أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد البسفي - انتفاضات تائهة .. أم ثورات ملونة ؟ (3) .. عندما بدأت -حرب الله- المقدسة من الشرق !















المزيد.....



انتفاضات تائهة .. أم ثورات ملونة ؟ (3) .. عندما بدأت -حرب الله- المقدسة من الشرق !


محمد البسفي

الحوار المتمدن-العدد: 6992 - 2021 / 8 / 18 - 20:15
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ومع تتابع السنوات والعقود استمر "مشروع الطائفية" الأميركي في فرض سطوته وظله الثقيل على كامل المنطقة والأراضي التي تتجه إليها المصالح الأميركية، (الشركة المساهمة الكبرى).. ملتويًا مرنًا مع الظروف السياسية المستحدثة ومتلونًا مع كافة الأصباغ التي تَوجدها أهداف ومصالح "واشنطن" إينما كانت، سواء كانت "حرب قرن" ضد العدو السوفياتي وفكرته الشيوعية المزمنة أو "حرب مفتوحة" ضد "إرهاب" غير محدد المعنى أو التعريف الدقيق.. مستعينة في ذلك بآليات وأساليب متعددة ومتنوعة حسب الطلب والهدف المنشود وتوقيت المعركة وظروف أطرافها وأرضها وديناميكية التقدم أو التراجع نحو الإستراتيجية العامة للمعركة، بما يطلبه ذلك من تدخل مباشر - مُعلن أو شبه مُعلن - أو الإشراف والدعم عن بُعد على عمل أطراف مساعدة تقوم بالتنفيذ وصنع الأحداث..
الجميع .. يتبع بوصلة "الحرب المقدسة" !
مبكرًا.. بدأت حرب الأفكار والإيديولوجيات، التي شنتها "وكالة المخابرات المركزية" في مستهل حربها الباردة ضد الشيوعية والاتحاد السوفياتي على الأراضي الإيطالية، في عام 1948، أثناء الانتخابات التي اقترب فيها "الحزب الشيوعي الإيطالي" من الحكم نظرًا لقوته وتفوقه الملفتين على أغلب أحزاب الدول الغربية، آنذاك، فكان من الطبيعي أن يبرز الشيوعيون لكسب السيطرة على الحكومة بالحصول على أغلبية الأصوات في الانتخابات الإيطالية، إزاء ذلك سارعت الولايات المتحدة بتطبيق "مشروع مارشال" للمعونة على إيطاليا بكميات كبيرة لمساندة الأحزاب وساسة اليمين، وبالأخص مرشحي "الحزب الديموقراطي المسيحي" في الانتخابات بزعامة، "دي غاسبيري-De Gasperi".
قام المسؤولون الأميركيون بتوزيع نشرات داخل "إيطاليا" نفسها على نطاق واسع تُحدد الخطوط العريضة لـ"مشروع مارشال". وكانت تُعد معروضات خاصة تتألف من صور فوتوغرافية معروضة عرضًا جذابًا وبيانات إحصائية، وما شابه ذلك لعرضها على الفئات ذات الدخل المنخفض. كما أن أفراد "مكتب الاستعلامات الأميركي"، في "روما"، وغيرها من المدن الكبرى، كانوا ينظمون ويعرضون معروضات تُسمى: (العامل في أميركا)، وكان الهدف من هذه المعروضات أن توضح كيف تعيش عائلات الطبقة العاملة في "الولايات المتحدة". ومن هنا بدأت الحرب النفسية والدعائية التي تحترفها "وكالة المخابرات المركزية"، بتكثيف عرض وانتشار الأفلام السينمائية التي كان لها تأثير كبير في نشر الدعاية الأميركية لدرجة أعرب معها أحد المراقبين عن رأيه في أن الأفلام الأميركية كانت من أشد الوسائل تأثيرًا وفاعلية بين الوسائل المستخدمة في الحملة الدعائية التي سبقت الانتخابات الإيطالية. وخير دليل على ذلك ما أحدثه فيلم، (نينوتشكا-Ninotchka)، من تأثيرٍ ملموس داخل المجتمع الإيطالي فور توزيعه في الفترة التي سبقت الانتخابات مباشرة، وهو من إنتاج شركة "مترو غولدين ماير" عام 1939، وأعتمد أسلوب السخرية والتهكم على الحياة الاجتماعية داخل "روسيا" بهدف ترك المشاهدين بإحساس مؤداه أنه إذا كانت هذه هي "روسيا"، فهو يرجو الخلاص من مثل هذا المجتمع.
ومن أطرف أساليب الدعاية؛ التي استخدمت للتأثير في الانتخابات الإيطالية، حملة كتابة الخطابات التي نُظمت بين الأميركيين من أصل إيطالي المقيمين في "الولايات المتحدة". كانت الخطة ترمي إلى تشجيع تدفق الخطابات الشخصية من الأميركيين ذوي الأصل الإيطالي في "الولايات المتحدة" لحث أصدقائهم وأقاربهم في "إيطاليا" على رفض "الشيوعية" في الانتخابات.
ولقد كان "غنيروسو بوب-Generoso Pope"، رئيس تحرير أحد الصحف الإيطالية القوية في نيويورك، أول من حث الأميركيين/الإيطاليين على الكتابة إلى أصدقائهم وأقاربهم في "إيطاليا". وشرح مستر "بوب" هذه الحملة على النحو التالي: "لقد بدأت الحملة، وأنا أدرك أن شعب إيطاليا سوف يصدق الحقيقة عندما يقولها له أخ أو صديق أو قريب تربطه به وشائج الدم".
وأنضم آخرون إلى "غنيروسو بوب"، في طبع خطابات نموذجية لإرسالها للخارج من الإيطاليين في "الولايات المتحدة" إلى مواطنيهم السابقين. وقد وصف "فيكتور آنفوسو-Victor Anfuso"، أحد مؤلفي هذه الخطابات، السبب الرئيس في حملة كتابة الخطابات بقوله: "لقد أحسست أن كثيرًا من الذين ينتمون إلى أصل إيطالي يرغبون في الكتابة، ولكن لم يتح لأيً منهم الوقت أو الحقائق الكافية لصياغة الخطاب. ولكن بعد إعداد الخطابات، لم يكن أمام المرسل سوى التوقيع ووضع الخطاب في مظروف وتوجيهه إلى صديق أو قريب في إيطاليا".
ولقد تولت الكنائس الكاثوليكية في "نيويورك" و"نيوغيرسي" توزيع الخطابات على الأفراد المقيمين في دوائرها، كما أسهمت في الحملة عدة منظمات "إيطالية-أميركية".
وكانت جميع تلك الخطابات تصرخ بمعان وكلمات شبه موحدة دارت حول: ".. ألا تلقوا بإيطاليا بلدنا الجميل بين ذراعي الشيوعية المستبدة ..". ".. ولتثقوا في صداقة أميركا الأكيدة، ولا ترفضوا المعونة التي ترغب هذه الأمة في مواصلة تقديمها، ولا تحطموا في يوم واحد، العمل الضخم الذي أنجزتموه في توجيه إيطاليا نحو إعادة البناء والتعمير..". ".. ذلك هو النداء الحار الذي يوجهه إليكم الأميركيون من ذوي الأصل الإيطالي في يوم عيد القيامة، على أمل أن يستمر الاحتفال بقيامة الرب في تلك الأرض التي هي قلب الكاثوليكية.." (1).
وبعد نحو أربعة عقود كاملة شهدت الأراضي الإيطالية أيضًا، و"الفاتيكان" تحديدًا، فضيحة كادت تُضيف بقعة داكنة في سمعة وكالة الاستخبارات المركزية المزدحمة أصلًا باللُطخ والأوساخ في خضم حربها الصليبية، لولا ملابسات وتفاصيل واقعة مازالت تتأرجح بين الانتحار أو القتل.. ففي منتصف نهار 21 حزيران/يونيو من عام 1982، دلف الرئيس الأميركي، "رونالد ريغان"، أبواب قصر "ويستمنستر" بالعاصمة البريطانية، لندن، (كزعيم للقوى الغربية ضمن زيارته لدول المنطقة)، وكان الهدف إعلام البرلمان البريطاني تصوره الخاص عن سقوط الإمبراطورية السوفياتية، وعرض توقعه بنشوب "انفجارات" في أوروبا الشرقية، موضحًا أن "بولندا"، والتي كانت تعاني من مشكلة الثورة واسعة النطاق، ستكون أول نقطة في ذلك الإنهيار، وصل "ريغان" مباشرة إلى لندن بعد لقاء جمعه مع بابا الفاتيكان، البابا "جون بولا الثاني"، والذي صرح له بالدور الفعال والخفي للفاتيكان في الحركة البولندية، والتي كانت تهدف إلى إنهاء الشيوعية.
كان "ميناء لينين البحري" في دانزيغ، (ميناء غدانسك الآن)، بالنسبة لـ"ريغان" يُشكل "حركة الاتحاد التجارية" المعارضة للشيوعية، والتي سُميت بـ"التضامن"، وكانت السبب في الإنهيار السوفياتي.. كانت تتلقى الدعم من الكنيسة الكاثوليكية البولندية؛ والتي كان راهبها يُصرح بالآراء المضادة للشيوعية، و"الفاتيكان" هو الداعم المادي للحركة.
"الفاتيكان" في روما؛ كان تحت قيادة البابا "جون بولا الثاني"، وهو وطنيًا بولنديًا، حاز على إعجاب "ريغان" لدرجة وصفه قائلًا: "إن هذا البابا سيتحدى العالم"، إلا أن "الفاتيكان" رغب في اخفاء دوره كعامل في سقوط الشيوعية؛ واضطر إلى اخفاء دوره ودعمه البنكي الخفي لـ"التضامن"، لذا أحتاج إلى وسيط واستخدم بنك "أمبروزيانو" في ميلانو لتحويل الأموال إلى بولندا، مدير البنك، "روبرتو كالفي"، كان من المتحيزين للبابا لدرجة أن أطلق عليه لقب: "مصرفي الزعيم الديني"؛ إلا أن الخدعة أنقلبت عليهم، فقد كشفت ثغرات كثيرة في حسابات بنك "كالفي".
على جسر لندن، وقبل زيارة رئيس الولايات المتحدة لقصر البرلمان البريطاني بأيام قليلة، في صباح 18 حزيران/يونيو 1982؛ وجدت جثة "كالفي" معلقة على وجه الماء؛ بعد ساعات من إعتذاره للفاتيكان عن عزمه على أن يكشف للمحاكم الإيطالية عن الجهة التي تلقت النقود، كان سيتحدث عن "التضامن" وعن دور "الفاتيكان" في العصيان البولندي المسلح. وذلك أثناء محاكمته على مخالفات بنكية بسيطة، سرعان ما جرت اتهامه بعدة اتهامات بما يُعرف اليوم بإنشاء شبكة ملاذات ضريبية وتبييض لأموال في بنوك وكيانات مالية واقتصادية في "بنما" و"جزر البهاما" وأماكن أخرى خارج إيطاليا بالشراكة مع "بنك الفاتيكان" والمافيا الإيطالية.
كما قامت وكالة المخابرات الأميركية بأنشطة واسعة في صُنع سلسلة الانقلابات العسكرية التي شهدتها دول أميركا اللاتينية في العقود الأخيرة من القرن الماضي، بمعاونة "منظمة موون" التي أنشأتها الوكالة للتعامل مع المؤسسات والكيانات الدينية بكل بلدٍ على حدا.. شهدت "بوليفيا"، في 17 حزيران/يونيو 1980، انقلابًا عسكريًا سرعان ما ظهرت أصابع محركيه من ضباط الوكالة بالتنسيق مع، "كلاوس باربي"، الرئيس السابق لـ"غستابو" النازي الألماني في مدينة "ليون" بفرنسا، الذي كان وراء تحريك خيوط التحريض والإثارة لدى مجموعة من الأفراد العاملين كممثلين لـ"منظمة موون"، المرتبطة بالوكالة. وتُدعى هذه المجموعة بـ"الاتحاد في سبيل زمالة المجتمعات الأميركية ووحدتها"، (CAUSA)، فقد كان "توماس وارد"، الضابط السابق لدى الوكالة، يتزعم المونيين في "بوليفيا". في حين كان "وليام سيليتش"، الأخصائي بالإلكترونيات وأحد قدامى المحاربين في "فيتنام" نائب الزعيم. أما ثالث ضباط الوكالة في صفوف المونيين فقد كان، "بوري"، الذي سبق له أن حاول إنشاء كنيسة مسلحة في "البرازيل". كما اشتركت طائفة المونيين، المرتبطة بالوكالة، في الحرب السرية التي شنتها الاستخبارات المركزية ضد "نيكاراغوا"، في عام 1985. حين قامت (الواشنطن تايمز)، أشهر جريدة في إمبراطورية المونيين الصحافية، بجمع ملايين الدولارات لدعم عصابات "الكونترا" في "نيكاراغوا"؛ بعد أن رحب "الكونغرس"، في ذلك الوقت، بتمويل تلك العملية السرية. وكان منسق حملة التبرعات تلك هي، "جان غوردان كيركباتريك"، سفيرة الولايات المتحدة السابقة لدى الأمم المتحدة. ولتحقيق أهداف سياستيها، الداخلية والخارجية، لم تستخدم وكالة الاستخبارات المركزية إمبراطورية المونيين الصحافية فحسب، بل وظفت كذلك الإمبراطورية الاقتصادية الممتدة في العالم أجمع، والتي تملكها "كنيسة التوحيد". والتي تقف شركة "تونغ 2" الصناعة المحدودة في مركزها، ويرأس هذه الشركة، "سانغ كوان موون"، ويقال أنه شقيق لمؤسس "كنيسة التوحيد".
وتمتلك هذه الشركة فروعًا رئيسة في: "نيويورك وطوكيو ودوسلدورف"، إلى جانب مكاتبها فيما وراء البحار في: "هونغ كونغ وكوالالمبور وسنغافورة وجاكارتا وسيدني وبيونيس إيريس وهاوستون ولوس أنغلوس وسان فرانسيسكو وشيكاغو وتورنتو وفانكوفرت ولندن وميلانو والقاهرة وقبرص".
وفي عام 1983؛ تولى "مانويل أنطونيو نورييغا"، وهو تاجر مخدرات وعميل للوكالة، منصب قائد الحرس الوطني في "بنما"، ورقى نفسه إلى رتبة جنرال، واستولى على الحكم، وكان ذلك كله بمعاونة الوكالة الأميركية، غير أن أمورًا حدثت بعد ذلك قطعت التيار بينه وبين الـ (سي. آي. إيه)، وكانت قصة الذئبة التي تأكل أبناءها. إذ تم اتهامه، عام 1986، بالإبتزاز وتهريب المخدرات وغسيل أموال قذرة، وحكمت عليه إحدى المحاكم الأميركية، عام 1992، بالسجن أربعين سنة.
وبعد ثلاثة سنوات، في عام 1986؛ تم الكشف عن تورط الـ (سي. آي. إيه) في صفقات سرية لبيع أسلحة لإيران، وبترتيب من إدارة "رونالد ريغان"، وبتحويل أموال تلك الصفقة إلى عصابة "الكونترا" المتمردة ضد حكومة "الساندينيستا" في نيكاراغوا. ولم يكن هذا العمل مفتقرًا إلى غطاء رسمي، فقد صرح "ريغان"، عام 1985، قائلًا عن متمردين الكونترا: "إنهم إخوتنا، هؤلاء المقاتلون من أجل الحرية، إنهم المعادل الأخلاقي لآبائنا المؤسسين، وللرجال والنساء الشجعات في المقاومة الفرنسية، ونحن لا نستطيع التخلي عنهم، لأن هذا الصراع ليس صراعًا لليمين ضد اليسار، بل هو صراع للحق ضد الظلم" (2).
سنوات تحضير .. "العفريت"
تكمن أهمية رصد أحداث عقد السبعينيات من القرن الماضي، وما تلاه من عقود، في عدة أوجه ليس من أبرزها أنها تُعد السنوات التي بدأ معها ترنح الاتحاد السوفياتي متجهًا إلى التفكك وتشرذم "الحلم الاشتراكي" مع سقوطه مخليًا بذلك الميدان العالمي للتسيد الأميركي الغربي وهيمنة إيديولوجيته الرأسمالية الشاملة، بل تكمن خطورة دراسة ورصد حقبة السبعينيات، (تبعًا لذلك)، في تمثيلها لإشتعال المشروع الطائفي الأميركي وذروة تطبيقه على الميدان الإقليمي للمنطقة وإستنبات ثمراته، في صُنع الميليشيات الدينية والمذهبية وتكوين الجيوش المخصخصة، لخدمة مصالحها في حربها للقرن تمهيدًا لحربها الجديدة على الإرهاب. بالإضافة إلى ما شهدته نهايات عقد السبعينيات من القرن العشرين من اجتماع "مارغريت تاتشر"، رئيسة الوزراء البريطانية، و"رونالد ريغان"، رئيس الولايات المتحدة، على البدأ في تنفيذ سياستهما النيوليبرالية المتوحشة وإطلاق "مارد" الخصخصة من قمقمه؛ ليلتقي مع "مارد" المشروع الطائفي الأميركي ليملأ باتحادهما - بُعدًا أو قُربًا؛ سرًا أم علانية - المساحة الزمنية الممتدة من "حرب القرن" إلى "الحرب على الإرهاب".
ومن المهم أيضًا - في رأي الباحث - رصد تمثل تلك الذروة للمشروع الأميركي في حدود بقعتين محددتين على خريطة المنطقة، كان البلد الأول هو "لبنان" الذي أستعرت به حرب أهلية في منتصف السبعينيات لتستمر حتى بداية التسعينيات، والبلد الثاني هي "مصر" التي تُعتبر مجتمعًا نموذجي، (لكافة علماء وأكاديمي علوم الاجتماع)، شهد في تلك الحقبة تحولات جذرية، اقتصادية/اجتماعية/ثقافية، نحو الهوس الديني وتبدل إيديولوجيته التقدمية العلمانية، بعد أن قطع شوطًا نسبيًا بها، إلى إيديولوجيات دينية مذهبية مازالت تتنازعه إلى اليوم.
فبرغم تلك التظاهرة الشهيرة التي نظمها الصيادين في مدينة "صيدا" اللبنانية، في مطلع العام 1975، مطالبة بحقوق اقتصادية وطبقية بحتة لصيادي المدينة، والتي كانت شرارة تبعتها تظاهرات واحتجاجات اشتعلت بها مدن ومقاطعات لبنانية أخرى ضد الطائفية "الطبقية" الدينية، (التي حرص عليها الاستعمار الفرنسي وورثها للاستقلال الوطني، عام 1943، بتوزيعاته الطائفية سياسيًا واجتماعيًا)، وتردي أحوال الفقراء، ولكن سرعان ما تحولت إلى حرب أهلية، تدخل فيها عدة أطراف إقليمية ودولية وتستدع إلى الأراضي اللبنانية كبرى الأجهزة الاستخباراتية الدولية بآلياتها وأساليبها العلنية والسرية، تستمر خمسة عشر سنة متواصلة وقد أنتجت 150 ألف قتيل و300 ألف جريح ومعوق و71 ألف مفقود - في أشهر التقديرات الإحصائية - وهجّر بسببها أكثر من مليون نسمة في بلد كان عدد سكانه ثلاثة ملايين، وقتها، ونُزح نحو 600 ألف شخص من 189 بلدة وقرية مسيحية وإسلامية، أي ما يُعادل 21.8% من مجموع السكان، كما قدرت خسائر الحرب المباشرة التي أصابت رأس المال الإنشائي والتجهيزي في القطاعين العام والخاص بنحو 25 مليار دولار أميركي.
وإن كانت تلك خسائر "الحرب الأهلية اللبنانية"، لكنها نجحت في طمس و"قتل" المطالب التقدُمية التي جاءت بها انتفاضة الشعب العربي/اللبناني "الفقير" قبلها بشهور قليلة، وتنتهي "من حيث بدأت.. وكأنها لم تحدث، بخلاف جميع الحروب الأهلية الحاسمة التي عادة ما تنتهي إما بتغيرات حاسمة وجذرية في البلاد التي تجري بها في شؤونها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية وما إلى غيرها، أو تنتهي بتفتيت البلد التي آكلتها الحرب وتتمزق شعبيًا وجغرافيًا، أو تتبدل وتختلف تمامًا؛ فضلاً عن الدمار والحطام الذي تخلفه تلك الحرب، إلا في حالة الحرب اللبنانية الأهلية التي انتهت إلى نفس النقطة التي اندلعت منها !"، على حد توصيف الدكتور "قاسم جعفر"، الباحث والخبير الإستراتيجي اللبناني.
مع التأكيد على ملاحظة أن "الحرب اللبنانبة" لا يمكن - تاريخيًا - اعتبارها بداية إصباغ الشعوب العربية بالعنصرية والطائفية وإرجاعها لسلفياتها المتعددة، بل بدأ "مخطط" الثورة المضادة للرأسمالية العالمية، ممثلًا في "المشروع الأميركي الطائفي" كمنهجية مدروسة في مواجهة "الحركات التقدُمية التحررية" قبل ذلك بسنوات عديدة كلاً على حدا. (3)
أما عن الحالة المصرية، فقد سبق لي الكتابة في آليات "تسريع" دفع الشارع العربي عامة في طريق الطائفية والعنصرية وتزكية النعرات السلفية - سواء قبلية كانت أو دينية أو طائفية أو عنصرية - خلال السبعينيات لقتل وسحق جميع "الحركات التحررية التقدُمية" بمعظم البلدان العربية والنامية، مبينًا أنه تم "تصفية" (ثورة ظفار)، على الحدود العُمانية/اليمنية كمثال. والأهم تفتيت و"سحق" الثورة الفلسطينية المقاومة في "بوتقة" لبنان بعد ضربها في "محرقة" الأردن، استعدادًا لـ"تصفية" القضية "المزمنة" بخلق وضع جديد. في الوقت الذي يُعلن فيه، "صدام حسين"، الحرب لثماني سنوات متواصلة ضد إيران تحت شعارات و"قشرة" دينية !.. وتم رصد حركة دفع الشارع المصري - بصفة خاصة - إلى "هستيريا" الهوس الديني الطائفي، ولأهمية ذلك الرصد - الموجز - أعيد إقتباس بعضًا مما نُشر (معتذرًا) لإستبيان جانب من الأساليب والمقاصد الحركية لتلك "الدفعة القوية" التي نُشطت بقفزاتها الرشيقة عابرة حدود جغرافية المنطقة الشرق أوسطية مهتمة، في شبه مركزية، بالرقعتين اللبنانية والمصرية.. فمن ضمن ما نُشر أنه: (في أعقاب الفضيحة السياسية الأشهر في تاريخ الولايات المتحدة، "ووتر غيت"، والتي إستتبعت تعطُل وشَل أغلب أجهزة استخباراتها المركزية لمدة سنوات، ظهر مقال بتوقيع الصحافي، "جيم هوغلان"، في صحيفة (واشنطن بوست)؛ يُقر بأنه: "أثبتت التحقيقات التي أجراها الكونغرس، عن طريق لجنة برئاسة السناتور، فرانك تشيرش، مع بعض قيادات وكالة المخابرات المركزية الأميركية، أن الملك حسين كان يتلقى أموالاً من المخابرات الأميركية. بينما كان جمال عبدالناصر يُحاول إسقاط النظام السعودي المحافظ في الستينيات، استطاع كمال أدهم، مدير المخابرات السعودية، وضابط الاتصال بينه، (حسين)، وبين المخابرات الأميركية، أن يُجند بحرص السيد السادات، الذي كان نائبًا لرئيس مصر في ذلك الوقت. وفي إحدى المراحل، كان السيد أدهم يزود السادات بدخل شخصي ثابت، وفقًا لما قاله مصدر مطلع رفض الإدلاء بتفصيلات".
(... في نفس التوقيت الموازي أيضًا، للحرب الأهلية اللبنانية خلال النصف الثاني من السبعينيات، وفي مشهد شبه دراماتيكي يدور داخل مبنى مجلس الشعب بالقاهرة، يؤكد الدكتور "صوفي أبوطالب"، رئيس المجلس، من وراء منصته: أن هناك توجيهًا من الرئيس، "المؤمن"، أنور السادات، بجعل الشريعة الإسلامية أساسًا لقوانين الدولة؛ بحيث تُطبق على غير المسلمين. قبل أيام معدودة من ظهور الصحف معلنة عن مشروع قانون مقُدم للمجلس من قِبل الحكومة المصرية عن (أحكام الردة) يقضي بالإعدام شنقًا لمن يخرج عن الدين. وفي تقرير خبري لإحدى المجلات السويدية نشرته على أبرز صفحاتها الداخلية، تقُر فيه بأنه: "استمع أنور السادات إلى نصيحة صديقه المليونير، عثمان أحمد عثمان، وعهد إليه هو والمحافظ، عثمان إسماعيل، بتسليح عدد من المتطرفين المسلمين ليرهب بهم معارضيه ويتقرب إلى التيار الإسلامي بالبلاد. وما أغفله السادات هو أن المدي سلاح ذو حدين".
(وبذكر "عثمان إسماعيل"، مستشار السادات والذي شغل منصب المحافظ لأكثر من محافظة، خلال سنوات عهده، نجد قيادة أمنية في حجم "فؤاد علام"، رئيس جهاز أمن الدولة السابق والعنصر الأمني الذي سبق تخصيصه في ملف الجماعات الدينية، يؤكد في مذكراته بأن: "كان محمد عثمان إسماعيل من الإخوان المسلمين وله صلات وطيدة بقياداتها مثل؛ المرحوم عبدالعظيم لقمة وعمر التلمساني ومصطفى مشهور وغيرهم، ... فقد كان عضوًا قياديًا نشطًا في شُعبة الإخوان في أسيوط.. ونفس الشيء بالنسبة للدكتور محمود جامع، مدير مستشفى المبرة بطنطا، الذي كان عضوًا مهمًا في أحد التنظيمات السرية الإخوانية في الخمسينيات. محمد عثمان إسماعيل لم يُعتقل على ذمة قضايا الإخوان لأننا لم نعتقل سوى أعضاء التنظيمات السرية فقط، أما بقية كشوف الإخوان التي تضم عشرات الآلاف فلم يقترب منها أحد.. أما محمود جامع؛ فقد كان عضوًا في تنظيم سري، ولكن لم يُكتشف أمره.. ولكني علمت ذلك من خلال علاقاتي بالإخوان، كما أنه أعترف لي صراحة بأنه عضو في التنظيم السري، وأنه شارك في اخفاء بعض الإخوان وتهريبهم في منزله سنة 1954، وقت أن كان طالبًا بكلية الطب، ومنهم الدكتور سالم نجم. وهذان الإثنان، «عثمان وجامع»، كلفهما السادات بتشكيل تنظيمات دينية في الجامعة لقمع الحركة الطلابية.. وشكلا ما أسميناه «الأسر الإخوانية».
(ويستطرد "علام" قائلاً: "تم تنفيذ عملية اختراق الإخوان للجامعات دون تنسيق مع الأمن، بل كان هناك حرص على إبعاد مباحث أمن الدولة عن هذه العملية والتمويه حتى لا تعلم شيئًا.. وحدث اجتماع لهم في مقر الاتحاد الاشتراكي حضره، السيد محمد إبراهيم دكروري ومحمد عثمان إسماعيل، وإتخذ القرار السياسي بدعم نشاط الجماعات الدينية ماديًا ومعنويًا.. واستخدمت أموال الاتحاد الاشتراكي في طبع المنشورات وتأجير السيارات وعقد المؤتمرات، وأيضًا في شراء المطاوي والجنازير" (4).
(... ومع العودة للمشهد اللبناني المشتعل في أواخر السبعينيات، نجد صحيفة (الأهرام) المصرية، تُبرز عنوان رئيس يقول: "حسني مبارك، نائب الرئيس، يُعلن أن الشيوعيين هم الذين يُفجرون الأحداث في لبنان، وأنه ليست هناك حركة وطنية وإنما مجرد تغطية لأهداف الشيوعية الدولية". وذلك قبل أسابيع قليلة جدًا من الإجتياح الإسرائيلي للجنوب اللبناني في المعركة التي عُرفت باسم "عملية الليطاني"، (أذار) مارس 1978، والتي كشفت الوثائق والمذكرات لاحقًا الموقف المصري منها، وكان موقفًا موحيًا لطبيعة السوسيولوجية للثورة المضادة التي بدأت تتحكم في ديناميكية المشهد العربي والعالمي في هذا الوقت.
(... يذكر "عيزرا وايزمان"، وزير الدفاع الإسرائيلي أثناء "عملية الليطاني"، في مذكراته المعنونة بـ (معركة السلام): "... ... وبعد دقائق قليلة من إجتياز أول دبابة إسرائيلية حدود جنوب لبنان، دق جرس التليفون في مكتب "إلعازر ريمون"، رئيس وفدنا في القاهرة. وبالرغم من الساعة المتأخرة في الليل صُدرت تعليمات القيادة العامة في تل آبيب إلى، ريمون، للاتصال برئيس المخابرات المصرية - الجنرال شوكت - ليوافيه برسالة هامة، ... ... وأخطر ريمون، شوكت، منذ وقت قصير؛ بدأت قواتنا عملية محدودة على الحدود اللبنانية لإزالة قواعد الإرهابيين من المنطقة، وآمل أن هذه العملية المحدودة لن تًعطل المحادثات بين بلدينا".
(وفي فقرة صريحة وموحية من مذكرات "محمد إبراهيم كامل"، وزير الخارجية المصري، آنذاك؛ يقول: "في صباح اليوم التالي للغزو الإسرائيلي.. اتصلت تليفونيًا بالرئيس السادات في استراحة القناطر الخيرية لأعرض عليه البيان الذي أعددته.. حول العدوان.. إلا أني لم أتمكن من محادثته لأنه كان لايزال نائمًا. وعاودت الاتصال به بعد ذلك عدة مرات في فترات متباعدة دون جدوى.. فبادرت بإصدار البيان دون انتظار رأي السادات فيه إذ كان الموقف مُحرجًا بالنسبة لمصر خاصة أمام العالم العربي...
(وفي الساعة الواحدة والنصف بعد الظهر، اتصل بي السادات تليفونيًا في الوزارة وسألني في صوت ملؤه تثاؤب عن السبب الذي طلبته تليفونيًا من أجله عدة مرات في الصباح، فأجبته بأن الأمر يتعلق بالهجوم الإسرائيلي على لبنان.. فقال السادات ضاحكًا: "وهل أعطوهم العلقة ولا لسه ؟"، ولم يخطر ببالي ما يقصده، فقلت متسائلاً: أفندم ؟، فقال: يعني أدَبوهم وإلا لسه ؟، وفهمت أخيرًا أنه يقصد إن كان قد تم للإسرائيليين تلقين الفلسطينيين درسًا.."). (5).
# # #
واختارت "حرب القرن" الأميركية، ضد السوفيات، بقعة أخرى لصراعها العالمي المقدس.. وكان الاختيار دقيقًا في جبال وصحاري جنوب وسط آسيا داخل حدود "أفغانستان"، التي يصفها المراقبون بأنها أشبه بالجسر الغريب الذي رُصف وتم تهيأته لكي تمشي عليه الفتن وتتحرك عليه المؤامرات، "لأن طبيعته الجبلية، ووديانه شبه المغلقة على نفسها بالقمم العالية، ومناخه القاري والقاسي - يجعله نموذجًا للمطلوب منه، فهو معزول وعازل، مطروق وإن كان بصعوبة - سالك ولكن بشروط، وأهم هذه الشروط هو التوافق مع نفر من أهل البلد الذين يعرفون المداخل والمسالك"، على حد توصيف الصحافي المصري، "محمد حسنين هيكل"، بالإضافة إلى طبيعة سكانه الذين كادت تجمعهم كافة المتناقضات البشرية نظرًا لتنوع واختلاف المشارب القبلية والعرقية والطائفية والمذهبية لهم.
وسط هذا المناخ العام نشطت وكالة الاستخبارات الأميركية مع الاستخبارات المرتبطة بها عضويًا، وعلى رأسها المخابرات الباكستانية والسعودية، في النصف الآخير من عقد السبعينيات، عبر الجسر الأفغاني إلى الجمهوريات الإسلامية جنوب الاتحاد السوفياتي، ظل هذا التفاعل يتسع ويتزايد ويخلق مشكلاته وعقده، ويصنع توتراته وأزماته، حتى أزدحمت الأجواء وضاقت بها سماء "كابول".
نبتة الصحراء .. طازجة حتى اليوم
و"أفغانستان".. بيئة قبلية؛ عملاء؛ طائفية تحت الرماد جاهزة للإثارة؛ وفوق كل هذا فقر مدقع.. كانت بحر من الرمال نموذجي لكي يغرز "الجيش الأحمر" السوفياتي في فخه التاريخي، بفعل فاعل..
في 27 كانون أول/ديسمبر 1979، بعد إجتياح الجيش السوفياتي لأفغانستان بساعات قلائل، قال "زبغنيو برجينسكي"، مستشار "كارتر" للأمن القومي، لرئيسه أثناء اجتماع أعضاء مجلس الأمن القومي: "سيادة الرئيس إن الروس وقعوا في فخ، وتلك فرصتنا كي نرد لهم جميل فيتنام، ولذلك يتعين علينا أن نعمل على سد الطرق أمامهم بحيث تتحول أفغانستان إلى مصيدة لا يخرجون منها إلا بفضيحة تهز هيبة الدولة السوفياتية وتكسر شوكتها".
ولكن فيما بعد تتكشف حقائق أن النشاط الأميركي وأجهزة دولها الحليفة، في "أفغانستان"، لم يكن رد فعل آني على التدخل المباشر للسوفياتي في البلاد، بل سبق ذلك بعدة أشهر، حسب إعتراف "برجينسكي"، بعد ذلك بسنوات، في حواره مع مجلة (لانوفيل أوبسرفاتور) الفرنسية، قائلًا: "إنني يوم 3 (تموز) يوليه سنة 1979 عملت على إصدار توجيه رئاسي من "كارتر" بتقديم كل المساعدات الممكنة إلى العناصر المعادية للسوفيات في كابول، وفي ذلك اليوم كتبت للرئيس مذكرة قلت فيها: "إن موقف السوفيات يزداد صعوبة في أفغانستان مع كل يوم، وأعتقد إننا إذا رفعنا الضغط درجة، فأعتقادي أن الاتحاد السوفياتي سوف يُرغم على التدخل عسكريًا ومباشرة في أفغانستان".
وبما أن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تظهر فاعلًا رئيسًا في النشاط العسكري المعادي للسوفيات في أفغانستان، (بعد إجتياح الدبابة السوفياتية للأراضي الأفغانية) - حتى لا يؤدي ذلك إلى صدام مسلح بين القوتين - فإن عليها، (الولايات المتحدة)، أن تجد قيادة بديلة لهذه الحرب الخفية في أفغانستان، ولابد أن تكون لهذه القيادة أهلية تُعطيها نوعًا من مشروعية "التدخل عمليًا" ضد السوفيات في أفغانستان. وهي: "المقاومة الإسلامية" التي يجب أن تتسلح بسلاح يُفضل أن يكون سوفياتي الصُنع حتى يُصعب اتهام الولايات المتحدة بأنها مصدره، وذلك يعطيها فرصة أن تقول للسوفيات إذا سألوها، إن هذا سلاح سوفياتي تحصل عليه المقاومة الإسلامية من الاتحاد السوفياتي أو قواته في أفغانستان.. والأطراف الحليفة، (أصابع اللعبة)، متأهبة تحت أدوارها الحاضرة: "السعودية" جاهزة لهذا الدور إذا وجدت تشجيعًا عليه؛ لأن "الثورة الإيرانية" جرت قلقًا إسلاميًا في المملكة وتظهر في وسطه قيادات متشددة من الوهابيين الذين علا صوتهم بالنقد لتصرفات الأسرة الحاكمة في ثروة المملكة، (جاء الغزو الروسي لأفغانستان بعد حوالي ثلاثة أسابيع فقط من "انتفاضة الحرم المكي"، والواقع أنه دعمًا لهذه الأنشطة أصدر مفتي المملكة العربية السعودية فتوى محتواها أن الجهاد في أفغانستان يُعتبر: "فرض كفاية")، كذلك فإن الثورة الإيرانية كان لها ردود فعل في المناطق الشرقية من المملكة؛ وهي مناطق شيعية المذهب وعلاقتها بالنظام من الأصل متوترة. ودور العربية السعودية الرئيس يُبرز في توفير الدعم المالي؛ بالإضافة إلى الغطاء الإيديولوجي المتمثل في فكرها الوهابي الجاهز للتصدير في أي وقت.
و"مصر" يمكن إقناعها بأن تقدم سندًا قويًا للسعودية في "تدخل إسلامي معادٍ للسوفيات في أفغانستان"، والرئيس "أنور السادات" متحفز في أي وقت للعمل ضد الاتحاد السوفياتي؛ وهو بالفعل منهمك في نشاطات متنوعة في هذا الإتجاه بموجب اتفاق "نادي السافاري"، الذي يضم "السعودية - والمغرب - وإيران (قبل ثوة الخميني) - ومصر - وفرنسا"، ومع أن تجمع "السافاري" يُركز نشاطه على إفريقيا - فإنه ليس صعبًا إقناع الرئيس السادات بفتح جبهة أخرى لهذا النشاط يقوم عليها عمل جهادي ضد السوفيات في أفغانستان. وعليها بجانب الدعم السياسي المُعلن، توفير السلاح الروسي الفائض عن حاجتها، بعد تحول عقيدتها العسكرية للسلاح الأميركي والغربي، والمتخلف لديها من فائض حروبها السابقة، بالإضافة إلى مساهمتها في توفير مقاتلين من الشباب الأشداء المدربين الفائضين أيضًا على مخزون "بطالة" يتراكم يومًا بعد يوم نتيجة تحولات اقتصادية تعصف بهم، وتحميلهم برسالة "إلهية" ملتهبة وسط تجريف متعمد للثقافة والوعي الجمعي.
لذا فلم يُبذل "برجنيسكي" كثيرًا من الجهد، أثناء جولته المكوكية لثلاث عواصم، "الرياض والقاهرة وإسلام آباد"؛ حينما وصلها لكي يقوي موقف الحكومة الباكستانية بموارد "السعودية" ونفوذها - وبثقل "مصر" ووسائلها - حتى تثق أنها سوف تكون وسط "عمل إسلامي" يلتف فيه من حولها ويجمع على أرضها قوى الإسلام وإمكانياتها (6).
وبحسب "جين وهيك"، في كتابه (عندما تتصادم العوالم)، فقد شارك في الحرب ضد السوفيات على الأراضي الأفغانية ما بين 250 ألف و300 ألف متطوع مسلم، تحت إشراف مدير وكالة الاستخبارات المركزية في تلك الفترة، "وليام كيسي" William Casey، كان من بينهم 35 ألف إسلاميون متشددون وحوالي 25 ألف "عرب أفغان"، وهي فرقة متعددة الجنسيات من ثلاثة وأربعين بلدًا مختلفًا، ولعل وصف مدير المكتب الأفغاني لجهاز الاستخبارات الباكستانية، البريغادير "محمد يوسف"، هو أفضل ما يمكن أن يُعبر عن تلك العملية، حيث يقول: "كانت مهمة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في أفغانستان هي شراء الأسلحة والمعدات ونقلها إلى باكستان، وتوفير الأموال لشراء المركبات والنقل داخل باكستان وأفغانستان، وتدريب المعلمين الباكستانيين على أنظمة الأسلحة والمعدات الجديدة، وتوفير خرائط الأقمار الصناعية والصور الفوتوغرافية من أجل التخطيط العملياتي، وتوفير كل معدات اللاسلكي والتدريب ـ وتقديم المشورة بشأن الأمور التقنية عند طلبها. وكان التخطيط كله الخاص بالحرب، وكل أنواع تدريب المجاهدين، وتخصيص الأسلحة والإمدادات وتوزيعها مسؤولية جهاز الاستخبارات الباكستاني وحده".
ومن الوقائع الغريبة التي رصدها عميد الصحافيين الباكستانيين، "أحمد رشيد"، وحدثت باسم الإسلام في تلك الفترة، (كطقوس تعميدية لخوض حروب الجهاد المقدس)، أن زعماء القبائل والمليشيات الأفغانية الذين جرى أعتمادهم قادة للجهاد، وقع تنصيبهم "للحرب المقدسة" بإجراءات أقترحها أحد "الخبراء"، (من مستشرقي وكالة المخابرات المركزية على الأرجح)، وكانت مراسم هذه الإجراءات تقضي بأن يُفتح باب "الكعبة" للقائد المرشح، ثم يدخل الرجل منه إلى "قدس الأقداس"، فيؤدي الصلاة أمام كل جدار من جدران الكعبة، باعتبار أن كل ناحية من داخل الكعبة "قِبلة"؛ ثم يخرج الرجل وقد وقع ترسيمه "أميرًا" للجهاد ضد الإلحاد (7).
أما عن التمويل فقد تم الاتفاق على أن يكون بتمويل مشترك وبالتساوي بين "الولايات المتحدة الأميركية" و"المملكة العربية السعودية" عن طريق صندوق دوار، يتأسس في "جنيف" بمبلغ قدره ألف مليون دولار يتجدد تلقائيًا بمقدار ما يُصرف منه.
ولكن نتيجة تغيير الإدارات داخل "البيت الأبيض"، في تشرين ثان/نوفمبر 1980، وبعد تسلم ملفات المهمة لإدارة الرئيس "ريغان"، من فريق سلفه "كارتر"، ضمن ملفات جميع المهام والنشاطات الأخرى، لم تدفع المخابرات الأميركية حصتها بالكامل في الصندوق المشترك مع السعودية لدعم "الجهاد الأفغاني"، بل كان ما دفعته أقل من نصف ما تعهدت به، مع إنها هي التي أقترحت حجم الصندوق شراكة متساوية مع المملكة العربية السعودية - وأما "الرياض" فقد دفعت نصيبها وزيادة، سواء في مبالغ جرى إنفاقها داخل المملكة وبينها الصرف على زعماء سياسيين أفغان زاروها لبحث "أمور الجهاد"، أو طلبوا مساعدات عاجلة يصعب عليهم انتظار "صندوق جنيف" عندما يقررها. وكانت السعودية بالإضافة إلى ذلك قد أنشأت ما أسمي بـ"مكتب الخدمات العامة"، بحيث يكون - وليس المخابرات - واجهة الترتيب والتنظيم والمتابعة. وكانت مهمة هذا المكتب أن يُنظم الدعوة ويستقبل المتطوعين ويُرتب إقامتهم في "السعودية"، حتى تتم إجراءات إلحاقهم بصفوف المجاهدين، وأهم هذه الإجراءات، سحب جوازات سفرهم الأصلية وتزويدهم بـ"بطاقات خدمة" معها تصريحات "مرور خاصة" تُمكنهم من السفر إلى باكستان والوصول إلى "بيشاور"، حيث يتولاهم هناك فرع أمامي لـ"مكتب الخدمات العامة" مهمته توزيعهم على "مواقع الجهاد" التي تكون قيادتها في حاجة إليهم.
وجاء الفرج لإدارة "ريغان" بشأن توفير نصيب "أميركا" في "الجهاد الأفغاني"، دون أن يُكلف دافع الضرائب الأميركي بنسًا واحدًا، على يدِ الكونت "إلكسندر دي ميرانش"، رئيس المخابرات الفرنسية الخاريجة، (SDESE)، حينما اقترح على ريغان، (طبقًا لحديث صحافي نشرته مجلة "تايم" في عددها بتاريخ 13 حزيران/يونيو 1992)، الاستفادة من مخزون المضبوطات المصادرة بمعرفة الوكالة المختصة بتنفيذ قانون مكافحة الإدمان (DEA)؛ أو مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)؛ أو هيئة الجمارك (FCA)، من المخدرات ولا يقوموا بإعدامها حرقًا، كما المتعارف عليه قانونًا، وأن يعملوا على توصيل جزء منها إلى معسكرات الجيش السوفياتي في "أفغانستان" لنشر الإدمان في صفوف رجاله؛ لأن ذلك يتكفل بإنهاك القوى القتالية لجنوده. ودعا "دي ميرانش"، "ريغان"، إلى تخصيص باقي مضبوطات المخدرات - بعدما يجري تسريبها إلى معسكرات الجيش السوفياتي في أفغانستان - بحيث يجد طريقه إلى الأسواق (العالمية) ويُعاد بيعه عن طريق "شبكات أهلية"، ويكون من عائده فائضًا يدفع نصيب الولايات المتحدة في "الجهاد الأفغاني". وبحسب الصحافي الأميركي، "جون كولي"، في كتابه (الحروب غير المقدسة: أفغانستان، أميركا، والإرهاب الدولي)، فقد وصف "ريغان" ذلك الاقتراح: بـ"هذه فكرة عظيمة A Great Idea" (8).
كما يُعتبر من مفارقات تلك الحرب أيضًا، أن السلاح الأميركي الوحيد الذي وصل إلى أيدي المجاهدين في "أفغانستان" هو الصاروخ المتقدم ضد الطائرات من طراز (ستنغر)، وقد "باعت" منه وزارة الدفاع الأميركية إلى "صندوق الجهاد الإسلامي" في أفغانستان 900 صاروخ - ثم راجت شائعات بأن مجموعة من هذه الصواريخ وقعت في يد "إيران"؛ أو على الأقل معروضة عليها للبيع. وسارعت وكالة المخابرات المركزية تشتري من قادة الجهاد ما وصل إلى أيدي رجالهم من صواريخ (ستنغر)، وكانت الوكالة الآن تطلب استعادة كل صاروخ منها بما يوازي خمس مرات سعر بيعه الأصلي. وتمكنت الوكالة من استعادة 260 صاروخًا، وما بقي منها من ساحة الجهاد بعد ذلك جرى اعتباره مفقودًا مع تعهدات من القادة بأنه إذا ظهر من هذه الصواريخ شيء، فالاستعداد لشرائها - وبالسعر الأعلى - مازال قائمًا، والظاهر أن "إيران" كانت قد حصلت بالفعل على بضع عشرات من صواريخ (ستنغر)، والراجح في "أسواق السلاح" أنها قامت بتصنيع نموذج إيراني له، دخل إلى الخدمة العاملة في قوات "الحرس الثوري" !
ثم كان الأغرب ما سجله "جون كولي" أيضًا، وهو أن "إسرائيل" عرضت على وكالة المخابرات المركزية الأميركية كمية من السلاح السوفياتي، قالت أنها أستولت عليه أثناء حروبها مع الجيوش العربية، وقبضت إسرائيل ثمن هذه الأسلحة من "الصندوق المشترك لدعم الجهاد الإسلامي" في أفغاستان.
ولـ"المخدرات" مع "أفغانستان" تاريخ سرعان ما دخله "مجاهدي الإلحاد" على أرضها، فهي من أصل بلدين لهما النصيب الأكبر عالميُا في زراعة وصناعة "الأفيون"، بعد "بورما"، وطبقًا لـ"أحمد رشيد"، فإن إنتاج أفغانستان من الأفيون، (وقتها)، كان يصل سنويًا إلى ما بين 2200 - 2400 طن، وذلك تقدير "الأمم المتحدة". (وقد زاد هذا الإنتاج عدة مرات تحت ضغط "مطالب الجهاد"؛ حتى أصبح يُضخ في اقتصاد أفغانستان سنويًا ما يزيد على ستة بلايين دولار سنويًا، هي عماد اقتصاد البلد، وأهم مورد للثروة فيه). وكانت زراعة "الخشخاش" وصناعة وتقطير "الأفيون" من زهرها وثمرها هي شاغل معظم زعماء القبائل والعشائر الأفغانية، وعندما أصبح هؤلاء الزعماء في مقدمة صفوف "الجهاد"، فإن كل واحد منهم حاول أن يبني مليشيا مسلحة تتناسب مع مقامه؛ قبل أن يتقدم في طلب نصيبه من "الصندوق المشترك لمساعدة المجاهدين" في أفغانستان.
وفي مرحلة لاحقة، (مرحلة طالبان)، وعندما أصبح للحرب في أفغانستان قادة للجهاد لا يملكون أرضًا ولا زرعًا ولا معامل تقطير، فإن هؤلاء القادة وجدوا لأنفسهم مكانًا على الخريطة حين أمسك كل منهم بمدخل طريق أو تقاطع طرق، ثم أقام هناك حاجزًا يُنظم مرور شحنات "الأفيوم" ويسمح بها مقابل رسوم.
ويستعين "أحمد رشيد"، في كتابه، بتقارير لـ"منظمة مكافحة المخدرات"، التابعة للأمم المتحدة، وفيها تقرير يقول: "لقد حدث ما يُشبه الانفجار في تجارة المخدرات القادمة من أفغانستان، لأن ما متوسطه 70% من حجم المخدرات المتداولة في العالم أصبح يجيء من هذه المنطقة، وهناك أدلة قاطعة على وجود صلة بين القائمين بهذه العمليات وبين عناصر نافذة في الإدارات الرسمية لأكثر من حكومة".
ويرى "رشيد" أن الإشارة واضحة هنا إلى "المخابرات المركزية الأميركية" و"المخابرات العسكرية الباكستانية"، ويورد نماذج واقعية اضطرت فيها السلطات الباكستانية - تحت ضغوط دولية - إلى التبرؤ من عمليات "الأفيون" ونقل بعض ضباطها الذين أشارت إليهم تقارير "الأمم المتحدة" بالاسم إلى مواقع أخرى.
ويزيد كتاب (طالبان) بالوقائع والأسماء؛ كيف أن بعض ضباط مكاتب مكافحة المخدرات، التابعة للأمم المتحدة، في "بيشاور"، اضطروا إلى الاستقالة من وظائفهم كنوع من الاحتجاج؛ لأنهم اكتشفوا أن "المخابرات المركزية الأميركية" و"المخابرات العسكرية الباكستانية" تُعرقل جهودهم.
وطوال حقبة الثمانينيات كانت أموال "الجهاد ضد الإلحاد" في أفغانستان تتدفق سيلًا في العالم العربي، فالمصادر أصبحت سخية والحسابات طرية والفرص مفتوحة على الآخر لمن يستطيع الوصول والدخول. والشاهد أن ثروات هائلة، (بالملايين وعشرات الملايين ومئات الملايين)، تحققت لأصحابها في هذه الفترة في "السعودية ولبنان والأردن والمغرب ومصر"، والأساس فيها "فيض الخير" من "أموال الجهاد" في أفغانستان.
وتجمع العديد من الدراسات والتحقيقات الاستقصائية على أن "الجهاد" في أفغانستان تكلف ما بين 12 إلى 14 بليون دولار، وذلك حساب "الصندوق المشترك الدوار"، الذي كانت السعودية والمخابرات المركزية الأميركية تصرفان منه. لكن الموارد الإضافية الطارئة أضافت إلى ذلك المبلغ أضعافه، إذ يُقدر "أحمد رشيد"، في كتابه (طالبان)؛ أن "ما صُرف في هذه الحرب يُقدر بمبلغ 45 مليار دولار"، وتلك ثروة عصية حتى على القانون، وبالفعل فإن هذه الثروة فلكية أطاحت ببنك "الإعتماد والتجارة"، بعد أن قام لسنوات طويلة بدور "الممر المالي" الظاهر لأموال "الجهاد الإسلامي" في أفغانستان.
وفي وقت من الأوقات، ما بين سنة 1984 - 1987، أدى وجود هذه الجماعات من الشباب المصري وغيرهم من السعوديين والجزائريين والسوريين والسودانيين والفلسطينيين؛ إلى تزايد واضح في عمليات الهجوم وترتيب الكمائن وبث الألغام ضد القوات السوفياتية، لكن جزءًا من هذه العمليات لم يكن جهادًا خالصًا "لثوابه"، والشاهد واقعة شديدة الأهمية جرت في ذلك الوقت، فقد حدث أن نجاح بعض العمليات ضد السوفيات دعا عناصر من الجهاد إلى طلبات تقدموا بها إلى قادتهم، وفيها ما يتعلق بمستقبلهم بعد إنتهاء مهمتهم في أفغانستان، وعندما تأخر الرد عليهم قاموا بنوع من الإضراب "توقفوا فيه عن الجهاد"، حتى حضر إليهم ممثل رسمي للمخابرات المركزية الأميركية، وعقد اجتماعًا مع بعض قادة الفصائل، وأعلن أمامهم، باسم حكومته، أن هناك 2000 موافقة على منح الجنسية الأميركية، (بكل إمتيازاتها)، لأكفأ العناصر في تأدية مهام الجهاد، وبالفعل فإن مندوب الوكالة في هذه المناسبة أعلن عن قرب تسليم أول دفعة من البطاقات الخضراء (Green Card) - وهي البطاقة التي تُمهد للمواطنة الأميركية الكاملة - للأكثر إستحقاقًا بين "المجاهدين". ومن المفارقات أن واحدًا من الذين حصلوا على "البطاقة الخضراء" في هذه المناسبة كان، الشيخ "عمر عبدالرحمن"، مفتي جماعات الجهاد المصرية، الذي تكررت زياراته لبيشاور وعلا صوته فيها كثيرًا يُحث ويُحرض على الجهاد.
وعلى هامش معمعان الحرب المقدسة، التي دارت على الأراضي الأفغانية تحت إشراف وكالة الاستخبارات المركزية، ضمن "حرب القرن" التي تخوضها ضد السوفيات، بدأت بذور آليات توليد "دوافع" حربها على "الإرهاب"، التي سوف تُشكل خرائط وتُغير مواقع وتُبدل أفكار وعقائد كثيرة عالميًا في المساحة الزمنية الواصلة بين فترة الجهاد الأفغاني وحتى يومنا هذا.. فقد ظلت واشنطن، لفترة طويلة، تنظر إلى "الوهابية" كحليف مهم في اللعبة الكبرى التي تخوضها ضد القطب الشيوعي، ومن أجل تعزيز الدعم السعودي لجأت الولايات المتحدة الأميركية إلى خطوة هامة تمثلت في تجنيد طالب سعودي ثري تربطه صلات بالعائلة الملكية هو، "أسامة بن لادن"، من أجل تمويل التمرد في أفغانستان والإشراف عليه (9).
في إحدى لقاءاته المتلفزة يُصرح "أسامة بن لادن"، قائلًا: "لمواجهة الروس الكفار، أختارني السعوديون ممثلًا لهم في أفغانستان ... وبذلك أستقريت في أفغانستان في منطقة الحدود الأفغانية. وهناك أستقبلت المتطوعين الذين جاءوا من المملكة العربية السعودية ومن كل أنحاء العالمين العربي والإسلامي. وبعد ذلك أقمت أول معسكراتي؛ حيث كان يُدرب هؤلاء المتطوعين ضباط باكستانيون وأميركيون، وكانت الأسلحة يوفرها الأميركيون، بينما يوفر السعوديون المال" (10).
ويقول "رابح زاوي"، الباحث في الإستراتيجيات الأمنية، إذا كان تحالف الإسلاميين ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في أفغانستان قصة معروفة، فما لا يعرفه كثيرون أن بريطانيا والولايات المتحدة هما من سهلا لاحقًا إيفاد كثير من هؤلاء المجاهدين للمشاركة في حروب البلقان وجمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق في آسيا الوسطى، والمناطق الإسلامية في الصين، بدعم سخي من حليفهم الغني، "السعودية"، التي كانت أيضًا الممول الرئيس لحرب إدارة "ريغان" السرية لدعم المجالس العسكرية القمعية في "أميركا اللاتينية"، مقابل أن تُغض "أميركا" الطرف عن جهودها في نشر المذهب الوهابي؛ الذي تعتبره المملكة أحد أسلحتها لمواجهة دعوات الإصلاح وتداول السلطة في الداخل.
وفي كتابه (لعبة الشيطان.. كيف أطلقت أميركا الأصولية الإسلامية)، الصادر عام 2006، يتحدث مؤلفه "روبرت دريفوس"، عن وجود فصل غير مكتوب في تاريخ الحرب الباردة، يتناول خطة الولايات المتحدة الأميركية المجهولة لدعم وتمويل - سرًا وأحيانًا علنًا - الإسلاميين المتشددين، هذه الخطة المجهولة، التي نُفذت على مدار ستة عقود، مسؤولة جزئيًا عن ظهور الإرهاب الإسلامي كظاهرة في جميع أنحاء العالم، بل إن الإمبراطورية الأميركية في الشرق مصممة وتقوم على عدة دعائم إحداها "الإسلام السياسي".
ويبرر "روبرت مالي"، مستشار سابق للرئيس الأميركي للشؤون العربية الإسرائيلية بين أعوام 1998 و2001، هذا التحالف في دراسة له بعنوان: (ليست ثورة)، بأن: "الإسلاميين جاهزون دائمًا بصفقة يرونها مرضية للغرب: المساعدات الاقتصادية والدعم السياسي من الغرب، مقابل عدم تهديد ما يعتقدون إنها مصالح غربية أساسية، أي الاستقرار الإقليمي، والحفاظ على السلام مع إسرائيل، ومكافحة الإرهاب، وتدفق الطاقة، وعدم شن أي حروب تجارية، والمواجهة مع الدولة اليهودية يمكن أن تنتظر، ففي مخططات الإسلاميين لا وجود لدولة يهودية لكن مشكلة إسرائيل ستظل دائمًا آخر قرار يتخذه الإسلاميون، بل يمكن ألا يتخذه أحد أبدًا".
وهذا الدعم اللامحدود للجماعات الإرهابية لا يتوقف في كثير من الأحيان عند أميركا والدول الغربية وحدهما، ولكن حتى بعض الدول العربية تقوم بدعم مثل تلك الأنشطة وتوجيهها في كثير من الأحيان، حيث كتب "باتريك كوكبيرن" في صحيفة (الإندبيندنت) البريطانية؛ تحت عنوان: (أصدقاؤنا السعوديون يمولون القتل الجماعي في الشرق الأوسط !)، تناول لعب السعوديون دور أساس في تأسيس جماعات تكفيرية؛ وفي الحفاظ عليها لأكثر من ثلاثين سنة، كما أشار إلى أن "السعودية" دربت جيشًا من السُنة يبلغ تعداده من 40 إلى 50 ألف مقاتل لمواجهة الشيعة في المنطقة، ويُشير الكاتب نفسه إلى أن الأميركيين قاوموا بشدة فرض ضغوط على السعوديين لوقف تمويل التكفيريين؛ لأن هدف الغالبية العظمى من التكفيريين هو "الطائفة الشيعية" وليس الولايات المتحدة (11).
حتى "برنارد سكاوارسيني"؛ الرئيس السابق للإدارة المركزية للاستخبارات الفرنسية الداخلية، في كتابه الحامل لعنوان: (الاستخبارات الفرنسية: الرهانات الجديدة)، أشار فيه؛ وبتحليل مستفيض إلى الأدوار السعودية والقطرية، حيث تولى "بندر بن سلطان"، رئيس جهاز المخابرات السعودية السابق، عملية دعم الجماعات التكفيرية، في قوس الأزمات الممتد من "أفغانستان فالمتوسط السوري-اللبناني، مصر، شمال إفريقيا". فدولة قطر، الشريك التجاري والسياسي الكبير لفرنسا؛ متهمة بتمويل وتسليح الجماعات المقاتلة في إفريقيا، ضد الجيش الفرنسي، وهي تستخدم الجمعيات غير الحكومية، لإخفاء وتمرير الدعم اللوجيستي وتجنيد وتدريب الجماعات التكفيرية.
و"إيف بوني"، الرئيس السابق لنفس المخابرات، أشار إلى نفس الدور لكل من "قطر" و"السعودية"؛ في عملية تمويل التكفيريين في كل من "سوريا والجزائر وتونس" وحتى "مالي".
وكان ساسة بريطانيا يعتبرون الإسلاميين مفيدين من خمسة أوجه، أولها تقويض العلمانية والتيارات القومية في العالم العربي وجنوب آسيا، وثانيها استخدامهم كـ"قوات صاعقة" لزعزعة استقرار الحكومات المناوئة، وثالثها العمل عند الضرورة كقوات عسكرية لخوض حروب نيابة عنها؛ كما حدث في "إندونيسيا" في الخمسينيات، و"أفغانستان" في الثمانينيات، ورابعها استخدامهم كـ"أدوات سياسية" لإحداث التغييرات من جانب الحكومات المستهدفة، مثل "إيران"، ضد "محمد مصدق" عام 1953، وخامسها تقويض النظم القومية والعلمانية ودعم الأنظمة الموالية للغرب، خصوصًا في "السعودية" و"باكستان".
كما لا يمكن بأي حال من الأحوال عدم الإشارة إلى أحدث التنظيمات الإرهابية الموجودة حاليًا، والتي تمثل مستوى "الذروة"، (من عدة أوجه أبرزها، في إعتقادنا، جانبها "الدعائي" الذي حرصت عليه في "تصدير" صور التوحش والتفنن في طرق القتل والسحل وتقطيع الأوصال وإمتهان الجسد البشري، الذي ورثته من خبرات المخابرات الباكستانية والمجاهدين في فترة الجهاد ضد الإلحاد في أفغانستان، بما يُرجع الذهنية الجمعية للعالم إلى العصور الوسطى، المملوكية والعثمانية والأوروبية، وتصويره ونشره بأحدث طرق النشر والدعاية باثة رسائل محددة)، والمقصود هنا "تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام"، أو ما يُعرف إعلاميًا بـ (داعش) كإختصار للتسمية السابقة، فهذا التنظيم الذي نما مثل الفطر بعد يوم ممطر، حيث لم يمضي على بروزه كقوة مهددة للاستقرار في منطقة الشرق الأوسط؛ سوى أشهر معدودة حتى لا نقول سنوات، ومما يثير الإنتباه أكثر هو القدرة التنظيمية والجاهزية القتالية لعناصره، وكذا القدرات اللوجيستية التي يحوزها والتي سمحت له بالإتساع والتمدد في المنطقة، مما دفع بالمجتمع الدولي إلى التحرك والعمل على ما أطلق عليه تسمية "التحالف الدولي" من أجل مجابهته والتصدي له، بحسب ملاحظات "رابح زاوي".
الشيء الملاحظ؛ وإنطلاقًا من تقارير رسمية للإدارة الأميركية أن أمير "تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام"، (داعش)، "أبوبكر البغدادي"، قد سبق اعتقاله من قِبل القوات الأميركية، في وقت سابق من عام 2004، وكان يمكث في سجن معسكر "بوكا"، ولكن تم الإفراج عنه في وقت لاحق، من عام 2009، في ظل إدارة الرئيس الأميركي، "باراك أوباما".
ومما يؤكد هذا التوجه هو تصريحات الموظف السابق في وكالة الأمن القومي الأميركية، "إدوارد سنودن"، من أن وكالة الاستخبارات الأميركية، وبالتعاون مع نظيرتيها البريطانية ومعهد الاستخبارات والمهمات الخاصة لـ"الموساد" الإسرائيلي؛ مهدت لظهور "تنظيم دولة العراق والشام"، المعروفة بـ"داعش"، حيث أكد على تعاون أجهزة الاستخبارات الثلاث على إيجاد تنظيم إرهابي قادر على استقطاب المتطرفين من جميع أنحاء العالم في مكان واحد، في عملية يُرمز لها بـ"عش الدبابير"، وهي خطة بريطانية قديمة لحماية "إسرائيل"، تقضي بإنشاء تنظيم شعاراته إسلامية يتكون من مجموعة من الأحكام المتطرفة التي ترفض أي فكر آخر أو منافس له.
كما كشفت تسريبات عن موقع (ذي إنترسيبت): "أن البغدادي خضع لدورة مكثفة استمرت عام كامل خضع فيها لتدريب عسكري على أيدي عناصر في الموساد، بالإضافة لتلقيه دورات في فن الخطابة ودروس في علم اللاهوت".
والمتابع لشبكة التنظيمات الإرهابية، والتي يحتل "داعش" بينها صدارة الأسد، وما تشهده ميادين المنطقة من عمليات كر وفر، يلحظ أن استمرار العمليات العسكرية في المنطقة يبقى على نقاط التقاطع الحاصلة على مستوى السياسة الخارجية لكل من "الولايات المتحدة الأميركية" و"بريطانيا"، إلى جانب كل من "السعودية" و"قطر" و"تركيا" وغيرهم، فالأهداف التي يتعقبها "تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام" تتوافق مع توجهات السياسة الخارجية لتلك الدول ومصالحها الداخلية. كما لا يمكن تجاهل الدور الذي يقوم به الإعلام الغربي في كل من "بريطانيا" و"الولايات المتحدة الأميركية" وغيرهما، من التركيز على تصوير بعض الأنظمة العربية، وغيرها من الأنظمة غير الطيعة أو المهادنة، في المنطقة في صورة النظام الديكتاتوري المضطهد لشعبه.
.........................................................................
(1) صلاح نصر - (الحرب النفسية.. معركة الكلمة والمعتقد) - دار القاهرة للطباعة والنشر - الجزء الأول 1967.
(2) مجموعة مؤلفين - (الدين: الدم والبارود في التوظيف الاستخباراتي للجماعات الإسلامية المسلحة في الشرق الأوسط) - ابن النديم للنشر والتوزيع ودار الروافد الثقافية-ناشرون - 2017.
(3) خدمة للمصالح الأميركية، والتي كانت ومازالت من أبرزها استيعاب وتذويب الدولة الصهيونية في نسيج الرقعة العربية، كما قال "بن غوريون": "مصلحتنا في أن تكون في المنطقة دول طائفية عدة لتُبرر وجود إسرائيل".. وفي بداية عام 1978، وقبل أسابيع من إجتياح إسرائيل للجنوب اللبناني، على هامش الحرب الأهلية اللبنانية وتحت ستارها، والتي مازالت في سنواتها الأولى، تُظهر صحيفة (دافار) الإسرائيلية في مكان بارز منها تصريح هام لـ"إيغال آلون"، صاحب نظرية الأمن الإسرائيلي الشهيرة وعضو لجنة الأمن والخارجية بالكنيست واللجنة العليا المختصة بلبنان، آنذاك، يقول: "لقد أحرق لهيب الحرب الأهلية في لبنان الفكرة الخيالية لمنظمة التحرير بشأن تصفية إسرائيل عن طريق إقامة الدولة العلمانية الديمقراطية، العربية اليهودية، التي ستحل محل إسرائيل".
(4) فؤاد علام - (الإخوان.. وأنا) - الطبعة الأولى 1996 - المكتب المصري الحديث للطباعة والنشر.
(5) لمزيد من التفصيل، يُرجى مراجعة، محمد البسفي - (البحث في جذور "السيسي" التاريخية ! 3.. "داعشوفوبيا" .. لإجهاض الثورات !) - الحوار المتمدن - العدد: 5055 - 2016/1/25 - تاريخ الإطلاع: 27/02/2020 على الرابط : http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=502239&r=0
(6) محمد حسنين هيكل - (الزمن الأميركي: من نيويورك إلى كابول" - المصرية للنشر العربي والدولي - الطبعة الرابعة حزيران/يونيو 2003.
(7) أحمد رشيد - (طالبان: الإسلام والنفط والصراع الكبير في وسط آسيا)، وقد ظهر هذا الكتاب ونُشر في لندن لأول مرة سنة 2000، ثم أعيد نشره من جديد ثلاث طبعات سنة 2001.
(8) جون كولي - (الحروب غير المقدسة: أفغانستان، أميركا، والإرهاب الدولي) - الطبعة الثالثة 2001.
(9) نسيم بلهول - (العقيدة السلفية القتالية الجهادية من الجهاد السلفي الإقليمي إلى الأممية السلفية الجهادية) - الجزائر - ابن النديم للنشر والتوزيع - بيروت - دار الروافد الثقافية-ناشرون، 2013.
(10) جين وهيك - (عندما تتصادم العوالم) - ترجمة: أحمد محمود – أبوظبي - دار كلمة، 2010.
(11) رابح زاوي - (الإرهاب.. بين العنف المتعمد والموجه: رمد الاستخبارت الغربية)، ورقة بحثية نشرت ضمن أوراق كتاب (الدين: الدم والبارود ... )، مصدر سابق.



#محمد_البسفي (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة اللبنانية د. عايدة الجوهري حول مشروع الدولة المدنية العلمانية وأوضاع المرأة في لبنان
حوار مع د.سامي الذيب حول الأديان ومعتقداته الدينية وطبعته العربية وترجماته للقرآن والقضية الفلسطينية


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- انتفاضات تائهة .. أم ثورات ملونة ؟ (2) .. ثورة مضادة بألف وج ...
- انتفاضات تائهة .. أم ثورات ملونة ؟ (1) .. مانفيستو إجهاض أهد ...
- في رحاب -السيد- .. القادم إلى البيت الأبيض ! (2)
- في رحاب -السيد- .. القادم إلى البيت الأبيض ! (1)
- الحرب بالوكالة وخصخصة الجيوش !
- -يوم الدين- .. مساحة انتصار الهوية على مجتمع بلا ملامح !
- الرقص على إيقاعات -السيد- !
- ال (CIA) بين الهيمنة والتحالف !
- الدولة .. العمق الصلب !
- -الهرم الأمني- سر القدر المُسيطر !
- مواقع التواصل الاجتماعي توؤد ذاكرة الشعوب !
- العولمة تصنع تاريخ ال (تيك آواي) !
- تحت السيطرة العنكبوتية !
- الكورونا .. بداية أخرى للتاريخ !
- من يكتب التاريخ ؟
- أحاديث العولمة .. -د. أحمد الخميسي- يٌشرَح جدلية العلاقة بين ...
- أحاديث العولمة .. -رضا خالد- يكشف جدلية رد فعل -داعش- أمام ق ...
- أحاديث العولمة .. -محمد حلمي هلال- : أدرك منظرو العولمة بأقت ...
- رسائل اجتماعية .. في الدراما الرمضانية !
- أحاديث العولمة .. -د. محمد دوير- : النيوليبرالية مرحلة أكثر ...


المزيد.....




- صالح العراقي ينشر أسبابًا جديدة لانسحاب الصدر
- النفط.. العراق يحقق أكثر من 11 مليار دولار في حزيران الماضي ...
- الجيش المصري يلقي القبض على أمير -داعش- في مدينة بئر العبد ( ...
- هل تتسبب العقوبات بوقف غاز روسيا عن أوروبا؟
- شعر به جميع سكان الإمارات.. زلزال بقوة 6.3 درجة يضرب جنوب إي ...
- زيلينسكي: اهتمام العالم بالحرب في أوكرانيا يتراجع
- RT توثق شهادات من سيفيرودونيتسك
- موسكو: استبعاد روسيا من مجلس الأمن الدولي لن يتم إلا بحلّه
- عاجل | مراسل الجزيرة: قوات الاحتلال الإسرائيلي تقتحم بلدة سل ...
- هدوء حذر في الفشقة السودانية بعد اتهام إثيوبيا بقتل 7 جنود س ...


المزيد.....

- «الأحزاب العربية في إسرائيل» محور العدد 52 من «كراسات ملف» / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- الديمقراطية الرقمية والديمقراطية التشاركية الرقمية. / محمد أوبالاك
- قراءة في كتاب ألفرد وُليم مَكّوي (بهدف التحكّم بالعالم) / محمد الأزرقي
- فلنحلم بثورة / لوديفين بانتيني
- حرب المئة عام / فهد سليمان
- حرب المئة عام 1947-..... / فهد سليمان
- اصول العقائد البارزانية /
- رؤية فكرية للحوار الوطني: الفرصة البديلة للتحول الطوعي لدولة ... / حاتم الجوهرى
- - ديوان شعر ( احلام مطاردة . . بظلال البداوة ) / أمين احمد ثابت
- أسطورة الدّيمقراطية الأمريكية / الطاهر المعز


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد البسفي - انتفاضات تائهة .. أم ثورات ملونة ؟ (3) .. عندما بدأت -حرب الله- المقدسة من الشرق !