أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد الحاج - حدث في 8/8/1988 أن زعل الحظ الأسمر ولم يقل لي بعدها مرحبا !















المزيد.....

حدث في 8/8/1988 أن زعل الحظ الأسمر ولم يقل لي بعدها مرحبا !


احمد الحاج

الحوار المتمدن-العدد: 6640 - 2020 / 8 / 8 - 22:33
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم أشهد فرحا شعبيا عارما طوال حياتي إتفق عليه الجميع في العراق بمختلف مكوناتهم وطوائفهم كما شهدت فرح العراقيين الغامر بنهاية الحرب العراقية - الايرانية في 8/8/1988، يومها كنت في المستشفى العسكري في اربيل ارتدي دشداشة بازة صفراء اللون مقلمة قصيرة بلا ازرار وهي الوحيدة التي كانت موجودة في مخزن المستشفى آنذاك لكثرة المصابين الراقدين فيها ولتمزق ملابسي العسكرية وكانت ملطخة بالدماء - كنت مصابا يومها في رقبتي وصدري بشظايا قنبرة هاون عيار 120 ملم نزلت بالقرب منا من دون ان نسمع لها صوتا اثناء الهبوط ولذا كنا نطلق عليها اسم " الخرساء " بخلاف قنبلة المدفع او الطائرة فأنت تسمع لها صوت صفير شديد قبيل نزولها بالقرب منك او فوق رأسك ...ومن لؤم " قنبرة " الهاون بخلاف " قنبلة " المدفع انها تنزل عموديا فتشظي بدرجة 360 فيما حولها فتصيب كل من يقف او يجلس في المكان الذي تسقط فيه بخلاف قنبلة المدفع فإنها تشظي بطريقة - المروحة الصينية - امامها فقط بـ180 درجة ومن يقف خلفها لا يصاب بإذى يذكر حتى لو كان على بعد امتار قليلة بإستثناء العصف والغبار !
عم الفرح الغامر ارجاء المستشفى حينئذ حتى ان الممرضين - لايوجد ممرضات لأن الجرحى كلهم آنذاك من الرجال الرجال الاشاوس بشواربهم السوداء او الشقراء الكثة - تركوا المرضى واخذوا يرقصون ويتبادلون التهاني وبعضهم بقوم بحركات شبه هستيرية ويغني ويتشقلب على ارضية المستشفى كأنه طفل صغير وبطريقة عبثية مجنونة ، فيما تفرغ بعضهم لرش بعضهم الاخر بالمياه ، والكل مبتهج وفرح وغير مصدق " ايعقل ان تنتهي هذه الحرب الضروس التي شبهها احد الكاريكاتيرات الاجنبية الشهيرة بأن العراق ركل خلفية ايران بقدمه فرفضت ان تترك قدمه وظلت ممسكة بها منذ عام 1982 يوم قرر العراق انهاء الحرب والانسحاب من الاراضي الايرانية ولكن من دون جدوى حتى تجرعهم السم " .
يومها وبخلاف بقية الجرحى الراقدين في الردهة الكبيرة جدا والتي تضم مالا يقل عن 20 سريرا من الجانبين كان بإمكاني التحرك داخل الردهة وتقديم الخدمات متطوعا لبقية الجرحى ان احتاجوا لها لاسيما ذلك الجندي الذي اصيب بلدغة افعى جبلية قاتلة جعلته شبه عاجز على الحركة يرقد هاهنا منذ 6 اشهر لايتحرك منه غير رأسه ويديه فقط وكان مبتسما طوال الوقت وبالاخص حين كان يأتي دوري انا والجريح الراقد الى جانبي من دون حراك لكسر في عموده الفقري بعد انقلاب الايفا العسكرية التي كان بداخلها في الوادي السحيق وخروجه من الحادث منفردا على قيد الحياة بعد استشهاد كل من كان بمعيته ..الطريف ان كلينا كان يخشى من الابرة -جرعة بنسلين مضاعفة - ونحن الذين لم نخش ولم نهب كل ما مر بنا من ضجيج معارك وصخب حروب ..فكان لديغ الافعى يجد متعة عجيبة ويضحك بأعلى صوته عندما كان يحين دوري ودور صاحبي بزرق الابر ..اضحك الله سنه دوما وابدا ...كنت اجلس لأشاهد تلفزيون العراق وهو مبتهج بنهاية الحرب ويبث الاغاني المدنية لأول مرة بعد 8 سنين من بث الاغاني الحربية التعبوية حصرا ..كانت الاغنية المدنية يومها " زعلان الاسمر ما يكلي مرحبا " لعارف محسن وهي اغنية من الفلكلور البصري الجميل ، وقتها استمتعت كثيرا بزعلان الاسمر وكأني استمع الى السمفونية التاسعة لبتهوفين ...وبسبب الكانونات في اليمين والشمال وبسبب الاصابة في الرقبة والصدر لم يكن بإمكاني الوضوء لأداء الصلاة كما لم يكن بإمكاني الركوع والسجود يومها فإستفتيت - معمما كرديا صالحا كان في زيارة لأحد الجرحى الراقدين - فأفتى لي بالتيمم وبالصلاة جالسا بكل رحابة صدر ومازلت اذكر وجهه الجميل النير الى يومنا اذ ما اجمل العلماء والائمة والخطباء والوعاظ الكرد بزيهم التقليدي الرائع ومسبحاتهم الالفية المصنوعة خرزها من ثمار الجبال الطبيعية ...كان احد الجرحى صوفيا راقيا وصادقا وكان لايفتأ يتحفنا يوميا وفي كل مساء بأثر الاذكار والتسابيح والصلوات على الرسول صلى الله عليه وسلم الدائمة ودورها في سمو الارواح وصفاء القلوب وتحليقها في عالم الملكوت وقدرتها الفائقة على زيادة همم الذاكرين ومساعدتهم على تخطي الصعاب مهما كانت عصيبة فكنت اجلس مستمعا الى ما يقول كأن على رأسي الطير وكأنني طالب في الابتدائية يستمع وينصت الى معلمته الرائعة من دون ان يحرك ساكنا ..يومها كنت عاشقا وقارئا نهما لسلسلة الباراسايكولوجي التي تترجمها دار المأمون ، كذلك كتب كولن ويلسون ، واذكار النووي ، ورياض الصالحين ، وتفسير الجلالين ، والطب النبوي المنسوب خطأ للامام الذهبي وهو في حقيقته لداود بن أبي الفرج الدمشقي ، او للإمام مُوفق الدين عبد اللطيف البغدادي على خلاف بين المحققين ...اضافة الى كتب الغرائب والعجائب والطرائف حول العالم ..يومها لم يكن هناك لا انترنت ولا ستلايت ولا هواتف نقالة وكانت المعلومات تؤخذ إما من بطون الكتب او من بعض البرامج الوثائقية الرصينة ..وكان اجمل برنامج اذاعي عربي على الاطلاق نحرص على متابعته يوميا يبث من اذاعة الكويت الا وهو برنامج " وعند جهينة الخبر اليقين " الذي يقدمه الاذاعي الطرابلسي اللامع صاحب الحنجرة الذهبية والصوت الرخيم " احمد سالم " كذلك برنامجه الاخر" نافذة على التأريخ "...كان يحظى بمتابعات هائلة على خطى برنامجي " الرياضة في اسبوع " لمؤيد البدري ..و" العلم للجميع " لكامل الدباغ من القناة التاسعة في التلفزيون العراقي ، وكنت استمع يوميا كذلك الى البرنامج الاذاعي الرائع " نور على الدرب" وكان يبث على اثير إذاعة القرآن الكريم السعودية يومياً " يااااه حقا ما اجمل الاذاعة ..انها اجمل من التلفزيون بمرات لمن يدمنها لأنها تسترعي انتباهه وتركيزه اكثر حيث ينتقل الصوت مباشرة الى السمع والذهن من غير مؤثرات صورية قد تذهب به بعيدا وتشغله عن الفكرة والمضمون ".
كانت القاعة التي تقع الى جوارنا محظور علينا دخولها لأنها تضم بين حناياها المصابين بالغرغرينا بعد ان وصلت إصاباتهم الى مرحلة يتطلب معها بتر العضو المتعفن قبل ان يقتل صاحبه ...ماجرى هناك يومها جعلني اتابع لاحقا والى يومنا اي فيلم حربي تبثه السينما العالمية شريطة ان يتناول قصة حقيقية وحدثا تأريخيا واقعيا وانسانيا مؤثرا وليست - كلاوات واكاذيب جل افلام هوليوود حيث البطل لايموت حتى نهاية الفيلم ويقتل 20 جنديا معاديا بطلقة واحدة - ويرمي القنبلة اليدوية بعد ان يفتح مسمار امانها بأسنانه ..لأن ماكو هيج بطة تلعب شناو !
وهكذا مرت 32 سنة عجاف على العراق والعراقيين ومازال هذا البلد الجريح يرقد وشعبه وواقعه البائس كليا داخل المستشفى الحكومي المتهالك للعلاج من أمراضه العضال وجراحاته المستديمة النازفة ليل نهار ...وما زال الحظ العاثر -الاسمر- زعلان ولايقول للعراقي المسكين المعذب رهين المعارك والحصار والحروب المتتالية ... مرحبا ..ووووبس كلي شوكت ياحظ دكلي مرحبا ..تره العراقي المسكين مارايد منك اكثر من كلمة ...مرحبا! اودعناكم اغاتي






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أنطق ياحجر ...وإصرخ ياضمير !
- نعم أخطأت وأعترف ...ومحزن أن تعترف بالخطأ متأخرا !
- الطبيب مشالي ليس الأول ولن يكون الأخيرة !
- -القطة جلي- التي أطلعت البشرية على جوانب الرحمة في الاسلام ب ...
- تراحموا ...وشكرا للعراقي الرحيم - محمد كريم- !
- لنصحح مفاهيمنا المغلوطة ولنبدأ بالمناهج والإعلام ..!
- شكرا نبيل جاسم ..وداعا هشام الهاشمي !
- مصري عشق عراق الحضارات فكتب ...وعراقي أحب مصر الكنانة فرد !
- زغردي يابهية نورا صارت نور ..وسعيد صار سعدية !!
- صدور كتاب (التوطئة في أحكام الأوبئة في ضوء الفقه التكاملي)
- ليست عتبا ولا ملامة بل غضبة للحق لعل الضمير النائم يصحو !
- قال صديقي الجزائري المحب للعراق ..وعلقت !
- #تعازينا_الكترونية_بالحقبة_الكورونية !
- حتى إلحادهم ..طك عطية !!
- فسَا عاشق المال والسلطة مجاهراً..فساد !!
- الغوبلزية شعارها- أكذب ثم أكذب- أما الطائفية- فأسرق ثم أسرق ...
- على مصر وتركيا تجنب الحرب بالنيابة والوكالة مطلقا !
- المسنون واﻵباء المنسيون بغياب المشاريع الإنسانية = مج ...
- الطائفيون المفلسون الحاقدون ..والطيب الوطني العملاق احمد راض ...
- لماذا لايحب الصحفيون مهنتهم في ميزوبوتاميا؟!


المزيد.....




- بدء الموسم السياحي في القارة القطبية الجنوبية
- عاصفة تُجبر عملاء وموظفي إيكيا على المبيت في متجر
- ماذا يحصل عند تناول حبة كيوي كل يوم؟
- الاتفاق النووي الإيراني: إسرائيل تدعو لوقف المحادثات لأن طهر ...
- -النواب الأميركي- يوافق على ميزانية مؤقتة والجمهوريون يلوحون ...
- مصر.. تامر أمين يعرض فيديو لسيارة تسير -بالهواء- على الطريق ...
- التشيك.. إحباط محاولة لاغتيال القائم بأعمال رئيس الوزراء
- القومي للبحوث يكشف حقيقة تعرض مصر لهزة أرضية خلال الساعات ال ...
- الأجهزة الأمنية المصرية تعتقل دجالا ضرب شابا حتى الموت في ال ...
- بولسونارو يعلن قبوله دعوة بوتين لزيارة روسيا


المزيد.....

- الملك محمد السادس ابن الحسن العلوي . هشام بن عبدالله العلوي ... / سعيد الوجاني
- الخطاب في الاجتماع السياسي في العراق : حوار الحكماء. / مظهر محمد صالح
- ضحايا ديكتاتورية صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- حزب العمال الشيوعى المصرى ومسألة الحب الحر * / سعيد العليمى
- ملخص تنفيذي لدراسة -واقع الحماية الاجتماعية للعمال أثر الانه ... / سعيد عيسى
- إعادة إنتاج الهياكل والنُّظُم الاجتماعية في لبنان، من الماضي ... / حنين نزال
- خيار واحد لا غير: زوال النظام الرأسمالي أو زوال البشرية / صالح محمود
- جريدة طريق الثورة، العدد 49، نوفمبر-ديسمبر2018 / حزب الكادحين
- أخف الضررين / يوسف حاجي
- العدالة الانتقالية والتنمية المستدامة وسيلة لتحقيق الأمن الم ... / سيف ضياء


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد الحاج - حدث في 8/8/1988 أن زعل الحظ الأسمر ولم يقل لي بعدها مرحبا !