أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وسيم بنيان - جغرافيا الصراع: قراءة في قراصنة الكاريبي















المزيد.....


جغرافيا الصراع: قراءة في قراصنة الكاريبي


وسيم بنيان

الحوار المتمدن-العدد: 6611 - 2020 / 7 / 6 - 13:23
المحور: الادب والفن
    


تتعلق هذه القراءة بفيلم:Pirates of the) caribbean)،في جزءه الثالث تحديدا.

فضاءات الفيلم: 
منذ أول مشهد تطل علينا شناطة المشنقة، وتنتقل الكاميرا بحركة بطيئة إلى أقدام بشرية، تسير في رتل مرصوص نحو مصير الموت الجماعي،وهي مكبلة بأطواق  وسلاسل حديدية. بينما تبرز صورة الرتابة والآلية الروتينية،التي تغلف المشهد،إيلاما اشد من مشهد القتل الجماعي نفسه.ويطل، بالنقيض من الأجساد الضاوية الشاحبة ذات الألبسة الخلقة،رجل متحضر بهيأة القرون الوسطى. نظيف المظهر، أنيق الذوق، لامع الطراز. تنتشر سيماء المترفين على مجمل تركيبته الجسدية.وهو يقرأ من ورقة بأسلوب خطابي جهوري، قريبا من الحشود البشرية السائرة نحو الشنق، وقد ضربت بسياط  غريبة من اليأس والخنوع. تتشابك ضربات أعقابها محدثة دبكات سيرية صاخبة، وكأنها تتقدم الى مصير محتوم وابدي،لا مفر من قبضته. ينظر الليبرالي المتسلط إلى طقوس القرابين البشرية بلا أي اكتراث،وكأنه يتذوق في نفسه طعم الزهو. وربما اعتقد في سره انه مُخلصا للعالم من حشرات أو موجودات سامة وخطيرة،لا خير في وجودها وينبغي إزالتها سريعا. وهكذا تتقدم أمامه الجموع القربانية البشرية لتشنق جماعيا. تؤصل الكاميرا هذا القدر العام بشكل دقيق، عبر تتبعها لأنساق الارتال البشرية المتكاثفة، فيبدو للمتلقي من خلالها بأن المشهد لن ينتهي وسيظل سائرا هكذا إلى الأبد.في خضم ذلك الروتين الصامت حد الانجماد، ترتفع نغمة بشرية عذبة وهادئة. منسابة من بين شفاه يابسة لولد صغير، وهو يلعب بقطعة نقد حديدية .ثم يباشر الغناء، بينما يضع أحد الشناق برميلا صغيرا تحت قدميه، حتى يبلغ عنقه فك المشنقة،في لقطة مؤثرة ومعبرة تنفتح رغم قصرها على مسرح وفضاءات الصراع والصدام الكوني الذي سيتمظهر في كل مشاهد الفيلم لاحقا. يبدو الولد بحركته الصوتية تلك يبدد الروتين، وكأنه يعصي الأغلال ويتمرد على القيود بفعل بسيط،لكنه ثقيل الوطأة .ما أن يرتفع غنائه حتى ينفتح سجن الحناجر البشرية تلك، فيردد أحد القرابين الغناء معه ثم صوت ثالث ورابع، وهكذا تنطلق كل الحناجر صادحة بغناء مؤثر وحزين، كإشارة ذكية بأن كل شيء ومهما عظم يبدأ بخطوة تكون في اكثر الأحيان صغيرة جدا، ثم تأتي باقي الأشياء تباعا. يبدأ الحشد بالغناء معبرا عن فلسفة الرفض، ويعلن استعداده لبدأ الصراع. كي تنتهي مرحلة الصمت والخنوع، لذلك ينزعج المترفون وقائدهم. في دلالة إلى أن هذه الحركة لفتت الانتباه في خضم ذلك الصمت الرهيب. وحددت الحركة تلك من جهة أخرى بداية صدام وصراع سيتصاعد عنيفا في ما يأتي من عمر الفيلم. تنتهي الحركة الصوتية أخيرا مع إعدام الولد ومن معه. ومع تدلي عنقه تتطاير عملته النقدية، التي كان يلاعبها بين اصابعه، بعيدا.كأنها تعبر عن استمرار الشرارة الرفضية،ومع ملامستها الأرض يطل علينا مباشرة عالم الظلام المغرق بالمياه.ونشاهد الجنود يسيرون فوق الجسور وقد استهل المشهد المظلم بالغناء الهادئ أيضا. وهو ربط ذكي ورائع للدخول إلى بنية الفيلم. وللتذكير بمشهد الغناء السابق، أي الحركة، والصوت، وبأنه لم يتوقف بعد أن ابتدأ. واختير لمشهد الغناء هذا امرأة شابة فبعد أن ابتدأت الحركة الصوتية بصوت ذكري صغير السن لابد من أن يصبح الآن أنثوي ومن امرأة كبيرة لتكتمل حلقتي الصدام والصراع مع كل الأجناس. ولملاحظة الفترة الطويلة التي مرت من زمن الولد إلى زمن المغنية الكبيرة. ومن تحت الماء والأنفاق والجسور، ثمة رجال غائصون يتحركون نحو غايات ومصالح ما في ثقل ذلك الظلام الحالك...

 
صدام همجيات مع بصيص من الأمل،
اختزال مشهدي للفصول:

1-   منذ المشهد الأول الذي تحدثنا عنه، من خارج الماء وبشكل طبيعي. تنتصب المشانق لممارسة الإعدام الجماعي، وتتراصص الأجساد البشرية بمختلف الأجناس والأعمار.

2-   نلاحظ أيضا ومنذ المشهد الأول، التمايز الطبقي بجلاء واضح،من خلال الطبقة المتسلطة بقوة السلاح . وهي في غاية اللمعان والنظافة - الظاهرية طبعا- لكنها في غاية التسلط والتجبر والظلم والقسوة "الطبقة الليبرالية" بأبشع صورها.

3-   يأخذنا الفيلم إلى غمار عالم "فوقي /تحتي" غارقا بالبحار ويضج بالأقوام من مختلف الثقافات، لتجتمع المشاهد الثلاثة ( البرية، البحرية، محاطة بالتمايز الطبقي المتسلط)، عبر مناورات وصراعات ومؤامرات غريبة ومتداخلة.

4-   يبرز عالم الأسلحة بتفاوت ووضوح، حيث التنوع بين الأقوام المتحاربة على قدم وساق. ونشاهد هذه الأسلحة بدءا من  الحراب والسيوف،مرورا بالرشاش والمدفع.

5-   انعدام ثقة بين هذه الحضارات الأقوامية المتحاربة، حتى وان أعلنت صدق النوايا.

6-   يؤشر وجود الزعيم الصيني بين الأقوام الآسيوية المتنوعة في الفيلم، إلى نفوذ العملاق الصيني، المؤثر في معادلة الصراع والصدام العالمية.

7-   القارة الأفريقية حاضرة أيضا باعتبارها عالم غرائبي وعجائبي مليء بالمعتقدات والأساطير والخرافات، ومن جهة أخرى مليء بالماس والمعادن التي جعلت القارة السوداء مدارا للصراع العالمي.

8-   عالم البحار والسفن هو جغرافية الفيلم الأساسية، للتدليل على غرق العالم بعامته بأخطار مرعبة وفتاكة. غلفت هذه الخريطة بالظلام، والجليد أحيانا، مع وجود حيواني غريب، واناس ممسوخة على هيئة اخطبوط او غيره

9-   لغة الفيلم مستفيدة من كل هذا الطقس المرعب والاختلاف الثقافي الذي تنوعت فيه النبرات. ولعبت الموسيقى فيه دورا هاما، مازجة خلطة فريدة من أصوات  الحناجر والطبيعة والحيوانات،كما وظفت أصوات البحار والمياه المتلاطمة بما يلائم أجواء الفيلم بشكل بارع.

هذه هي النقاط الأساسية التي ينطوي تحتها الفيلم . وحينما يتم التحرك من تحت الأرض والبحر يكون الجميع خائضا في التحاور والاتفاقيات والصفقات . مما يعني انه دائما وراء المعلن والظاهر شيء دفين يتحرك في باطن الأرض وفي عمق البحار. بل انه يتوازى في اغلب الأحيان مع كثرة الحراك والهياج في الخارج. وفي نفس اللحظة التي يصل فيها المتسترون يكون الزعيم الصيني قد أمر مستتريه بأن يبرزوا، فيبدأ الصراع. للإشارة إلى أن كل أقطاب القوى العالمية المتصارعة والمتنافسة على أهبة الاستعداد في أي  لحظة للغدر،لأن كل واحدة تستبطن الغدر بأختها. وتبدأ الخيانة الأولى من طرف الحضارة الآسيوية، التي كانت الحضارة الأوربية مستعدة للرد على غدرها أيضا . وكما هي اللكنة "الهوليودية" الثابتة. حيث الأمريكي والأوربي لا يبدأ بالغدر، وهو حتى أن دخل الحرب يكون ذلك لاضطراره أليها، كما هو شائع في ثقافة السادة "الليبراليون". وهكذا حينما يبتدأ زعيم الحضارة الآسيوية بغدر الوفود الأوربية المتفاوضة يدخل العالم في حرب طاحنة تأكل اليابس بتمامه بعد ان اكل الأخضر، بل احترق منذ زمن بعيد. و يكون لكل جهة " برجماتية" و" لوجستية" طريقتها نحو تحقيق مصالحها. تتكاثف هذه الحركات المختلفة من اوجه الصراع، لبدء التمهيد للأسباب النهائية عبر ذلك التثوير المكثف لبلوغ ذروة الصدام والصراع. وبعد حركة الغناء الصوتية في المشهد الأول، تتبعه حركات من المشاهد التالية التي تبدأ بدورها بالغناء الأنثوي الذي أشرنا أليه سابقا. وتظهر الشابة المتموجة بحركة القارب وهو ينساب في البحر. ويرتفع صوت الماء بخفة مع صوت الموسيقى التي يدير آلتها القرد.حركة مباغتة لفتاة وهي تضع السكين على أحد حراس الزعيم، وحركة من باطن الأرض والبحر تدب بالمؤامرات.وتنساب الموسيقى متقلبة وصاخبة مقلقة وغامضة دوما . مشوبة بحوارات تتهامس بتشنج وفضاء الظلام حاضرا بالكامل .ثم تبدأ محاورة علنية مكشوفة بين الزعماء بينما ثمة ما يتحرك في الخفاء والباطن، كما في باطن لاوعي المتلقي . واخيرا يحدث الصدام بعد ان يظهر الرهينة،التي جاءت المقاتلة الشابة من اجله، ويكشف الزعيم الصيني مغزاها بمحاولة قتل الشاب الوسيم فتصيح الشابة معترضة...
تبقى العملة النقدية تتنقل من يد ليد في كثير من اللقطات، ويتصاعد التثوير معها،  ثمة رهينة مقيدة مربوطة على ما يشبه الصليب. محاورة تأخذ مسارات حادة، أمر بالهجوم، مناولة أسلحة، سفينة من تحت الأرض، التهديد بقتل أحد الخدم، يدوي صوت نار وأسلحة حديثة من الجانب  الجانب"الرأس مالي، الليبرالي" والموسيقى صادحة بعنف، متحولة إلى لحن عسكري ميداني. كل شيء مختلط متداخل الظلام، الماء، الموسيقى، وحتى بعض الحيوانات، مثل القرد الذي يشارك في المعركة مستخدما أحد الأسلحة وهو يضحك،ربما للإشارة بأن من ضمن من يخوضون في الحروب من لا هم لهم إلا العبث والسلاح.بعد سكون المعركة يرتفع البحر صاخبا،تشق عمقه باخرات تطفو على السطح...
يستمر التداخل الحضاري والأقوامي، يظهر حتى الزعيم الأرستقراطي الذي كان يراقب حشود القرابين البشرية،وهو يلعب بقطعة نقد حديدية. وتبرز على السطح مختلف التغييرات: العصر الجليدي، والجبال الجليدية، والأنفاق بادية بينها. مع تداخل اللقطات الغرائبية للمسوخ البشرية،والظواهر "السيميائية" العديدة.يحضر القرد والببغاء.و إصبع الرجل في العصر الجليدي التي تكسرت من الصقيع، وهو يحاول تركيبها وتدفئتها. وزعيم الممسوخات الأخطبوطية،في أول ظهور له يعزف على البيانو،بينما بدا وجه ذا الأنابيب اللحمية يستبطن تعابيرا وأحاسيسا أليمة،وفي مشهد حسي حاد تتساقط دموعه. وتظهر باقي المخلوقات المسخية المتنوعة، في مختلف أشكالها، ربما يستدل منها على تخلف بعض الأقوام . وتتناوب الرموز المختلفة تلك ظهورا وبطونا، وتبقى قطعة النقد الحديدية بارزة .والقلادة ذات الرموز العجيبة في عنق الأفريقية، والخرائط المدورة، وقلب الحياة لزعيم المسوخ وهو في الصندوق.والليل الشجي بنجومه وسحره، والسفن تعب سكونه،طاغيا على اغلب المشاهد...
يمهد الصراع والحراك لاحقا، لخروج بعض الأفراد من مرحلة الغرق، العدم، الفناء، فتأتيهم السفينة،و"جاك" القبطان في مقدمتها،تتزحلق تجاه البحر. ويصعد غرقى العالم ومشردوه إلى متنها،(كانها سفينة نوح) بتنوعهم الهائل حضاريا وجغرافيا وتاريخيا. ونلاحظ أيضا النحيف، والقصير، والقزم، والأبيض، والأسود، والحيوانات، والبدين الذي يفقد أعصابه ويعلي صوته على جاك والربان الآخر وهم يتجادلون في إحدى محاوراتهم الساخنة. أضافت الاجواء الكوميدية طابعا مهما في عمق الخراب...
وتتميما "للسيمياء" التي تحدثنا عنها، مشاهد القوارب الصغيرة التي تسير في سكون الظلام مع قناديل، وهي محملة بأفراد أحياء لكنهم راحلون إلى الموت وليس باستطاعتهم العودة. والفلم برمته مختوما بقدر مشؤوم وغريب بحيث يتعذر التنبؤ بمستقبله. وربما قد نفذ صناع الفيلم ذلك لأنه يلائم واقع النظام العالمي الجديد...
يعرف جاك في أحد المشاهد ان السفينة ستترنح بشكل خطير فيطلب من الجميع التحرك من اليسار إلى اليمين وبالعكس، وهكذا يركض الجميع مرة لليمين واخرى نحو اليسار، في محاولة للحفاظ على التوازن. مشهد ذا دلالة لا تخفى. والبدين والنحيف مربوطان في وسط السفينة ينظران بالمقلوب، إشارة لانقلاب المفاهيم والقيم. تنقلب السفينة بعد تطوح عنيف، ويغط الجميع في غرق كامل. فالكل متورط كما هو واضح، والجميع سيأخذ نصيبه من كوارث العالم. لكن السفينة تستعيد عافيتها من جديد، بعد ان ينعكس العالم واكوانه.فيصبح ما فوق تحتا وبالعكس. لقطة رهيبة ومختزلة ومعبرة عن وجوب إعادة النظر في كل الأشياء والحلول المطروحة،وصهرها بوعي يأخذ الجميع في حساباته العالمية لتسترد سفينة الحياة البشرية عافيتها .كما ان السفينة المغرقة تشير إلى نهاية الطوفان، نتيجة التعقل البشري،او شيء معجز حتما. فيعود كل شيء إلى طبيعته مع فقدان أفراد عدة، فكل حركة اوصراع لابد ان تخلف ضحايا. لكن الجميع يباشرون حمل السلاح كل في وجه صاحبه، وكأن الإنسان لا يتعلم أبدا، وتظل لعبة الجنون والمخاطرة تحكم اغلب سلوكياته. تصل السفينة أخيرا إلى اليابسة في أحد الجزر،وقد نتأ منها  حيوانا نافقا،كان طريفا ان يحدق "جاك " في عينيه. يوجد على تلك الجزيرة ماء أيضا، وقتلى، لا يوجد مكان آمن طبعا في العالم. واخيرا يأسر بعض الأفراد "جاك" وصاحبه ويحتلون السفينة بقيادة الزعيم الصيني،ويسلمون جاك  إلى سفينة "الليبرالي".تبدأ من ثمة حربا جديدة وتهجم أحد السفن على السفينة الليبرالية، ويكون جاك أول المستفيدين من ذلك إذ يهرب من السفينة برفقة البوصلة. وتظهر المسوخ والمخلوقات البشعة ومنها مخلوق يشبه الديناصور في صفوف الجيش الليبرالي.لعل ذلك للإشارة إلى ان ذلك الجيش يستغل كل الإمكانيات،ويتعامل مع كل الجيوش لتنفيذ مخططاته. وهكذا يتعمق التداخل في بنية الفيلم، مخلوقات بشعة بشكل بشري داخل السجون، أسراب نوارس متجمعة فوق جثة طافية على برميل خشبي في منتصف البحر، عمليه تهريب بشري من متن سفينة الليبرالية إلى سفينة أخرى.يقتل الشاب الذي كان رهينة في بدأ الفيلم بسيف أحد المسوخ، وزعيم المسوخ لا يموت إلا بطعن أو تمزيق قلبه المخبئ في صندوق خشبي،والعالم كله غارقا في لجة البحر ودلهم الظلام .
نشاهد في خضم ذلك اجتماعا لكل الثقافات والأعراق والأجناس في قاعة مظلمة عائمة فوق عالم البحار المتلاطة،وقد شغل الجميع المائدة المستديرة التي تبدأ فوقها جولة من الحرب اليدوية بين بعض الفئات، يقفز الكابتن فوق المائدة المستديرة وينهي الحرب اليدوية برصاصة مسدس يطلقها في الهواء. يهدأ الجميع ويتفاجئون بدخول كابتن جديد يرتدي إكسسوارات غرائبية،يمهد دخوله بقتل أحد الأشخاص، ثم يفتح الكتاب المقفل، ويعزف الگيتار الذي تقطع أحد أوتاره،بينما يحمل رأسا بشريا من فروة رأسه،كميدالية. تنطلق الحشود التي اجتمعت في قاعة المؤتمرات، بعد ان تعقد التحالفات وتتزايد الأعداد والسفن، لمقاتلة الليبرالية فتباغتهم سفنا كثيرة بعد توضح الضباب، وعلى ارض جليدية في منتصف البحر يلتقي قادة العالم الربان الكبير السن و"جاك" والشابة المحاربة، مع زعيم الليبرالية والمسخ، ويحدث تبادل على ارض الجليد، إذ يأخذ فريق المحاربة حبيبها، ويأخذ الليبراليون  جاك،الذي يعود لرؤية الملكان المتدليان على كتفيه وهما بنفس شكله وسحنته بنسخة مصغرة، لكن هذه المرة يراهما وهما كبار بنفس حجمه، ويرى أيضا نسخة مسخية من نسخه وهي تلحس مخها .
تظهر الأفريقية الساحرة في وسط الحشود المحتشدة لحرب الليبرالية، وهم يريدوها ان تشم البخور. ترتفع بشكل مرعب خارج حزمة الحبال التي لفت حولها، بعد ان تتعملق وتقطعها كلها. وتقلع معها أخشاب السفينة، وينحني الجميع خاضعا لها. تتحدث بصوت جهوري مخيف قبل ان تستحيل إلى مجموعة كبيرة من سرطانات البحر وتنزل في البحر،لتهب من ثم عاصفة شعواء مدوية. ولعل تعملق الساحرة السوداء يشير إلى العملاق الأفريقي الذي قد يصحو يوما ما لكنه ما يلبث ان يتلاشى سريعا. أخيرا تخطب المحاربة بالجموع تستحثهم نحو الحرب، وهنا نستعيد الحركة الصوتية للولد الصغير في أول مشهد، التي تطورت في المشاهد التالية إلى حركة صوتية شبابية أنثوية، وهنا تعود شابة أخرى تقود الجموع نحو الحرب. تنهمر الأمطار الغزيرة والعواصف الشديدة، وبيارق السفن تتجه للاصطدام بالحرب المقررة. وتنبعث الموسيقى صاخبة صادحة مؤثرة من جديد.
ما زال جاك على تناسخه، إلى ان يكسر باب السجن . خلال بدأ الحرب، يبقي نسختيه البشريتين مع المسخ ويهرب. وسط الهيجان النفسي والطقسي والحركي والصوتي المشوب بالموسيقى المجنونة. وتشرع الأسلحة صارخة هي الأخرى بعد ان يصرخ القادة"فاير" "فاير" . ومن الطريف ان نلاحظ ان "جاك" هو الوحيد بين باقي الممثلين يمارس دور التأرجح ويجيد ذلك بروحيته الخفيفة وشخصيته المرحة، وان كان جميع الممثلون مطابقون لأدوارهم. وفي خضم المعركة هناك فسحة للحب وفسحة للأمل، إذ يصر الشاب الوسيم ان يذكر المحاربة بحبه ويتبادلان قبلة طويلة رغم انف تلك الأجواء العنيفة. ويحمل"جاك" الصندوق الذي يحتوي على قلب زعيم المسوخ فيجن جنون المسخ ويحاول استرداد الصندوق بأي طريقة، وحينما يبدو "جاك" على وشك السقوط في البحر لا يدعه المسخ يسقط، يحافظ على حياته من اجل الصندوق الذي يحمله، بينما يطلق القرد من سلاحه ويطلق المسخ كذلك بشكل هائج ،إذ الصندوق يساوي حياته، ولا يتنازل جاك عن الصندوق. فيثور المسخ ويقتل الشاب الذي انتزع قبلة من حبيبته فيرديه قتيلا، ليقضي على الحب بكل بشاعة. يطير عندها جاك في أحد الحبال الطويلة مع المحاربة المفجوعة بقتل حبيبها ليصعدان في المنطاد، بعد ان يطعن قلب زعيم المسوخ فيرديه قتيلا وتغرق السفينة بمن فيها.
يعود الشاب بعد مقتله ليقود السفينة، لعبة التناسخ،لعبة العودة. وهو ربما استعارة لعودة منهج الحق والعدل. وتبدأ الحرب بقوة من جديد وترتفع الكلمات الحادة"فاير" "فاير" ويحطم عالم الليبرالية بالكامل مع سفينتهم القوية المتينة، وسط صمت وذهول قائدها الطاغي، والذي يأس من أي حل لإنقاذ  الموقف. فيتسمر بمكانه مراقبا مصير الأفول والنهاية،محدقا في تهاوي وانهيار عالم سفينته وجموع جنوده،كأنه "بونابرت" في زمن الخسران المبين. ويسدل الستار على تلك النهاية المتقنة والمؤثرة . والتي تتحرش بقادة العالم الليبرالي الحديث . وتغرز أنيابها في عمق قلوب قادتها الصم. كان إخراج الفيلم بشكل عام على مستو عال من التقنية والمهارة والتوظيف الحذر والدقيق لكل الأشياء المتنافرة التي ضمها الفيلم بين دفتيه.والكاميرا تتحرك وتنتقل بحركات بطيئة وسريعة،بشكل متقن ومتسق مع بنية الفيلم واختلاف تضاريسه.ولعبت الأجواء الطقسية العامة التي فصلنا اغلبها دورا وصفيا على صعيد كل الأقسام التي تتحكم في عالم اليوم في مرحلته"العولمية" العامة. كما تظهر تلك الأجواء أيضا قوة وجبروت الدول المسيطرة والمتجبرة،وكيفية تمرسها لاستغلال كل ماله علاقة بزيادة القوة التسليحية والإرهابية، التي تستبطن هذه الحمى الخانقة لاحتواء واقتناء أي سلاح جرثومي وذري ونووي، يهدد مصير الإنسانية بشكل كبير. وكان لوجود الشلالات المتحادرة بقوة في بعض المشاهد بعدا فنيا آخر من اجل تكثيف البعد التوظيفي الطقسي في مجمل بنية الفيلم. إشارة لتصاعد الخطر، غرق العالم بكل تفاصيله في بحار من العذاب، المحاط بظلام دامس. وهو تصوير متقن لحالة الفناء والعدم التي تسير البشرية نحوها ان لم تتسلح ببعض التعقل وتستعد لبعض التنازلات الطفيفة من اجل إنقاذ الحياة. ومن عمق هذا التعقل الذي يفرض نفسه أخيرا في خضم هذا الغرق العام والظلام الدامس، تطل البداية قبل نهاية الفيلم بمدة. مع صباح وضوء باهر وحاسة الشم المتقدة مع انف جاك المتحفز الذي يظهر في ذلك النهار وهو مستنسخ إلى نسخ كثيرة، ومعه في إحدى النسخ ماعز،وهو مليء بالوشوم،يقتل أحد نسخه الكثيرة كي يأخذ منها قطعة الجوز الصغيرة. حيث خلف الظلام السابق مجاعة هائلة، ويطعن نسخة أخرى بالسيف . قبل ان يظهر وحيدا يحدث نفسه، انه التكاثر "الانوي" الذي يستبطن الخلود. ويجري كل ذلك في عصر جليدي متجمد. العالم متجمد بعد مرحلة العماء والعدم. وتبدأ الحركة مجددا مع جاك الذي يقذف بيضة مسورة بالثلج، وعندها تتحرك البيضة وتعود أمامه وكل ما قذف بها عادت أليه. حتى تتحرك بيوض سرطانية أخرى، وتخرج منها أعداد من سرطانات البحر فتحمل السفينة الراسية على الجليد. ويركبها جاك لتنحدر به إلى البحار مرة اخرى.


مع إسدال ستار الخاتمة

قبل الختام لابد لي من الإشارة هنا إلى نقطة مهمة،تتعلق بالقراءة التي قدمتها للفيلم و مفادها :أني حللت الفيلم وفق نظرة خاصة، اذ لم استعن بأي مصدر لقراءتي هذه سوى الفيلم نفسه. والفيلم مشهور جدا كما هو واضح وقد حصد عدة جوائز ونال إيرادات عالية، وكتبت بشأنه عشرات المقالات والتحليلات الغربية. وشخصيا لم اطلع على أي تحليل باللغة العربية او غيرها ذلك اني جعلت الفيلم مصدري المباشر،وقرأته منطلقا من تحليل دمج بين العمل الفني الذي هو بنية الفيلم نفسه، والسياسي المستتر في رحم العمل وليس متاحا لاي متلق.لهذا لم تكن هذه القراءة معنية بالحديث عن (دزني) وخلفيات ورموز اللعبة التي تقمصها الفيلم،بل سرت فيها في ضوء تحليلي لمعطيات القراءة العالمية الأخيرة لنظريتي "نهاية التاريخ" و"صدام الحضارات" وربما أثرت بعض القضايا التي لم تكن في ذهن صناع الفيلم أصلا.لكن اي قراءة تستبعد الجوانب (اللا واعية)من اي عمل فني،ترتكب خطأ فاحشا. ومن جهة اخرى تستحيل القراءة لآيدلوجيا مفرطة حينما تقسر المنجز الفني وفق ذائقتها حصرا.وكلما تدعيه هذه القراءة انها حللت مضمون الفيلم ولغته وخلفياته التاريخية وفق النظريتين المشار اليهما آنفا،وكاتبها يدرك تماما ان صناع الفيلم ومهما كانت دوافعهم الواعية والمعلنة بعيدة عن اي مشرب سياسي ما، لكنهم بالطبع ليسوا بعيدين عن اجواء تلك النظريتين خصوصا وانهم يعيشون في كنف الحضارة التي انتجت فيهما تلكم النظريتين.وطبيعة الفكر البشري يستحيل عليها الانحياز التام عن بيئتها ومنطق مجتمعها.كما ان كاتب هذه القراءة لا يغيب ما فتحه الفيلم،وان كان من جانب لا واع مجددا،من فضاءات الأمل في عمق وذروة ذلك الصراع بأضفائه مسحة لانتصار التوافق،وأتلاف القوة العالمية،متمثلة  بكل الثقافات والحضارات.من هنا ربما يكون الفيلم قد انجز وفق نظرية لا تتوقف أمام الطرح الليبرالي الاخير، ولا تستند على رؤاه ومعطياته حصرا، وان اتفقت معه في الكثير من الأشياء.



#وسيم_بنيان (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مغزل العارفة او اميرة العبث
- توحش قبل الكتابة
- شظايا من سيرة الانا
- موسيقى الحلم
- نصف روزنامة لحبيبتي
- خريف الرسام
- غثاء
- ثغثغة
- هواجس
- خياطة
- غراب وردي
- موج القطرة
- مفارقات: نحو محراب علي
- حمى باردة
- شاعر
- برزخ الصمت والبوح
- معزوفة لكوفيد
- مصيرنا: بين محرقتين
- شفرة حزب الله
- العراق و معنى الدولة


المزيد.....




- مترجم ومفسر معاني القرآن بالفرنسية.. وفاة العلامة المغربي مح ...
- بمشاركة أكثر من 250 دار نشر.. معرض الكتاب العربي في إسطنبول ...
- محمود دوير يكتب :”كابجراس” و”جبل النار” و”أجنحة الليل يحصدون ...
- فيلم -انتقم-.. الطريق الصعب إلى الحياة الجامعية
- -بلطجي دمياط- يثير الرعب في مصر.. لماذا حمّل المغردون الأعما ...
- رواية -أسبوع في الأندلس-.. متعة التاريخ وشغف الحكاية
- انتشر على شبكة الانترنت بشكل واسع.. شاهد كيف روّجت هذه الشرك ...
- مجموعة سجين الفيروس
- -سأنزل في هذه المحطّة- إصدار جديد للأديبة جميلة شحادة
- حفل تأبيني في كندا للراحل الشاعر عبى العضب


المزيد.....

- رواية للفتيان البحث عن تيكي تيكيس الناس الصغار / طلال حسن عبد الرحمن
- هاجس الغربة والحنين للوطن في نصوص الشاعرة عبير خالد يحيى درا ... / عبير خالد يحيي
- ثلاث مسرحيات "حبيبتي أميرة السينما" / السيد حافظ
- مسرحية امرأتان / السيد حافظ
- مسرحية ليلة إختفاء الحاكم بأمر الله / السيد حافظ
- مسرحية ليلة إختفاء فرعون موسى / السيد حافظ
- لا أفتح بابي إلّا للمطر / أندري بريتون- ترجمة: مبارك وساط
- مسرحية "سيمفونية المواقف" / السيد حافظ
- مسرحية " قمر النيل عاشق " / السيد حافظ
- مسرحية "ليلة إختفاء أخناتون" / السيد حافظ


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وسيم بنيان - جغرافيا الصراع: قراءة في قراصنة الكاريبي