أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عباس علي العلي - الدين بين حاجة الإنسان وشكل الفهم ح1















المزيد.....

الدين بين حاجة الإنسان وشكل الفهم ح1


عباس علي العلي
(Abbas Ali Al Ali)


الحوار المتمدن-العدد: 6697 - 2020 / 10 / 7 - 20:22
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


سيرجي كارف جليلوف قوقازي منحدر من عائلة نشأت الأب فيها قيادي شيوعي سابقا وجد من ضحايا العهد الستاليني وأم روسية ذات ماضي عقائدي ملتصق تماما بروح البلشفية الروسية الكلاسيكية، لا يعرف من حاضره سوى أنها ولد مع نضج حركة التصحيح الغروباتشوفية وأدرك أن مسألة الوجود تتحكم بها قدرة الإنسان على التعامل مع الواقع بمزيد من الواقعية العقلانية التي تؤمن له الإدراك الفعلي للسعادة بالعمل وحده وكسب المزيد من الأموال التي يمكن أن يجنيها من خلال عالم حر لا يضع قيودا على تحرك الفرد للبحث عنها، ألتقى في باريس حيث يعمل مع رجل شيشاني مسلم متزمت حد الجنون في إيمانه بالدين، رجل ملتحي ذو وجه عابس يرى في الحياة مجرد مرحلة لا بد أن تنتهي بأي شكل حتى يصل لمرحلة الحياة الحقيقية في نظره في عالم مباح فيه كل ممنوع ومرغوب بلا حدود جزاء لما ضحى م أجله.
الحقيقة أن الرجلين من عالمين مختلفين تماما وإن كانا من بيئة واحدة وقد يكونا أيضا من طينة واحدة، جليلوف عرف مؤخرا أنه مسلم حسب تقاليد المجتمع القوقازي وواقع الحال فأبوه وجده كانا مسلمين الأول بواقع مفترض والجد كان رجل دين حقيقي قمع وقمعت شخصيته التي كسبها من إرث العائلة التي صارعت من قبل القياصرة لكنها لم تنهزم وحافظت على تقاليدها، لكن ستالين وفكر الشيوعية نجح في تجريد هذه العائلة من إرثها بالفعل وتحولت عائلته إلى أفراد منهم من بقى في مدينه يحاول أن يتكيف مع الجديد ولا يجاهر بشيء واخرون كانت أنتمائتهم السياسية فرضت عليهم الأنتقال إلى مكان أخر في طلاق غير معلن مع دينهم وعقيدتهم لأنهم لم ولن يجدوا فيه طريقا لضمان حياة أكثر أمنا، ألتقى مع ناتاليا في موسكو في أحد الأنشطة الحزبية التي كانت تجمعهم وصار من الضروري أن تنشأ عائلة مختلطة في الأصول والرؤى ولكنها تجتمع تحت ظل العقيدة الحزبية الصارمة التي تدخلت حتى في رسم هوية الجيل الذي سيأتي.
قادروف الذي غير أسمه إلى عبد القادر بعد أن فر إلى باريس بعد أنتهاء حرب الشيشان الأولى متنقلا من مدينة إلى أخرى بسبب ملاحقات أمنية طالت الكثير من المتشددين المسلمين نتيجة ما عرف لاحقا بسياسة الأحتواء والترصد بعد أحداث 11 سبتمبر وما تلاها من تداعيات حرب أفغانستان والعراق وظهور ما يعرف بالإسلام فوبيا، كان القاء غريبا أيضا وفي ظروف لم يخترها الطرفان فقد كان يسكنان في بناية واحدة الباب عند الباب في الطابق الأخير من البناية التي تكونت من أربع أدوار، غالب سكنتها من المهاجرين من أصول شرق أوسطية أو من مما يعرف بجيل الهجرة الثالث، قادروف لم يكن يجيد عملا محددا ولم يعرف عنه أنه أستقر في مهنة ما يمكن أن تؤمن له وضعا مريحا دون الأعتماد على مصدر دخل أخر بالغالب يكون طارئا أو من جهات متعددة، لكنه ماهر جدا في تقنيات الحاسوب وأستخدامات الدعم والبرمجة، لذا كان هذا السبب الرئيس الذي جمع بين الرجلين، إمكانيات غير معقولة يتمته بها قادروف أو عبد القادر في هذا المجال مع أن جليلوف لديه قدرة في العمل المجدول والمنظم الذي يستعين به دوما على إتمام الكثير من مهماته الصحفية والإعلامية فهو صحفي مشهور ويتعامل مع الكثير من الجهات التي تعتمد على جهوده في الوصول إلى الجمهور.
علاقتهما إذا أبتدأت بعمل مشترك بعيدا عن كونهما أصلا من بلد واحد أو نتيجة لعامل أخر، جليلوف يرى في فرنسا بلده الحقيقي الذي وفر له معيشة وعمل وهوية، أما قادروف فهو يرى في فرنسا مجرد مرحلة قد تذهب به إلى خياره الذي نذر نفسه ومستقبله من أجل أن يبلغه ولو بعد حين، الأول كان فعلا مواطنا حقيقيا بكل ما تعني الكلمة من أعتبار قانوني فهو متماهي تماما مع روح فرنسا التي رسمتها من جديد الثورة الفرنية وفلسفة وروح باريس التي تمنح لقبها لكل من أخلص لها، لا يشكو من أي وضع خارج كونه مواطن فرنسي يحمل جنسية بلد مد له يد المساعدة في الوقت الذي أنهارت في أعمدة قصر الكرملين رمز وشرف بلاده، ولكنه أيضا لا ينسى أن جذوره الممتدة في القوقاز تمنع من أن يكون كذلك، علم في الفترة الأخيرة أن والدته قد توفيت بمرض السرطان وأن والده الذي أفترق عن زوجته من فترة طويله ما زال مواطنا روسيا متقاعدا لكنه يعرف أنه ما زال كما كان شيوعيا متميزا بإخلاص لمبدأه السياسي ولا يحيد عن فكرة أن روسيا لا يمكنها أن تكون إلا حمراء كسابق عهدها وأن الشيوعية خيارها وإن بعد زمن.
النقطة الخلافية الرئيسية بينهما في كل مرة يلتقيان فيها هي ولع جليلوف بالموسيقى أما عبد القادر فعقدته الكبرى أن يسمع ما يخدش حياء أذنه، لذا تراه في غالب الأحيان يضع سماعات صغيرة في أذنه تبث له من جهازه المحمول آيات القرآن الكريم أو محاضرات عقائدية وأحيانا دروسا في العربية والقرآن، حتى في أثناء العمل ينقطع تماما من التواصل مع العالم الخارجي وينهمك في عمله، هذا ما يسبب له الكثير من الأعتراضات التي تصل حد القطيعة بينه وبين أرباب عمله لذا لا تجده يستقر في عمل حتى ينقطع عنه فجأة لأنه لا يستطيع أن يتكيف مع حال العمل وهو منغمس حد الهوس محاربة ما يسميه تلويث البيئة بالفسق والفجور، كلاهما أعزب الآن ولكنهما بالتأكيد لم يفتهما قطار المتعة في يوم من الأيام هكذا رد جليلوف على عبد القادر حينما سأله عن زوجه أو ما شابه، عبد القادر فرح أيضا لأنه متزوج من أكثر من واحدة وكلهن خارج فرنسا وينتظر أن تصل إحدى زوجاته التي تجوزها عن طريق مواقع التواصل وهي ألمانية الجنسية جزائرية الأصل لذا فهو يتعلم دورس العربية تحضيرا للقاء.
كلما حاول عبد القادر أن يفتح مع جاره موضوع الدين والتدين وتذكير الأخير بأصله وضرورة العودة للجذور يجد تجاهلا مقصودا من قبله، فهو الذي سبق وأن أعلن أكثر من مرة إنه أبن زمنه وليس أبنا للجذور التي ماتت مع الزمن، كانت فلسفة جليلوف تنطلق من فهمه الخاص بأن الحياة لا تستحق أن نقتلها من أجل مشروع لم يعد قائما وليس من الضروري أن نحي الألآم لأنها لن تنفعه طالما أن البديل موجود وأنه يعيش وجوده وضمن دائرة ما عجز الأخرون من أن يعيشوا أفضل مما هو متاح، بالفعل كل ما لدي الآن يمكنني أن أتحرك بدون أثقال ولا تحدني مسافة للوصول إلى ما أريد، الدين والأيديولوجية عموما لم تجلب لي ولغيري غير الألم، لذا ليس من المنطق أن أبحث عن عذابات تهرب منها الناس لأثبت لغيري أني قوقازي كان أجدادي فيها ضحايا تأريخيين لها.
ولكنها يا صديقي عذابات حتمية وضرورية تنقلك لعالم مثالي حقيقي فيه تحقيق لكونك إنسان تحمل رسالة لا بد أن تكون بقدرها ولو لمرة في وجودك، ليس هناك نهاية للوجود إلا عندما يريد الله أن نحضر جميعا لديه ليرزقنا الجنة التي وعدنا به، أما الذين يصرون على أستبدال القواعد تلك فبالتأكيد لا ينالهم سوى الجحيم، صدقني ليس هناك أمل في أن تنجو وأنت متخلي عن فكرة قام الوجود كله لأجلها، فكرة أننا في سفر وعلى سكة قطار ينطلق بسرعة من أي محطة يتوقف عندها، فمن يتأخر قد لا يجد فرصة أخرى وهناك تكون المأساة فتخسر رحلتك وتخسر الزمن الذي أنت فيه، عليه لا بد أن تكون على أهبة الأستعداد عندما يخبرك المتواجدون في المحطة بقرب وصول القطار، أي تأخير أو سوء فهم لا يشفع لك أي عذر فأما مسافر أو جليس تتفقد القضبان الحديدية التي لا تنقلك خارج ما أنت فيه.
في كل مرة يتكرر المشهد فيخرج جليلوف من هذا الحوار الأجوف بطريقة تثير من أشمئزاز صاحبه الذي برغم كل ما يجري تتوطد علاقتهما ليس فقط علاقة مصلحة وعمل، ولكن علاقة شركاء في السكن، يبدو أن الرجل لا تثيره ولا تنغص عليه أحاديث الشيخ عبد القادر كما يناديه أصحابه وأصدقاءه في الجامع أو حين يتلقى أتصالا من أحد، في غالب الأحيان يعود الرجل فجرا بعد أن يقضي الليل وأواخره في سهرات خارج السكن وربما يصطحب معه أحد، صديق أو صديقه، يكون في هذا الوقت الشيخ بعد القادر تهيأ لصلاة الفجر وأحيانا يكون قد أنتهى منها، يشعر بالمرارة لكنه لا يملك سلطة على جاره في أن يمنعه من ذلك أو على الأقل تقديم نصيحة له بالمجان في أن يترك عالمه العدمي ويلجأ إلى الله، صحيح أنه يعرف من الصعب تصحيح مسارات الأخرين وفق ما نريد نحن طالما أننا لا نملك إلا الكلام والكلام شبه أجوف حين يدور بينهما، لا نفق ولا نافذه وحتى إمكانية لأن نخترق هذا الجدار العازل بين عقليين كل منها يرى فيه قناعة نهائية لا يمكن تبديلها بدون بديل مقنع بالقوة.
مرت أكثر من تسعة شهور منذ أول لقاء بين الرجلين وصارت اللقاءات عابرة خاصة مع وصول زوجة الشيخ ومحاولتهم البحث عن سكن أخر يناسبهما، لكن الملفت للنظر أنه لم ينفك عن ملاحقة جاره كلما سنحت الفرصة أن يلتقيا، أخر اللقاءات كانت صدفة في ممر البناية وقد عاد الشيخ وزوجته من المسجد فيما كان يهم الأخر للذهاب إلى موعد عمل، بالرغم من أن جليل يتفهم أحوال الناس ولا يعنيه أمرهم بقدر ما يحفظ لهم حريتهم الخاصة، لكنه ألتفت إلى زوجة الشيخ التي كانت عبارة عن خيمة من الأقمشة المجللة فوق جسد إنسان لا تكشف سوى عن عينيها ويتسلل صوتها من بين هذا الكم من الثياب ليرحب به بكلمة أخي....
هذا اللقاء كان البداية الحقيقية ليهتم جليلوف بأمر جاره متسائلا هل من حق الإنسان فعلا أن يختفي خلف قناع ليرضي الرب؟ لو كان رب الدين يريد أن يجعل النساء والرجال موديلات محددة لماذا لم يفعل ذلك أبتداء يوم خلقهم كما يزعمون ووضعهم في قوالب محددة حتى يعرف الأخرون هوياتهم؟ أو ربما جنبنا سوء الظن بهم وجنب نفسه تهمة أنه ربما يريد منا أن نقع في بعضنا، لو لم تكن السيدة زوجة قادروف ربما كانت زوجة أحدهم من الذين يسكنون باريس أو أي مكان أخر، أو ربما أنا كنت قادروف أخر أتصرف وفق ما أظن أنه صحيح وملائم لما أفكر به من دون عقدة أو شك في ما أظن، المشكلة تكمن ليس في الدين بل بكيف علينا أن نسير في عالم مكشوف تماما لمن يملك الحس بجماله وقبحه، المهم أنني لا أملك من الأمر إلا أن أحترم خيارهما فهما أولى من غيرهما بالتعامل مع الواقع وحتى مع فرضية أنهما مختلفين عنه.




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,236,475,433
- في ذكرى تشرين وكل أيام العراق المشرقة ح2
- في ذكرى تشرين وكل أيام العراق المشرقة ح1
- في ذكرى الفاتح من تشرين ... الوطن يريد وطن
- قيم الأخلاق وصنع السلام والحرية
- الدولة وأدواتها القانونية لحماية وجودها
- من المسؤول؟
- رسالة إلى الأنام
- الإسلام في مكة ج 2 _ من سلسلة تاريخ محمد الصحيح
- الإسلام في مكة ج 1 _ من سلسلة تاريخ محمد الصحيح
- الخطوة الأولى _ من سلسلة تاريخ محمد الصحيح
- الأعداد النفسي لمرحلة البعث
- تأريخ الجزيرة العربية وما حولها قبل النبوة المحمدية
- محمد النبي الولادة والنشأة
- تأريخ مكة القريب قبل الإسلام
- التأريخ والإنسان عاقلا
- عبادة التاريخ
- القراءة التاريخية كيفاً _ عبد الكريم سروش مثلا 11
- القراءة التاريخية كيفاً _ عبد الكريم سروش مثلا 10
- القراءة التاريخية كيفاً _ عبد الكريم سروش مثلا 8
- القراءة التاريخية كيفاً _ عبد الكريم سروش مثلا 9


المزيد.....




- الخارجية الفلسطينية تدين اعتداء المستوطنين على الكنيسة الروم ...
- تفاصيل جديدة لم تُكشف عن تعذيب متحدث -جيش الاسلام- يرويها شق ...
- الإعلان عن أسبوع القدس العالمي من دار الفتوى في لبنان
- الخارجية تدين اعتداء المستوطنين على الكنيسة الرومانية
- مشروع قانون -زراعة الكيف- يدفع بنكيران إلى التمرد على -الإخو ...
- وضع صحي كارثي في نابلس وسلفيت
- الخارجية الايرانية: الفقيد الشيخ احمد الزين كان من المؤيدين ...
- أمينة النقاش تكتب:تونس فى قبضة فوضى الإخوان
- أبواق المساجد بين مرجعيات الدولة والسلوك المدني
- الاستحمام في شلالات مياه متجمدة... طقوس دينية بوذية في الياب ...


المزيد.....

-  عصر التنوير – العقل والتقدم / غازي الصوراني
- صفحات من التاريخ الديني والسياسي للتشيع / علي شريعتي
- أوهام أسلمة الغرب عند المسلمين / هوازن خداج
- جدل الدنيوية العقلانية والعلمانية الإلحادية / مصعب قاسم عزاوي
- كتاب النصر ( الكتاب كاملا ) / أحمد صبحى منصور
- الماركسية والدين / ميكائيل لووي
- الجيتو الاسلامى والخروج للنهار / هشام حتاته
- الكتاب كاملا :( مسلسل الحُمق في ذرية : علىّ بن أبى طالب ) / أحمد صبحى منصور
- خَلْق الكون في مقاربته القرآنية! / جواد البشيتي
- للقراءة أونلاين: القبر المحفور للإسلام - دراسة نقدية شاملة ... / لؤي عشري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عباس علي العلي - الدين بين حاجة الإنسان وشكل الفهم ح1