أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عباس علي العلي - الشخصية العراقية في نظرية الوردي النقدية ج2















المزيد.....

الشخصية العراقية في نظرية الوردي النقدية ج2


عباس علي العلي
(Abbas Ali Al Ali)


الحوار المتمدن-العدد: 7014 - 2021 / 9 / 9 - 23:40
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


كانت أنطلاقة الفكر الأجتماعي العربي المعاصر ومن تجربة الدكتور الوردي من واقع حقيقي ميدانيا، ولم يأت من دراسات نظرية مجردة تعتمد على تجارب وبحوث وخلاصات بحثية لأخرين، بل كانت من صميم عمق الواقع ومن جوهر الوجود، لم يبخل رائدها من التعمق والغوص بكل الجزئيات وإلى حدود جعلت العمق بمستوى السطح المباشر بالبحث، لذا جاءت النتائج قريبة من العقل العلمي والوجدان الذي يبحث عن طريق خلاص، عكس ذلك ما كان من وقع هذه المرارة على كل رموز التزييف والتحريف، التي كانت ترى في هذه المحاولة تهديدا وجوديا لأفكارها المريضة ولقضيتها التي تعتمد الدجل والإستلاب والسطوة الناجمة عن عرف ونظام لم يعد يلبي أبسط حاجات الفكر والعقل والتطور .
يرى كثير من الباحثين والناقدين أن المنهج التحليلي عند الوردي قد تأثر الى حد كبير بنظرية ابن خلدون في مقدمته في علم الاجتماع، وخصوصا منهجه في فلسفة التاريخ وتطبيق ذلك المنهج على المجتمع العراقي، وان اهتمام الوردي بصاحب المقدمة يعود الى فترة مبكرة من حياته، كما شكلت شخصيته وأطروحاته العامة وأفكاره الفلسفية والاجتماعية محور رسالته لنيل الدكتوراه من جامعة تكساس عام 1950، وكونه دارس ريادي لعلم ومنهج ليس له جذور ولا حضور في الواقع الثقافي والفكري العراقي، وليس هناك من دراسات حقيقية بمعنى تمسكها بالمنهج العلمي الرصين، أخذ الدكتور الوردي مهمة الريادة في هذا المجال متحملا عبء إفهام وترسيخ هذا المنهج العلمي في بيئة قد تكون طاردة أو غير قادرة على إستيعابه.
والحقيقة أن مثل حالة الدكتور الوردي قد لا تكون الفريدة في عالم البحث العلمي ليس في العراق وحده ولا في العالم العربي، ولكن على المستوى العالمي نجد الكثير قد لاقوا نفس المصاعب وإن بدرجات، والباحث العلمي المؤسس دائما ما يبني منهجه على مرتكزات سابقة ومنهاج من سبقه دون أن يجعل من ذلك إنعكاسا روحيا لها بقدر ما يسخر هذا المنهج لدراسة حالة قد تحتاج له، فالدكتور الوردي مثله مثل رواد العلوم أحاط ذلك بمزيج من علمية المنهج وخصوصية الحالة المدروسة أو المعرضة للبحث، هذا ما أشارت له الباحثة منى شكري في دراستها عن الوردي فتقول (أن تأثره الأعمق كان بابن خلدون خاصة نظريته حول "صراع البداوة والحضارة" التي أعاد صياغتها، فضلاً عن تأثره بمنجزات علم الاجتماع الأمريكي المتحرر نسبياً من المدرسة التقليدية، فارتكز عليهما في تفسيراته التاريخية ودراسة المجتمع العربي والعراقي، على وجه الخصوص، فحلل أغلب مناطق العراق باستثناء الكردية منها بسبب عدم إلمامه بلغة أهلها، حسب قوله، وتوصل إلى أن صراع البداوة والتمدن هو الذي يفرز ازدواج الشخصية العربية الذي بدوره ينتج ما أسماه "التناشز الاجتماعي" .
إلا أن ما يتعلق بدراسة الشخصية العراقية بمقوماتها وشواهدها وأساليب التعبير عنها ووصفها عليما بعد إخضاعها للتشريح العلمي والمعرفي، كانت أهم إنجازات الدكتور الوردي، وأفرد لها وقتا طويلا ومباحث عدة مستندا إلى تجربته العلمية البحثية وفق منهج علمي رصين، قد نتفق أو نختلف معه في التحليل والنتائج ولكن يبقى جهده وريادته في هذا المجال هي الأحظى بالاهتمام والتقدير والإعجاب في الوقت الذي لم تكن هناك أي جهود علمية تذكر في هذا الأتجاه.
ملخص هذه النظرية جسدها في مقولته الأولى عن فهمه لشكلية الشخصية العراقية في محاضرته التي ألقاها في قاعة الملكة عالية في نيسان عام 1951، وأشار فيها الى أن شخصية الفرد العراقي تتسم بالازدواجية، وذكر الوردي في هذا الصدد نصاً (نجد أن العراقي المسلم هو من أشدّ الناس غضباً على من يفطر برمضان علنا ولكنه هو من أكثرهم افطارا و أن العراقي، سامحه الله، أكثر من غيره هياماً بالمثل العليا ودعوة اليها في خطاباته وكتاباته، ولكنه في الوقت نفسه من أكثر الناس انحرافا عن هذه المثل في واقع حياته، وأنه أقل الناس تمسكا بالدين، وأكثرهم انغماسا في النزاع بين المذاهب الدينية، فتراه ملحدا من ناحية وطائفيا من ناحية أخرى) .
المنهج الوردي في حقيقته يمثل أنتفاضة الوعي العاقل المدرك بقراءته للواقع وبين أن هناك خلل بنيوي وتكويني أساسي وراسخ في الشخصية العراقية، تفصح عنه سلوكيات متفردة تلتصق به دون أن تكون في غالب الأحيان على رأي الدكتور الوردي من الطبع العام للسوك الإنساني المماثل والمقارب له، أنه أفرد صورة خاصة للأنا، في تقييمي الشخصي لها أنه مبالغ في فرادتها وفيها تجني حقيقي للجانب المشرق أو الوجه الأخر من هذه الشخصية دون أنكار أن الكثير من التشخيصات كانت حيادية وواقعية.
تميز الدكتور الوردي بحساسيته المفرطة في قراءته للواقع، أنه يلتقط الظواهر ويدرسها مجهريا ويفكك روابطها ليعيد ترتيب قراءتها، ثم يقرر في ضوء هذا المنهج وبالمقارنة مع أسس علم الأجتماع تقيما علميا واعيا لها، ولولا قدرة الحس والتشخيص العالية التي يتمتع بها ما كان له القدرة على الدخول إلى أعمق الزوايا وأدقها في شخصية الفرد العراقي، مما أتاح له أن يفهم الكثير من الخبايا والتفصيلات الدقيقة بأسلوب المعايشة القريبة، والنزول إلى الحاضنة الأجتماعية هذه الظاهرة أو تلك.
النقد الذي وجهه الدكتور الوردي في جانب منه حقيقي نلتمسه بالسلوكيات لتي تفرزها ظاهرة التدين، وهذه الظاهرة وإن كانت قديمة قدم الوجود الإنساني للبشر عموما إلا أنها لا تمثل علامة فارقة للشخصية العراقية فحسب، بل هي مشترك اجتماعي يتقاسمه كل بني آدم في كل المجتمعات ، ولا أستثني مجتمعا محددا خارج هذه الصورة إلا ما تجلى بشكل محدد وموصوف في المجتمعات التي تبنت العلمانية وتحت تأثير العوامل التأريخية لتي أفرزتها العلمانية كنقيض حاد وجوهري للفهم الديني التقليدي من توظيف الدين والتدين في حركة المجتمع وضبط المفاهيم العامة له.
لقد ولدت الحداثة أصلا ليس كمنتج فكري انقلابي منعزل عن استحقاقات حتمية، ولكن كانت قبل ذلك إرهاصات كونتها نظريات فلسفية بشر بها البعض كأنها حتما تأريخيا لا بد من تبلوره بالصورة التي عرفناها الآن، بل اجزم أنها ولادة حقيقية للاستجابة الضرورية لحركة المجتمعات وسعيها للتحرر من ربقة الماضي كزمن والماضي مكان، وهذا الجزم ليس أتيا من جهل بالمعطيات ولكن استدلالا من النتائج المجسدة واقعا ومن مظاهر التحول الحتمي في المجتمعات التي عرفت مفهوم الحداثة أولا.
هذا المجتمع في تحوله الطبيعي من هذه الكيفية الجيوفكرية والذي فقدت فيها الهوية الفكرية تميزها المنفرد وخصيصتها المحدودة وضاع فيه الوعي الجمعي بين عشرات التيارات الفكرية والفلسفية والدينية، نراه يتحول تدريجيا بفعل ارتدادات الثورة الصناعية والتكنولوجية العلمية التي مضى عليها أكثر من قرن من الزمان نحو استجابة بدية لهذه الارتداد من نفس قوة التأثير، وليس من خارجها وتحديدا من التنظير المجرد بل أن هذا التنظير هي وليد الارتداد أيضا.
في المجتمع العرقي خاصة وعموم المجتمعات العربية والإسلامية لم تلعب الحركة الفلسفية ولا تأثيراتها الجيوفكرية دورا هاما في صناعة الشخصية ولا في صقل صورة مثالية، وبقيت الفلسفة منزوية في أدراجها لا تستطيع الخلاص من نظرة المتدين السلفي الذي مارس الرقابة والتعرض الحازم والحاد لها، بل أعتبر أن مجرد التفكير فيها ضربا من الكفر والإلحاد والزندقة مما أضعف دورها مع غياب دعم فكري أو مؤسساتي لها، والسبب يعود لسيطرة الفكر المحافظ على مركز القرار السلطوي في المجتمع.






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإيمان بين الاصل والصورة
- حروب العقيدة
- السيادينية الإسلامية السلفية تشويه للدين وأعتداء على الإنسان
- إسلام سلام وإسلام حرب
- الأسس الفكرية لثقافة التطرف والأصولية التكفيرية
- الإرهاب الديني والإرهاب الأجتماعي
- الإرهاب وجذره الديني
- ظاهرة الإرهاب بين الحلول والرؤى
- ما لا تعرفه عن واقعة كربلاء أو نهضة الإمام الحسين تاريخيا... ...
- داعش ووهم الخلافة المتستجدة
- إشكالية العنف الديني والتطرف من وجهة نظر أجتماعية
- نحن وطالبان والمستقبل المجهول
- جذور الفكر السياديني نشأة وتأسيس وعلاقته بتطور التطرف
- ظاهرة العنف الديني ومتلازمة الحاضنة الأجتماعية
- لماذا هجرت الواقع؟
- مطلقية الحق ومحاولات تأطيره شخصيا وزمنيا
- أفتراض تصور العالم الافتراضي
- الديمقراطية المشينة
- العقل المتجدد ودوره في صناعة مجتمع جديد
- العرب والعربانية تداخل في الدلالة وتشارك في المدلول


المزيد.....




- روسيا تحشد 175 ألف جندي على حدود أوكرانيا.. هل بات الغزو وشي ...
- كيف يمكن أن يساعدك العلاج المعرفي السلوكي في تقليل التوتر؟
- أفغانستان تحت حكم طالبان: أمريكا وحلفاؤها يحذرون الحركة من ا ...
- هل يسعى ماكرون إلى تحسين صورة السعودية وحل محل واشنطن في الم ...
- عودة التظاهرات الطلابية في إقليم كوردستان
- الشرطة التركية تعلن إحباط محاولة لاغتيال أردوغان
- تظاهرات بمحافظات عراقية اليوم
- وسائل إعلام إيرانية: طحنون بن زايد في زيارة نادرة لطهران
- حادث سير يتحول إلى -مهرجان ألعاب نارية-
- كورونا في روسيا.. أدنى عدد وفيات يومية منذ شهر


المزيد.....

- العلم والخرافة او الأساطير! / طلال الربيعي
- نعمةُ آلمعرفة فلسفيّاً / العارف الحكيم عزيز حميد مجيد
- الفلسفة من أجل التغيير الثوري والنهوض التقدمي الديمقراطي في ... / غازي الصوراني
- حوار مع فيلسوف عربي / عبدالرزاق دحنون
- الذات عينها كآخر في فلسفة التسامح والتضامن / قاسم المحبشي
- خراب كتاب عن الأمل / مارك مانسون
- فن اللامبالاة / مارك مانسون
- كتاب أربعون / أحمد الشقيري
- جائحة كورونا وإعادة انتاج الحياة الاجتماعية تأملات سوسيولوجي ... / محمود فتحى عبدالعال ابودوح
- تأملات فلسفية وسينمائية / السعيد عبدالغني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عباس علي العلي - الشخصية العراقية في نظرية الوردي النقدية ج2