أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الطب , والعلوم - ثائر البياتي - في جمال الرياضيات















المزيد.....


في جمال الرياضيات


ثائر البياتي

الحوار المتمدن-العدد: 6829 - 2021 / 3 / 2 - 12:58
المحور: الطب , والعلوم
    


يـُعـَرَّف الجـَمـَال في معظم المعاجم العربية والأنكليزية على أنّه الصفة أو مجموعة الصفات الموجودة في الأشياء والتي تبعث في النفس سروراً وإحساساً بالإنتظام والتناغم. يبحث المقال في جانبين، الأول في جمال الرياضيات والذي يتسم بالتجريد والنقاء والعمق والشمولية والأناقة في النظريات الرياضياتية والثاني يبحث في رياضيات الجمال. ذلك من خلال عناوين رياضياتية، تُعتبر معاييراً للجمال، كمفهوم التناظرات وثابت النسبة الذهبية والهندسة الكُسيرية. لمزيد من المعلومات يمكن مراجعة المصادر التي وضعتها في نهاية المقال.
يُعرَّف التجريد على أنَّه إزالة خواص على المستوى الفكري من كيان ما هو موجود في الطبيعة مع المحافظة على جوهر الكيان. فكيانات مجردة كالنقطة والمستقيم والدائرة والمثلث والكرة وغيرها موجودة في الفكر، قد لا تعني شيئاً واحداً في الواقع، بل تعني كل الأشياء الواقعية التي تشترك مع الصفة الجوهرية للكيان. ذلك التجريد ينقلنا الى التعميم وبالتالي تكون روعة النظريات الرياضياتية في عموميتها وشموليتها.
يعود الفضل للفلاسفة الأغريق في إدخال صفة العمومية والتجريد والبراهين على النظريات الرياضياتية بإستخدام التعاريف والبديهات والمنطق. بحسب الفيلسوف والرياضياتي الأنكليزي برتراند رسل، أنَّ فيثاغورس أول من أدخل صفة التجريد على المفاهيم الرياضياتية، ذلك بتأسيسه ديناً قوامه تقديس الأعداد التي اعتبرها سابقة لوجود الكائنات وموجودة في عالم المُثل. وما العالم الواقعي الا تقريب لذلك العالم المثالي، الذي يمتزج فيه العدد والنغم. ذلك ألهمه لدراسة العلاقات العددية والموسيقية. تلك العلاقات التي تـَعلـَّم أسسها في واديي الرافدين والنيل، التي مكث فيهما نحو ثلاثين سنة. هاتان حضارتان عريقتان، سبقتا ميلاد فيثاغورس لأكثر من ألفي سنة، عرفتا الكثير عن الأعداد والموسيقى.
اعتبر الفيثاغورسيون العدد عشرة، قـُدس الأقداس. إنَّه أكمل الأعداد وأصل جميعها ومجموع عدد أصابع اليدين وحاصل جمع الأعداد المقدسة الأربعة الأولى: (1،2،3،4) وجمع الأعداد الأساسية في الفواصل الموسيقية الفيثاغورسية: (1:2، 3:2، 4:3)والتي تـُمثل النسب العددية لأطوال الأوتار الموسيقية التي تقابلها الأنغام الموسيقية الأساسية ويـُنسب إكتشافها الى فيثاغورس. من تلك الأنغام يكون بناء السلم الموسيقي والذي تعتمده الألحان الموسيقية. كذلك يعود الفضل لفيثاغورس في وضع النموذج الهندسي لدوران الكواكب في مدارات حول الأرض، أفترض نسب أبعادها عن مركز الأرض، كنسب الفواصل الموسيقية. أستمر ذلك النموذج فاعلاً نحو ألفي عام. بعد قرون عديدة من مواصلة النهج الفيثاغورسي، كتب أقليدس هندسته، التي سميتْ بأسمه: الهندسة الأقليدية.
كتبتْ الشاعرة الأمريكية أيدنة ميلي Edna St. Vincent Millay) )( 1892-1950 ) قصيدة تـُمجِّد فيها أقليدس مطلعها: " أقليدس وحده نظر الى الجمال عارياً" بالإشارة الى جمال التجريد وروعة الهندسة الأقليدية، التي كتبها أقليدس بحدود سنة 300 ق.م. تتكون تلك الهندسة من تعابير وتعاريف مختصرة وخمس بديهيات قصيرة تمكننا بإستخدام المنطق من برهنة جميع نظريات الهندسة المستوية والهندسة المجسمة، التي ساهمتْ تطبيقاتها في بناء صرح الحضارة الإنسانية منذ آلاف السنين والى يومنا هذا.
من الهندسة الأقليدية ولدتْ الهندسة اللاإقليدية بعد الغور في جدلية البديهية الخامسة لأكثر من ألفي سنة، ساهم فيها رياضياتيون يونانييون ومسلمون وغربيون كثيرون والذي مهَّد التوصل الى الهندسة الجديدة، ذلك بنفي بديهية التوازي مع إبقاء البديهيات الأربعة الأخرى نافذة. لم يتحدد جمال الهندسة اللاإقليدية في إستخداماتها في الملاحة الجوية والبحرية بل وجدتْ تطبيقاتها في النظرية النسبية. الأهم من كل ذلك أسلوب بنائها، بإستخدام البديهيات والمنطق الذي أحدث ثورة علمية في القرن العشرين في طريقة دراسة الرياضيات والفيزياء والعلوم الأخرى. إنَّ الرياضيات لم تدخل في لغة الموسيقى وألحانها وتفسير حركة الكواكب ومداراتها فحسب، بل أنَّها أصبحت وبمرور الزمن لغة العلوم واداة تفاهمها.
يعتبر بعض العلماء أنَّ الرياضيات لغة عالمية مدهشة الجمال، لها أصولها وقواعدها، كأي لغة أخرى، مع امتيازها بالوضوح والنقاء. من كلماتها: النقطة والمستقيم والمستوي والمثلث والدائرة والكرة والأعداد وعناصر أخرى، وأضافة الى الرموز والأشارات والعلاقات. بأستخدام الكلمات والرموز والعلاقات من الممكن تكوين جمل أو دعوات معينة، تصاغ منها نظريات تـُبرهن بإستخدام المنطق والبديهيات. ذلك يـُذكِّرنا بقول غاليليو: إنَّ الرياضيات هي اللغة التي كتبَ الله بها الكون. تلك اللغة التي بَرهنتْ على فاعليتها وقدرتها على صياغة محتوى علمي بدقة وإيجاز يمكنه من دون الرياضيات، أن يملأ مجلدات. خير مثال على ذلك ما قدمه نيوتن في مؤلفه: "الأصول الرياضياتية للفلسفة الطبيعية" والذي شمل قوانين الحركة والجاذبية الأرضية وأساسيات حساب التفاضل والتكامل وأمور أخرى. أعتبر بعض الفلاسفة ذلك المؤلف من أول الأعمال التنويرية التي غيـَّرتْ وجه التاريخ البشري، بإعتبارها مـَكـَّنتً العلماء من معرفة مدارات الكواكب لأول مرة وإجراء بعض التنبؤات، التي لم تتوقف عند حدود المدارات. فهناك معادلات كمعادلات ماكسويل في الكهرومغناطيسية التي قدمت تنبؤات أيضاً، مَكَّنتْ العلماء من تـَوقع وجود موجات الراديو قبل أن يكتشفها العالم الألماني هيرتز بعقدين وأمثلة أخرى كثيرة. تلك التنبؤات تزيد من جمال الرياضيات الذي عَبـَّرَ عنه بعض الفلاسفة والعلماء بصور مختلفة.
ذهب عالم الرياضيات المجري بول إردوس بعيداً، ربما متأثراً بغاليلو، عندما اعتقدَ بوجود كتاب خيالي، كتبَ الله فيه أجمل البراهين الرياضياتية. فعندما كان يريد التعبير عن جمال أي إثبات رياضياتي كان يهتف بعلو صوته: "هذا واحد من الكتاب!". يقصد كتاب الله الخيالي.
نقرأ للفيلسوف والرياضياتي الأنكليزي برتراند رسل يقول:
إنَّ الرياضيات لا تمتلك الحقيقة حسب، بل تمتلك جمالًا سامياً، رائعاً، مثل جمال النحت والرسم والموسيقى، لكن دون زخارف، كما في النحت أو الرسم أو الموسيقى. إنه جمالٌ نقيٌ للغاية، قادرٌ على الكمالِ الكامل. كفنّ عظيم، تجد في الرياضيات أعلى درجات الامتياز والبهجة، التي تـَهبُ الإنسان الشعور بالسمو والإرتقاء. كما هو حال الشعر.
يرى الفيلسوف والمسرحي الرياضياتي الفرنسي آلان باديو: إنَّ جمال الرياضيات يتجسد في الصلات العميقة بينها وبين الشعر والفلسفة، كما وأنَّ دراسة الوجودية والحقيقة تكمن في جوهر معرفة الرياضيات، بأعتبارها العلم اليقيني الوحيد الذي يدرس المفاهيم المجردة. وبذكر العلاقة مع الشعر، نذكر قول نيوتن: إنَّ الشعرَ والرياضيات يشتركان بالألهام وفي الرشاقة والأقتضاب في تعابيرهما. بحسب آينشتاين: إنَّ الرياضيات في طريقتها مع النظريات شعر الأفكار المنطقية وبتوافقها مع الواقع تثيرالأعجاب والدهشة. سنعود ثانية الى التحقق من تشابه الرياضيات والشعر بشكل أفضل.
يتفقُ كثير من العلماء أنَّ متعة الرياضيات ناتجة أيضاً من أسلوب براهين نظرياتها التي توصف بأوصاف جميلة. فهناك براهين تستخدم الحد الأدنى من الإفتراضات وأخرى مقتضبة ومنها تستنتج نتائج بسرعة وغيرها مبنية على رؤى جديدة ومبتكرة. كما وأنَّ بعضها تعميميه لحل مجموعة مشكلات متشابهة. يبقى لكل برهان نكهته وبهجته الذي يجعل الرياضياتي أن يشعر بالإنشراح والسمو والسعادة.

يقول بول ديرا العالم البريطاني واضع علم ميكانيك الكم: إنَّ المتعة الجمالية التي يجدها علماء الفيزياء في النظرية النسبية لآينشتاين تعود إلى الجمال الرياضياتي لمعادلاتها. هناك معادلات أنيقة كثيرة تثير الدهشة، تميزتْ بسعة تطبيقاتها وشموليتها، أذكر منها:
قانون أويلر 0 = 1 + e^πi والذي يربط بين ثمانية كيانات فائقة الأهمية، تتضمن أعداداً ورموزاً وأشارات أساسية في الرياضيات. يدخل في تطبيقات علمية مختلفة، منها: الموجات الصوتية والموجات الضوئية ومعادلات ماكسويل في الكهربائية- المغناطيسية التي تعتبر من أعظم المعادلات.
كذلك تـُعتبر معادلة الطاقة من المعادلات الجميلة في الفيزياء: E=MC² ، حيث E ، تمثل الطاقة وM تمثل الكتلة وC تمثل سرعة الضوء. هذه المعادلة تبين العلاقة بين المادة والطاقة وتؤكد أنهما شيء واحد يتحول الواحد منهما الى الآخر.
في دراسة علمية إشترك فيها علماء رياضيات وأطباء وبأستخدام الرنين المغناطيسي MRI وجدوا أنَّ المعادلات الرياضياتية الجميلة تثير منطقة نشاط القشرة الحجابية الوسطى في الدماغ، مثلما يثيرها أعمال رائعة كالفن والموسيقى والشعر. هذا يجعل الرياضياتيين يتحسسون لجمال أعمالهم شأنهم شأن أي شاعر أو ملحن أو رسام. بذلك يرى بعض الباحثين هناك علاقة عميقة بين جمال العالم الطبيعي والرياضيات. تلك العلاقة تفرض علينا سؤالاً: هل هناك رياضيات للجمال؟ الجواب: نعم هناك رياضيات الجمال.
في الجواب تحضرنا بعض العناوين، منها: النسبة الذهبية والتناظر والرؤية الآلية والهندسة الكـُسيرية.
النسبة الذهبية: يُعتبر من مقاييس أو معايير جمال كثير من الأشكال في الطبيعة، المقدار: .... 1.6180339 وهو ثابت رياضياتي. يمثل النسبة الذهبية تناسب أطوال، نحصل عليها بتقسيم قطعة مستقيم الى قسمين A, B بحيث يكون الطول الكلي ( A+ B) مقسوماً على القسم الأطول A يساوي النسبة بين القسم الطويل A والقسم الأقصر B . أي: .... 1.6180339 = B / A = A /( A+ B)
عـَرَفَ الإنسان النسبة الذهبية منذ زمن قديم عندما ربطها بالإحساس والشعور بالمتعة والجمال عند مشاهدة أجسام حية وأشكال فنية وإبداعات طبيعية تظهر في تناسقها النسبة الذهبية. تلك النسبة التي دخلتْ في بناء الأهرامات في مصر حيث أن نسبة إرتفاع بعض الأهرامات الى قاعدتها قريبة من النسبة الذهبية. يرى بعض المؤرخين أنَّها وجدت في فنون وهندسة الأغريق كمنحوتات البارتيمون ونجمة أرخميدس.
في عام 1200م إكتشف الرياضياتي ليوناردو فيبوناتشي متتالية عددية سميت بإسمه، تتمثل في الأعداد: 1،1، 2، 3،5، 8، 13، 21، 34، 55،...الخ. قيمة كل عدد في المتتالية وذلك بعد العددين الأولين، ناتج عن مجموع العددين السابقين له. لهذه المتتالية علاقة وثيقة مع النسبة الذهبية. إذ أنه كلما كبرتْ أعداد المتتالية، كلما إقتربتْ نسبة كل عددين متتاليين من النسبة الذهبية. وجود هذه المتتالية بارز في أشكال مختلفة في الطبيعة. منها: بذور زهرة عباد الشمس وفاكهة الأنانس وأوراق الورود وتفرع أغصان الأشجار ومقاطع شريط الـ DNA وكذلك في بعض مقاطع الألحان الموسيقية وأمور أخرى كثيرة.
أستمر فنانو النهضة الأوربية بأستخدام النسبة الذهبية في تشييد عماراتهم الجميلة ومنحوتاتهم الرائعة. برزتْ النسبة بوضوح في أعمال الفنان ليوناردو دافنشي ومعاصره أو منافسه الفنان مايكل أنجلو. فالنسبة موجودة في نسب الأطوال في تناسق وجه الموناليزا وعيونها وأنفها وفمها ودخلتْ في أبعاد طاولة العشاء الأخير وأعمال مايكل أنجلو كما في رائعته العالمية تمثال داود. تعدى ظهور النسبة الذهبية في جمال الأشكال الخارجية، الى ظهوره في صحة الأجسام الحية.
يشيرُ بحث طبي الى أنَّ نسبة طول الرحم الى عرضه في أفضل سنوات الأخصاب عند الأنثى تقترب من النسبة الذهبية 1.6، وفي عمر الأطفال يقترب من 2 وعند النساء كبيرات السن يقترب من 1.4. يشير بحث أخر الى أنَّ النسبة بين قراءتي ضغط الدم الأعلى والأدنى الصحية تقترب من النسبة الذهبية. كذلك إنَّ نسبة طول القلب الصحي الى عرضه تقترب من النسبة الذهبية. إنَّ أي خلل في النسب المذكورة في الأمثلة السابقة يختلف كثيراً عن النسبة الذهبية، مؤشر الى حالة مرضية. هناك أمثلة أخرى.
جدير بالذكر أنَّ النسبة الذهبية تؤسس علاقة ترابط مع نظرية التطور. فالطول الجميل والوجه الحسن وتناسق أعضاء الجسم بالنسبة للإنسان الصحي وربما للحيوانات عموماً، له حظ تنافسي أكبر في عملية استمرار النسل. يرى بعض علماء النفس أنَّ المظهر الخارجي للشخص الذي يحقق نسب أجزائه النسبة الذهبية حظ أوفر في الحياة، كالحصول على أفضل الوظائف والأعمال وإمكانية بناء أفضل العلاقات الأجتماعية وما شابه. إنَّ ظهور النسبة الذهبية في الأشكال والأجسام المتناسقة تتوافق مع التناظر في الرياضيات والتي هي الأخرى معيار من معايير الجمال في الطبيعة والحياة. فما هو التناظر؟
نقول أنَّ الشكل متناظرٌ إذا كان بالإمكان ثبات صورته أو حالته تحت نوع من التحولات التي قد تكون حركة أو قواعد معينة. هناك أربعة انواع من التناظرات تحت الحركة، هي: الأنعكاسية والدورانية والأنتقالية والأنعكاسية الأنزلاقية. للتناظر الأنعكاسي محاور، منها: أفقية وعمودية وقطرية وغيرها. الأمثلة كثيرة، منها: تناظر وجوه الحيوانات، الذي يمكن تصوره بتمرير مستوي عمودي من منتصف الوجه، فيقسم الوجه الى نصفين متشابهين. تعتبر الفراشة بجناحيها مثالاً واضحاً للتناظر الأنعكاسي، عندما يمر مستوي التناظر من وسط الفراشة بشكل عمودي، فيقسمها الى قسمين متشابهين. عندما يكون الشكل متناظراً تحت الحركة الدورانية، هناك زوايا مختلفة للدوران، منها: نصف لفة، وربع لفة، وغيرها ومن أمثلتها تناظر البلورات في الطبيعة، التي سنعود اليها لاحقاً. إنَّ نظرية الزمر في الرياضيات( Group theory) هي إحدى أدوات دراسة التناظرات التي تظهر في الحياة والطبيعة. لنظرية الزمر تطبيقات كثيرة في حقول الكيمياء والفيزياء الجزيئية، من دونها لا يتم الفهم الدقيق لهذه العلوم. من أمثلة التناظرات : الفسيفساء والبلورات الطبيعية.
تسمى الفسيفساء بالتبليط، شكل من أشكال الفن الجميل. يتمُّ تشكيله بتغطية مستوٍ ثنائي الأبعاد بالكامل بأشكال هندسية، قد تكون مضلعات أو منحنيات، تتكرر بنفس النمط بدون تداخل وتوحي إحساسًا باللانهاية. نقول أنَّ التبليط في حالة الأنماط المحتملة متناظراً في ظل تكرار أشكال متشابهة. تظهر أروع أشكال الفسيفساء في سقوف قصر الحمراء في اسبانيا، التي ثبتَ رياضياتياً في أواخر القرن التاسع عشر أنَّه هناك فقط سبعة عشر نمطاً. هناك أنماطاً متكررة تظهر في الطبيعة في فضاء ثلاثي الأبعاد ومن أمثلتها البلورات.
البلورة جسم صلب تكون فيه الجسيمات المكونة من الذرات أو الجزيئات أو الأيونات مصطفة بترتيب منتظم وبنموذج متكرر يمتد في فضاء ثلاثي الأبعاد. إنَّ كل بلورة تحدها أسطح مستوية تكونتْ بفعل عوامل طبيعية تحت ظروف مناسبة. من أمثلة البلورات في الطبيعة ملح الطعام والسكر والمعادن وحبيبات الثلج وفلزات كالحديد والنحاس والفضة وغيرها. البلورات التي تتمتع بصفة التناظر، يكون بالإمكان تدويرها بزاوية دون التسبب في تغيير صورتها. إنَّ متوالية فيبوناتشي والنسبة الذهبية المترابطة معها والتي يتكرر ظهورها بأنتظام، تجعل المتوالية شكلاً متناظراً. كل ذلك يدخل في ترصين وتطوير دراسة الرؤية الآلية. فما هي الرؤية الآلية؟
يمكن للرؤية الآلية، من الناحية المثالية، أن تحل محل الرؤية البشرية. لكي يتم ذلك، لابد من تخطي تحديات كثيرة تواجه آلة الرؤية وأهمها إمكانية تمييز الوجوه بدقة. هذا لا يتم إلا بفهم جوهر التجربة البصرية وتطوير تكنولوجيا الكاميرات ثلاثية الأبعاد والتي لا تعتمد فقط على شكل الوجه وتقاطيعه، بل تشمل أيضًا التعابير المألوفة كمشاعر الفرح والغضب والحزن والخوف والفزع والكآبة وكذلك تشمل تأثيرات الخلفية الثقافية للأشخاص. رغم وجود التقنية العالية في آلة التـَعـَرُّف على الوجوه والتي تتجاوز معدل مقدرة الإنسان السوي، لكنها لا زالتْ لم تصل الى الدقة الكافية.
إذا كان بإمكان آلة الرؤية أن تـُعبـِّر عن تجربتنا البصرية في أفضل حالاتها (بما في ذلك الجمال) وتوصل لنا معلومات بصرية دقيقة، فإنها بالتأكيد تحتاج إلى برامج حاسوبية مقتدرة تستخدم مفاهيم رياضياتية كثيرة، منها: التناسب والتناظر والبعد والاتجاه والمحاور والإحداثيات والانعكاس والدوران والالتواءات والفضاء والدورات والتقاطعات والاستمرارية والكثافة والتركيز والاستقرار والضوضاء والنعومة والانحناء والإسقاطات وأكثر من ذلك.
هناك برامج حاسوبية مختلفة تـستخدم آلة الرؤية في مختلف دول العالم في تمييز الوجوه ومقارنتها بقاعدة معلومات متوفرة في أجهزة مركزية، خاصة في ملاحقة المجرمين والهاربين من سلطة القانون. إدعى مسؤولون صينيون حديثاً، أنَّه هناك شبكة من ملايين الكاميرات متوزعة في المراكز المهمة في الصين، مترابطة مع جهاز مركزي، مهمتها تمييز وجوه المطلوبين وتقديمهم الى أجهزة الشرطة. تلك الأجهزة المركزية بأمكانها مسح صور جميع سكان الصين ومقارنتها بالمعلومات المتوفرة في غضون ثانية واحدة. كذلك يمكنها مسح صور جميع سكان العالم ومقارنتها بالمعلومات المتوفرة بثانيتين فقط.
إنَّ تطوير آلة الرؤية ستقدم فائدة كبيرة للمكفوفين، تعتبر أساسية في تحديد الهوية الإدارية والتشريعية والأمنية للأشخاص. بحضورها سيكون الأستغناء عن حمل مفاتيح المساكن أو السيارات وهكذا يتم فتح باب المنزل تلقائيًا عند الاقتراب منه. سيكون لها تطبيقاتها في مجالات التشخيص الطبي والتحكم في سلامة السيارات في خط التجميع وسياقة السيارات من دون سائق أو تطويرعمل الروبوتات.
إنَّ بحوث الرياضيات سباقة في تقديم الأفكار الجديدة للتكنولوجيا وتطبيقاتها. من هذه البحوث ظهور الهندسة الكـُسيرية في سبعينيات القرن الماضي ومن روادها الرياضياتي بنوا ماندلبروت. هذه الهندسة تعكس جمالاً باهراً في تصويرها للطبيعة والحياة بدقة.
الخاصية الجوهرية للهندسة الكـُسيرية هو أنَّ الأشكال التي تصفها والتي تسمى بالكـُـسيريات، تحمل صفة " التشابه الذاتي"، حيث أنَّ أي جزء صغير في الشكل يشبه الجزء الكبير. من أمثلتها: الأشجار والغيوم والجبال وسواحل البحار وصواعق البرق وأعضاء الجسم الحي كالرئة والقلب وأمثلة أخرى، عجزتْ عن وصفها الهندسة الأقليدية لأكثر من ألفي عام. إنَّ وصف هذه الهندسة حالات طبيعة وحياتية كثيرة وربطها بين الرياضيات والفن والمعارف المختلفة، جعلها أن تدخل في مختلف مجالات العلوم كالفيزياء والكيمياء وعلوم الحياة والجيولوجيا والهندسة المعمارية والبيئة والمناخ وصناعة الأفلام السينمائية وتطوير أجهزة التلفزيونات ودقة صورها والتلفونات وجودة أتصالاتها وأمور أخرى كثيرة.
تُعتبر العلاقة وثيقة بين الهندسة الكـُسيرية والتناظر. فمن جانب أنَّ الكـُسيريات كأشكال عموماً تحافظ على شكلها تحت خاصية التشابه الذاتي وبذلك تكون شكلاً من اشكال التناظر. من جانب آخر أنَّ الأشكال المتناظرة في الطبيعة والحياة هي اشكال كـُسيرية وذلك بإعتبار أنَّ كل شيء في الطبيعة منتظماً أو غير منتظمٍ هو شكل كـُسيري. إنَّ ترابط الكُسيريات مع التناظر والفن ومحاكاتها للطبيعة والحياة تجعلها أن تكون من المعايير الرئيسية للجمال.
بالعودة الى التشابه بين الرياضيات والشعر نجد الكثير من المشتركات، منها: إنَّ الرياضياتي والشاعر يستخدمان رموزاً وكلمات محددة ويحتاجان الى خيال خصب للتعبير عما في داخلهما. كثيراً ما نسمع من الأثنين يقولان أنَّ ابداعاتهم نتيجة وحي وإلهام. لكن رغم تلك التشابهات، الا أنَّ المشترك الأهم بين الرياضيات والشعر هو في جانب التناظرات والكـُسيريات. نجد التناظر في الرياضيات، كما في مجموعة الأعداد والجبر والهندسة ومجالات كثيرة أخرى ونجده في القصائد، بإعتبار أنَّ أبياتها تلتزم بنفس الأيقاع(الوزن والقافية) أو لها نفس اللحن. فنقول: إنَّ القصيدة منسجمة ومتناغمة. هذا شكل من أشكال التناظر. كما وأنَّ القصيدة كمقطوعة أدبية تحقق خاصية الكـُسيريات عموماً، إذ أنَّ أي جزء صغير فيها يشبه الجزء الكبير من ناحية استخدام الكلمات والتركيب اللغوي والأيقاع الشعري.
مع كل ما تقدم يبقى السؤال: هل تستطيع الرياضيات دائمًا تفسير أصل الجمال وطبيعته الحقيقية؟
الجواب: إذا لم يكن الأمر كذلك. فهل الجمال يكون في عيني الناظر؟ هذا هو السؤال الجدلي، الذي تناقشه الفلسفة. لن أقول أنه يمكن التعبير عن جميع تعابير الجمال بالصيغ الرياضياتية. لكن الرياضيات بالتأكيد تتمكن من تقديم الكثير.


المصادر:

1. رياضيات الجمال
https://www.intmath.com/numbers/math-of-beauty.php

2. دراسة في التناظرات في قصر الحمراء
https://citeseerx.ist.psu.edu/viewdoc/download?doi=10.1.1.564.5678&rep=rep1&type=pdf

3. رياضيات الجمال- الفسيفساء، البلورات، آلة الرؤيا
https://www.ias.edu/ideas/2012/teicher-mathematics-beauty
4. رياضيات الجمال والنسبة الذهبية
https://medium.com/hd-pro/the-mathematics-of-beauty-and-the-golden-ratio-156b948c3d1a

5. فسيفساء قصر الحمراء
https://www.escherinhetpaleis.nl/escher-today/wall-mosaic-in-the-alhambra/?lang=en
6. الجمال في الرياضيات: التناظرات والكُسيريات

https://www.intechopen.com/online-first/beauty-in-mathematics-symmetry-and-fractality






التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا
الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عصر عجائب الجينات
- في مفهوم الحظ
- اشهر عشرة أساطير حول نظرية التطور
- الأنظمةُ مُعَقَدةُ التَّكيُّفِ
- طبيعة العلوم والوسائل العلمية
- فيروس واهان، وتغيرات المناخ، والأوبئة في المستقبل
- سكنة وادي الرافدين رواد الرياضيات
- نظرية الفوضى والثقافة الأحادية للرأسمالية
- الإحتلالات والإمبراطوريات: لماذا العراق ليس اليابان؟
- مراجعة كتاب: حكايات تعليمية في الرياضيات
- وقفة تضامنية مع الشعب العراقي، في مدينة ساند ياكو – كاليفورن ...
- رحلة العدد اثنا عشر بين الحضارات والأديان
- دعوة تضامن على خلفية صدور فتاوى سنية وشيعية تسيء للشعب العرا ...
- افراح وسرور ... بمناسبة رأس السنة الميلادية 2019
- البينة على من ادعى
- صحوتي الفكرية
- أنقذوا حياة السيدة السودانية مريم
- فرحة الجالية العراقية في أمريكا لأختيار الأب فرانك مطرانا ً ...
- أستاذة الرياضيات الدكتورة سعدية مراد مكي في ذمة الخلود
- حاضر العرب بين البداوة والدين


المزيد.....




- تعرف على أسباب الإصابة بجلطات المخ المفاجئة..أبرزها ارتفاع ن ...
- المكسيك تسجل 3632 إصابة جديدة و311 وفاة بفيروس كورونا
- العراق تقلص الحظر الشامل المفروض لمكافحة تفشي كورونا
- مصر تسجل 1193 إصابة و59 وفاة جديدة بكورونا
- خطوات بسيطة لجعل بشرتك أكثر نضارة .. أبرزها الابتعاد عن التو ...
- فرنسا تسجل انخفاضا للإصابات والوفيات اليومية بكورونا
- البرازيل ترصد 74592 إصابة و2383 وفاة جديدة بكورونا
- فوائد المانجو.. تعزز المناعة وتحسن الهضم وصحة القلب
- دراسة: ضعف حاسة الشم أحد مؤشرات الإصابة بالالتهاب الرئوى لكب ...
- يعزز المناعة ومفيد لصحة القلب.. أسباب تجعل العنب ضرورة فى ن ...


المزيد.....

- فرضيات البداية الكونية ومكونات الكون البدئي / جواد بشارة
- نمو الطفل واضطراباته / عزيزو عبد الرحمان
- ثورات الفيزياء المعاصرة وآخر المستجدات الفيزيائية / جواد بشارة
- نحن والآخرون في هذا الكون الشاسع / جواد بشارة
- الحلقة الرابعة من دراسة نظرية الافجار العظيم 4 / جواد بشارة
- مرض السرطان الأسباب، التشخيص، الوقاية، والعلاج / مصعب قاسم عزاوي
- الكون البدئي والدعوة لعلم الفلك والكونيات البديل / جواد بشارة
- الحاجة إلى الثورة الرقمية الشمسية الثانية للبشر / جواد بشارة
- رحلة في رحاب الكون المرئي / جواد بشارة
- أبحاث متقدمة حول المادة في الكون المرئي 1-3 و 2-3 و 3-3 / جواد بشارة


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الطب , والعلوم - ثائر البياتي - في جمال الرياضيات