أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد علي سليمان - خطاب التوفيقية في رواية يحي حقي - قنديل أم هاشم -















المزيد.....

خطاب التوفيقية في رواية يحي حقي - قنديل أم هاشم -


محمد علي سليمان
قاص وباحث من سوريا


الحوار المتمدن-العدد: 6885 - 2021 / 5 / 1 - 17:48
المحور: الادب والفن
    


لقد كان أمين الريحاني في رواية " خارج الحريم " مفكراً أكثر منه روائياً، ومفكراً ثورياً بالمفهوم الاجتماعي، قد طرح توافقاً بين الأصالة والحداثة يبدو خارج زمن الرواية الاجتماعي، لكن مع رواية يحي حقي خطت الرواية العربية خطوة مهمة على طريق فكر حداثة يوفق بين الدين والفلسفة، بين العلم والإيمان، بين الأصالة والحداثة، بحيث يأخذ بعين الاعتبار واقع المجتمع العربي المتخلف، وما تزال هذه الرواية الصغيرة، التي خرجت من قلب يحي حقي كالرصاصة، تنال الإعجاب لسبب بسيط وهو أنها كتبت بروح شعبية بعيدة عن الأيديولوجيا.
" ما أبشع الدنيا وأبغضها لو خلت من مثل تسليمها وإيمانها "، هكذا يصف الراوي جدته، وأعتقد أن هذا الوصف هو خير مدخل الى رواية " قنديل أم هاشم "، ذلك أن التسليم والإيمان سوف يرافقان إسماعيل في رحلة الحياة. فقد " نشأ اسماعيل في حراسة الله ثم أم هاشم " (ص10)، وذلك بعد هجرة والده الى المدينة وسكنه في حارة الميضة. ويصف يحي حقي تأثير تلك الحارة عليه في سيرته الذاتية " ولدت بحارة الميضة وراء مقام السيدة زينب.. ورغم أننا غادرنا حي السيدة وأنا لا أزال طفلاً صغيراً فهيهات أن أنسى تأثيره على حياتي وتكويني النفسي والفني، فما زلت الى اليوم أعيش مع الست ما شاء الله، مع بائعة الطعمية، والأسطى حسن الحلاق وبائع الدقة.. ومع جموع الشحاذين والدراويش الملتفين حول مقام الست ". هذه هي الحارة التي سوف يعود اليها اسماعيل من أوروبا، اسماعيل " المتخصص في طب العيون، والذي شهدت له جامعات انجلترا بالتفوق النادر، والبراعة الفذة " (ص26).
لقد أرسله والده إلى " بلاد بره " لدراسة الطب بسبب نجاحه الضعيف الذي أغلق جامعات مصر في وجهه. والوالد يرسل اسماعيل الى تلك البلاد " لا عن ذلة بل للتزود بنفس السلاح " (ص20)، سلاح العلم. وفتحت أوروبا ذراعيها لاسماعيل، وكانت ماري زميلته في الدراسة هي التي " أخرجته من الوهم والخمول الى النشاط والوثوق. وفتحت له آفاقاً يجهلها من الجمال: في الفن، في الموسيقى، في الطبيعة، بل في الروح الإنسانية أيضاً " (ص29). فقد تعرض اسماعيل في انجلترا لأزمة كادت تقضي عليه، فهو " استيقظ في ذات يوم فإذا روحه خراب، لم يبق فيها حجر على حجر. بدا له الدين خرافة لم تخترع إلا لحكم الجماهير. والنفس البشرية لا تجد قوتها، ومن ثم سعادتها، إلا إذا انفصلت عن الجموع وواجهتها. أما الاندماج فضعف ونقمة " (32)، في حين كان " أكبر كرم منه أن يماشي منطقه منطقهم _ الضعفاء _ المريض" (ص31). إن حب اسماعيل لأهل حارة الميضة كاد يدفعه الى الغرق في حلقة المرضى والضعفاء والمظلومين، فأقنعته ماري " أن هذه العواطف مرذولة مكروهة، لأنها غير عملية وغير منتجة " (ص31). وهكذا بدأت أزمة اسماعيل في انكلترا، إن اندماجه في حضارة الغرب أثر على بنيانه النفسي حيث " مرض وانقطع عن الدراسة، وافترسه نوع من القلق والحيرة، بدت في نظرته أحيانا لمحات من الخوف والذعر" (ص32). و" كانت ماري هي التي أنقذته. أخذته في رحلة إلى الريف باسكتلنده.. خلص منها بنفس جديدة مستقرة وثابتة. إن طرحت الاعتقاد في الدين، فإنها استبدلت إيمانا أشد وأقوى بالعلم " (ص32). وحتى الآن فإن المقال الفكري والروائي يسيران بتوازن دقيق، إن الكاتب لا يتدخل في تطور شخصية اسماعيل، إنه يترك شخصية بطله تتطور موضوعياً، لقد أعادت أوروبا تشكل اسماعيل فأصبح تلك الشخصية العقلانية المؤمنة بالعلم (الطب) ودوره في تقدم وتطور المجتمع.
لقد شكلت أوروبا اسماعيل حضارياً من خلال ماري، وحين انتهت مهمة ماري تركته وتحولت إلى غيره. وفي نفس الوقت بدأ اسماعيل يشعر بنفسه بعيداً عن ماري، فقد وقع في حب آخر، حب مصر " عروس الغلبة التي لمستها ساحرة خبيثة بعصاها فنامت.. وكلما زاد حبه لمصر، زاد ضجره من المصريين. ولكنهم أهله وعشيرته، والذنب ليس ذنبهم، هم ضحية الجهل والفقر والمرض والظلم الطويل المزمن " (ص34). وتشوق اسماعيل إلى معركته الأولى في حداثة مصر، فليس " عبثاً أنه عاش في أوروبا وصلى معها للعلم ومنطقه " (ص35). وبالعلم ومنطقه أراد اسماعيل لمصر أن تستيقظ و" لن ينكص عن أن يطعن الجهل والخرافة في الصميم طعنة نجلاء ولو فقد روحه " (ص43). وكانت معركته الأولى في انتظاره، لقد عاد ووجد فاطمة، ابنة عمه، وخطيبته التي تركها عند سفره إلى أوروبا، مريضة العينين، وقد زاد مرضها بعد سبع سنوات، وتداوى من رمد العيون بزيت قنديل أم هاشم الحار الكاوي. وثار إسماعيل الطبيب، وحطم زجاجة الزيت، وود " لو استطاع لأمسك بذراع كل واحد منهم _ أهل مصر _ وهزه هزة عنيفة وهو يقول: استيقظ، استيقظ من سباتك وأفق " (ص45). وفي الجامع لم ير في ضوء قنديل أم هاشم سوى " إعلان قائم للخرافة والجهل " (ص45)، فأهوى عليه بعصا يريد تحطيمه منطق أهله وعشيرته، فلو أسلم نفسه لمنطقهم لأنكر عقله وعلمه، ومن " يستطيع أن ينكر حضارة أوروبا وتقدمها، وذل الشرق وجهله ومرضه " (ص51). لقد رفض لكن الأهل والعشيرة لا يسلمون اسماعيل بمنطق اسماعيل، فقد كانت الأسرة قد قررت أن" لا عيش لها مع هذه الروح الغريبة التي جاءت لهم من وراء البحار " (ص42).
إن اسماعيل العائد من أوروبا مسلحاً بالعلم لم يعجبه تخلف مصر، ويحي حقي يصف رؤية اسماعيل لمصر وهو ضائع في الطرقات بشكل مؤثر، ويشعر القارئ مثل اسماعيل بحبه لأهل مصر، وحزنه لتخلفهم وجهلهم. يفكر اسماعيل في نفسه " هذا شعب شاخ فارتد الى طفولته. لو وجد من يقوده لقفز إلى الرجولة من جديد في خطوة واحدة، فالطريق عنده معهود، والمجد قديم، والذكريات باقية " (ص51). وموقف يحي حقي يذكر بموقف توفيق الحكيم في رواية " عودة الروح "، وكيف جاءت ثورة 1919 بدون مقدمات، وبخطوة واحدة لأن الشعب ذو المجد القديم وجد من يقوده إلى الرجولة.
وكان لا بد لاسماعيل أن يعالج فاطمة (مصر) حسب علمه، فبدأ العلاج كما يقتضيه الطب الحديث، فهو كان عالج في أوروبا " أكثر من مئة حالة مثل حالة فاطمة ولم يخنه التوفيق في واحدة " (ص48). لكن علاجه الذي وافق عليه زملاؤه في كلية الطب لم يقدم لفاطمة سوى الظلام. وفي هذا المفترق نشعر، ليس فقط بدور المجتمع في تكوين شخصية اسماعيل، بل وأيضاً بدور الكاتب (المقال الفكري) في رسم الشخصية الروائية (المقال الروائي)، ففي شهر رمضان يفكر اسماعيل في نفسه " لماذا خاب؟ لقد عاد من أوروبا بجعبة كبيرة محشوة بالعلم، عندما يتطلع فيها الآن يجدها فارغة " (ص52). ودار في الميدان، ورأى شعب مصر فاطمأن " وهو يشعر أن تحت أقدامه أرضاً صلبة. ليس أمامه جموع من أشخاص فرادى، بل شعب يربطه رباط واحد: هو نوع من الإيمان، ثمرة مصاحبة الزمان، والنضج الطويل على ناره " (ص53). هنا أيضاً نتذكر مقولة توفيق الحكيم في رواية " عودة الروح " (الكل في واحد). وفي ليلة القدر يغمر اسماعيل نور الشرق، نور الإيمان، وينتفض " أين أنت أيها النور الذي غبت عني دهراً؟ مرحبا بك! لقد زالت الغشاوة التي كانت ترين على قلبي وعيني. وفهمت الآن ما كان خافياً علي، لا علم بلا إيمان "(ص45). وهكذا يتبين لنا مدى تحكم المقال الفكري في المقال الروائي، فإذا تجاوزنا قوى اسماعيل الشخصية، وقوى المجتمع العربي المتخلف، فإن يحي حقي قاد بطله إلى الفشل في علاج فاطمة بالعلم ليثبت مقولته " لا علم بلا إيمان ". إن رحلة اسماعيل من الإيمان إلى العلم، إلى لا علم بلا إيمان ليست بعيدة عن رؤية يحي حقي الفكرية من أجل خروج المجتمع العربي من حالة التخلف والجهل، إن مقولة (لا علم بلا إيمان) هي مقال يحي حقي الحضاري لحداثة الأمة العربية.
إن فاطمة تشفى من رمد العيون، وترى النور بفضل زيت قنديل أم هاشم بعد أن امتزج العلم بالإيمان على المستوى النظري، أما على المستوى العملي فإن اسماعيل يعود إلى معالجة مرضاه وفق منطقهم. إن هذه الرؤية متخلفة تاريخياً (حضارياً) فالعلم قد دخل في نسيج الطب العربي حتى في زمن كتابة الرواية، لكن مبررات الكاتب في جره بطله، وبالتالي العلم، الى الفشل في علاج حالة فردية، سبق لاسماعيل أن عالج في أوروبا حالات كثيرة منها، هو إيمانه بشعب مصر وحضارتها، وأن ما يصلح حضاريا لأوروبا لا يصلح للحضارة العربية الإسلامية، يجب أن يكون العلم الأوروبي مرتبطاً بحضارة الأمة العربية الإسلامية وتقاليدها وهذا هو الجانب التقدمي وإن خانته الدلالة الروائية.
إن الفكر العلمي لم يجد الطريق ممهدة أمامه في مصر، المجتمع العربي المتخلف، ولكن في حالة فاطمة (مصر على مستوى المقال الروائي) فإن العقبات كانت بعيدة عن العلم، الطب الحديث، المعركة أساساً كانت تدور داخل الكاتب حول دور العلم (الحضارة الأوروبية الحديثة) في المجتمع العربي وحضارته الإسلامية. إن المقال الفكري ليحي حقي هو الذي رسم طريق المقال الروائي ليصل إلى أنه لحداثة مصر والمجتمع العربي لابد من التوفيق بين العلم والإيمان، الأصالة والحداثة، من خلال مقولة (لا علم بلا إيمان). إن مقال يحي حقي الحضاري لتحديث المجتمع العربي المتخلف يتوافق مع مقال توفيق الحكيم في رواية " عصفور من الشرق "، لكن ما يميز مقال يحي حقي هو تلك الروح الشعبية في حين طغت الأيديولوجيا على مقال توفيق الحكيم. إن توفيق الحكيم يفصل فصلاً ميكانيكياً بين العلم والإيمان، فقد أرادهما مستقلين لا علاقة لأحدهما بالآخر، في حين أرادهما يحي حقي بدون تلك الازدواجية، عالماً واحداً حيث يعيش العلم في قلب الإيمان، ويعيش الإيمان في قلب العلم.






التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا
الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- زمن القصة زمن الرواية
- نحو مشروع نهضوي عربي جديد
- جدلية السيف والقلم
- الجامعة مشروطة أو بدون شروط
- الرواية والمجتمع
- الروائيون والشهرة
- حول الإرهاب
- البطل الإشكالي شهادة
- حول البورجوازية العربية
- أو كما يسمونهم عادة قصة للذكرى
- عن القهر والقرف وأشياء أخرى
- الرواية العربية والتاريخ
- حول خطاب العلم في ثلاثية نجيب محفوظ
- الجماهير في الأدب
- الوحدة العربية في زمن العولمة
- روح ضائعة قصة
- الكاتب والحرية
- القوى الاجتماعية والفن
- مشكلة العرب الأساسية
- قصة أو رواية مثال: عزف منفرد على البيانو


المزيد.....




- صدر حديثَا المجموعة القصصية -أسطورة الذكريات- للكاتبة ربا ال ...
- نشر فيديو نادر للفنان عادل إمام في عيد ميلاده
- بينهم الموسيقي الفرنسي يان تيرسين.. نجوم العالم يتضامنون مع ...
- فنان مصري يكشف سرا عن هيفاء وهبي
- الكشف عن سبب وفاة الفنانة نادية العراقية في مصر
- كاريكاتير الإثنين
- محلل سياسي: المساعدات الإنسانية للمغرب تعكس تضمانه المتواصل ...
- مثل أفلام هوليود... فيديو لعاصفة تمر بين المباني
- فنانة مصرية تفتح النار على محمد سامي: شتمني أثناء تصوير -نسل ...
- أزمة جديدة تلاحق المخرج المصري محمد سامي بسبب مسلسل -البرنس- ...


المزيد.....

- مجموعة نصوص خريف يذرف أوراق التوت / جاكلين سلام
- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد علي سليمان - خطاب التوفيقية في رواية يحي حقي - قنديل أم هاشم -