أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - صادق إطيمش - - يتهمني البعض -















المزيد.....


- يتهمني البعض -


صادق إطيمش

الحوار المتمدن-العدد: 6793 - 2021 / 1 / 20 - 20:20
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


هذا النص الشائع الإستعمال في صحافة النظام الملكي المقبور والذي سعى النظام من خلاله الى شن الحرب على القوى الوطنية العراقية وحرمان منتسبيها من التمتع بحقوق المواطنة قبل نشره في الصحافة الرسمية تحت عنوان " يتهمني البعض بانني من حملة المبادئ الهدامة كالشيوعية وغيرها ......الخ " حتى الوصول الى النتيجة المطلوبة " اعلن برائتي" التي ستفتح لصاحبها ابواب الدخول في الوظيفة او الإستمرار في الدراسة او التخلص من سجن او إبعاد او ملاحقة او حتى من إعدام .
منذ فترة ليست بالقصيرة وكثير من المحاولات الإعلامية العامة والشخصية الخاصة ،وعلى مختلف الأصعدة والمستويات ، تحاول التطرق إلى نظام يتهمني البعض هذا ، العهد الملكي المقبورورجالاته سواءً من العائلة المالكة او ممن حكموا العراق من سياسيي هذا العهد وكأن هذه المجموعة كانت قد بذلت الغالي والنفيس وضحَّت بكل ما لديها من أجل بناء الدولة العراقية الديمقراطية المستقلة المتحررة من اية سلطة أجنبية . وليس هذا فحسب ، بل ان هذه الجهات الإعلامية التي سخرت المسرحيات والمقالات لهذا الغرض دأبت على إبراز هذه المجموعة التي تسلطت على حكم البلاد والعباد لما يقارب الأربعين عاماً من الزمن وكأنها كانت تعيش حياة الكفاف ، لا بل أنها لا تتقاضى على ممارستها الحكم والسلطة إلا بما تسد به رمقها . وهذا ما يجافي الحقيقة والواقع طبعاً ، إذ ان نظرة بسيطة إلى التاريخ سترينا في أية قصور فارهة كان يعيش الرهط الحاكم وأية سيارات فخمة نسبة لذلك الوقت كانت تحت تصرفهم وإية إمتيازات حكومية كانوا يتمتعون بها . كل ذلك مقابل الفقر المدقع الذي كانت تعيشه الجماهير الواسعة من الشعب العراقي آنذاك الذي لم تتجاوز نفوسه الخمسة ملايين نسمة.

من الطبيعي ان تبرز هذه المحاولات الآن وهي تسعى إلى إستغلال الوضع السياسي الآني الذي يتيح لها ممارسة حرية الكتابة والنشر وبكل الطرق المتاحة قانوناً ، بالرغم من الضمور التدريجي لهذه الحالة، هذا أولاً ، وثانياً لكي تخلق من خلال ذلك نوعاً من المقارنة بين ذلك العهد الملكي وهذا العهد الجمهوري.
وقبل أن نتطرق إلى حيثيات هذه المقارنة والنتائج التي يسعى البعض إلى الوصول إليها وما قد يسحب فكر المواطن العراقي نحو هذه المقارنة تحت هذه الظروف الجهنمية التي يمر بها وطننا اليوم بكل ما فيها من مساوئ وامتهان لكرامة الإنسان ولأبسط حقوق المواطنة التي تشكل توفير الخدمات العامة الضرورية لحياة إنسان القرن الحادي والعشرين أولوياتها الطبيعية التي لا نقاش فيها ، نحاول بإيجاز التقصي عن الدوافع والأسباب التي دعت إلى بروز مثل هذه الظاهرة على السطح السياسي العراقي في الوقت الحاضر بالذات.
مما لا شك فيه هو أن الحالة السيئة التي يمر بها وطننا الآن قد فسحت المجال لمثل هذه الظاهرة ان تتكرر على الساحة السياسية العراقية وبمختلف الأشكال . ولو تعمقنا في هذه الدراسات التي تُمجد العهد الملكي لوجدناها تتطرق دوماً إلى المقارنة بين ذلك العهد المقبور والعملية السياسية الجارية الآن في وطننا .
ولابد هنا من الإشارة أولاً إلى علاقة هذا الموضوع بإنهيار الدولة العراقية بعد التاسع من نيسان عام 2003، حيث أدى ذلك إلى خلق ظرف سياسي كان المتوقع منه أن يكون نقيضاً للنظام البعثفاشي المنهار، والذي جسد ابشع معالم الدكتاتورية والقمع بحيث شكلت هذه الدكتاتورية مادة اضافية للمقارنة بين العهدين الجمهوري والملكي تضاف الى همجية حكم الإسلام السياسي الذي اصبح الوريث السياسي لدكتاتورية البعث .
إن إنهيار الدولة العراقية في التاسع من نيسان عام 2003 هو ليس سقوطاً لحكومة أو مؤسسات حكومية كان من الممكن تعويضها بحكومة أو مؤسسات أخرى . وطالما جرى التأكيد قبل سقوط البعثفاشية على طبيعة الدولة العراقية التي ربطها الجرذ المقبور بشخصه بحيث أصبح ينطبق عليها ما قاله الجواهري الكبير : تطير إن طار أو تهوى إذا وقعا . إن هذا الربط الدكتاتوري الأهوج الذي أوقف كل المؤسسة الحكومية العراقية لابد له وأن ينتهي بهذه النهاية التي إنسحبت على الدولة بمجملها . وحينما إنهارت هذه الدولة كان من المفروض أن يكون نقيضها هو السائد على الساحة السياسية العراقية. ولقد تحقق هذا النقيض فعلاً ولكن ليس بما كان يأمله الشعب العراقي من هذا التغيير . فإن قلنا بأن ضمان حرية الصحافة وإبداء الرأي والحرية الفكرية التي جاء بها نظام ما بعد البعثفاشية ، والتي تتعرض للإنهيار التدريجي الآن بعد ما يقارب الثمانية عشر عاماً من حكم الإسلام السياسي الفاسد ، هي النقيض الحقيقي لسياسة القمع الفكري والدكتاتورية السياسية التي كان يمارسها نظام ما قبل التاسع من نيسان ، فإننا من الجانب الآخر لا يمكننا التنكر لزيادة تعمق جذور الفساد الإداري والمالي وعلى مختلف المستويات والأصعدة وذلك مقارنة بالفساد الإداري والمالي الذي أوجده النظام البعثفاشي أصلاً منذ أن تبنى سياسة التسيير الذاتي للمؤسسات الحكومية العراقية . وما يقال عن الفساد الإداري ينسحب على كافة المظاهر الإجتماعية والسياسية والإقتصادية والثقافية الأخرى التي يمر بها الوطن الآن . وهنا تحاول النشاطات المبذولة لتجميل الوجه القبيح للنظام الملكي المقبور ان تتخذ من النظام السياسي الذي كان سائداً آنذاك لمقارنة النظام القائم حالياً به ، إذ انها لا تستطيع ، أخلاقياً على الأقل ، أن تضع مقارناتها مع البعثفاشية المقيتة التي لا يمكن وضعها في هذا الموقع الذي لا تستحقه إطلاقاً ، فهمجيتها وجبروتها وطغيانها وجرائمها تجعلها في منأى عن المقارنة بأي نظام مهما زادت سيئاته وتكاثرت جرائمه . هذا بالرغم من وجود مَن يلجأ إلى هذه المقارنة اليوم وذلك حينما يبلغ الأمر بأحدهم حداً لا يطاق ، وما أكثر هذه الحدود التي لا تُطاق في عراق اليوم، إلا أن مثل هذه المقارنات مع نظام البعثفاشية تظل عاطفية آنية أكثر مما هي واقعية جادة.
يحاول جراحو وجه العهد الملكي المقبور أن يجعلوا من رجاله الذين إقترفوا ابشع الجرائم بحق الشعب العراقي ، رجالاً أوفياء لهذا الشعب ، تعاملوا معه بكل أخلاق وأدب وسلوك حضاري . وإن أول الشخصيات التي يتطرقون إليها في هذا المجال هي شخصيات العائلة المالكة التي يحاولون بها إبراز هذه العائلة وكأنها عائلة ملائكة الرحمن التي أنزلها الله رحمة على هذا البلد الذي كان سينهار لولا وجود هذه العائلة . وهذا ما يجافي الحقيقة والواقع الذي عاشته هذه العائلة حينما أوتي بها إلى العراق من قبل الدولة البريطانية .
بالنظر لقلة أفراد هذه العائلة الذين حكموا العراق للفترة بين 1921 وحتى 1958 والتي إقتصرت على أربعة رجال فقط مارسوا الحكم في فترات مختلفة ، فلا يمكننا والحالة هذه التطرق إلى كل هؤلاء بنفس المستوى من التقييم . فالرجل الأول في هذه العائلة الملك فيصل الأول قد جاء به الإنكليز إلى العراق بعد أن طرده السوريون من بلادهم حينما أراد الفرنسيون فرضه كملك عليهم . إنه ليس عراقياً ، إلا ان الإنكليز فرضوه على العراقيين إذ أنهم كانوا يعتبرونه ورقتهم الرابحة في العراق . وحال إستلامه مقاليد منصبه في العراق من قبل الحكومة البريطانية سعى إلى ان يتقرب من الشعب العراقي إلى جانب وفاءه لمن نصبوه وذلك بمحاولته تبني ما كان قادة ثورة العشرين قد خططوا له باستقلال العراق من الهيمنة البريطانية . إلا أن تبنيه لهذه الفكرة التي قد يكون مخلصاً لها لم يستطع السير به نحو خطوات جريئة لتحقيقه وذلك بسبب إرتباط دولة العراق التي لا زالت دولة فتية بمجمل السياسة البريطانية التي أوجدتها لتدور في فلكها ولم يكن بإمكان هذا الملك أن يفلت من هذا الفلك .
أما الفترة التي حكم فيها الملك غازي العراق ، فبالرغم من قصرها (1933ـ 1936) فإنها كانت مشوبة بكثير من الأسرار والمؤامرات التي تركزت بشكل أساسي على ممارسة السلطة وديمومتها لبعض القوى السياسية التي جعلت من ضعف هذا الملك الشاب وسيلة لها لتنفيذ مآربها التي لا ناقة للشعب العراقي بها ولا جمل . كما أنها تميزت بحملات قمعية ضد بعض الفئات العراقية التي طالبت بحقوقها القومية آنذاك. وللمزيد من المعلومات الدقيقة عن هذه المرحلة بالذات من تاريخ العراق السياسي والإجتماعي ننصح بمراجعة الكتاب القيم الذي ألفه الباحث القاضي زهير كاظم عبود والمعنون ب " من أوراق الملك غازي " من إصدار " مؤسسة شرق غرب ـ ديوان المسار للنشر " .
أما مرحلة العهد الملكي التي تلت مرحلة الملك غازي فيمكن إعتبارها نموذجاً لممارسات العهد الملكي برمته وذلك لعدة أسباب :
أولاً: في هذه المرحلة تم بناء الدولة العراقية المؤسساتية التي أرادت لها السياسة البريطانية ان تخطو نحو الحداثة التي تتناسب وظروف المنطقة المحيطة بها والتي تقررها مصالح السياسة البريطانية ليس في العراق وحسب ، بل وفي المنطقة عموماً .
ثانياً: تبلورت في هذه المرحلة طبيعة العمل السياسي العراقي بحيث أصبح الصراع على السلطة واضحاً بين القوى السياسية الرئيسة في ذلك الوقت ومن ثم بينها وبين القوى الوطنية التي بدأت عملها السياسي الوطني الذي إنصب على رفض ربط السياسة العراقية بالسياسة البريطانية من خلال المعاهدات بين البلدين وأهمها معاهدة 1930 .
ثالثاً: طول المدة الزمنية التي إستغرقتها هذه الفترة والتي قاربت الإثنين وعشرين سنة، مقارنة بفترتي فيصل الأول التي رافقت نشوء الدولة العراقية وإستمرت إثنتا عشرة سنة تقريباً . وفترة غازي الأول التي إستمرت ثلاث سنوات .
وحينما نتطرق إلى الشخصية السياسية الملكية الرئيسية التي طبعت هذه الفترة بطابعها فميزتها عن الفترات التي سبقتها ، فإننا والحالة هذه لا نجد سوى شخصية الأمير عبد الإله الذي إستمر تأثيره على الساحة السياسية العراقية حتى بعد أن تنحى عن منصب الوصاية على العرش. وفي هذا المجال لابد لنا من الإطلاع على ما كتبه أستاذنا الكبير الباحث العراقي الدكتور سيار الجميل من تقييم إيجابي لشخصية عبد الإله الوصي على عرش العراق منذ 1933 وحتى 1952 ومن ثم إستمرار وصايته غير الرسمية وتأثيره على مجمل السياسة العراقية حتى عام 1958 . إننا نختلف مع تقييم الأستاذ الباحث الدكتور سيار الجميل لشخصية عبد الإله الذي أراد به إضفاء كثيراً من الصفات الحميدة على هذا الرجل واعتبر كل ما قام به من السيئات تجاه العراق وشعبه لا يتعدى الأخطاء التي يقع فيها أي إنسان في حياته . وإن ما نُشر أو كُتب أو أُشيع عنه لا يتعدى كونه تناقلاً للأقوال والدعايات التي تجافي الواقع . وقد إستند ألأستاذ الباحث الدكتور الجميل على ما سماه ب " الدراسة القلمية " عن عبد ألإله والتي كتبها الأستاذ عطا عبد الوهاب الذي يثق به الأستاذ الجميل ويعتبر أقواله هي الحقيقة بعينها التي يتجاهلها كل من تطرق إلى شخصية عبد الإله بالسوء. ( راجع : الدكتور سيار الجميل : " الأمير الوصي عبد ألإله في صورة عراقية قلمية " بحث نُشر في صحيفة الزمان اللندنية ، العدد 1179 ، في 8 أبريل/ نيسان 2002) مُستل من كتاب ألأستاذ الباحث القاضي زهير كاظم عبود ، المُشار إليه أعلاه ، ص. 54 .
من الطبيعي أن لا يستطيع كل من عرف الباحث العراقي الكبير الدكتور الجميل إلا ان يكنَّ له ولآراءه القيمة وكتاباته العلمية كل التقدير والإحترام إذ أن ديدن هذا الرجل هو التقصي عن الحقيقة العلمية بعيداً عن التأثيرات العاطفية والمواقف الآنية . وإن ثقته بالأستاذ عطا عبد الوهاب هي التي دفعته إلى تبني هذا الموقف من عبد الإله والذي نختلف به معه مع إحترامنا له . أما أسباب هذا الإختلاف فهي :
أولاً: أن الأستاذ عطا عبد الوهاب كان من رجال الأمير عبد الإله والمقربين له بحكم المنصب الذي كان يشغله في الديوان الملكي آنذاك . وبالرغم من الصفات الحميدة الكثيرة التي يصف بها الأستاذ الجميل هذا الرجل ، عطا عبد الوهاب ، والتي قد تكون صحيحة تماماً ، إلا ان تقييمه لشخص كعبد الإله تحت هذه الظروف سيظل متأثراً بعلاقته الشخصية والوظيفية بهذا الوصي على عرش العراق وقطب العائلة المالكة آنذاك .
ثانياً: تُكرر كثير من المصادر التاريخية قيام عبد الإله بتنفيذ السياسة الإنكليزية في العراق بحذافيرها ، إذ ان الإستعمار البريطاني كان يعتبره ، مع الآخرين من رجالات الإنكليز بالعراق ، رجُله الأول داخل العائلة المالكة بعد ان تعرَّف ساسة الحكومة البريطانية على افكار الملك غازي التي كانت تسير بغير ما يخططون له ، لذلك عمدوا على التخلص منه بمساعدة كل من عبد الإله ونوري السعيد . وللمزيد من المعلومات عن مؤامرة إغتيال الملك غازي من قبل الإنكليز وبالتعاون مع عبد الإله ونوري السعيد وحتى بالتآمر مع زوجته عالية ، لا بأس من مراجعة المؤلَف القيم الذي أشرنا إليه أعلاه من تأليف الباحث القاضي الأستاذ زهير كاظم عبود وخاصة على الصفحات 164 ـ 167 وعلى الصفحة 179 من نفس هذا المؤلَف الذي قدم له الأستاذ الباحث الدكتور سيار الجميل نفسه .
ثالثاً: إن شخصاً كهذا يتآمر على ولي نعمته وزوج أخته تنفيذاً لرغبات الأجنبي المستعمر لا يمكنه ان يكون وفياً للشعب العراقي الذي لا ينتمي إليه أصلاً . وهذا ما تشير له كافة الإجراءات القمعية التي إتخذتها الحكومات العراقية التي كانت تسير في فلكه وفلك الإنكليز، كتسخير الجيش العراقي لقمع التحركات العشائرية المناوئة للحكومة أو قمع الإنتفاضات الشعبية التي إنطلقت على شوارع العراق في أربعينات وخمسينات القرن الماضي والإعدامات التي نفذها النظام بحق قادة الحركة الوطنية والتي إرتبطت بسياسة الحكومة العراقية آنذاك والتي كانت تُدار من قبل عبد الإله حتى بعد تخليه الرسمي عن الوصاية على عرش العراق .
هذه ألأسباب واسباب أخرى كثيرة غيرها والتي قد تدخل في باب الإشاعات أو التضخيم حيث قد يصدق بعضها أو لا والمتعلقة بسلوك وتصرفات هذا الأمير الحجازي سواءً الأخلاقية الشخصية او العلاقات الإجتماعية العامة ، تدعونا لأن ندقق النظر فيما ذهب إليه البعض من تزكية شخص عبد الإله وإبعاد تاثيره على مجمل سيئات النظام الملكي إثناء فترة وصايته على عرش العراق وحتى بعد إنتهاء هذه الوصاية وحتى سقوط هذا النظام بثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 .
وإذا ما تجاوزنا افراد العائلة المالكة ونظرنا إلى رجال حاشية هذا العهد الملكي الذين خططوا لسياسته ونفذوها فإننا سوف لن نجد إلا الندرة من هؤلاء السياسيين الذين تبنوا مصالح الوطن وأهله فعلاً قبل تبنيهم ودفاعهم بكل الطرق عن مصالح السياسة البريطانية في العراق . ومن الشخصيات التي لا تنتمي إلى هذه الندرة والتي كانت سائدة ، لا بل مسيطرة على الساحة السياسية العراقية آنذاك هو السياسي العراقي المعروف نوري السعيد الذي يدبج الكثير في الوقت الحاضر المقالات ويخرجون المسرحيات عن ذلك السياسي الذي نعتوه بكل اوصاف الطيبة والوطنية والتسامح والعدالة وغيرها من الأوصاف التي لم يكن يحملها اصلاً . ومن الجدير وصفه بصفاته الحقيقية التي مارسها على الساحة السياسية العراقية طيلة فترة تسلطه على هذه الساحة وأشهر صفاته هذه الحيلة والمراوغة والتآمر واللف والدوران وكأن تاريخ معاوية بن أبي سفيان يعيد نفسه بهذا الرجل على أرض العراق .لا نريد الحديث كثيراً هنا عن هذا الرجل ونكتفي بذكر المصدر القيم للأستاذ الباحث العراقي حامد الحمداني وكتابه المعنون : نوري السعيد رجل المهمات البريطانية الكبرى ، لمراجعته ومعرفة المزيد حول هذا الموضوع .
قد يكون الكثير ممن يكيلون المديح إلى رجالات العهد الملكي ، خاصة إلى أولئك المقربين من البلاط الملكي ، لم يعيشوا هذه الفترة أصلاً أو لم يعيشوها بوعي . كما أن ذلك يمكن أن ينطلي على البعض الآخر الذي قد يجهل الحقيقة عن هذا العهد لنفس السبب الزمني هذا ، او انهم لم يعيشوها معايشة واقعية واعية بحيث كانوا قد شعروا فعلاً وعايشوا مباشرة سياط جلادي العهد الملكي التي رافقت المعارضين لسياسة النظام آنذاك ، وذلك من خلال عمليات التعذيب في سجون ذلك العهد وأقبيته. أو من خلال عمليات النفي والمطاردة ومعسكرات الإبعاد التي تأسست اصلاً لكل مواطن رفع صوته ضد السياسة الموالية للإستعمار البريطاني في العراق . أو من خلال الإعدامات التي نالت قادة القوى الوطنية سواءً في صفوف العسكريين أو المدنيين وفي مقدمتهم قادة الحزب الشيوعي العراقي الذين ظلت جثثهم معلقة في شوارع بغداد لعدة أيام . أو من خلال المجازر الرهيبة التي نفذها النظام الملكي ضد السجناء السياسيين والتي أسفرت عن قتل السجناء في هذه السجون ، ومجزرة سجن الكوت مثل واحد على هذه المجازر . او من خلال الفصل من الوظائف وما كان يسمى بسحب اليد وبذلك قطع مصدر المعيشة لعوائل الوطنيين العراقيين النشطين في الأحزاب المعادية للسياسة الإستعمارية في العراق والتي كان العهد الملكي وحاشيته من الساسة العراقيين أدوات تنفيذها المباشرة . أو من خلال رمي المتظاهرين بالعتاد الحي ووقوع القتلى والجرحى بين مَن تظاهروا لإعلان هذا الموقف الوطني أو ذاك ضد السياسة الإستعمارية البريطانية وأذنابها في الوطن ، وجسر الشهداء ببغداد يشكل مثالاً واحداً على ذلك. أوتسخير الجيش العراقي لضرب العشائر وضرب المتظاهرين أيضاً في الإنتفاضات الوطنية في ثلاثينيات وأربعينيات وخمسينيات القرن الماضي . أو من خلال شن الحرب الشعواء على القوى العراقية غير العربية التي طالبت بأبسط حقوقها القومية ، كما جرى للكورد مثلاً . او ما تعرض له المسيحيون في مذبحة سميل .أو من خلال الدعم اللامشروع للإقطاعيين الكبار باستعبادهم الفلاحين وذلك من خلال قوانين سنَّها النظام خصيصاً لفرض السيطرة الإقطاعية في الريف العراقي لكي يضمن بذلك ولاء الإقطاع له وفي مقدمتها قانون دعاوى العشائر . أو من خلال التضييق الذي قد يصل إلى القمع بكل وسائل العنف او بالسجن او بالفصل ضد منتسبي النقابات العمالية التي بدأت بالمطالبة بحقوقها النقابية ، كما جرى في مجزرة كاورباغي مثلاً . " وفخر " هذا النظام أنه جعل من مخازن أسلحة الجيش البريطاني في صحراء نكرة السلمان سجناً رهيباً لمعارضيه من منتسبي الأحزاب الوطنية . أو من خلال سياسة التعريب التي أستخدمها النظام الملكي تجاه المناطق الكوردية وفي مقدمتها مدينة كركوك . أو من خلال الثقافة الإستعمارية الطائفية العنصرية التي أشاعها النظام في مفاصل الدولة العراقية كتبني الجنسية العثمانية مثلاً . ولم يقتصر هذا القمع الذي مارسته الأجهزة القمعية الملكية المدنية منها والعسكرية على منطقة واحدة من العراق ، بل شملت الجبال والوديان في كوردستان العراق كما شملت البطاح والصحاري في وسطه وجنوبه . إذ لا يهم مَن يكون على قمة السلطة سواءً نوري السعيد الذي كان أكثرهم نصيباً في الحصول على منصب رئيس الوزراء أو صالح جبر أو توفيق السويدي أو آخرون فإن أجهزة أمن بهجت العطية وسعيد قزاز وخليل كنة وغيرهم من قادة الجهاز القمعي آنذاك ، وما تمخض عن هذه المؤسسات القمعية من جهاز سموه الشعبة الخاصة، التي تخصصت بالشيوعيين ، كانت السباقة دوماً إلى تنفيذ عمليات الملاحقة والسجن والتعذيب حتى الموت أحياناً دون ان يشعر أي من سياسيي العهد الملكي هؤلاء بأي رادع وطني أو أخلاقي من تلك التي يتحدث عنها البعض اليوم باعتبارها من الظواهر التي كانت ترافق رجالات العهد الملكي المقبور . وربما نستطيع القول حتى أولئك الذين قرأوا عن مظالم ذلك العهد لم يستطيعوا تكوين فكرة مباشرة واضحة عنه وذلك لسببين :
أولهما : أن القراءة وحدها لا يمكنها أن تصنع نفس الصورة وتخلق نفس المشاعر التي تبلورت لدى أولئك الذين عاشوا الحدث مباشرة واكتووا بناره أيضاً ، إذ ان المعايشة وحدها من بعيد ودون ألإحتكاك المباشر بالحدث لا تكفي .
وثانيهما : إن هؤلاء قد عاشوا بعدئذ وربما بوعي أساليب البعثفاشية التي بدت في أعينهم ، وهم على حق في ذلك ، غير قابلة للمقارنة مع أي تسلط قمعي ، لذلك فإن القمع الذي مارسه العهد الملكي كان " زلاطة " بالنسبة لهم ، كما يقول المثل العراقي . قد يكون هذا التحليل صحيحاً . إلا ان لكل حقبة زمنية خصوصيتها وآلياتها . وإن آلية القمع التي وظفها العهد الملكي ضد معارضيه كانت قد بلغت قمة التطور في الأساليب القمعية آنذاك، وعلى هذا الأساس فقط يمكن أن تجري المقارنة لنخرج بنتيجة نسبية حول هذا الامر.
إن كل ما نستخلصه من الطرح أعلاه هو أن العهد الملكي كان يشكل وحدة كاملة من البلاط وحاشيته على مختلف مناصب أفرادها سعت لتمثيل مصالح السياسة البريطانية ليس في العراق فقط ، بل وفي المنطقة برمتها . لذلك فإنه ليس من الغرابة بمكان أن يكون العراق هو العضو الفعال ، من بين كل دول المنطقة العربية ، في حلف عسكري إستراتيجي حمل إسم العاصمة العراقية ( حلف بغداد ) كمؤشر على إضطلاع بلد هذه العاصمة في إشرافه ليس على تمثيل السياسة الإستعمارية في المنطقة وحسب ، بل والدفاع عنها عسكرياً أيضاً مع حلفائه الآخرين في هذا الحلف .
من الطبيعي أن يضطلع هذا العهد ببعض الإنجازات التي يمكن إعتبارها ضمن ما كان ينتظره الشعب العراقي، القليل العدد نسبياً والكثير الموارد ، من حكومة كانت تتغنى بالوطنية . إلا ان عمق هذه الوطنية العراقية سيبدو لنا واضحاً إذا ما نظرنا إلى ما حققته السياسة الإستعمارية البريطانية بالدرجة الأولى وكل المرتبطين بهذه السياسة تجاه بعض ما تحقق للشعب العراقي اصلاً . أما إذا أخذنا الأمر من واجهة أخرى فإن الصورة ستبدو واضحة اكثر إذا ما أجرينا المقارنة بين المواقف التي وقفتها سياسة العهد الملكي إلى جانب الشعب العراقي وتلك التي إتخذتها ضده إبتداءً بقمع الإنتفاضات والحركات والأحزاب الوطنية وما تمخض عنها من معارك طاحنة بين الشعب والحكومة وانتهاءً بالنفوذ الأجنبي على العراق وكافة مرافقه السياسية والإقتصادية. وما السياسة النفطية التي سلكها العهد الملكي والإمتيازات التي حققتها شركات النفط الأجنبية فيه إلا مثلاً واحداً على ذلك .
لذلك فإنه ليس من المستغرب أن تكون أولى الخطوات الجريئة التي إتخذتها ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 هي التخلص من كبرى سيئات العهد الملكي هذا والتي شملت الحد من التسلط الإقطاعي والقضاء على إمتيازات الشركات النفطية وتحرير الإقتصاد العراقي من الهيمنة ألأجنبية . وكذلك ليس من المستغرب ان نرى ردة الفعل من ألإقطاع والرجعية وأيتام العهد الملكي الذين رفضوا هذا التوجه الوطني الحق لثورة تموز وسعوا إلى مقاومته بكل ما تسنى لهم من الدعم الداخلي والخارجي حتى تحقق لهم ذلك في ألإنقلاب الدموي الأمريكي البعثفاشي الإسلاموي الإجرامي في الثامن من شباط من عام 1963 .
مَن يريد تبرير مواقف العائلة المالكة العراقية والجرائم التي أرتكبها العهد الملكي بحق العراق شعباً ووطناً من خلال الشعار المرفوع آنذاك بأن " الملك مصون وغير مسؤول " فإنه في الحقيقة يغالط نفسه أكثر مما يغالط الواقع الذي كان سائداً فعلاً . فالملك كان بيده إقالة وتعيين الحكومة من خلال تعينه وإقالته لرئيسها . والملك كان يتحكم بطبيعة وشكل ما يسمى بالبرلمان العراقي الذي لم يدخل فيه الممثلون الحقيقيون للشعب ، بل كان " النواب " يُفرَضون فيه فرضاً كممثلين عن مناطقهم الإنتخابيه . وحينما دخل بعض ممثلي الشعب الحقيقين إلى البرلمان صدفة ، لجأ الملك إلى حل هذا البرلمان فوراً . والملك كان يعين تعييناً ما يسمى بمجلس الأعيان الذي كان رجاله يشكلون رجال السلطة في غالبيتهم العظمى . أي ان الصلاحيات التي كانت للملك أو للوصي على عرش العراق كانت صلاحيات يمكن توظيفها لمصلحة الشعب والوطن ، إن أرادوا ذلك ، وليس لمصلحة السياسة البريطانية في العراق والمنطقة .
وختاماً لا يسعنا إلا أن ننصح مداحي العهد الملكي بالتخلي عن الحكم بالعاطفة في امور كهذه واللجوء الى المنطق والتاريخ والعقل والتحليل العلمي الرصين المنطلق من مصالح الشعب والوطن فعلاً لا قولاً او تبجحاً .
الدكتور صادق اطيمش




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,238,631,707
- ثورة تشرين واشكالية التنظيم والتمثيل
- ماذا بقي لنا من الشرف في دولة الإسلاميين الأشراف جداً ؟
- آفاق أفرزتها ثورة شباب تشرين
- بداوة القرن الحادي والعشرين
- الى اليسار در
- لماذا يكره الإسلاميون الجمال والفرح ؟
- تبريرات فقهية جديدة لجرائم الإسلاميين
- كَفا كُم .......
- هذيان الرعب ورفسات الموت
- عودة النقاش حول القضية الكوردية مجدداً
- مسابقة الكرامات
- داعشي آخر يحرض على قتل اهلنا من غير المسلمين
- حينما يتخلى الإعلامي عن رسالته
- حتى العيد تحاول الرأسمالية المتوحشة ان تسرقه من الطبقة العام ...
- دواعش المنابر خير ورثة لدواعش المجازر
- احتفال بطعم خاص
- منتَصِبَ القامة يمشي
- والدين منهم براء .....
- ارادها المتخلفون عورة فقدمها الوطن ثورة
- لا شأن للعراق بصراع اعداءه


المزيد.....




- 17 ألف زلزال بأسبوع واحد ومخاوف من -انفجار بركاني- في آيسلند ...
- مقتل 3 صحفيات بالرصاص في أفغانستان.. وداعش يتبنى العملية
- منازل إيطاليا مهجورة للبيع مقابل دولار..ما رأي الملاك الأصلي ...
- البورميون يعودون إلى الشوارع وسط أجواء من الخوف بعد يوم دموي ...
- وزير سعودي عن تيران وصنافير: محمد بن سلمان قام بأمور غير طبي ...
- الكرملين تعليق على التطورات في دونباس: الأهم هو منع تجدد الح ...
- -رويترز-: الثلاثية الأوروبية تتخلى عن خطة لتوبيخ إيران ضمن ا ...
- نموذج من صاروخ سبيس إكس الفضائي ينفجر على الأرض بعد دقائق من ...
- نموذج من صاروخ سبيس إكس الفضائي ينفجر على الأرض بعد دقائق من ...
- النزاهة تضبط عقود اجهزة طبية مخالفة للضوابط


المزيد.....

- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكر والسياسة والاقتصاد والمجتمع ... / غازي الصوراني
- استفحال الأزمة في تونس/ جائحة كورونا وجائحة التّرويكا / الطايع الهراغي
- مزيفو التاريخ (المذكرة التاريخية لعام 1948) – الجزء 2 / ترجم ... / جوزيف ستالين
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزء الأول / مبارك وساط
- مسودات مدينة / عبداللطيف الحسيني
- اطفال الفلوجة: اللغز الطبي في خضم الحرب على العراق / قصي الصافي
- صفقة ترامب وضم الاراضى الفلسطينية لاسرائيل / جمال ابو لاشين
- “الرأسمالية التقليدية تحتضر”: كوفيد-19 والركود وعودة الدولة ... / سيد صديق
- المسار- العدد 48 / الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
- العلاقات العربية الأفريقية / ابراهيم محمد


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - صادق إطيمش - - يتهمني البعض -