أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بشير الحامدي - لا مشروع جذري للمقاومة دون شبكة مقاومات ودفاع ذاتي في المحليات على رأس مهامها: اسقاط مسار الانتقال الديمقراطي















المزيد.....


لا مشروع جذري للمقاومة دون شبكة مقاومات ودفاع ذاتي في المحليات على رأس مهامها: اسقاط مسار الانتقال الديمقراطي


بشير الحامدي

الحوار المتمدن-العدد: 6554 - 2020 / 5 / 4 - 17:03
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تجمع الأغلبية اليوم على أن مسار الانتقال الديمقراطي وكل قواه الحزبية والنقابية والجمعياتية ومؤسساته السياسية الرسمية وأجهزته لم يكن غير انقلاب على مسار 17 ديسمبر وعلى إرادة الجماهير وعلى حقوقها في السيادة على قرارها والسيادة على ثروات البلاد ومواردها ووسائل الإنتاج.
لقد ظهر بالملموس فشل كل سياسات هذا الانقلاب وقد بينت سنوات العشر الأخيرة أن أوضاع الأغلبية على كل المستويات السياسية والاقتصادية الاجتماعية والأمنية أوضاع أصبحت أسوء بكثير مما كانت عليه زمن الديكتاتور بن علي وأن كل السياسات التي طبقتها هذه القوى زادت من تعميق الهوة بين الأغلبية وطبقة الأقلية المافيوزية التي بيدها كل النفوذ الاقتصادي والسياسي وتداولت على الحكم منذ حكومة الغنوشي الأولى إلى حكومة إلياس الفخفاخ اليوم.
فشل مسار الانتقال الديمقراطي الذي سعت عصابة الانقلاب للتستر عليه تارة بالتوافقات وطورا بالقمع وطورا آخر بالفرز داخل هذه القوى عبر تنظيم انتخابات لتقاسم النفوذ افتضح أكثر وأكثر وصار حقيقة ملموسة لدى الأغلبية بمناسبة انتشار وباء كورونا حيث ظهر للعيان عطب مؤسساته وعطب سياساته التي نفذت طيلة عشر سنوات حيث لم يكن الأمر مقصورا على مؤسسة بعينها من مؤسساته أو سياسة بذاتها من سياساته بل إن العطب ظهر شاملا لكل منظومة هذا المسار رئاسة وحكومة وبرلمانا وأجهزة.
وكما ذكرنا سابقا وفي عديد المقالات أن السيستام لن يستمر إلى ما لا نهاية في إنتاج الأزمات والخروج من أزمة بإنتاج أزمة أعمق وأنه لابد لهذا السلسلة من الأزمات أن تؤدي بالأغلبية إلى الاستقلال التنظيمي والسياسي عن هذا المسار والمقاومة من موقع طبقي (أغلبية في مواجهة أقلية) مقاومة قد تفتح أفقا للتأسيس للتغيير الجذري الذي تكون أولى مهامه قطع هذه السلسة من إنتاج الأزمات وذلك بإسقاط هذا السيستام وكل قواه السياسية وكل مؤسساته وأجهزته.
لا شك أن ذلك لن يحدث بفعل العوامل الموضوعية وحدها (السيستام لا يسقط هكذا من تلقاء نفسه لأنه معطب) بل لابد أن تتوفر وتتضافر عوامل أخرى متعلقة بالكتلة الطبقية التي من مصلحتها اسقاط السيستام عوامل متعلقة بتنظيم وسياسة هذه الكتلة أي بمشروع المقاومة الذي تطرحه. فهنا بالضبط تكمن كل الإشكاليات التي من الواجب طرحها وتفكيكها للتأسيس لمشروع يقاوم من أجل التغيير الجذري مشروع يقطع مع أخطاء الماضي ويستخلص الدروس التي يجب أن يستخلصها من فشل مسار التغيير سواء محليا طيلة العشر سنوات الماضية أو دروس التجارب الثورية التي أعقبت 17 ديسمبر في المنطقة العربية في مصر وسوريا واليمين أو التي حدثت قبل أشهر في السودان والجزائر ولبنان أو في اسبانيا و في اليونان قبل سنوات قليلة أو في فرنسا وحركة les gilets jaunes قبل سنة.
لا مقاومة من أجل التغيير الجذري دون حامل الاجتماعي
بعد عشر سنوات من 17 ديسمبر أصبح من الممكن القول أن السبب الأول لإخفاقه كمشروع جماهيري للتغيير الجذري كان غياب الحامل الاجتماعي أي غياب تجسيد تنظيمي وسياسي للكتلة الطبقية المعنية بهذا التغيير وغياب أي تمثل لديها لمشروعها في إسقاط النظام والتأسيس لهذا المشروع وهي تتقدم في وتفرض (هروب ـ تهريب) اسقاط الديكتاتور بن على.
لم تع هذه الجماهير وقتها أهمية الاستقلال التنظيمي والسياسي عن الأجهزة البيروقراطية الحزبية والنقابية والجمعياتية التي سيتبين فيما بعد أن مشروعها السياسي في عمومه لم يكن مشروعا مختلفا عن مشروع قوى الانقلاب (بقايا التجمع ـ الجيش ـ وزارة الداخلية ـ القوى اللبرالية الإصلاحية التي مثلت ديكورا لنظام بن علي ـ بيروقراطية الاتحاد العام التونسي للشغل) والتي جسدتها بالملموس التوافقات حول حكومة الغنوشي الأولى والثانية وكذلك التقاءها حول الفصل 56 من الدستور القديم الذي مكن شخصية فاسدة مثل فؤاد المبزع أن يرث كرسي بن علي في رئاسة الدولة لينظم إليها فيما بعد حزب حركة النهضة وكذلك الأحزاب والمجموعات التي تقول عن نفسها يسارية وممثلة للعمال والفلاحين (حزب العمل الشيوعي ـ حركة الوطنيين الديمقراطيين ـ رابطة اليسار العمالي ـ المجموعات القومية بكل أطيافها وشقوقها) والتي سنراها فيما بعد من المكونات الرئيسية لـ "الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي" التي أسست تشريعيا وسياسيا وقانونيا للانقلاب على 17 ديسمبر باسم الانتقال الديمقراطي الذي سيحول الصراع من صراع الأغلبية ضد النظام من أجل بديل جذري تحقق عبره الأغلبية مطالبها التاريخية في السيادة على القرار وعلى ثروات البلاد ومواردها ووسائل الانتاج وعلى التخطيط والعمل والإنتاج والإدارة والحكم إلى صراع سياسي فوقي بين الأحزاب حول قانون للانتخابات وحول دستور وحول عدالة انتقالية وحول مصالحة مع الديكتاتورية والفاسدين وبذلك تمكن هذا الفوق السياسي الفاسد بكل مكوناته من وقف كل إمكانية لتغيير جذري وبالتالي تعطيل أي قدرة على أن تصل الجماهير (الأغلبية) عبر تجربتها الخاصة في الصراع إلى الاستقلال عن ذاك الفوق الفاسد وتتحول بالتالي من قوة متذررة لا دور لها سوى منح الشرعية الانتخابية لهذا الحزب أو ذاك إلى كتلة اجتماعية مستقلة بمشروع للمقاومة والتغيير وتخوض صراعها من أجل مصالحها هي وليس مصالح هذا الحزب أو ذاك التحالف السياسي الذي لا هدف له غير السلطة والمحافظة على السيستام.
وبرغم تواصل الاحتجاب والاعتصامات في أغلب الجهات ـ في المناجم في الكامور في جبنيانة في منزل بوزيان في بوزيد في تونس في الكاف في سليانة في القصرين ـ إلا أنها كلها كانت تعيد إنتاج نفس أخطاء اعتصامي القصبة 1 والقصبة 2 وسرعان ما تحلّ عبر القمع أو عبر الاتفاقات الهزيلة مع الحكومة التي تتراجع عنها ما أن تتمكن من فض هذه الاعتصامات وتفكيكيها أي أنها كانت فعاليات لم يع القائمون بها أنه لا يمكن لها أن تتواصل وتستمر إن لم تتمكن من تعبئة المعنيين بالتغيير أي أنه دون حامل اجتماعي بسياسة وانتظامات مستقلة (قوة طبقية من داخل الأغلبية) تتبنى وتنخرط في هذه التحركات ستبقى هذه التحركات مجرد احتجات محكومة بعجزها ومحاصرة بواسطة قوى الفوق الفاسد الحزبية والنقابية التي لن تجد صعوبة في استثمارها وتفتيتها في الأخير.
التجربة الوحيدة التي اختلفت عن كل هذا الحراك كانت تجربة جمنة التي تمكن أثناءها المواطنون من الانتظام المستقل واستعادة أراضي تلك الضيعة وتسييرها و إدارتها لصالح المواطنين هناك وهي تجربة عرفت فيما بعد مسارات عديدة نتيجة تدخل الدولة لمحاصرتها ومحاولة تفكيكيها ولكنها رغم ذلك تبقى التجربة الوحيدة في كامل المسار التي ذهبت فيها الجماهير أين يجب ن تذهب.
إن المطلوب ليس تنظيم احتجاجات أو اعتصامات أو تعبات تنتهي أخيرا بين يدي أحزاب السيستام تستثمرها لتقوية نفوذها ضد فرقائها إنما المطلوب هو التأسيس لحركة مقاومة مستقلة سياسيا وتنظيميا عن السيستام وعن كل قواه وأجهزته.
الشواهد كثيرة على أهمية الحامل الاجتماعي في تجارب المقاومة التي نعرف في بغض البلدان فحركة مزارعون بدون أرض في البرازيل وفي كمبوديا وفي المكسيك كان وراءها المزارعون الذين افتكت الشركات أراضيهم فالمقاومة قد شكلت منهم وشملت كذلك أغلب الفئات التي كانت مصلحتها تلتقي مع مصالح تلك الحركة كذلك. حركة بوديموس في اسبانيا كان لها أيضا قاعدة اجتماعية عبر منتمي "حركة الغاضبين" التي كان لها تأثير في أوساط الشباب والعمال والبطالين والنساء وكذلك في إقليم كاتالونيا التي تبنت الحركة مطلب استقلاله أيضا حركة سيريزا في اليونان كانت تحوز على قاعدة اجتماعية في أوساط العمال والموظفين والعاطلين بل منظمة منهم و كذلك كانت حركة les gilets jaunes التي انطلقت من انتظامات أفقية لفئات اجتماعية معادية لحكومة الرأسماليين الفرنسيين ـ المقاعدين ـ البطالين ـ الشباب ـ جزء كبير من الخدامة والموظفين.
إننا أشرنا لهذه الحركات ليس من باب أننا نتفق مع سياساتها أو ننادي بتأسيس حركات على شاكلتها بل فقط للإشارة إلى أهمية الحامل الاجتماعي في بناء أي حركة وكذلك للدفع لدراسة هذه الحركات واستخلاص الدروس من تجاربها بغض النظر عن نجاحها أو إخفاقها.
لا مشروع جذري للمقاومة دون الاستقلال التنظيمي والسياسي للأغلبية
لقد بينت تجربة العشر سنوات المنقضية من مسار الانتقال الديمقراطي فشل كل الأحزاب في أن تكون معبرا عن مصالح الأغلبية. فقد تبيّن ولجزء كبير من الأغلبية أن الأحزاب مهما نسبت لنفسها من تقدمية وثورية وديمقراطية لا تختلف كثيرا عن بقية أجهزة النظام في مصادرة قرار منتسبيها وفي التمويه بتمثيلهم في مؤسسات النظام فما أن تتمكن هذه الأحزاب أو تحالفات الأحزاب من الوصول للبرلمان أو التمثل في الحكومة أو رئاسة الجمهورية حتى تنقلب على مطالب الشعب الذي طالما أعلنت أنها تتبناها وستحققها وتتحول إلى مدافع عن مصالح الأقلية الفاسدة التي تمولها لتحكم بواسطها وهذا يمكن أن نستدل عليه بنسبة الذين لم يذهبوا للانتخابات وكذلك بنسبة من قاطعوها و أعلنوا مقاطعتهم حتى و إن لم تفض هذه المقاطعة إلى تعطيل الانتخابات من قبلهم مثلا أو إلى دعوة المواطنين إلى ضيغ أخرى أكثر جذرية يمكن عبرها تجسيد سيادتهم على قراراهم.
وحتّى تلك التعبئات الظرفية التي شهدناها بمناسبة الانتخابات الرئاسية سنة 2019 والتي ادعت استقلاليتها حسب منظور أصحابها الخاص للاستقلالية وتمكنت من الحصول على مقاعد في البرلمان أو تلك التي صعدت قيس سعيد لرئاسة الجمهورية ها أننا نشهد مالاتها ومالات الذين راهنت عليهم في التغيير كيف انقلبوا عليها وتبّن أنهم أبناء السيستام وليسوا ضده والأمثلة هنا كثيرة ولعل مثال قيس سعيد والطيف الذي راهن عليه خير دليل.
لقد تبيّن اليوم أن مسار سيادة الأغلبية على قرارها وتحقيق مطالبها وإسقاط السيستام لا يمر عبر مقولة الحزب مهما يقول عن نفسه هذا الحزب ومهما يرفع أثناء حملاته الانتخابية ولكن الأغلبية ورغم هذا الوعي بقيت متوقفة هناك ولم تتقدّم في اتجاه حسم هذه المسألة بالانخراط في حركة انتظامات أفقية ذاتية مستقلة ولذلك أسباب أهمها على الإطلاق أن هذه الكتلة ظلت متذررة ولم تُطرح داخلها وحتى داخل الناشطين القائلين بالانتماء إليها مسألة التأسيس لمشروع للمقاومة والتغيير الجذري ولم توضح بالشكل الملموس والمطلوب الشكل التنظيمي الذي عبره يمكن المراكمة في اتجاه استقلال هذه الكتلة الطبقية عن السيستام القائم وكل قواه و أجهزته فكل التحركات التي شهدنا كانت تحركات محكومة بضيق أفقها حيث لم تطرح ولو مرة مسألة الاستقلال التنظيمي والسياسي للأغلبية عن السيستام أي بمعنى لم تطرح بشكل عملي مسألة الانتظام الأفقي للأغلبية وكذلك مسألة إسقاط مسار الانتقال الديمقراطي و إسقاط الشرعية التي جاء بها والقوى المتمسكة بهذه الشرعية في كل أجهزة الحكم: برلمانا ورئاسة وحكومة و أن أقصى ما طرح من مهام لم يتجاوز على مستوى أشكال التنظم الاعتصام والاحتجاج والتظاهر التي لم تتجاوز أفق المطلبية أو المناداة بإصلاحات في إطار ما تسمح به منظومة الانتقال الديمقراطي وهي كلها تحركات انتهت دائما بالاندماج القائمين بها بالسيستام والتحول من معارضين له إلى مستفيدين منه و الأمثلة هنا أيضا عديدة ولا فائدة من الإطناب في تعدادها وتفصيلها.
في 17 ديسمبر لم تبحث الجماهير عن الأحزاب لتنخرط فيها لتحقيق مهمة "يرحل بن علي" أو لترفع شعار "الشعب يريد إسقاط النظام" وبقية الشعارات... وقتها كانت مسألة تحقيق هذه المهام مقترنة في أذهان الأغلبية بتأسيس انتظاماتها الأفقية الذاتية التي تحققت حتى بصورتها الجنينية غير المتينة عبر اللجان والمجالس التي ظهرت وقتها والتي بحكم عوامل عديدة لا يمكن الرجوع إليها في هذا المقال انفرط عقدها بعد مؤتمر نابل في 9 و10 أفريل 2011 وكما في 17 ديسمبر فإن الأغلبية اليوم أو جزء كبير منها لا يرى تعطل المسار الثوري والعجز عن استئنافه نتيجة لغياب الحزب الثوري أو لعدم قدرة اليسار التقليدي والجديد عن تنقية شوائبه اللبرالية كما يعتقد عديدون أو متعلقة بغياب البرامج الثورية ـ فالبرامج الثورية موجودة في المكتبات والرؤوس منذ سبارتكوس ـ بل متعلقة بقدرة الناس وقدرة الحركات التي تقول عن نفسها أنها معبرة عن مصالحهم على أن تكون مستقلة وتتقدم بالملموس في دفع الأغلبية إلى الانتظام بالاستقلال عن أطر التدجين التي تنزع عنهم كل إمكانية للسيادة على قراراهم أي الانخراط في السياسة لمصلحتهم هم المتناقضة مع سياسات السيستام وبقدرتهم هم وليس بقدرة الحزب الفلاني أو الشخصية الفلانية.
لذلك ستبقى كل محاولة لاستئناف المسار الثوري تراوح في نفس المكان وتعيد إنتاج فشل المحاولات السابقة إن لم تتصد لمعالجة هذه المسألة ولم تخرج بمشروع للمقاومة يكون من أولوياته العمل على التنظّم مع الأغلبية ومن داخلها ودفع الخدامة والبطالة والطلبة والتلامذة وربات البيوت والحرفيين والموظفين للتنظم بشكل مستقل في مجالس في أحيائهم في معاملهم في قطاعاتهم في إداراتهم وحيث هم على مهام متعلقة بحقوقهم كأغلبية هذه الحقوق التي لا تتحقق إلا بفرضهم لسيادتهم على قرارهم وسيادتهم على الموارد والثروات ووسائل الإنتاج والتخطيط مهام يقاومون بها البرجوازية ودولة الانتقال الديمقراطي وشرعيتها وقوانينها وأجهزتها ومركزيتها وحكوماتها. وسياساتها.
المطروح اليوم هو أن ندفع مع الناس ومن داخلهم لينتظموا باستقلالية في قطاعاتهم وفي مدنهم وفي جهاتهم وتحويل مقاوماتهم هذه إلى شبكة مقاومة وإدارة ودفاع ذاتين وليس المطلوب أن ينتظم عشرات الآلاف في البداية فمجموعات صغيرة في كل قطاع وفي كل بلدة وفي كل مدينة وفي كل جهة في البداية تكون كافية للتأسيس لهذه الشبكة المقاومة ذاتية التنظيم وخطوة كهذه وفي هذه الظروف أفضل من ألف برنامج ومن ألف مبادرة وألف تحرك يعيد إنتاج نفس أعطاب وفشل التحركات السابقة.
لا مقاومة جذرية دون شبكة مقاومات ودفاع ذاتي في المحليات على رأس مهامها: إسقاط مسار الانتقال الديمقراطي

لعل من أبرز التجارب التي عرفتها بلادنا في العشر سنوات الماضية هي تجربة الاعتصامات بدءا باعتصامي القصبة 1 و2 مرورا ببعض الاعتصامات الأخرى التي نظمت في الجهات وصولا لاعتصام باردو الشهير الذي جاء بحكومة مهدي جمعة سنة 2014 ثم بحكومة الحبيب الصيد وبالباجي قايد لسبسي لرئاسة الجمهورية عقب انتخابات ذلك العام.
إن الملاحظة الأولى التي يمكن أن نسوقها في علاقة بكل هذا هي أن هذه الاعتصامات انتهت كلها إلى تسويات بين قوى الانتقال الديمقراطي ومكنت في حصيلتها الأخيرة هذا المسار من الاستمرار و كذلك قواه السياسية المهيمنة من تجاوز أزماتها الظرفية حول اقتسام النفوذ والسلطة فاعتصامي القصبة استثمرا لصالح مشروع كتابة دستور 2014 وتنظيم انتخابات 2011 التي جاءت بحركة النهضة للسلطة و اعتصام باردو انتهى إلى التوافقات التي نعرف بين حركة النهضة والتيار الحداثي البوروقيبي وجاء بممثلي اليسار اللبرالي للبرلمان وفي كلا التعبئتين لم تغنم الأغلبية إلا المزيد من مصارة قرارها باسم التوافقات والانتخابات والمزيد من التفقير والاستغلال والقمع.
ويمكن عموما القول أن مثل هذه الأشكال من التحركات وبشكل عام وبغض النظر عن قدرتها على التعبئة تحولت إلى أشكال يسهل توظيفها واختراقها فقد أفرغت من كل محتوى يمكن أن يراكم في اتجاه فرض التغيير الجذري الذي تنشده الأغلبية لقد استوعب السيستام هذه الأشكال من التحركات كما خبر الفوق السياسي والمدني كيفيات توظيفها وتوجيهها الوجهة التي يريدها وبالتالي إفراغها من كل محتوى مقاوم ومستقل وعليه صار لزاما على كل مشروع للمقاومة أن يصرف النظر عن هذا الشكل من التعبئة ويتوجه أين يجب أن يتوجه.
في اعتصام القصبة 1 و2 بينت التجربة أنه كان أولى بعشرات الآلاف الذين تجمعوا أمام الوزارة الأولى في مناسبتين لمطالبة الحكومة و الأحزاب بإنجاز مهام الثورة أن يبقوا في جهاتهم وينجزوا هذه المهام التي يطالبون بها كذلك الشأن أثناء اعتصام باردوا فقد كان كذلك أولى بالجماهير التي رابطت في ساحة باردو أسابيع لتسلم الأمر في النهاية للباجي قايد السبسي ولنداء تونس أن تنتظم في الجهات وتشرع في التأسيس لحكم بديل عن حكم حركة النهضة حتى و إن اتخذ ذلك شكل ازدواجية للسلطة في البداية. نفس الشيء بالنسبة لاعتصام "الكامور" الذي كانت مطالبه متعلقة بالسيادة على الثروات ولكنه انطلق في غياب أي تنسيق بين الجهات المعنية بنفس المسألة وبذلك حكم على نفسه بالانعزال وسهل عملية تفكيكه وقمعه دون أن يحقق شيئا من مطالبه غير بعض التسويات الهزيلة التي تراجعت عنها الحكومة لاحقا.
الأمر نفسه ينطبق على الطيف النقابي الرافض لهيمنة البيروقراطية النقابية على الاتحاد العام التونسي للشغل والذي عوض أن ينقل المعركة ضد النظام سنة 2011 إلى ساحة محمد علي ويتخلص من هذا الجسم المتعفن المكبل لكل فعل نقابي جذري عبر آليات كان يمكن الاتفاق حولها نراه يركن لهذه البيروقراطية ويرفض خوض معركته معها إلى النهاية وهذا الأمر للأسف مازال متواصلا إلى اليوم حيث نشهد استسلاما تاما لهذه البيروقراطية وعجزا تاما من قبلي منتسبي هذه النقابة على مواجهتها وخوض معاركهم ضدها من أجل سيادتهم على قرارهم النقابي ودمقرطة هذه النقابة.
إذا لابد لأنصار مشروع المقاومة الجذري المنشود أن يدركوا حقيقة أنه لا يمكن لمشروعهم أن يتأسس على مثل هذه التعبئات و أنه لا معنى عملي لسؤال التنظيم المستقل والتغيير الجذري إذا لم يطرحه المعنيون به تحديدا ليس كأفراد أو ككتل أقليات حزبية أو جمعياتية أو نقابة بل كمجموعات جماهيرية محلية وجهوية لها مصالح مشتركة تحتم عليها هذه المصالح أن تنتظم مستقلة في أماكن العمل في كل قطاع وفي كل حي وفي كل معمل وفي كل شركة وفي كل معهد وفي كل كلية مجموعات مستقلة ذاتيا تكبر وتصغر انتظاماتها بحسب الوضع والإمكانيات الذاتية ولكنها كلها تعمل على أساس مهمة موحدة هي إسقاط مسار الانتقال الديمقراطي. فلا حل لضرب المركزيات المحتكرة للسياسة وللقمع والسلاح وللقرار الاقتصادي والسياسي والأمني غير هذه الاستراتيجية.
هنا يجب أن ينظر شبابنا المعطل وهنا يجب أن ينظر الخدام والموظف المفقر والعامل الفلاحي والمزارع الفقير ومن هنا يجب أن تبدأ الحلول.
أخيرا ما وما هو الموقف من بعض الدعوات إلى المقاومة التي عبرت عن نفسها أخيرا على فضاء التواصل الاجتماعي.
ظهر ت منذ أيام على صفحات التواصل الاجتماعي صفحة يدعو أصحابها إلى التنظم الأفقي وإلى استئناف المسار الثوري وإلى تكوين تنسيقيات جهوية لهذه المهمة ولكن من العنوان الذي اتخذوه لدعوتهم هذه وهو " على العهد باقون وللقصبة عائدون" ومن المشاركات التي تنشر باسم المشتركين في هذه الصفحة يبدو أن أمر الدعوة يكتنفه غموض والتباس كبيرين.
ودون الحكم على النوايا يمكن القول أن هذه الدعوة وحسب ما ينشر على الصفحة التي أنشأتها أصحاب المبادرة ويمكن للعموم الدخول إليها حافلة بالمواقف المتضاربة والمتناقضة فهناك من يدعو لــ"فتح حوار عام ينطلق من تصور لمحاور محددة تكون قاعدة لبناء طرح مشترك" وهناك من يدعو لـ "بناء نواتات جهوية ومحلية تكون خليط من مكونات المجتمع من المتساكنين" وهناك من يرفع عبر منشور مقولة " لا لتسيس الحراك" وهناك من يطرح " لابد من حل البرلمان الذي يريد أن يشرع لبيع البلاد لتركيا وقطر" وهناك من يدعو " أعضاء التنسيقية الوطنية للحراك الاجتماعي إلى التفاعل وتقديم المقترحات" وهناك من يدعو للاتصال " بالجمعيات المناضلة، بالمنظمات المهنية باليسار المنظم و غير المنظم ..." وهناك من يرى أن " التحركات الاحتجاجية يجب ان تكون على مستوى محلي بطرد المعتمدين ثم على مستوى جهوي بطرد الولاة و اخيرا على مستوى وطني بحل البرلمان و الحكومة" وهناك من يقول أن " غايتنا هيكلة البنية التشريعية وإعادة صياغة القانون الانتخابي وتفعيل بناء المحكمة الدستورية غايتنا إيقاف التداين وتعليق سداد الديون" وهناك من كتب " الدعوة لمفكري و دكاترة و نخبة البلاد الشرفاء .آن الأوان لتتولوا القيادة و لا تتركوا المجال للمهربين و السماسرة و الثقفوت لشد المقود .البلاد في حاجة لكم" وهناك كتب " آلاف النخب مستعدة افتراضيا للمشاركة في الاعتصام وتملك الحدّ الأدنى المشترك .. لماذا لا نؤسس جبهة مدنية تقدمية واسعة "وهناك من نشر أن " اليسار رغم علله وتشتته يبقى المحرك الأساسي لكل عمل ميداني قادر على تفكيك المنظومة..." وهناك من يدعو لحل البرلمان وإسقاط الحكومة ولكنه يسكت عن مؤسسة الرئاسة وهناك من يرى أن هوية مجموعة على العهد باقون وللقصبة عائدون هوية " معادية لمنظومة الانتقال الديمقراطي..." وأن مرجعيتها تستمدها "...من دروس المسار الثوري المغدور..." ومواقف أخرى كثيرة متناقضة ومتضاربة ولا يجمع بينها جامع.
ذكرنا هذا الكم من المواقف المنشورة في الصفحة لنشير إلى اللخبطة التي عليها هذه المواقف وبالتالي إلى الاضطراب الذي عليه مواقف أصحاب هذه الدعوة وغياب أي رؤية موحدة وجامعة حول أهداف هذه المجموعة وهو أمر صار مألفوفا بالنسبة للمجموعات التي تجعل من الفضاء الافتراضي أداتها الرئيسية في البناء فالكل يعلم تلك الحملة التي جمعت عديد المجموعات التي في الحقيقة لم يكن يجمعها أي رابط سياسي حيث تشكلت مجموعات افتراضية تدعو لانتخاب قيس سعيد لرئاسة الجمهورية دون أدنى نقاش بينها حول مشروعه السياسي ومواقفه رابطها الوحيد هو اتفاقها كلها على ضرورة انتخابه وهو موقف سرعان ما بان خطؤه بأن ظهر الرجل على حقيقته ليس كما زعمت تلك المجموعات وبررت انخراطها في حملته على أساس أنه " أنتي سيستام" يجب دعمه بل إنه الشخصية التي كان يحتاجها السيستام لا القوى التي يضطهدها هذا السيستام.
وعموما و إن كان لا يمكن الاستباق من الآن وتقديم استنتاجات حول الأهداف الحقيقية لهذه الدعوة وآفاقها قبل أن تصدر هذه المجموعة الخطوط العريضة لمشروع المقاومة التي تطرحه وفي الانتظار يمكن القول بالحكم على المقدمات التي اطلعنا عليها أنها دعوة سوف لن تختلف كثيرا عن الدعوات السابقة التي واكبناها طيلة السنوات الفارطة والتي انتهت كلها دعوات وتعبئات فاشلة مخترقة موظفة عاجزة عن تحقيق أدنى المطالب الأغلبية لتنحل وتسقط في النهاية بفعل تناقضاتها وهذا ناتج بطبيعة الحال على أن لأزمة ليست فقط في الفوق السياسي الفاسد إنها أيضا موطّنة لعشر سنوات في الأسفل وبالتحديد لدى أغلب الطيف السياسي والمجموعات التي تقول عن نفسها أنها متمسكة بالثورة وباستئناف المسار الثوري ولكنها برهنت طيلة هذه السنوات على عجز تام على الاستقلال عن السيستام وسياسات الانتقال الديمقراطي على كل الأصعدة والتوحد حول مشروع جذري للمقاومة تنخرط فيه الأغلبية للإطاحة بهذا المسار إنها كانت دائما تسقط نتيجة اصطفافها لأحدى قوى الانتقال الديمقراطي أو لجهاز من أجهزة الدولة أو لشخصية من شخصيات المسار الانقلابي.






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كورونا الطبقية
- كيف ستواجه الأغلبية عالم ما بعد كورونا
- -كورونا- الشجرة التي تخفي الغابة
- لنخرج أمام منازلنا ومن على الشرفات لنقول بالصوت العالي -نفذو ...
- هل ستسقط مع وباء كورونا فكرة -ليموت البشر وليحيا الاقتصاد-؟
- لماذا نشر ذئاب السوق corona virus وماذا يُعِدُّون لمستقبل ال ...
- وباء coronavirus حاصل كذبة الرفاه الذي وعدوا به
- أي دور قادم للاتحاد العام التونسي للشغل في علاقة بحركة النهض ...
- تذرر السلطة
- تونس: حكومة إلياس الفخفاخ الخطوة الحاسمة نحو الصراع المكشوف ...
- من دروس 17 ديسمبر
- وزارة الثقافة وكر فساد ومحسوبية وهناك من يعتبرها بقرته الحلو ...
- تونس:بعض الاستنتاجات حتى نفهم لماذا صوتت الأغلبية بتلك النسب ...
- عمّا كشفت انتخابات 6 أكتوبر 2019 البرلمانية في تونس
- هل هو مخطط للحسم نهائيا في امكانية وصول نبيل القروي لكرسي قر ...
- انتظروا إنهم سيتوحدون لقتل كل إمكانية لولادة ديسمبر جديد ولو ...
- تونس:ما العمل لاستثمار الديناميكية التي أنتجتها انتخابات 201 ...
- الانتخابات الرئاسية في تونس: افلاس منظومة الحكم سياسات وأحزا ...
- تونس: استنتاجات أولية بعد ترشح قيس سعيد ونبيل القروي للدور ا ...
- ماذا يعني الغنوشي ب - سنكون في باردو والقصبة وقرطاج-


المزيد.....




- -فض رابعة- وحلقة -الاختيار2-.. كيف جاءت أبرز ردود الفعل؟
- أطباء يحذرون من تدهور صحة المعارض الروسي نافالني: قد يعاني ف ...
- -أمريكا قدمت العراق لإيران على طبق من فضة-.. أمير سعودي يكشف ...
- صحة دبي تتيح تطعيم المرضعات والمقبلات على الحمل ضد كورونا به ...
- بالصور.. شاهد منطقة عسير بالسعودية وهي تكتسي بالبياض بفضل -ز ...
- -أمريكا قدمت العراق لإيران على طبق من فضة-.. أمير سعودي يكشف ...
- بكين منتقدة واشنطن: لا يمكن إيقاظ من يتظاهر بالنوم
- -خطة فوكوشيما- اليابانية تثير امتعاض سيئول وكيري يطمئن
- الجزيرة الآسيوية التي تعترف بخمس هويات جنسية مختلفة
- إعتقال رئيس حزب الحل جمال الكربولي في بغداد


المزيد.....

- في مواجهة المجهول .. الوباء والنظام العالمي / اغناسيو رامونيت / ترجمة رشيد غويلب
- سيمون فايل بين تحليل الاضطهاد وتحرير المجتمع / زهير الخويلدي
- سوريا: مستودع التناقضات الإقليمية والعالمية / سمير حسن
- إقتراح بحزمة من الحوافز الدولية لدفع عملية السلام الإسرائيلى ... / عبدالجواد سيد
- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكر والسياسة والاقتصاد والمجتمع ... / غازي الصوراني
- استفحال الأزمة في تونس/ جائحة كورونا وجائحة التّرويكا / الطايع الهراغي
- مزيفو التاريخ (المذكرة التاريخية لعام 1948) – الجزء 2 / ترجم ... / جوزيف ستالين
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزء الأول / مبارك وساط
- مسودات مدينة / عبداللطيف الحسيني
- اطفال الفلوجة: اللغز الطبي في خضم الحرب على العراق / قصي الصافي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بشير الحامدي - لا مشروع جذري للمقاومة دون شبكة مقاومات ودفاع ذاتي في المحليات على رأس مهامها: اسقاط مسار الانتقال الديمقراطي