أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ميثم الجنابي - جمال عبد الناصر ودراما التجربة الناصرية (2-2)















المزيد.....

جمال عبد الناصر ودراما التجربة الناصرية (2-2)


ميثم الجنابي
(Maythem Al-janabi)


الحوار المتمدن-العدد: 6697 - 2020 / 10 / 8 - 13:01
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


إشكالية التأسيس النظري للفكرة القومية


كان عبد الناصر يعرف، كما يقول عن نفسه، الإجابة على السؤال "ما الذي نريد أن نصنعه". أما الإجابة على السؤال "ما هو الطريق إلى ما نريد صنعه"، فقد كان أكثر تعقيدا ودرامية. وشدد عبد الناصر نفسه على ما اسماه بالتغير الهائل والمتعدد في إجابته على هذا السؤال، بحيث لم يجر له ذلك مع أي سؤال آخر. وهذا بدوره لم يكن معزولا عن أن الإجابة عليه كانت موضوع الخلاف الأكبر عند الأجيال التي سبقته وعايشته . فقد وجد الإجابة للمرة الأولى عن العمل الايجابي في الحماسة، ثم وجدها لاحقا في اجتماع الكلمة عند زعماء مصر، ثم وجدها في فكرة الاغتيال السياسي. وبينها كلها كانت تعتمل في نفسه "حيرة تمتزج بها عوامل متشابكة، عوامل من الوطنية ومن الدين، ومن الرحمة ومن القسوة، ومن الإيمان ومن الشك، ومن العلم ومن الجهل" .
إن إشكالية "ما العمل" و"كيفية العمل" هي الإشكالية الأكثر جوهرية بالنسبة لمراحل الانتقال الكبرى وبداية الصيرورة التاريخية للأمم. وفي حالة جمال عبد الناصر فأن حلوله لهذه الإشكالية ظلت بقيت إشكالية لسبب بسيط، وهو أنها ظلت تجريبية وفردية لحد ما. بمعنى أنها لم ترتق إلى مصاف الفكرة النظرية. فالأخيرة هي الوحيدة القادرة على التغلغل في مسام الإحساس والوعي الاجتماعي والوطني والقومي بهيئة بديهيات سياسية كبرى، أو قواعد عملية جلية، أو مبادئ عامة ملزمة، أو مرجعيات فكرية وروحية متسامية. وليس مصادفة أن يتوصل عبد الناصر بعد جهود ومعاناة وتجارب مريرة إلى أن الصيغة المثلى لهذا العمل الايجابي في مصر كانت تقوم في "وضع الدستور ثم مجلس الإنتاج". ووجد في هذا العمل الايجابي تنفيذ مهمة "إزالة الصخور والعقبات من الطريق" ، بوصفه الواجب الأكبر. وقد كان ذلك استنتاجا عمليا لا غير. وبالتالي لم يكن بإمكانه أن يكون ضمانة لاستقرار وتراكم الوعي السياسي والاجتماعي الضروري بالنسبة لكينونة الأمم الحديثة.
ولم تختلف الفكرة العربية الناصرية بدورها عن هذه التجريبية البحت. بمعنى أنها تهذبت في مجرى التجارب العملية السياسية. الأمر الذي جعل من الفكرة العربية الناصرية موقفا وليس نظرية لها أسسها ومستقبلها المتراكم في التجارب اللاحقة. إذ من الصعب الحديث عن فكرة عربية قومية بالمعنى الدقيق للكلمة عند جمال عبد الناصر. أنها مجرد موقف سياسي، رغم تغلغله اللاحق في شخصيته بحيث أخذت تتماهى مع كينونته الفردية الباطنية والظاهرية. فقد كانت فكرته بهذا الصدد تتمثل وعيه التاريخي لحقيقة مصر أو موقعها ومكانتها في ما اسماه بالدائرة العربية . ذلك يعني، أن العالم العربي أو القومية العربية بالنسبة له لم تكن كينونة مصر الفعلية . إنها مجرد جزء من دائرة الرؤية العملية المتراكمة في مجرى التأمل الوجداني لتاريخ مصر وموقعها الجغرافي . وقد توصل عبد لناصر إلى هذه النتيجة من نفس المقدمة العامة عن تاريخ مصر عندما قال، بأن "القدر لا يهزل. وليس هناك احداث من صنع الصدفة". وبالتالي، فأن وجود مصر ضمن دائرة عربية هي نتاج التاريخ الذي لا يهزل. فهناك "دائرة عربية تحيط بنا. وأن هذه الدائرة منا ونحن منها. امتزج تاريخنا بتاريخها، وارتبطت مصالحها بمصالحنا" . كما أن "هناك قارة افريقية"، إضافة إلى أن "هناك عالم إسلامي تجمعنا وإياه روابط لا تقر بها العقيدة الدينية فحسب، وإنما تشدها حقائق التاريخ" . غير "أن الدائرة العربية هي أهم هذه الدوائر وأوثقها ارتباطا بنا. أنها امتزجت بنا بالتاريخ، وبالدين وبالجوار" (الجغرافيا) . ووضع هذه المقدمة العامة والظاهرية في صلب استنتاجه العملي بصدد الفكرة القومية العربية، عندما شدد على "أن الفكرة القومية العربية ليست عاطفة". ووجد دليل ذلك في أن "كل حادث يقع في القاهرة يقع مثله في دمشق وبيروت وعمان وبغداد". الأمر الذي يوصلنا إلى "أنها منطقة واحدة" تعمل فيها نفس الظروف، ونفس العوامل، ونفس القوى المتألبة عليها جميعا" . مما جعل من ماضي المنطقة وحالتها المعاصرة ومستقبلها كل واحد. من هنا توصله إلى قناعة "الكفاح الواحد وضرورته" . وإذا كانت هناك عقبات أمامه ينبغي إزالتها، فأن أولى هذه العقبات هي "الشك" بالنفس. وبالتالي، فأن الكفاح الواحد هو ضمانة الانتصار. وذلك "لأننا أقوياء، ولكن الكارثة الكبرى إننا لا ندرك مدى قوتنا" . أما مصدر هذه القوة فيقوم في "العمل الايجابي"، بمعنى التصرف ايجابيا بكل ما تملك من مقوماتها. ومن بين أهم مصادر هذه القوة ومقوماتها هي ن العرب "مجموعة من الشعوب المتجاورة، المترابطة بكل رباط مادي ومعنوي يمكن أن يربط مجموعة من الشعوب"، وكذلك بأثر موقع "أرضهم نفسها ومكانها على خريطة العالم"، واحتواء العالم العربي على "البترول، الذي هو عصب الحضارة المادية" .
من كل ما سبق نستطيع التوصل إلى أن قيمة الاجتهادات النظرية والاستنتاجات العملية التي توصل إليها جمال عيد الناصر بصدد الفكرة القومية العربية كانت تكمن أساسها في طابعها التجريبي، أي أنها لم تخضع إلى معتقدات أولية، لكنها شأن كل تجريبية لا يمكنها أن تثمر أشياء كبيرة، وذلك لأنها أما تجهل التاريخ وتجاربه أو تتجاهله. وكلاهما لا يغفران! وفي هذا كانت تكمن مأساة الناصرية بوصفها تجريبية فردية سياسية أو تجربة وطنية أو "أيديولوجية" قومية. وذلك لأن كل ما وضعه جمال عبد الناصر هنا هو مجرد تعميم مترابط لتجاربه السياسية وتطورها في مواقف عملية أثمرت رؤية وطنية (مصرية) وقومية (عربية) وإسلامية وقارية (افريقية) وعالمية (عدم الانحياز) .
ومفارقة الناصرية بهذا الصدد، على الأقل من الناحية السياسية، تقوم في أن انجازها السياسي التقدمي كان يحمل في طياته تدميرا وتخريبا للفكرة المستقبلية نفسها. وذلك لأنها أعطت لكل مغامر إمكانية التنظير والتفلسف، ومن ثم رمي الحصيلة التاريخية للفكر النظري العقلي وجهاده المعنوي ومعاناته العميقة. أنها جعلت من كل عسكري قادر على تعليم وتهذيب أهل العلم والمعرفة وما شابه ذلك . خصوصا إذا آخذنا بنظر الاعتبار الحقيقة القائلة، بأن التجربة الفردية تبقى فردية، أي جزئية وناقصة ومحدودة. كما أنها لا تستطيع رؤية ما يخرج عن حدود تأسيسها المعرفي. ومن الممكن الاكتفاء هنا بالعبارات "المتألمة" التي قالها جمال عبد الناصر نفسه عن موقفه من رجال العلم والمعرفة: لو أن أحدا سأله في تلك الأيام ما هي اعز أمانيه؟ لقال له على الفور: أن يسمع مصريا يقول كلمة إنصاف في حق مصري آخر، وأن يحس أن مصريا قد فتح قلبه للصفح والغفران والحب لإخوانه المصريين. لكنه لم يكن يسمع إلا "أنا" . وان كل منهم هو غاية الوجود ومنتهاه!
لقد كان هذا التقرير للواقع جزء من تجربته الفردية والشخصية. بمعنى انه يحتوي على تعميم مفرط عسكري النزعة من جهة، وانتهاك فض لمعنى الفردية والفردانية، بوصفها الشرط الضروري والصفة الملازمة للإبداع الحر والكبير، من جهة أخرى. والأخير لا يمكنه التلاؤم مع النفسية العسكرية والخضوع لها، أيا كانت شخوصها وحملتها. بينما هي ترى في كل خروج عليها انتفاخا "للأنا" وخيانة للمصالح الكبرى! ما يجعل منها أيضا ممرا للاستبداد وتصنيع قطعان الرذيلة المتنوعة!!
***




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,236,420,513
- جمال عبد الناصر ودراما التجربة الناصرية (1-2)
- نجيب عازوري ومشروع البديل العربي العقلاني
- نجيب عازوري: العالم العربي والمسألة الشرقية
- نجيب عازوري حول الاثار التركية العثمانية والخطر اليهودي
- الفكرة القومية عند نجيب عازوري
- من أعلام التصوف : معروف الكرخي
- من أعلام التصوف : شقيق البلخي
- من أعلام التصوف: الفضيل بن عياض(2-2)
- من أعلام التصوف: الفضيل بن عياض(1-2)
- من أعلام التصوف : داوود الطائي
- من أعلام التصوف: إبراهيم بن ادهم
- فلسفة النفي العقلاني للراديكالية السياسية
- أفول الراديكالية والإرهاب - مخاض الحرية العراقية
- النفي العقلاني للراديكالية السياسية
- أوهام العقائد السياسية الراديكالية
- السياسة والمقدس أو التاريخ الفعلي والزمن الضائع
- الراديكالية العراقية : أيديولوجية الأزمة والتأزم
- الراديكالية العراقية – أيديولوجية الطريق المسدود
- العرب وفكرة الخلافة الذاتية عند محمد عبده
- الانسان في فلسفة عبد الكريم الجيلي (3-3)


المزيد.....




- وزيرة خارجية السويد: اليمنيات بنّاءات ويمكنهن لعب دور أكبر ف ...
- مشروع قرار أوروبي-أمريكي لدى وكالة الطاقة الذرية لإدانة تعلي ...
- وزيرة خارجية السويد: اليمنيات بنّاءات ويمكنهن لعب دور أكبر ف ...
- التحالف الدولي يقر بسقوط 10 صواريخ على قاعدة عين الأسد في ال ...
- أنقرة: لا يمكن للمجتمع الدولي أن يدير ظهره لمأساة السوريين و ...
- انفجار قرب مركز اختبارات كورونا في هولندا
- كيفية التخلص من ارتجاع المريء في حلقك!
- شاهد: جفافٌ يضربُ القنوات المائية في مدينة البندقية الإيطالي ...
- هل تريد زيارة القمر؟ ملياردير الياباني يقدم ثمانية مقاعد مجا ...
- المخابرات اللبنانية تعتقل مجموعة داعشية مرتبطة بهجمات انتحار ...


المزيد.....

- الذات بين غرابة الآخرية وغربة الإنية / زهير الخويلدي
- مكامن الانحطاط / عبدالله محمد ابو شحاتة
- فردريك نيتشه (1844 - 1900) / غازي الصوراني
- الانسحار / السعيد عبدالغني
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- سيرورة التطور والنضج العقلي عند الأطفال - أسس الرعاية التربو ... / مصعب قاسم عزاوي
- ازدياد التفاوت بين الطبقات الاجتماعية / زهير الخويلدي
- صيرورة الإنسان العاقل (منعرجات تطور الجنس البشري) / مصعب قاسم عزاوي
- أسرار الدماغ البشري / مصعب قاسم عزاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ميثم الجنابي - جمال عبد الناصر ودراما التجربة الناصرية (2-2)