أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ميثم الجنابي - من أعلام التصوف: الفضيل بن عياض(1-2)















المزيد.....


من أعلام التصوف: الفضيل بن عياض(1-2)


ميثم الجنابي
(Maythem Al-janabi)


الحوار المتمدن-العدد: 6625 - 2020 / 7 / 22 - 02:44
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


للمتصوفة في طرائقها طرقا لا تحصى. تماما كما أن الاختلاء بالجسد هو الاختلاء بالكون وما فيه، والانزواء بالروح هو عين الانفتاح على خباياه وإشكالاته. وفي هذا الكلّ المحير للمنطق تكمن الوحدة الحية للشخصية الصوفية الكبرى في ابتلائها وبلائها، ومنازلها ومنازلاتها، وعنائها ومعاناتها، ومكابداتها واكتشافاتها معنى الحقيقة وحقيقة المعنى.
فالطريق الصوفي في بدايته كسر للإرادة، وفي وسطه مساعي متنوعة لصهرها وإعادة بنائها بمعايير الحق، وفي نهايتها وقوف دائم بالحقيقة. وقد كانت بداية ووسط ونهاية الفضيل بن عياض أحد النماذج الحية لهذه الحلقات التي تشكلت منها سلسلة الصيرورة الصوفية للفضيل بن عياض وكينونتها التامة. مع انه لا تمام في التصوف باستثناء المكابدة الخالصة في الإخلاص للحق والحقيقة.
ولد الفضيل بن عياض بسمرقند ونشأ بأبِيْوَرْد وتكامل في الكوفة ومات في مكة (عام 187 للهجرة). بدأ حياته بالشطارة والسرقة على كل من استطاع الوصول إليه، بوصفه أحد قطاع الطرق لينتهي بقطع طريق الحق. بمعنى انه مثّل، على خلاف إبراهيم بن ادهم الذي انحدر من غنى العائلة الملكية إلى فقر المكابدة الصوفية، وعلى خلاف شقيق البلخي الذي ولع في بداية أمره بالتجارة والمال وانتهى بإفلاسه المادي وغناه الروحي، طريق كسر إرادة الغريزة الهمجية بإرادة الحق. بعبارة أخرى، لقد عاش الفضيل بن عياض عيشة الشطار قبل ان ينشطر قلبه ليخرج منه قيح العبث.
وتنقل لنا الروايات التاريخية المدونة ضمن أمهات تاريخ التصوف والكتب الصوفية عن ان الفضيل بن عياض كان شاطرا يقطع الطريق بين أبيورد وسرخس، وكان سبب توبته أنه عشق جارية، فبينا هو يرتقي الجدران إليها، إذ سمع تاليا يتلو )أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ( فلما سمعها قال: بلى يا رب قد آن!
فرجع فأواه الليل إلى خربة فإذا فيها سابلة يقول بعضهم للآخر بان من الأفضل الرحيل من هنا، بينما اقترح البعض الآخر البقاء حتى الصباح خوفا خن ان يقطع الفضيل عليهم الطريق. عندها تفكر الفضيل كما ينقل عن نفسه مخاطبا إياه "أنا سعى بالليل في المعاصي، وقوم من المسلمين هاهنا يخافوني. وما أرى الله ساقني إليهم إلا لأرتدع. اللهم إني قد تبت إليك، وجعلت توبتي مجاورة البيت الحرام ". بعدها ترك خراسان وانتقل إلى الكوفة، فسمع من مختلف علماءها، ثم اعتزل اعتزال المتصوفة، وبعدها انتقل إلى مكة ونزلها إلى أن مات بها عام 187 للهجرة.
غير ان هذه الصورة المكثفة لتنقله ليست إلا خطوط المسار العام والمجرد لسياحته في ارض الخلافة المعنوية. فقد كان من صفاته في الطريق السياحة في أرجاء الخلافة.وهي الممارسة التي أسس لها الفضيل بمعايير الجسد، قبل ان ترتقي لاحقا إلى قاعدة في طريق قهر الارادة وتربيتها على تمل مصاعب الوجود. وضمن هذا السياق يمكن فهم الصيغة التي حاول أبو نعيم الأصفهاني من خلالها رسم معالم الروح والجسد المميزة للفضيل، والتي وضعها في عبارة تقول "كان الفضيل من الخوف نحيفا، وللطواف أليفا". ومن شخصيته هذه بلور احد المبادئ أو القواعد الكبرى للتصوف والقائلة: "إن التصوف المبادرة في السفر والمساهرة في الحضر" . لكنها، شأن كل وصف من هذا القبيل، قد تعكس بعض الجوانب الجوهرية في الشخصية لكنها لا تلمّ بما فيها من أفكار خاصة وتجربة فردية. بمعنى انه وصف من بين أوصاف يمكنها ان تكشف الانطباع الظاهري أو شخصيته الثقافية. وبالتالي يمكنها ان تسلط الضوء على ما فيه وليس حقيقته الباطنية.
فقد قال عنه خادمه إبراهيم بن الأشعث "ما رأيت أحدا كان الله في صدره أعظم من الفضيل، كان إذا ذَكر الله أو ذُكر عنده أو سمع القرآن ظهر به من الخوف والحزن وفاضت عيناه، وبكى حتى يرحمه من يحضره. وكان دائم الحزن شديد الفكرة. ما رأيت رجلا يريد الله بعلمه وعمله، وأخذه وعطائه، ومنعه وبذله، وبغضه وحبه، وخصاله كلها غيره. كنا إذا خرجنا معه في جنازة لا يزال يعظ، ويذكر ويبكي كأنه مودع أصحابه ذاهب إلى الآخرة حتى يبلغ المقابر فيجلس مكانه بين الموتى من الحزن والبكاء، حتى يقوم وكأنه رجع من الآخرة يخبر عنها" . وفي موقع آخر قال "رأيت سفيان بن عيينة يقبل يد الفضيل مرتين". وضمن هذا التقييم ما قاله عنه أبو علي الرازي:"صحبت الفضيل بن عياض ثلاثين سنة ما رأيته ضاحكا ولا مبتسما إلا يوم مات ابنه". وعندما قال له بذلك أجاب "إن الله أحب أمرا فأحببت ما أحب" . وهو تصوير يعكس جوهرية الله والخوف والحزن والتأمل الفكري الدائم. بينما وجد بشر بن الحارث فيه نموذجا "لأكل الحلال" كما في قوله "عشرة ممن كانوا يأكلون الحلال، لا يُدخلون بطونهم إلا حلالا ولو اسْتَفُّوا التراب والرماد" وجعل الفضيل بن عياض بينهم إلى جانب إبراهيم بن أدهم، وسليمان الخواص، ويوسف بن أسباط، وحذيفة المرعشي، وداود الطائي، ووهيب بن الورد وغيرهم. بينهما شدد ابن المبارك على جوهرية الورع في شخصيته. بحيث نراه يفرز فيه هذه الصفة مقارنة بما عند الآخرين، كما في قوله "رأيت أعبد الناس عبد العزيز بن أبي روَّاد، وأورع الناس الفضيل بن عياض، وأعلم الناس سفيان الثوري، وأفقه الناس أبا حنيفة". وهي الصفة التي شاطرها اغلب من وصفه كما في قول إبراهيم بن شماس "رأيت أفقه الناس، وأورع الناس، وأحفظ الناس وكيعا والفضيل وابن المبارك". بل نرى ونسمع هذا الوصف بما في ذلك على لسان هارون الرشيد، بأثر لقائه به كما في قوله "ما رأيت في العلماء أهيب من مالك، ولا أورع من الفضيل".
وعموما تراكمت فضيلة الفضيل بن عياض في سيل متنوع الروافد لكنها كانت جميعا تصب في الموقف منه باعتباره احد أفضل المشايخ والعلماء. فقد قال عنه عبيد الله القواريري، ان الفضيل بن عياض بين أفضل من رأى من المشايخ. بينما قال ابن المبارك عنه "إن الفضيل بن عياض صدق الله فأجرى الحكمة على لسانه، فالفضيل ممن نفعه علمه"، وانه "ما بقي على ظهر الأرض عندي أفضل من الفضيل بن عياض". وقال عنه أيضا "إذا نظرت إلى الفضيل، جَدَّد لي الحزن، ومقت نفسي". ثم بكى. بل نراه في خاتمة المطاف يقول "ما بقي في الحجاز أحد من الأبدال إلا الفضيل بن عياض". في حين قال البعض عنه "لم يزل لكل قوم حجة في أهل زمانهم، وإن الفضيل بن عياض حجة لأهل زمانه". بل وتنسب إلى هارون الرشيد قولة "ما رأت عيناي مثل الفضيل بن عياض. دخلت عليه فقال لي: فرّغ قلبك للحزن وللخوف حتى يسكناه، فيقطعاك عن المعاصي، ويباعداك من النار".
ولا يعني ذلك سوى صيرورته الروحية في مثال مرجعي في العلم والعمل والسلوك. اذ جّسد في ذاته وشخصيته وحدة المتناقضات الحية. وقد تكون العبارة التي رسمها إسحاق بن إبراهيم الطبري من بين أكثرها دقة كما في قوله عنه "ما رأيت أحدا أخوف على نفسه، ولا أرجى للناس من الفضيل. كانت قراءته حزينة، شهية، بطيئة، مترسلة، كأنه يخاطب إنسانا". وهو وصف اقرب إلى ما قاله خادمه إبراهيم بن الأشعث:"ما رأيت رجلا يريد الله بعلمه وعمله، وأخذه وعطائه، ومنعه وبذله، وبغضه وحبه، وخصاله كلها غيره". إننا نعثر في هذه الأوصاف على جمع الفضيل بين الأضداد، وهي الذروة التي يبلغها الروح بوصفه حامل المطلق. ووضع ذلك في جملة مفاهيم ومواقف الجمع بين الضدين بوصفه أسلوب بلوغ الاعتدال والحقيقة، كما في قوله"حزن الدنيا يذهب بهمّ الآخرة، وفرح الدنيا للدنيا يذهب بحلاوة العبادة" .
والمقصود بوحدة التناقضات الحية هي تفعيل وحدة الأحوال في العلم والعمل. من هنا تميز الفضيل بكونه "دائم الحزن شديد الفكرة". ولا يعني ذلك سوى التعامل الوجداني الحي تجاه كل ما في الوجود. والوجود تناقض لا يتناهى ولا ينتهي. الأمر الذي يثير في القلوب الحية على الدوام شعور الحزن والمحبة. ومنهما تتولد على الدوام شرارة التفكر والتأمل الدائم. وهي الحالة التي صورتها العبارة القائلة بان كل ما كان يقوم به الفضيل من علم وعمل،وأخذ وعطاء، ومنع وبذل، وبغض ومحبة هو لله، أي للمعيار المتسامي في الموقف من الأشياء والسلوك. وضمن هذا السياق يمكن فهم مضمون العبارة التي قال بها عبد الله بن المبارك عن انه "إذا مات الفضيل ارتفع الحزن" . بمعنى بلوغه في هذا الحال ذروة المقام.
ان الذروة المتحققة في شخصية الفضيل بين عياض، التي وجدت انعكاسها في الصفات الجوهرية الملازمة لوجده ووجوده من حزن وتفكر وورع وخوف هي الوجه الآخر لتجاربه الشخصية ووعيه الذاتي. وهي تجارب ليست معزولة عن مخاض الدخول في الطريق الصوفي، أو تجربة انكسار الإرادة الأولى وأثرها اللاحق في المسار الشخصي للطريق. فهو بمعنى ما الوجه النقيض للماضي، والذي يسري، شأن كل مسار صوفي مهذًّب في مقامات الرقي الروحي وبلوغ ذروتها المعرفية في إدراك الحقيقة، اي حقائق الأحوال الباطنة والظاهرة. فقد اخذ مرة بيد سفيان بن عينة وقال له:"إن كنت تظن أن بقي على وجه الأرض شرّ مني ومنك فبأس ما تظن" . وحالما يجري قلب هذه العبارة بمعايير الحال والمقام، فإنها تعني ضرورة التهذيب الدائم للإرادة والقلب، اي تهذيب الروح الأخلاقي العملي والمعرفي من اجل بلوغ الإخلاص في العلم والعمل. من هنا توسعه في نقد النفس وتهذيبها عبر وضعها على لهيب المحاسبة الذاتية كما في اقواله العديدة مثل "كيف ترى حال من كثرت ذنوبه، وضعف علمه، وفني عمره، ولم يتزود لمعاده"، و"يا مسكين! أنت مسيء وترى أنك محسن، وأنت جاهل وترى أنك عالم، وتبخل وترى أنك كريم، وأحمق وترى أنك عاقل، أجلك قصير، وأملك طويل" وامثالها العديدة. بحيث اوصله ذلك في نهاية المطاف للقول "كفى بالله مُحبا، وبالقرآن مؤنسا، وبالموت واعظا، وبخشية الله علما، وبالاغترار جهلا".
إننا نعثر في هذه المواقف والأحكام عن النفس ها على رقة الإخلاص الذي يميز دموع الأطفال البريئة عن دموع التماسيح البشرية! من هنا رؤية الوجود عبر موشور النقاء الخالص. وقد وضع ذلك عبر تجاربه الفردية بصيغ مختلفة ومتنوعة لكنها تصب شأن الجداول في بحر البحث عن اليقين. وهو يقين ظاهره نفي المظاهر والعابر، وباطنه انتصاب القلب في طلب الحق، كما في قوله "لو أن الدنيا بحذافيرها عرضت علي حلالا لا أحاسب بها في الآخرة، لكنت اتقذرها كما يتقذر أحدكم الجيفة إذا مر بها أن تصيب ثوبه" . وأن يقول في حال آخر "لو خيرت بين أن ابعث فادخل الجنة وبين أن لا ابعث، لاخترت أن لا ابعث" . وعندما قيل لم ذالك، أجاب "من الحياء". وأن يقول في حال آخر "والله لأن أكون هذا التراب أو هذا الحائط أحب إلي من أن أكون في مسلخ أفضل أهل الأرض اليوم" . وفي حال آخر قال "لو خيرت أن أعيش كلبا وأموت كلبا ولا أرى القيامة لاخترت أن أعيش كلبا وأموت كلبا ولا أرى يوم القيامة" . وانتهى في مواقفه هذه بقول يحتوي في أعماقه على كامل تجربته بهذا الصدد من خلال بلورة فكرة اللاشيء كما في قوله "ما اغبط ملكا مقربا، ولا نبيا مرسلا، يعاين القيام وأهوالها. ما اغبط إلا من لم يكن شيئا" .
ان اعتبار الحياة العادية مجرد قذارة هو الذي حدد موقفه منها ومن نفسه فيها. وبالتالي ليس رغبته عن تفضيله البقاء في "قبر" الوجود على الانبعاث إلى "جنة الخلد"، أو تفضيله ان يكون ترابا أو حائطا، وانه لا يغبطه شيئا أكثر من ان يكون لا شيء، سوى الصيغة العميقة للحزن الذي يعتصر العقل والقلب في رؤيته لديمومة القذارة الفعلية التي تلف وجود البشر، كما كان الحال بالنسبة لديموقريطيس (الفيلسوف الباكي)، الذي اختلى بنفسه بأثر تأمل الحياة ومستوى الانحراف الأخلاقي فيها، لكي يكتشف الحقيقة القائلة بان الوجود والعدم نار تحترق بمقدار وتنطفئ بمقدار. وهذه بدورها ليست إلا لهيب المعاناة والتأمل العميق للوجود وإشكالاته، التي تجعل المرء "شاهدا لغائب" كما تقول المتصوفة، وليس "غائبا لشاهد". بمعنى ان تكون في صلب الوجود والحياة والبشر بالقلب والحقيقة، وليس مستمعا لما فيها، اي حاضرا بجسدك غائبا بروحك.
لقد كانت هذه المواقف والاستنتاجات مستنبطة من التأمل العقلي الوجداني للحقيقة وتعبيرا عنها. لهذا نراه يجيب على قول ابنه علي:
- يا أبتي إن الحلال عزيز.
- يا بني، وإن قليله عند الله كثير!
وعندما سأله احدهم:
- يا أبا علي ما الخلاص مما نحن فيه؟
- أخبرني من أطاع الله هل تضره معصية أحد؟
- لا!
- فمن يعصي الله هل تنفعه طاعة أحد؟
- لا!
- هو الخلاص إن أردت الخلاص!
لقد وضع الفضيل الله في صلب المعيار التام للأقوال والأعمال. اذ ليس الله بالنسبة للفضيل (والمتصوفة جميعا) سوى الحق المطلق، ووحدة الحق والحقيقة، ووتر الأخلاق المشدود برقة الاستماع إلى ضربات الوجد والوجود، ودمعة الأطفال البراقة على وجنة البراءة المخدوشة، والوقوف في كل ما له صلة بالروح المتسامي. من هنا يمكن فهم مضمون العبارة التي قال احدهم عنه "ما رأيت رجلا يريد الله بعلمه وعمله، وأخذه وعطائه، ومنعه وبذله، وبغضه وحبه، وخصاله كلها غير الفضيل بن عياض". اذ نعثر في هذه العبارة على ما وضعه الفضيل نفسه من أفكار ومواقف مثل قوله "عاملوا الله بالصدق في السر، فان الرفيع من رفعه الله. وإذا أحب الله عبدا اسكن محبته في قلوب العباد" . وأن "من خاف الله لم يغرّه شيء، ومن خاف غير الله لم ينفعه احد" . وأن "من مقت نفسه في ذات الله آمنه الله من مقته" ، و"إذا أحب الله عبدا أكثر غمه، وإذا ابغض الله عبدا أوسع عليه دنياه . وأن "أحق الناس بالرضا عن الله أهل المعرفة بالله" ، وأن "إن رهبة العبد من الله على قدر علمه بالله".
إننا نعثر في هذه الأفكار على مواقف أخلاقية عميقة اقرب ما تكون إلى المعارضة المتسامية في موقفها من الواقع. بمعنى أنها تواجه بمعايير الحق والحقيقة سواء تعلق الأمر بالصدق والاغترار والعزة الباطنية وحقيقة الغنى وما شابه ذلك والتي اختتمها بفكرة عميقة تقول بان معايير الحق والحقيقة هو معرفة الحق والحقيقة والعمل بهما.
وليس الله هنا سوى الحق المجرد والحقيقة المتسامية. من هنا قوله "أكذب الناس العائد في ذنبه. وأجهل الناس المُدِلّ بحسناته. وأعلم الناس بالله أخوفهم منه". بعبارة أخرى، ان معيار الحق والحقيقة في الله، أو معيار الله في الحق والحقيقة مرهون بالنسبة للفضيل بالمعرفة الصادقة والعمل بمعاييرها، من هنا قوله "رهبة العبد من الله على قدر علمه بالله. وزهادته في الدنيا على قدر رغبته في الآخرة. من عمل بما علم استغنى عما لا يعلم، ومن عمل بما علم وفَّقه الله لما لا يعلم، ومن ساء خلقه شان دينه وحسبه ومروءته". وقد حوّل الفضيل بت عياض هذه الحقائق المستنبطة من تجاربه الفردية إلى حقائق متحكمة في السلوك الباطني والظاهري لنفسه وللآخرين. من هنا قوله "بقدر ما يصغر الذنب عندك يعظم عند الله، وبقدر ما يعظم عندك يصغر عند الله"، و"إن قدرت أن لا تعرف فافعل، وما عليك أن لم يثن عليك". وشكلت هذه الأفكار ما يمكن دعوته بمرجعيات الروح الأخلاقي في مواجهة كل ما يواجهه في الحياة. من هنا قوله "من أحب أن يذكر لم يذكر، ومن كره أن يذكر ذكر"، وأن "ترْك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله عنهما". ذلك يعني ان العصمة الذاتية هي الوجه الفعلي للعلم والعمل في مواجهة الواقع أيا كان شكله وقيمته ومحتواه. بحيث نرى الفضيل يقول "لا يكون العبد من المتقين حتى يأمنه عدوه". بل ونسمعه يحلف قائلا "والله ما يحل لك أن تؤذي كلبا ولا خنزيرا بغير حق، فكيف تؤذي مسلما". فالإنسان في نهاية المطاف يقف على الدوام أمام سلسلة الماضي والحاضر والمستقبل، ويستمد منها قيمته وأثره في بلورة الشخصية الصوفية ومواقفها العملية، كما في قوله "إنما أمس مثلٌ، واليوم عمل، وغدا أمل".
ان هذه الحصيلة المتنوعة في المواقف تتوحد في انتمائها لفكرة القلب، بوصفه الإناء الذي ينضح ما فيه، أو المرآة التي تتجلى بها رؤية الوجود الحق أو رؤية الحقيقة. فمن حيث كونه إناءا ينسكب مما فيه في مختلف المواقف مثل قوله "ثلاث خصال تقس القلب: كثرة الأكل وكثرة النوم وكثرة الكلام"، و"كما أن القصور لا تسكنها الملوك حتى تفرغ، كذلك القلب لا يسكنه الحزن من الخوف حتى يفرغ" . ومن هنا موقفه "لا يسلم قلبك حتى لا تبالي من كل الدنيا" . فالعين، على سبيل المثال "ما لم يكن بصرها بالقلب فكأنما أبصرت سهوا" . بحيث جعله ذلك يقول، بان "نقل الصخور من الجبال أيسر من إزالة رياسة قد ثبتت في قلب جاهل" . وقد كانت مواقفه هذه كلها نتاج "قرح القلب"، اي معاناته الفعلية بمعايير الحق والحقيقة. وقد صورت هذه الحالة الحكاية الواردة على لسان سهل بن راهويه عندما قال لسفيان بن عيينة:
- ألا ترى إلى الفضيل لا تكاد تجف له دمعة
- إذا قَرِح القلب نديت العينان!
أما من حيث كونه رؤية الوجود الحق أو رؤية الحقيقة فيظهر في توسع أعماق الرؤية الباطنية للوجود ومداها وأثرها في المواقف الفعلية من النفس، أو المراقبة الذاتية، بوصفها أسلوب التنقية الدائمة للقلب وتصفيته من كدر الوجود وخبائث المعدوم. وهذا بدوره ليس إلا التعبير المناسب لتجربته الصوفية ونوعية تأسيسه لبعض المفاهيم الجوهرية بالنسبة للطريقة كالورع، والخلوة، والجوع، والخوف، والبلاء، والزهد، والرضا، والتوكل، اي كل ما يشكل عصب الطريقة والحقيقة. فالورع بالنسبة له ليس كمية المظاهر التي لا تخلو من رياء محتمل، بل هو مجرد "اجتناب المحارم"، ومن بين أشده هو "الورع في اللسان". بعبارة أخرى، انه لم يذهب باتجاه التفريع والتدقيق واكتفى بالحد الذي يقيد أخلاق المرء بحدود الفضيلة الباطنية وتعبيرها الظاهري في اللسان. فاللسان هو سوط الرذيلة حالما لا تقيد كلماته وعباراته أحرف الأخلاق وكلمات الحقيقة.
ووجد في الخلوة احد أساليب هذا التقييد الذاتي. فهو الأسلوب الذي يجمع التصوف والمتصوفة، لكنه شأن كل مفاصل المقامات الكبرى مرتبط من حيث حدوده ونوعيته وأثره في السلوك بالتجربة الفردية للصوفي. وقد اتخذت عند الفضيل أولويتها على الأنس. حيث تروى عنه الحادثة التالية. كان الفضيل جالسا وحده في المسجد الحرام، فجاء إليه أخ له فقال له:
- ما جاء بك؟
- المؤانسة يا أبا علي!
- هي والله بالمواحشة أشبه! هل تريد إلا أن تتزين لي وأتزين لك؟ وتكذب لي واكذب لك؟ أما أن تقوم عني أو أقوم عنك!
وضمن هذا السياق يمكن فهم حقيقة قوله:"طوبى لمن استوحش من الناس، وأنس بربه وبكى على خطيئته" . وضمنها أيضا يمكن فهم حقيقة موقفه من الجوع. فقد كان يخاطب نفسه "أي شيء تخافين؟ تخافين أن تجوعي؟ لا تخافي ذلك! أنت أهون على الله من ذلك، إنما يجوع محمد وأصحابه" . بل نراه يرفع من شأن الجوع إلى مستوى الفضيلة الكبرى، كما في قوله:"الهي! أجعتني وأجعت عيالي وتركتني في ظلم الليالي بلا مصباح، وإنما تفعل ذلك بأوليائك، فبأي منزلة نلت هذا منك؟" . ولا يعني ذلك سوى الاعتزاز بإرادته في تحدي وتذليل الأنس الفارغ الذي يجزع الناس بدونه، وجوع البطون الخاوية بجوع الارادة بوصفها تحد للنفس، ومعيار موقعها في مدارج الحقيقة.
وليس مصادفة ان تتحول دهاليز الإرادة الباحثة عن مخرج عبر الورع والجوع إلى ممر الخروج صوب أهمية وجوهرية فكرة الخوف، بوصفها فكرة تقويم الارادة الناطقة بمنطق الحق وذوق الحقيقة،كما في قوله "إذا قيل لك تخاف الله؟ فاسكت. فإن قلت (لا) كفرت، وإن قلت (نعم) فليس وصفك وصف من يخاف" . من هنا استنتاجه القائل:"الخوف أفضل من الرجاء مادام الرجل صحيحا. فإذا نزل به الموت فالرجاء أفضل من الخوف" . وما بينهما تبلورت فكرة البلاء وأهميتها بالنسبة لامتحان النفس والإرادة، كما وضعها في قوله "لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يعد البلاء نعمة والرخاء مصيبة، وحتى لا يبالي من أكل الدنيا، وحتى لا يحب أن يحمد على عبادة الله" .
ان تحول البلاء إلى نعمة تعني جوهريتها أو مرجعيتها بالنسبة للإرادة في السلوك والعمل. فالإرادة الإنسانية محاصرة بقوة الغريزة والمصالح والعادات والتقاليد والأعراف والقيم السائدة والتصورات العقائدية وما إلى ذلك من قوى تقيّد أو تحبط الارادة الصوفية، بوصفها حرية السلوك المحكوم بقوة الحق والحقيقة. وقد قدم الفضيل بن عياض نماذج عدة لهذه الرؤية كما في قوله "الشيطان إنما يدور على هلاك الخلق" ، اي الرذيلة بمختلف أشكالها ومستوياتها وصورها عادة ما تلتف حول إرادة الإنسان لكي تكبله بأثقالها. ومن هنا استنتاج القائل بأنه "ليس في الأرض شيء اشد من ترك الشهوة" . لهذا اعتبر "حب الدنيا وطول الأمل" من بين أكثر الخصال خطورة بهذا الصدد، بمعنى إهمال حقيقة المعنى الفعلي للحياة والأمل. فحقيقة الحياة هي العطاء لا الأخذ، وان الأمل هو شعاع الروح في وحشة المتوحشين، كما في قوله "من استوحش من الوحدة واستأنس بالناس لم يسلم من الرياء" . كما ان "ترك العمل من اجل الناس هو الرياء"، بل ونراه يدفع هذه الفكرة إلى أقصاها عندما يشدد على ان "والعمل من اجل الناس هو الشرك" . بمعنى ان حقيقة العمل هي العمل من اجل الحقيقة. عند ذاك تكون من اجل الناس بالفعل. وضمن هذا السياق يمكن فهم المعنى الباطن للفكرة التي وضعها في قوله "أمرنا أن لا نأخذ الشيء إلا في وقت الحاجة" . وحاجة الصوفي هي كل ما يهذب ويشذب الارادة، وحصرها ضمن لمعان الحال العابر بعبارة تقول "من واقى خمسا فقد وقى شر الدنيا والآخرة – العجب والرياء والكبر والإزراء والشهوة" .
وقد حددت هذه الأفكار المتبلورة في مجرى التجربة الصوفية للفضيل بن عياض مواقفه المتنوعة في الظاهر والمتوحدة في باطنها سواء تجاه النفس أو الآخرين. مع انه لا آخر في حقيقة الموقف الصوفي. ففي بعض مواقفه من نفسه نسمعه يقول: "لو حلفت إني مرائي كان أحب إلي من أن احلف إني لست بمرائي" . وفي موقف أخر يجيب على من قال له مرة عشية عرفة:
- كيف ترى حال الناس؟
- مغفورون لولا مكاني فيهم" .
وقد حقق هذا الموقف النقدي تجاه مختلف مظاهر الجسد وبواطن النفس. لهذا نسمعه مرة يقول "احفظ لسانك، واقبل على شأنك، واعرف زمانك، وأخف مكانك" . ويقول في موقف آخر:"لا تقول اللهم أهلكه، بل قل اللهم أصلحه" . بينما نراه يدقق في موقف آخر بواطن النفس بعد وضعها على محك الإيمان، اي على محك الروح الأخلاقي النقي كما في قوله:"الغبطة من الإيمان، والحسد من النفاق. والمؤمن يغبط ولا يحسد، والمنافق يحسد ولا يغبط. والمؤمن من يستر ويعظ وينصح، والفاجر يهتك ويعير ويفشي" . و"المؤمن يهمه الهرب بذنبه إلى الله، يصبح مغموما ويمسي مغموما" . في حين يصحح ويدقق في موقف آخر باطن النفس كما في قوله: "لن يتقرب العباد إلى الله بشيء أفضل من الفرائض. الفرائض رؤوس الأموال، والنوافل الأرباح" . ووضع هذه الرؤية في مواجهة مرآة الأخلاق النقية المتمثلة في "أخلاق الأنبياء والأصفياء الأخيار الطاهرة"، الذين تتحكم في قلوبهم خلائق ثلاثة وهي "الحلم، والأناة، وحظ من قيام الليل" . ومنها ومن خلالها يمكن تأمل حقيقة الأخلاق الفعلية للإنسان، أي مرآة أخلاقه الباطنة.






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من أعلام التصوف : داوود الطائي
- من أعلام التصوف: إبراهيم بن ادهم
- فلسفة النفي العقلاني للراديكالية السياسية
- أفول الراديكالية والإرهاب - مخاض الحرية العراقية
- النفي العقلاني للراديكالية السياسية
- أوهام العقائد السياسية الراديكالية
- السياسة والمقدس أو التاريخ الفعلي والزمن الضائع
- الراديكالية العراقية : أيديولوجية الأزمة والتأزم
- الراديكالية العراقية – أيديولوجية الطريق المسدود
- العرب وفكرة الخلافة الذاتية عند محمد عبده
- الانسان في فلسفة عبد الكريم الجيلي (3-3)
- الإنسان في فلسفة عبد الكريم الجيلي(2-3)
- الإنسان في الفلسفة الصوفية لعبد الكريم الجيلي(1-3)
- من نقد الدين إلى وحدة الأديان في الثقافة الإسلامية(9)
- من نقد الدين إلى وحدة الأديان في الثقافة الاسلامية(8)
- من نقد الدين إلى وحدة الأديان في الثقافة الاسلامية(7)
- من نقد الدين إلى وحدة الأديان في الثقافة الاسلامية(6)
- النقد العقلي للأديان في علم الِملل والنِّحل(5)
- النقد العقلي للأديان في علم الٍِمَلل والنِحَل(4)
- من نقد الدين إلى وحدة الأديان في الثقافة الاسلامية(3)


المزيد.....




- طائرة تقاطع مؤتمر المتحدثة باسم البيت الأبيض فجأة.. شاهد رد ...
- روسيا بصدد تصنيع راجمة صواريخ خفيفة
- آثار القصف الصاروخي على مقر الحشد الشعبي شمال العراق
- مراسم ملكية وعسكرية مهيبة لتشييع جنازة الأمير فيليب.. إليكَ ...
- مسؤول رفيع في مافيا كالابريا الإيطالية محكوم بالسجن المؤبد ي ...
- الشرطة العراقية تعثر على كنز داعشي خبأه التنظيم في بيت بالمن ...
- هل يصبح الهيدروجين قريبا -بديلا مستداما- لوقود الطائرات؟
- مراسم ملكية وعسكرية مهيبة لتشييع جنازة الأمير فيليب.. إليكَ ...
- مسؤول رفيع في مافيا كالابريا الإيطالية محكوم بالسجن المؤبد ي ...
- الشرطة العراقية تعثر على كنز داعشي خبأه التنظيم في بيت بالمن ...


المزيد.....

- (المثقف ضد المثقف(قراءات في أزمة المثقف العربي / ربيع العايب
- نحن والجان البرهان أن الشيطان لا يدخل جسد الإنسان / خالد محمد شويل
- الذات بين غرابة الآخرية وغربة الإنية / زهير الخويلدي
- مكامن الانحطاط / عبدالله محمد ابو شحاتة
- فردريك نيتشه (1844 - 1900) / غازي الصوراني
- الانسحار / السعيد عبدالغني
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- سيرورة التطور والنضج العقلي عند الأطفال - أسس الرعاية التربو ... / مصعب قاسم عزاوي
- ازدياد التفاوت بين الطبقات الاجتماعية / زهير الخويلدي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ميثم الجنابي - من أعلام التصوف: الفضيل بن عياض(1-2)