن أن تنضج؟ سؤالان لابد من بحثهما عند الحديث عن التجارب الراهنة للربيع العربي.
وفي شروط علم الثورات لا بد من اقتناص اللحظة الثورية التي لو تأخرت أو ترددت القوى من الإقدام على تفعيلها فمن الممكن أن تتبدد وتضيع فرصة تاريخية، ولو تم الاستعجال بها أو تفجيرها قبل الأوان، لكان يمكن أن تذوى وتنتحر حسب المواصفات اللينينية بشأن الانتفاضة، وهنا كانت البراعة التي تجسّدت بالاتساق التاريخي يوم اتحدت الظروف الموضوعية الموآتية بظروف ذاتية مناسبة، مع توفر أداة هي الشباب واستعداد لامحدود للتضحية.
ولعل في ذلك الفارق بين اللحظة الثورية بعد إحراق البوعزيزي نفسه (أي الناضجة) وبين إحراق نحو ثلاثة وثلاثين شاباً عربياً أنفسهم وإضرام النار في أجسادهم، فلم تكن في المحاولت اللاحقة قد ضجت اللحظة الثورية، بل ظلّت مستعصية، حتى وإن كان هناك تشابهاً في الأوضاع السياسية والظروف الاجتماعية والقهر والحرمان وشحّ الحريات، لكن اللحظة الثورية لن تتكرر ولن تستنسخ، إلى أن تحين مواعيدها، يومها سيكون لكل حادث حديث.
كانت اللحظة التونسية بداية لثورات لم تُعرف نهايتها بعد، ناهيك عن مآلاتها ومستقبلها والكوابح التي اعترضت طريقها والعوامل التي حاولت حرفها عن مسارها ودور قوى الثورة المضادة في وضع العصيّ في طريقها، وخصوصاً ما أطلق عليه "الدولة العميقة"، فضلاً عن دور القوى الخارجية الإقليمية والدولية التي حاول كل منها جرّها إلى جادتها.
وإذا كانت ثمة عوامل ساهمت في إنجاح عملية التغيير الأوليّة، إلاّ أن ثمة عقبات حالت دون استمرارها في ديناميكيتها وحيويتها في إنجاز عملية التغيير، بعضها موضوعي والبعض الآخر ذاتي. والموضوعي يتعلق بالوعي السياسي والحقوقي المجتمعي، خصوصاً في ظل استمرار ظواهر الأميّة والتعصب والتخلّف والجهل والتمذهب أحياناً باستغلال الدين لأغراض أنانية ضيقة لا علاقة بجوهره الإنساني وروحه الساميّة. يضاف إلى ذلك الفقر والبطالة وتدني مستوى التعليم وعدم مواكبة المناهج الدراسية للعلوم والتكنولوجيا والتقدم ونقص مستوى الخدمات الصحية والبلدية والبيئية العامة.
أما العامل الذاتي فإنه يتعلّق بعدم وجود برامج بديلة للتغيير عما هو قائم وعدم وجود حامل اجتماعي لعملية التغيير، وانقسام النخب الفكرية والثقافية والسياسية حيث وقف بعضها موقفاً سلبياً من عملية التغيير، بل إن البعض منهم شكّك فيها، خصوصاً في ظل صعود التيارات الدينية التي كانت منظمة وأكثر جاهزية من غيرها، وقد حازت في العديد من البلدان لاحقاً على أوسع قدر من الأصوات الذي مكنّها من الوصول إلى المواقع العليا في الدولة وعبر صندوق الاقتراع.
الوجه الآخر الذي نضج لحظة التغيير والذي شكل القوة الأساسية هم الشباب الذين كانوا بعمر الورد، فقد كان كل واحد منهم وعلى طريقته الخاصة، جمرة غضب واعتراض ضد الظلم والفساد وهدر الكرامة، وإذا كانوا قد تقدّموا الصفوف دون مبالاة وبصدور عارية، فلأنهم أرادوا أن يصنعوا حياة جديدة بعد سنوات من العتمة واختلال علاقة الحاكم بالمحكوم.
لقد أراد هؤلاء الشباب صناعة ربيع عربي أخضر فكانوا قادة الثورة وسواعدها، بل سداها ولحمتها وحطبها في الآن، متسلّحين بمعرفة وعلم جديدين بفعل الثورة الهائلة في تكنولوجيا المعلومات والإعلام والاتصالات والمواصلات والطفرة الرقمية (الديجيتال)، خصوصاً أن العالم على مشارف الثورة الطور الرابع من الثورة الصناعية.
لقد فاق الشباب العربي الثورات العربية الجديدة كل التصورات التي سادت قبل الحراكات الشعبية، خصوصاً إزاء علاقته بالقضايا العامة وشعوره بالمسؤولية وتأثّره بالمظاهر السلبية للعولمة، لاسيما بوجهها المتوحش، وإذا به يُحدث المفاجأة وتأتي هذه المرة من تونس، الأكثر رفاهاً وتعليماً ومدنيّة في العالم العربي، وهي بحد ذاتها ظاهرة جديدة في عمليات التغيير، لا بدّ من التوقف لدراستها واستخلاص الدروس والعبر منها((1.
ومثلما حدث في ثورات أوروبا الشرقية أن تشكّلت سريعاً وخلال فترة وجيزة هيئات ومنظمات، فقد تأسست في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا والعراق وغيرها تحالفات ولجان وهيئات ناطقة باسم الشباب، لكن التباسات كثيرة رافقتها، خصوصاً في وليبيا واليمن وسوريا في ظل التداخلات الخارجية والاحترابات الداخلية، وتصاعد القمع والعنف الداخلي.
أما في العراق فالوضع مختلف إذ أن غالبية القوى السياسية المنخرطة في العملية السياسية، ظلت على اصطفافاتها مع أنها حاولت مغازلة الشارع أحياناً، خصوصاً في ظروف نقص الخدمات الفادح، لاسيّما في الكهرباء والصحة واستمرار تفشيّ البطالة واستشراء الفساد المالي والإداري، لكن الحركة الشبابية بحكم عوامل الانقسام الطائفي التي لا تزال موجودة والمحاصصات المذهبية والإثنية لم تستطع أن تتجاوز ذلك، مع أن وجودها واستمرارها يعتبر أحد المظاهر الجديدة في المشهد السياسي العراقي. الأمر الذي عاد وتجدد بأشكال مختلفة في انتفاضة تشرين 2019 الذي راح ضحيتها نحو 700 قتيل و20 ألف جريح بينهم 3 آلاف إعاقة جسدية، فضلاً على اعتقال العديد من المحتجين وتغييبهم.
واختلفت حركات الاحتجاج في المغرب والجزائر، فكل واحدة منها سلكت سبيلاً مختلفاً، فتجمعت حزمة من المطالب الشعبية في المغرب والتقطت المؤسسة الملكية المبادرة فشكّلت لجنة للحوار الوطني من شخصيات مرموقة اتصلت بجميع الفاعليات والأنشطة السياسية المعارضة وأعدّت تعديلات على الدستور، اعتبرت خطوات إيجابية وإنْ لم ترقِ إلى بلوغ الملكية الدستورية كما يريدها البعض، لكنها في الطريق إليها.
وصدرت تعديلات دستورية جديدة لبىّ قسم منها مطالب المعارضة في خطوة استباقية لامتصاص موجة التغيير والاحتجاج، وهي مبادرة ذكّرت بمبادرة أواخر التسعينيات يوم انتقل المعارض عبد الرحمن اليوسفي من قيادة المعارضة إلى رئاسة الوزراء (الوزير الأول) بعد خطوات وإصلاحات بادرت إليها المؤسسة الملكية الحاكمة والعريقة(2).
ولا تزال الجزائر على قائمة التغيير على الرغم من بعض مظاهر الصدام والاحتدام. فإذا كان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة قد اضطر للاستقالة في 2 إبريل/ نيسان 2019 بعد أن حكم الجزائر عقدين من الزمن، إلاّ أن عملية التغيير ما زالت تراوح مكانها على الرغم من إجراء انتخابات وإعداد مشروع دستور جديد، لكن المعارضة وقوى عديدة قاطعت الانتخابات وشككت بجدواها في ظل غياب المستلزمات الأساسية للتغيير، وفي ظل استمرار دور مؤثر للجيش، فضلاً عن الفساد المالي والإداري وتردي الحالة المعاشية.
جيل جديد وعقل جديد
لقد برز جيل جديد من الشباب أخذ على عاتقه مسؤولية قيادة الانتفاضات الميدانية بعيداً عن التنظير، مبتدعاً أساليب كفاحية جديدة، وغير مألوفة، سبّبت الذهول والحيرة والتردد للنخب الفكرية والسياسية القائمة في السلطة والمعارضة، لاسيما في الأيام الأولى. وقد انطلق الجيل الثوري الجديد من فضاء مجتمعي، بعيداً عن الآيديولوجيا وتفريعاتها الشمولية والدينية، مثلما كانت سمته وطنية عامة دون فئوية أو تعصب أو تطرف أو غلو.
لعل مفهوم "الوطنية" لدى جيل الشباب يختلف عمّا يفهمه ويريده الحكام باعتباره "شرط خنوع" مثلما يختلف مفهوم "الخارج" لدى الجيل الجديد من الشباب عن جيل الحكام العتاق الذين شاخوا وهم في السلطة، حيث حاولوا تصوير الاحتجاج بأنه "صناعة خارجية" ولخدمة الأهداف المشبوهة المعادية للأمة، في حين إن الجيل الجديد كان يربط الوطنية بالحقوق، ويرى فيهما تلازماً لا انفصام فيه، فهما عنده يقومان على مساءلة رجل الدولة وحكامها باعتبارهم خدم الشعب وليس العكس.
لقد تبنّى الجيل الجديد النقيض، فلم يعد يهمّه التشدّق والسفسطات الأيديولوجية والتعويذات الدينية، وذلك بسبب سياسات الاستبداد الطويلة الأمد، واحتكارات العوائل الحاكمة لجميع مرافق السياسة والإدارة والاقتصاد والثقافة والإعلام في الدولة، لذلك وجد نفسه في القيم المغايرة، التي تقوم على الحرية، والحق في الحصول على المعلومات، وحق المساءلة والشراكة والعدل.
وإذا كانت الحرب الباردة السابقة قد انتهت بانهيار الكتلة الاشتراكية، وتحوّل الصراع الأيديولوجي إلى شكل جديد، متخذاً من "الإسلام" عدوًّا ينبغي القضاء عليه، حسبما برّرت القوى الغربية المتنفّذة، وخصوصاً الولايات المتحدة، سواءً اتّخذ ذلك شكل مكافحة "الإرهاب الدولي" أو لم يتخذ، فإن المجتمع الدولي اكتسب بُعداً "ديمقراطياً " جديداً، على الرغم من محاولات الهيمنة والتوظيف، في ظل العولمة، لا بوجهها المتوحش حسب، بل بوجهها الإيجابي بما فيه عولمة الثقافة وعولمة حقوق الإنسان، وثقافة المساواة من خلال تكنولوجيا المعلومات والإعلام والاتصالات والطفرة المعلوماتية الرقمية "الديجيتل".
وإذا كانت الكتب الدينية أو القومية أو الكتاب الأحمر أو مقولات لينين وكاسترو وغيفارا محفّزاً للثوار سابقاً، فإن عود الجيل الجديد قد اشتدّ في غرف الانترنيت وعلى صفحات الفيسبوك ومقاهي المهمّشين وعلى الأرصفة، وأثبت جدارة لا حدود لها، على عكس الانطباع السائد الذي كان يتّهمه بالميوعة واللامبالاة وقلّة الشعور بالمسؤولية؛ فهو أبدى استعداداً للموت أكثر بكثير مما أبدته أجيال سابقة.
شعارات اليوم وشعارات الأمس
أظهرت الانتفاضات الشعبية ضمور دور الدعاة الحزبيين الأيديولوجيين، العقائديين، الذين بشّروا الناس بالجنة، أو بعالم يحقق الوحدة العربية أو تحرير فلسطين (الآن وليس غداً)، أو ينجز حلم الاشتراكية والعدالة الاجتماعية الأخّاذ، حيث ظلّ الصراع بين القوميين والشيوعيين، ومع الإسلاميين في ما بعد، لا على الحاضر، بل على المستقبل، وأحياناً ليس في مملكة الأرض، بل على قيم السماء. هكذا ظلّت الأمور تجريدية أحياناً، فالصراع على القيم والمثل التي كان لها أن تتحوّل إلى خطط وبرامج، وهذه الأخيرة إلى أعمال وأفعال، هو الفارق بين كلام الأمس وكلام اليوم. وهذا ما ينبغي فهمه والتعامل على أساسه، ولعله أكبر الأسئلة التي تواجه عملية التغيير!
لم تكن الرومانسية القديمة كافية لإشعال حماسة الشباب، بما فيها الوعود والآمال الكبيرة والشعارات البرّاقة، البعيدة المنال؛ لقد حلّت محلّها الواقعية السياسية، بلا شعارات كبرى ولا وعود أقرب إلى السراب. لقد انتظمت الملايين بشعارات مبسّطة: عاشت الحرية، تعديل الدستور، القضاء على الفساد واحترام حقوق الإنسان. هكذا سدّت الجماهير التي تذكّر بعصر المداخن باستعارة من كارل ماركس، الساحات والشوارع، بل زلزلت الأرض تحت أقدام الحكام، في حين فقد المثقف الأيديولوجي صوته، وهو يبرّر خطاب الحاكم بالقمع السياسي أو بالقمع الفكري وبحرق البخور بالدعاية والتزويق بحجج ومزاعم شتى، أو المعارض الذي كان بعيداً أو غائباً أو مخادعاً، أو الأغلبية الصامتة المغلوبة على أمرها، كلهم كانوا بعيدين عن ساحة المشاركة الفاعلة،(3) وإنْ التحقوا بعد حين وسط جو من الدهشة والارتباك.
لقد أنهت المعركة الحقيقية التي أرادها الشعب، المعارك الوهمية الصغرى، حول أفضليات هذه المجموعة أو تلك، رافعة أفضليات الجماهير المبادرة وجيل الشباب المتقدّم الذي قاد الشعب كله إلى الالتحام بكل فئاته، جاعلاً من انتفاضته، ولأول مرة في الوطن العربي، ثورة شعبية سداها ولحمتها الشباب، الجميل، الحالم بقدر واقعيته وبراغماتيته، ناقضاً مفاهيم ومسلّمات سادت، كمقولة أن الثورة لا يمكن لها أن تتحقق ما لم تتوفر لها قيادة مُلهمة أو أن تكون تحت إشراف وتنظيم حزب قائد "طليعة"، أو أن التغيير لن يتحقق في ظل أنظمة استبدادية ودكتاتورية عاتية دون تدخل الجيش، أو أن قوى الداخل ليس بإمكانها انجاز التغيير دون التعويل على الخارج ومساعداته، وما سمّي تلطيفاً " العامل الدولي" الذي أوصل بلداً مثل العراق، بعد حصار دولي جائر دام ثلاثة عشر عاماً، إلى الاحتلال البغيض.
وأثبت جيل الشباب بأنه الأقدر على تحقيق خياراته كما يريد هو لا كما يُراد له، فقد أخطأ من ظنّ أن الشارع العربي قد أصابته الشيخوخة، فدخل في سبات عميق، أو أن الحكومات الشمولية دجّنت الشعوب بعوامل الجوع والخوف فضمنت خضوعها اللامحدود بمكان أو زمان، وها هو يخرج من قمقمه ليخترق الميادين والساحات، مُحطّماً حواجز الخوف، ومنتصراً على جوعه وقهره في أولى خطواته نحو الوجود والكرامة.
لم يكن للانتفاضات رمز قائد أو زعيم مخلّد أو ملهم مخلّص، يصبح لاحقاً "معبوداً" ومقدساً، وفوق حدود النقد. ولم يكن لها أيضاً نصوص مقدسة أو مقولات خالدة؛ فقد كانت تواجه الواقع المعقّد بشعارات واضحة ورمزية وواقعية في آن واحد. ومثلما ضد الصنميّة، فإنها كانت ضد النصوصية، أي أنها ضد المسلّمات واليقينيات والقدسيات والسلفيات المشوّهة والوعود الزائفة، وعابرة للطوائف والطبقات الاجتماعية والمجموعات القبلية والعشائرية، واضحة في مطالبها، وحاسمة برفضها للمساومة وأنصاف الحلول، ومؤكدة إخلاصها ونزاهتها والتزامها بمطالب شعوبها.
إن الانتفاضات بإسقاطها الدكتاتوريات وضعت سؤالاً محرجاً أمام أحزاب المعارضة والأحزاب الكلاسيكية: أين دورها وما هو موقعها من الخريطة السياسية الجديدة؟! تلك التي ظلّت تلوك خطابها ولغتها الخشبية عقوداً من الزمان، سواءً أكانت شيوعية أم قومية أم إسلامية، حتى دون مراجعة أو نقد على الرغم من كل المتغيّرات؟ هكذا قدّمت الجماهير الغاضبة الفعل الثوري الواقعي الحسّي، على حساب الأيديولوجيات والوعود والخطابات الاجتماعية والثقافية، التي سمعتها كثيراً.
حقاً لقد أفرزت الانتفاضات نمطاً جديداً من التفكير والممارسة متقدّماً وشجاعاً، مثلما ساهمت في تعميق الوعي الثقافي الجديد المتفاعل مع الوعي العالمي. لقد بدأ الشباب بكل حيويته وطاقاته ومبادراته، وعلى الجميع اليوم الاستماع إليه والوقوف خلفه ليصل إلى طريق الديمقراطية، وليتمكّن من حماية ثورته، قبل أن يتم الالتفاف عليها أو سرقة منجزاتها أو اللعب بمستقبلها.
إن انفجار الغضب العفوي الجماهيري في مواجهة "الفجور"، النيوليبرالي، المتمثل في أصحاب السلطة وأصحاب الثروة، هو "شرط انتقال الخوف من ضفة الناس إلى ضفة الحكام، وهو مفتاح التغيير وعلّة الأمل" على حد تعبير غسان سلامة!(4)
ــــــــــــــــــ
(1) وبخصوص الوضع المعاشي في تونس الذي جرت الإشارة إليها فقد لاحظت وأنا في طريقي من العاصمة إلى صفاقس (تبعد نحو 300 كيلومتر) وصولاً إلى سيدي بوزيد، (التي تبعد عن صفاقس ما يزيد عن 100 كيلومتر) كنت أمرّ على غابات شاسعة من أشجار الزيتون، وبدت لي مثل بحر بلا ضفاف، وهذا ما يتعلق بالزراعة والأراضي الزراعية، أما المناطق الحضرية بما فيها الأحياء الشعبية فلا يمكن مقارنتها ببلدان غنية مثل ليبيا والجزائر والعراق مثلاً، التي تزيد وارداتها عشرات المرات على واردات تونس، لكن مستوى معيشة سكانها كان أخفض بكثير منها، فما بالك بدول فقيرة. وإذا كانت المقارنة مع البلدان النفطية أو دول اليُسر، لصالح تونس فبالتأكيد ستكون المقارنة مع بلدان العُسر بجانبها أيضاً، الأمر الذي بحاجة إلى التفكير في مآل الثورة والفئات التي قادتها والشباب الذين كانوا المحرّك الأساسي لها.
وبالمناسبة تعتبر صفاقس المحافظة الثانية، أما محافظة سيدي بو زيد فيبلغ عدد سكانها نحو 400 ألف نسمة وعدد سكان المدينة يتراوح بين 40 إلى 50 ألف نسمة، وفيها حركة نقابية يقودها التهامي الهاني الذي إلتقيته، وشرح لي مسارات الثورة ويومياتها بعد سيدي بوزيد حيث سقط العديد من الشهداء في منزل بو زيان والرقاب ومكناس والقصرين وطالة وحاجب العيون ونصر الله وسيدي عمر بو حجلة، ثم اندلعت تحركات في المهدية والمنستير وسوسة والقيروان، وقد مرّ الباحث على معظم هذه المناطق وتوقف عند بعضها، وصولاً إلى العاصمة التي حسمت الأمر.
قارن: حوار خاص مع الدكتور خالد شوكات، في صفاقس وسيدي بو زيد 24-25 تموز(يوليو)2011.
(2)أنظر: شعبان، عبد الحسين- دينامية مغربية، صحيفة الخليج "الإماراتية"، 6/7/2011.
(3) صادف وجود الباحث في براغ خلال انتفاضتها السلمية ضد النظام الشمولي والبيروقراطية الإشتراكية في خريف العام 1989 ولاحظ إن أبرز ثلاث شعارات هي: نريد حواراً، نريد حريات، نريد الإعتراف بالتعددية، وكيف تحوّلت هذه الشعارات إلى سيل عارم استخدم ببراعة لدرجة شلّت إرادة الحكام، لاسيما عندما أبدت الجماهير استعدادها على التواصل والاستمرار، والأمر ذاته حصل في عدد من البلدان الإشتراكية السابقة، وإنْ اتخذ بُعداً له خصوصيات محلية. وهو ما سيتم الحديث عنه في الفصل الخامس من هذا الكتاب. قارن: كتاب عملية التحول- التجربة التشيكية، تأليف (جماعي) إصدار منظمة People in Need، توزيع وزارة الخارجية التشيكية، وقد صدر الكتاب بعدّة لغات منها العربية والانكليزية، وقد استفاد منه الباحث في استكمال تصوراته حول الانتفاضة التشيكية وعمليات التغيير في بولونيا وهنغاريا وألمانيا الديمقراطية.
(4) أنظر: شعبان، عبد الحسين- بحث منشور في مجلة المستقبل العربي، العدد 385، آذار (مارس)2011.






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صاحب الحكيم وسوسيولوجية الشيوعية في النجف
- الطائفية وأسئلة الضرورة
- مئوية الدولة العراقية
- الإرهاب الدولي : قراءة مغايرة
- من دروس التجربة المغربية
- الإختفاء القسري
- صالون 15 في بيروت... لماذا؟
- الملك فيصل الأول والهويات القاتلة
- ايران وشط العرب: صاعق التفجير (5)
- تونس ومفترق الطرق
- تركيا: مشروع الغاب.. للتحكم بمياه سوريا والعراق (4)
- رسائل روسية إلى طالبان
- البارومتر الساخر والمحرّض
- في -مملكة- الجواهري
- السودان: الطريق إلى المصالحة
- العدالة الإنتقالية الدولية
- اليسار أخطأ في نظرته إلى الدين
- الشاعر حسن عبد الحميد ومجموعته الشعرية -حين تنكَرّ الموج ... ...
- أثيوبيا تقفز فوق الحواجز.. فهل تُشعل حرب مياه مع مصر؟(3)
- “إسرائيل” من “الأسلحة في الحرب إلى المياه في السلام”! (2)


المزيد.....




- شاهد: سلطات ميانمار تفرج عن عدد كبير من المعتقلين المعارضين ...
- موسكو تدعو الأمم المتحدة لدعم مشروع القرار الروسي الأمريكي ح ...
- مفاوض إسرائيلي يدافع عن صفقة تبادل الأسرى مع حماس قبل 10 سنو ...
- أوقع مئات القتلى والجرحى.. العراق يعلن اعتقال المسؤول عن تفج ...
- اللواء رسول يعلق على اعتقال المسؤول عن تفجير الكرادة
- اشتية يدعو الأمم المتحدة لتسيير فرق لمُراقبة ما يحدث في فلسط ...
- ضغوط برلمانية فرنسية على وزير الخارجية عن وضع حقوق الإنسان ف ...
- المخابرات العراقية تكشف تفاصيل اعتقال مخطط -تفجير الكرادة- ...
- جلال زاده: ترامب قام بتلغيم طريق عودة إدارة بايدن عبر تصنيفه ...
- جهاز المخابرات يكشف تفاصيل جديدة حول عملية اعتقال المسؤول عن ...


المزيد.....

- المراة في الدساتير .. ثقافات مختلفة وضعيات متنوعة لحالة انسا ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نجل الراحل يسار يروي قصة والده الدكتور محمد سلمان حسن في صرا ... / يسار محمد سلمان حسن
- الإستعراض الدوري الشامل بين مطرقة السياسة وسندان الحقوق .. ع ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نطاق الشامل لحقوق الانسان / أشرف المجدول
- تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية / نزيهة التركى
- الكمائن الرمادية / مركز اريج لحقوق الانسان
- على هامش الدورة 38 الاعتيادية لمجلس حقوق الانسان .. قراءة في ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- حق المعتقل في السلامة البدنية والحماية من التعذيب / الصديق كبوري
- الفلسفة، وحقوق الإنسان... / محمد الحنفي
- المواطنة ..زهو الحضور ووجع الغياب وجدل الحق والواجب القسم ال ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - عبد الحسين شعبان - مآلات الربيع العربي- وقفة مراجعة