أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد البسفي - انتفاضات تائهة .. أم ثورات ملونة ؟ (1) .. مانفيستو إجهاض أهداف الشعوب !















المزيد.....


انتفاضات تائهة .. أم ثورات ملونة ؟ (1) .. مانفيستو إجهاض أهداف الشعوب !


محمد البسفي

الحوار المتمدن-العدد: 6934 - 2021 / 6 / 20 - 09:53
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مقدمة .. واجبة !
أكثر من عشرة سنوات.. تُراق بحور من الأحبار وتُنثر آلاف آلاف الأوراق وتُنشر مئات الكتب والدراسات والمؤلفات.. وما زالت الأحداث العاصفة التي ضربت المنطقة العربية والشرق أوسطية خلال عام 2011، حائرة التصنيف والتوصيف، هل هي "ثورات شعبية" هبت في وجوه حكام الاستبداد والديكتاتورية تبتغي أوجه الحرية والديمقراطية ؟.. أم هي مجرد ثورات "مُعلبة" تم صُنعها لتغيير أقنعة بعض الأنظمة وإجراء تعديلات ملحة على خريطة المنطقة الاقتصادية والجيوسياسية ؟.. أحتارت الأقلام وتراقص بندول العقول والتنظيرات في المساحة بين هاذين التبويبين؛ وبالتالي زاغ التوظيف لتلك الانتفاضات الفوارة التي لم تقتصر جغرافيتها على المنطقة العربية أو الشرق أوسطية، من 2011 وحتى اليوم، بل أتسعت رقعتها من "أميركا اللاتينية" لعمق "أوروبا" ذاتها..
وقد جاءت ثقة هاتين النتيجتين وانتشارهما طوال تلك السنوات السابقة - وربما لأعوام قادمة - من قوة ما تملكه كلُا منهما من تماسك في التحليل وتفنيد الآليات وتوصيف النتائج كلًا من زاويتها.. فالتفاصيل كما هي مكمن للشيطان فهي حمالة أوجه لكل من أراد لي عنق الحقائق الواقعية وتمكين وجهة نظره السطحية المتعجلة التي تُسرع في تعليب الأحداث والحقائق في الأُطر سابقة التجهيز.
في "مصر" - على سبيل المثال - لم يرحل شهر كانون ثان/يناير من العام 2011؛ حتى هاج الشعب المصري بانتفاضة عارمة؛ أكتسبت - على مدار الأسابيع والشهور التالية - كل معالم "الثورة" تستهدف "إسقاط النظام" منادية بنظام بديل يتشكل من "الحرية والعيش والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية".. ورغم أن تفجر الثورة المصرية قد جاء على أصداء انتفاضة تونسية شاملة، سبقتها بعدة أسابيع قليلة، وكانت شرارة بدأها مشهد موحي دال على طبيعة القوى الاجتماعية/السياسية المتصارعة؛ تمثل في صفع شرطية من السلطات البلدية لأحد الباعة الجائلين حينما أبدى اعتراضه على مصادرة بضاعته القليلة البسيطة لأنها تمثل كل رأس ماله وتجارته الضيقة؛ فما كان منه أمام قهره وعجزه بين محبسيه: "فقره" و"استبداد سلطات المجتمع به"، إلا وأضرم النيران في نفسه وسط إحدى أكبر شوارع مدينة "سيدي بوزيد". وما أسرع أن نكأ ذلك المشهد جراح الشعوب العربية والدول النامية - رغم إعتياديته ونمطية تفاصيله من كثرة تكراره بشكل شبه يومي على أتساع شوارع وميادين تلك الدول - المكتوية منذ سنوات وعقود بسياسات النيوليبرالية "المتوحشة"، حتى أصبح أيقونة ثورية وتم تقليده في عدة لقطات من مآسي ملتاعة لحياة بعض العاطلين والمتعطلين في شوارع "القاهرة"، خلال الأسابيع الفاصلة بين الانتفاضتين التونسية والمصرية.
وبنفس سرعة فوران الانتفاضة الشعبية المصرية؛ كانت سرعة وأدها وقنصها في مهدها من قِبل جناحي الثورة المضادة القويين الذين تمثلى في نظام طبقة العسكريتاريا القائم المستبسل في الدفاع عن "دولته" بكل مصالحها ومقدراتها وأركانها المكتسبة منذ عقود؛ من جهة، وجناحها المدني، (الذي صُهر بداخله اليمين المتطرف في صبغة الإسلام السياسي؛ بالليبرالي في طبعته الغربية؛ بالمتمركس صاحب النزعة الليبرالية الأورومركزية، في خلطة عجيبة تشعبت في سُبلها وتوحدت في قِبلتها الأميركية)، من جهة أخرى.
ورغم المقاومة الباسلة - طويلة النفس والمدة - التي مارستها الانتفاضة الشعبية المصرية، بمعاركها الملتهبة في عدة إتجاهات متوازية؛ ربما بدأت بخروج كافة صغار الموظفين والعاملين بالمؤسسات الحكومية والخاصة في ثورة ضد أساليب إداراتهم بالمحسوبية والفساد الإداري والمالي والخلقي مطالبين بحقوقهم في هذه الإدارات، تتبعهم أفواج من العاطلين والمتعطلين وسكان المقابر والشوارع والأحياء العشوائية المهمشة صارخين بحقوقهم في حياة آدمية، (وقد حدثت عدة حوادث متفرقة لتحرك أهالي مناطق مهمشة وغير آدمية محاولين الإستيلاء على حقوقهم في مساكن ومبانٍ كانت قد بنتها حكومة "مبارك" و"الحزب الوطني"، ولكن سرعان ما تم قمع تلك المحاولات بالآلة العسكرية وبحسم)، تزامنًا مع خروج آلاف العمال ثائرين على أوضاعهم المستغَلة ودفاعًا عن مصانعهم ومستقبل مهنهم ضد إداراتها وملاكها، وكذا "المعارك الثورية" التي أشتعلت بها الشوارع المحيطة بمقار الأجهزة الأمنية التي قاتلت في حفظ أمان وحياة هذه الإدارات أكثر مما قاتلت بشراسة حماية لنفسها، أو تلك الاحتجاجات الدامية التي خرجت - في قفزة ثورية محددة معالم ومطالب الانتفاضة الشعبية - ضد سفارات لدول معينة مثلت رموزًا لمباديء ترفضها الجموع الكادحة، عندما خرجت ضد "السفارة الإسرائيلية"؛ رافضة "كامب ديفيد" وتبعاتها، وخرجت ضد "السفارة السعودية"؛ ضد الهيمنة الوهابية وأخلاقيات أستعباد البتروريال، وضد "السفارة الأميركية"؛ رفضًا لهيمنتها الرأسمالية الجديدة وسياساتها المعولمة.. تلك المعارك التي قادها وخاضها أبناء طبقة واسعة من الفقراء والكادحين، تكونت خلال العقود الطويلة الماضية في تراكم متتالي من أبناء: "المعاش المبكر، البطالة، العطالة، الريف المجرف، المهن والوظائف الموسمية"، وغيرهم الكثير ممن يشكلون الطبقة الأغلب حاليًا ولا ينتمون بأي حال وأي شكل للطبقة الوسطى في زمن "العولمة"..
ولكن سرعان ما تم تطويق تلك الانتفاضة المصرية، كمثيلتها التونسية، بعد خطاب شهير للرئيس الأميركي - آنذاك -، "باراك أوباما"، ساند فيه الثورتين مطالبًا الرئيس المصري، "حسني مبارك"، الرحيل استجابة للتظاهرات الشعبية، مطلقًا تسميته الشهيرة، "ثورات الربيع العربي"، (الصيغة التي أصبحت - منذ ذلك التاريخ - خاتم الإعتماد من وسائل الإعلام العالمية على كافة التظاهرات والانتفاضات المتفجرة بالمنطقة العربية/الشرق أوسطية - وبعض المناطق المنتقاة من شبيهاتها في العالم - بعد ذلك وحتى الآن)، وبصرف النظر عن قلب الفصول المناخية من الشتاء إلى الربيع بحسب البوصلة أُحادية القطب الأميركية؛ فما كانت كلمة الرئيس الأميركي إلا صافرة البدء في معركة الإلتفاف وتطويق الانتفاضة المصرية تمهيدًا للإجهاز عليها ووأدها في مهدها، والتي كسبتها الثورة المضادة بجناحيها، العسكري والمدني، بداية بأساليب الدعاية والحروب النفسية ببث أفكار ورؤى تصبح فيما بعد عناوين ومحفزات أو فزاعات ومنفرات حسب الطلب لقتل وتهميش كافة الأهداف الحقيقية للانتفاضة الشعبية في مراحلها المتعاقبة، بداية من عنوان "ثورة الشباب"، الذي تعدى إطاره الشكلي كتسمية أدبية لأحداث الانتفاضة إلى تنظيرات وفلسفات حصرت صراعها في كونه "صراع أجيال" وحقب زمنية بما يروق دائمًا المزاج التاريخي للطبقة الوسطى المصرية - والبورجوازية العالمية عامة - التي سرقت لنفسها أدعائها قيادة الانتفاضة بما تملكه من وسائل وأبواق دعائية وسرعة حركية شبه منظمة، مفزعة من أي صراع آخر غير صراعها المفترض مبشرة بـ"ثورة جياع" لتفصل الانتفاضة عن أي بُعد طبقي وحصرها داخل الأُطر الديمقراطية الأميركية/الغربية في أبعادها السياسية وتهميش "قلبها" الاجتماعي في إطار "حقوقي" أميركي النزعة أيضًا، لتتحول في النهاية، الانتفاضة المصرية؛ التي تخضبت بدماء أغلب أبناء الفقراء ومهمشي مجتمع التبعية للرأسمالية العالمية المتوحشة، إلى مجرد "ثورة ملونة" (1)، مازالت فاعلياتها سجالاً بين أجهزة ومؤسسات سيادية تابعة لطبقة ودولة العسكريتاريا والقوى المدنية التي هي جزء أصيل من تلك الدولة وبهما قوي جناحي الثورة المضادة.
ولأن جناحي الثورة المضادة تكونا من كافة التيارات الرجعية واليمينية التي جمعتها مصالحها الموحدة في إتجاه خدمة مصالح سياسات النيوليبرالية والرأسمالية العالمية، وقد تشكل أولهم من تيار الإسلام السياسي الذي اتسعت وتشعبت خريطته الحركية والنوعية، إلى جانب مؤسسات مجتمع مدني من نقابات صفراء وخضراء وأحزاب ومنظمات ممولة أوروبيًا وأميركيًا. وثانيهما من طبقة العسكريتاريا التي أصبحت تتألف من "هرم أمني" راسخ في قوته؛ ملك إلى جانب قوته العضلية الواضحة نفوذًا متشعبًا وتجذرًا في بنية الدولة السياسية والاجتماعية والثقافية.. لذا فحينما أحتدم بين جناحي الثورة المضادة الصراع على مغانم الحكم والسلطة، بعد اِطمئنانهم على إجهاض ودفن الانتفاضة الشعبية، سرعان ما كسب جولة الصراع جناحها الأقوى المتمثل في طبقة العسكريتاريا، وذلك بما قدمته من ضمانات دولية وخارجية بحسن نواياها النيوليبرالية وتأكيداتها الفعلية على حرصها على المصالح الرأسمالية العالمية واستعراض إمكانياتها في فتح البلاد بكل ما تمثله من مقدرات وموارد أمام سياسات السوق العالمي، شريطة الحصول على جزء من الأرباح، وما إن حصلت على ذلك الترخيص؛ ما كان منها إلا إزاحة الجناح الأضعف، المدني، الشريك السابق في خندق الثورة المضادة للانتفاضة الشعبية، وذلك بالتلويح بسيناريو "الحرب الأهلية" أمام الجماهير مع اضطراب في بنية الدولة التحتية، فحصلت بذلك على "الحشد الشعبي" المطلوب لحد كونه جواز مرورها لاستعادة مقاليد الحكم من جديد.. ونظرًا لكون الفئات الشعبية الفقيرة والغارمة التي قامت بانتفاضتها وتم الإجهاز عليها؛ برغم ما بذلته فيها من دماء وشجاعة وجراح مازالت تترك علاماتها على الاجساد المثخنة حتى اليوم، قد تراجعت بفعل وطأة جهادها المقدس في الحصول على قوت يومها والبحث عن ثقب أبرة في مستقبل مبهم موصد الجداران الصماء، تراجعت عن المشهد منهزمة تلوك طعم الخيانة والخديعة.
مانفيستو وأد الثورات..
وما حدث بالانتفاضة المصرية، خلال عام 2011، وما تلاه من أعوام، شهدته انتفاضات الشعوب الفوارة في نفس الحقبة، وحتى اليوم، ولكن بسيناريوهات تباينت وتعددت بحسب الطلب الجوسياسي وأغراض الاقتصادات العالمية.. فمن ليبيا إلى سوريا ومن اليمن للبنان والعراق والسودان والجزائر وغيرها، اتسعت رقعة الحروب الأهلية والطائفية والحروب بالوكالة والإرهاب الوحشي والقتل على الهوية الدينية والمذهبية والقبلية.. لتظهر كافة أنواع الصراع التي تخدم الاقتصاديات الدولية الكبرى لأميركا والاتحاد الأوروبي وتنقذ سياسات النيوليبرالية المتعثرة، ويتم إجهاض الصراع الطبقي المستعر بمجتمعات تلك الدول وشبيهاتها ودفنه بسيناريو أشبه بـ"مانفيستو موحد"..
"منذ اليوم الأول للثورة كانت صدمة السياسيين والمحللين والناشطين التقليديين، طوفان من البشر يدفعه طوفان من الوعي التلقائي، شارع لم يتعلم معنى التظاهر السلمي قابل القمع الأمني ورصاصات الجنود بالورود والهتافات السلمية، وفي الميدان لم يرفع شعار إيديولوجي أو جبهوي أو طائفي، رغم أن الميدان أمتلأ مرات ومرات بالإيديولوجيين والجبهويين وطوائف من هنا وهناك. كانت الثورة يافطة تجميع، وإيديولوجية الميدان، والطائفة التي أنضم إليها المسلمون والمسيحيون واليساريون والإسلاميون والليبراليون والأهم.. المستقلون.".. بهذه الصيغة الإنشائية أستهل "مركز الجزيرة للدراسات" القطري؛ دراسته حول الانتفاضة المصرية، التي أصدرها عام 2011؛ بعنوان (يوميات الثورة المصرية)، وهي عبارة عن مقالات تحليلية وشهادات مطولة جُمعت من سبعة محللين ما بين خبراء سياسيين وحقوقيين.. تلك المقدمة، وقد كثفت فيها بالطبع موجز أهداف الدراسة وما حوته من تحليلات وشهادات، التي يمكننا اعتبارها "مانفيستو موحد" - أو شبه موحد - للقيم والأهداف التي ترنو الثورة المضادة إلى ترسيخها وخلق وبناء ثوراتها (المضادة) على أنقاض الانتفاضات الشعبية، فهي تحاول أن تبدو في ثوب المبشر بعصر ثوري جديد يتواكب وحقبة الطفرات التكنولوجية والسموات المفتوحة وعهد العولمة السعيد.. وذلك بنشر وتصدير أهداف وترسيخ قيم محددة تمحورت حول: "الوعي التلقائي" للجماهير الذي يتفجر، تحت وطأة الاستبداد السياسي والقهر الأمني، في "تظاهر سلمي" يرفع لافتات "الحرية" و"الديمقراطية" في إطار "تعددي" ينبذ الإيديولوجيات والأحزاب السياسية، المتساوية في هذا الفكر "الثوري الجديد" بالطائفية والجهوية والتعصب القبلي، لذا فهو يمجد "المستقلون" والاستقلال في حدوده التمردية المطلقة، فهنا يبرز ملمح الصراع الأساس (وربما الوحيد) للثورة هو: "صراع أجيال" عمرية؛ حيث القيادة الأصيلة والوحيدة لها هي فئة الشباب المتمرد على كل الموروث - على كافة الأشكال السياسية والاجتماعية والثقافية - بما يواكب عصر "القرية الواحدة" العولمي الذي أصبحت داخله مواقع التواصل الاجتماعية الإفتراضية تقوم مقام الأحزاب السياسية والكتل الاجتماعية الواقعية.
فنحن الآن أمام "ثورة" بمفهومها المجرد، قوامها :
- "شارع تجاوز مرحلة الوعي ليخلق قيمًا خالصة له وحده وكأنه ولد على متاريس الثورات"..
- "أثبتت الثورة أن التعددية والتسامح تظهر في وطن لا تمارس فيه تياراته السياسية دورًا (استقطابيًا) أو (فئويًا)، حينما تصير قضايا مثل: التحرر، الوحدة، الحرية والبناء قضايا وطنية وهدفًا واضحًا للجميع. بينما يظهر التعصب والكراهية في عصور الإنحطاط، والإنحلال، والاستبداد السياسي".
- "سقط الاستبداد فسقطت معه الحزبية والجبهوية والطائفية و(الأنا) و(الآخر) وخرافة الدولة الدينية، وقامت الحرية فقامت معها التعددية والتنوع والوحدة و(نحن) و(الجميع) و(الوطن) و(مصر) والدولة المدنية".
- "في جو الحرية ظهر تلاحم نفسي بين مسلمي الوطن ومسيحييه، كل وقف ساعة الثورة على أرضية واحدة: مطلب الحرية وإنتزاع عبودية المخلوق لعبودية الخالق، هدفان يطلبهما ثنائيان، وثنائيان يجمعهما هدف واحد، يعبر عنهما آذان يتردد، وترانيم تصدع في أرجاء العالم اليوتيوبي الجديد.. (ميدان التحرير)".
- "(الفيس بوك) قام بدور الحزب البديل في الوقت الذي سقطت فيه الأحزاب الكلاسيكية، وعجزت عن القيام بأي دور حقيقي وفعلي في الشارع السياسي. (الفيس بوك) و(تويتر) وبقية المواقع الاجتماعية لعبت أدوار الحزب بشكل كامل، بدءًا من الاستقطاب المليوني للأعضاء، ومرورًا بعمليات التوعية والترشيد عن طريق المجموعات والصفحات والتعليقات والدعوات، أما فكرة الحشد فتتم عن طريق صفحة (فيسبوكية) يتعدى عدد أعضائها عدد أعضاء كل الجماعات والأحزاب السياسية، أو (تغريدة) على موقع (تويتر) تذهب لآلاف الناشطين في آن واحد".
- "وقد صارت عمليات التنسيق والتخطيط وتحديد مواعيد التظاهرات والاعتصامات، تتم بالأساس من خلال هذا العالم، ثم تلاشت أو تضاءلت فكرة البيانات والمنشورات الورقية بشكل كبير لصالح وسائل نقل تحشيد الآلاف في أقل من دقائق، عملية الترابط الجمعي والإنتماء لمنظومة سياسية تم التعويض عنها في العالم الإفتراضي بفكرة الأصدقاء والمجموعات التي تخلق مساحات تواصل حتى خارج منطقة الاختلاف الإيديولوجي والسياسي والثقافي" (2).
وفي نهاية مقدمته يوجز "مانفيستو الثورات" الحديثة (المضادة)؛ نظرته بأن: "الثورة ليست عملية إحلال واستبدال، يقدم (زيد) ويؤخر (سعيد)، تقصي مستبدًا وتأتي بطاغية، الثورة لا تخرج شعبًا من تبعية لتدخله في هيمنة، الثورة الحقيقية لا تنجح في عملية الهدم، وتفشل في عملية البناء، الثورة الحقيقية لا يصنعها المجاميع ليأخذ ثمارها الأوغاد والإنتهازيون.
"الثورة إن لم تستطع تفكيك كل بنى النظام القديم، وتعمل لإعادة بناء نظام جديد بمكونات جديدة وعقد اجتماعي جديد تشكله هي فليست ثورة حقيقية، وربما - على الأرجح - إن لم تفعل ذلك.. كانت (ثورة مجهضة) تأخذ الوطن خطوات وخطوات.. إلى الوراء والتاريخ حاضر".
وبهذا الشكل نجد أنفسنا أمام جنس من الثورات لا يعتمد "نظرية ثورية" محددة ترنوا إلى التغيير الشامل في البنى الأساسية للمجتمع من اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية وكذا الثقافية، إلا في إطاره "الإصلاحي" لمسيرة ومسلك إدارة البنى القائمة بالفعل في إتجاه مصالح قوى وآليات السوق الحر ونمط الإنتاج الرأسمالي، لذا فهي ثورات تؤكد على "الحريات" في معناها المجرد المطلق الذي حينما يتم تحديده - سواء عبر خطابات إعلامية أو في نصوص تشريعية - تتشكل ملامحه بإصباغ المزيد والمزيد من الحريات لحركة ذلك السوق الرأسمالي العالمي كنواة أساسية وأصيلة لنظام سياسي "تعددي" يضمن تلك الحريات بقدر ما تضمن تعدديته الرأسية - التي لا تعتمد على المواطن كوحدة أفقية في ديمقراطيتها المزعومة إلا بنسب شكلية لا تتعدى كونه مجرد رقمًا في نسب من ذهبوا يصوتون لصناديق الاقتراع - عدم إستئثار أحد أو استبداده - أشخاصٍ كانوا أو أحزاب - بصلب النظام الاقتصادي وتغيير مفردات اللعبة.. لذا جاء ذلك النمط من الثورات محبذًا الإكتفاء بالوقفات الاحتجاجية والمسيرات الجماهيرية السلمية في آلياته غير المهددة للنظام السياسي والاقتصادي القائم، دون الإلتفات إلى الإضرابات العمالية بل ومجرمة أعمال الإستيلاء والمحاصرة؛ عادَةً تلك الآليات الثورية من ضمن أفعال الشغب والنهب والبلطجة المجرمة، ومن هنا جاء هجوم ونبذ ذاك النمط المزعوم من الثورات لكافة أنواع التنظيم الحقيقي لقوى الثورة الفاعلة مزدريًا الحزبية والتحزب على مناهج إيديولوجية، لاعبًا في خطاباته الإعلامية والدعائية على وتر هشاشة الأحزاب والنقابات السلطوية العميلة التي هي من صلب النظام القائم أو ردة وتراجع الأحزاب القليلة المستقلة، لإثبات نظرياته الشعبوية العامة.
في حديثه عن الدكتور "جين شارب" (3)، الأستاذ الأميركي للعلوم السياسية؛ ومؤلف كتاب (من الديكتاتورية إلى الديمقراطية)، يؤكد الكاتب والأديب المصري، "أحمد الخميسي"، بأنه يقدم في كتابه هذا: "طريقة إعداد الثورة، بحيث يتم استثمار الغضب الشعبي قبل أن يصبح وعيًا وتفريغه وحرفه عن الأهداف الحقيقية، لكي تصب نتائج الثورات في صالح القوى الرأسمالية مجددًا".
وقد كان للمفكر الفرنسي الأشهر، "تييري ميسان"، قبل سنوات، سَبق فضح دور "شارب" ومؤسساته الأكاديمية في إعداد الانقلابات والثورات "الملونة" لحساب وكالة المخابرات المركزية الأميركية.
يرى "الخميسي"؛ أن "شارب" يعتبر: "أن القضية الأساسية في عالمنا اليوم؛ هي مواجهة الأنظمة الديكتاتورية، التي يدرج فيها كل البلدان الشيوعية سابقًا، والصين وكوريا الشمالية وبورما والسودان، أما إسرائيل فإنها تقع عنده في خانة البلدان الديمقراطية. من ناحية أخرى هو يفهم الديكتاتورية باعتبارها غياب التعددية والتمثيل النيابي والصحف المعارضة، لكنه يعجز عن تصنيف حالة مثل فرنسا بها كل مظاهر الديمقراطية المذكورة؛ لكنها ساعة الجد تقمع المتظاهرين أصحاب السترات الصفر بوحشية أواخر عام 2018".
لذا فأطروحات "شارب" حول مسألة الديكتاتورية - والكلام لازال لـ"الخميسي" - لا تتجاوز سطح الموضوع، مثلما لا يتجاوز سطح المسألة فهمه للديمقراطية، التي يحصرها في الحقوق السياسية فحسب، وماذا عن الحقوق الاجتماعية ؟.. حق التعليم والمسكن والعلاج والعمل وغير ذلك ؟. تلك الحقوق لا نصيب لها من فهم "شارب"، لأن الحقوق الاقتصادية ستقود "شارب" مباشرة إلى العلاقة بين فقر الشعوب وبين نهب الاستعمار الأميركي لثروات تلك الشعوب. وإذاً فإن وصفة "شارب" لإعداد ثورة بأسهل الطرق تبدأ باستبعاد الحقوق الاجتماعية، ثم تؤكد على استبعاد العنف كوسيلة كفاحية، مع أن تاريخ كل الشعوب والثورات يؤكد أن المستغلين والطغاة لم يتركوا مقاعدهم إلا بالقوة. هكذا ينزع "شارب" من الثورة أهدافها الحقيقية، ثم ينزع وسيلتها الحقيقية، فلا يتبقى أمامنا سوى "الثورات البرتقالية" التي تستثمر الغضب الشعبي قبل أن يتحول إلى وعي لتصب نتائج الاحتجاجات في نظم تخدم بلافتات جديدة مصالح الاستعمار العالمي.
ويصف الأديب المصري، المنَظر الأميركي، بأنه بمثابة: "طباخ" للثورات، في تفصيل خطة القيام بثورة، وإعدادها، "عبر ما يسميه بالتحدى السياسي الذي يستخدم الاحتجاجات والإضرابات واللاتعاون والمقاطعة وسحب الولاء، وغير ذلك مما يعتبره شارب أسلحة نفسية واجتماعية واقتصادية لدى المواطنين والمنظمات المدنية، ويحدد مقادير إعداد الثورة قائلًا إنها يجب أن تبدأ بأعمال رمزية مثل وضع الزهور على أماكن ذات أهمية، أو الدعوة للصمت العام لبضع دقائق، أو مقاطعة قصيرة للدروس يقوم بها الطلاب، ثم يتحول عبء النضال بالتدريج إلى مواقع أخرى؛ كأن يقوم عمال السكك الحديدية بإبطاء حركة القطارات، بحيث يكتسب ذلك النضال القوة، بهدف زيادة الشلل السياسي، وفي النهاية تفكيك الديكتاتورية نفسها. لكن شارب، المولع بتفكيك الديكتاتورية، لا ينطق بحرف لا من قريب ولا من بعيد عن حقيقة أن أميركا هي أكبر من دعم الديكتاتوريات وأمدها بكل أسباب البقاء !.. كما أنه يغفل تمامًا التعارض بين أهداف الشعوب في التحرر واستثمار ثرواتها وبين الاستغلال الأميركي لتلك الشعوب، بالقوة وبالهيمنة وبالشركات العابرة للجنسيات. يحدثنا الشيف شارب عن أن إسقاط الديكتاتورية حلم عظيم، لكن شرط ألا يتجاوز ذلك الحلم حدود الإصلاح السياسي وزخرفة الواجهة" (4).
وإن كان: "الوعي التلقائي، والحفاظ على العفوية الجماهيرية، والتظاهر السلمي، ونبذ التحزب السياسي والأدلجة الفكرية، وبالتالي عدم التنظيم السياسي المحدد للأهداف الثورية في أطر فكرية مؤدلجة، والدفع الدائم في إتجاه التغيير السياسي الفوقي المتمثل بتغيرات أسمية في المناصب الإدارية للدولة مع الحفاظ على بنيتها الاقتصادية والتشريعية المحصنة للعولمة بأوجهها الاقتصادية والثقافية/الاجتماعية - بالذات -، والإعتماد الدائم على التحليلات والأساليب الأميركية الغربية في تناول القضايا والمشاكل المجتمعية المتباينة، مع تهميش القضايا الاجتماعية باستبعادها وتقليصها؛ وبالتالي تسكينها في إطار التكافل وإحسان الغني على الفقير و(دور الغني في إنماء المجتمع)"، كلها من أهم سمات وملامح بعض أدبيات الثورة المضادة لحركة الانتفاضات الشعبية في العالم - وقد اخترنا هنا الانتفاضة المصرية نموذجًا - والتي إتخذتها وتتخذها فيما يشبه "مانفيستو" خاص بها يحدد فكرها ومبادئها وزوايا نظرتها للثورات التي تخدم مصالح النظام الرأسمالي العالمي..
ولكن.. ما هي آليات وأذرع تلك الثورة "المضادة" ومشتركاتها عالميًا؛ التي تتلون مع المجتمعات على اختلاف وتباين ظروف البلدان الملتهبة حاليًا - ومنذ سنوات - بانتفاضات في حالة فوران مستمر ؟.. والأهم؛ ما هي سُبل ومخارج تلك الانتفاضات الشعبية من دوائر أزماتها - الذاتية والموضوعية أولًا - وانتصارها بأهدافها وإقتناص حقوقها من براثن ثورة مضادة متعددة الأجنحة والأوجه ؟...
.........................................
(1) نفس السيناريو، تقريبًا، الذي حدث في أعقاب انتفاضة شعبية عنيفة؛ بدأها وقادها عمال مصانع مدينة المحلة الكبرى، يوم 6 نيسان/أبريل 2008، (فيما يشبه تنبأ بانتفاضة كانون ثان/يناير 2011)، حينما قفز على أنقاضها بعض الشباب غير مُسيس أو مؤدلج (أغلبهم كان ينتمي إلى حزب "الغد" الذي كونه الصحافي الوفدي السابق، "إيمن نور"، بدعم أميركي وأوروبي مُعلن في أعقاب خلافه مع المؤسسة الرئاسية المصرية التي كان على رأسها، حسني مبارك، وأصبح فيما بعد أحد وسائل الضغط عليها)، مدعيًا قيادتها وتنظيمها بمساعدة كافة وسائل الإعلام الحكومية منها أو الخاصة بمعاونة منظمات المجتمع المدني الممولة أوروبيًا وأميركيًا.
(2) "يوميات الثورة المصرية.. يناير 2011" - إشراف مركز الجزيرة للدراسات، قسم البحوث والدراسات - الدار العربية للعلوم ناشرون، مركز الجزيرة للدراسات - الطبعة الأولى 2011.
(3) "جين شارب" أستاذ العلوم السياسية بجامعة "ماساتشوستس"، في "دارتموث"، أنشأ عام 1983 مؤسسة "ألبرت أينشتين" لدراسة النضال السلمي وسيلة للتخلص من الظلم في العالم، تم ترشيحه للحصول على جائزة نوبل للسلام أكثر من مرة.
(4) "الشيف "شارب" طريقة إعداد الثورة" - أحمد الخميسي - جريدة (الدستور) القاهرية - الأحد 17 تشرين ثان/نوفمبر 2019.



#محمد_البسفي (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة اللبنانية د. عايدة الجوهري حول مشروع الدولة المدنية العلمانية وأوضاع المرأة في لبنان
حوار مع د.سامي الذيب حول الأديان ومعتقداته الدينية وطبعته العربية وترجماته للقرآن والقضية الفلسطينية


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في رحاب -السيد- .. القادم إلى البيت الأبيض ! (2)
- في رحاب -السيد- .. القادم إلى البيت الأبيض ! (1)
- الحرب بالوكالة وخصخصة الجيوش !
- -يوم الدين- .. مساحة انتصار الهوية على مجتمع بلا ملامح !
- الرقص على إيقاعات -السيد- !
- ال (CIA) بين الهيمنة والتحالف !
- الدولة .. العمق الصلب !
- -الهرم الأمني- سر القدر المُسيطر !
- مواقع التواصل الاجتماعي توؤد ذاكرة الشعوب !
- العولمة تصنع تاريخ ال (تيك آواي) !
- تحت السيطرة العنكبوتية !
- الكورونا .. بداية أخرى للتاريخ !
- من يكتب التاريخ ؟
- أحاديث العولمة .. -د. أحمد الخميسي- يٌشرَح جدلية العلاقة بين ...
- أحاديث العولمة .. -رضا خالد- يكشف جدلية رد فعل -داعش- أمام ق ...
- أحاديث العولمة .. -محمد حلمي هلال- : أدرك منظرو العولمة بأقت ...
- رسائل اجتماعية .. في الدراما الرمضانية !
- أحاديث العولمة .. -د. محمد دوير- : النيوليبرالية مرحلة أكثر ...
- -عمر صلاح-.. مٌلخص حدوتة يناير
- عالم -مجنون- يحاول تدميرنا في إحتضاره!


المزيد.....




- عمدة مكسيكي يتزوج من تمساح يرتدي فستانا أبيض (فيديو)
- بنك أمريكي يحذر من سيناريو كارثي: روسيا قد تدفع سعر برميل ال ...
- -جاهزة لدينا-.. مستشار الكاظمي يتحدث عن تفاصيل موازنة 2022 و ...
- عاصفة مطرية تلغي حفل افتتاح أحد أكبر مهرجانات فرنسا
- -نيوزويك- تحذر من صدام الجيشين الروسي والأمريكي في سوريا
- روسيا: كييف تحتجز 70 سفينة أجنبية في 6 موانئ
- استطلاع: ثلث الأمريكيين البيض يسجلون زيادة في التمييز ضد أبن ...
- كييف: الضمانات الأمنية ليست بديلا عن عضوية الناتو
- الولايات المتحدة تزود أوكرانيا بنظامين للدفاع الجوي
- درع روسيا النووي: ملحمة الاستخبارات والعلماء


المزيد.....

- «الأحزاب العربية في إسرائيل» محور العدد 52 من «كراسات ملف» / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- الديمقراطية الرقمية والديمقراطية التشاركية الرقمية. / محمد أوبالاك
- قراءة في كتاب ألفرد وُليم مَكّوي (بهدف التحكّم بالعالم) / محمد الأزرقي
- فلنحلم بثورة / لوديفين بانتيني
- حرب المئة عام / فهد سليمان
- حرب المئة عام 1947-..... / فهد سليمان
- اصول العقائد البارزانية /
- رؤية فكرية للحوار الوطني: الفرصة البديلة للتحول الطوعي لدولة ... / حاتم الجوهرى
- - ديوان شعر ( احلام مطاردة . . بظلال البداوة ) / أمين احمد ثابت
- أسطورة الدّيمقراطية الأمريكية / الطاهر المعز


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد البسفي - انتفاضات تائهة .. أم ثورات ملونة ؟ (1) .. مانفيستو إجهاض أهداف الشعوب !