أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عزيز سمعان دعيم - يتجلّى في الهزيع الرابع















المزيد.....

يتجلّى في الهزيع الرابع


عزيز سمعان دعيم

الحوار المتمدن-العدد: 6543 - 2020 / 4 / 21 - 19:16
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


كثيرًا ما نتساءل: لماذا؟ لماذا تسمح يا ربّ بما يحصُل؟ لماذا لا تتدخل؟ لماذا لا تُسرع؟
كذلك طرح العديد من أنبياء وقديسي العهدين القديم والجديد، تساؤلات عديدة حول تأني الله وعدم تدخله السريع وفقًا لأوضاعهم ولمرأى عيونهم، وطالبوه ليتدخل سريعًا فينقذ ويُخلص ويُمجد اسمه، فعلى سبيل المثال تساءل المرنم آساف "لِمَاذَا رَفَضْتَنَا يَا ٱللهُ إِلَى ٱلْأَبَدِ؟ لِمَاذَا يُدَخِّنُ غَضَبُكَ عَلَى غَنَمِ مَرْعَاكَ؟" (مزمور74: 1)، وتتابعت التساؤلات "حَتَّى مَتَى يَا ٱللهُ يُعَيِّرُ ٱلْمُقَاوِمُ؟ وَيُهِينُ ٱلْعَدُوُّ ٱسْمَكَ إِلَى ٱلْغَايَةِ؟" (مزمور74: 10)، وطالب الله بان يتدخل بقوة ويقضي على المعايرين والمقاومين والأعداء قائلًا "لِمَاذَا تَرُدُّ يَدَكَ وَيَمِينَكَ؟ أَخْرِجْهَا مِنْ وَسَطِ حِضْنِكَ. أَفْنِ" (مزمور74: 11). وكذلك تساءل عن سبب نجاح الأشرار، بل وغار منهم ومن حياتهم، فكأن أمورهم تسير بكل سلاسة ورخاء، بالرغم من كبريائهم وتمردهم على الرّبّ وحياة الطمع والجشع التي يعيشونها وكأنه لا إله. تساؤلات أساف هذه تتعاطف مع تساؤلات كلّ واحد منا بهذا الخصوص، وهي تساؤلات مُتعِبة ومُؤذيّة لمن ينشغل فيها، فاسمع آساف معترفًا بذلك "َكُنْتُ مُصَابًا ٱلْيَوْمَ كُلَّهُ، وَتَأَدَّبْتُ كُلَّ صَبَاحٍ... فَلَمَّا قَصَدْتُ مَعْرِفَةَ هَذَا، إِذَا هُوَ تَعَبٌ فِي عَيْنَيَّ" (مزمور73: 14-16)، ولكنه عندما ألقى نفسه في أحضان الرّبّ رأى الحقيقة بكل وضوح، فما نراه بالعيان ليس إلا جزءًا من الحقيقة التي تُصوّر لنا لحظة الحاضر، ولكنها لا تستطيع أن تخترق المستقبل ولا ترى بُعد شبر واحد من الآن. عندما دخل آساف إلى مقادس الله، إلى محضر الله بالصلاة، وطرح نفسه عند أقدامه، نراه ينتعش من جديد، ويدرك أن العليّ متسلط، والمستقبل مكشوف وعريان أمام الرّبّ، وأنه يتمهل على الأشرار وينتظر بلطف توبتهم، ولكن إن لم يسمعوا صوته فمصيرهم الانزلاق إلى الهاوية والبوار "حَتَّى دَخَلْتُ مَقَادِسَ ٱللهِ، وَٱنْتَبَهْتُ إِلَى آخِرَتِهِمْ. حَقًّا فِي مَزَالِقَ جَعَلْتَهُمْ. أَسْقَطْتَهُمْ إِلَى ٱلْبَوَارِ. كَيْفَ صَارُوا لِلْخَرَابِ بَغْتَةً! ٱضْمَحَلُّوا، فَنُوا مِنَ ٱلدَّوَاهِي." (مزمور73: 17-19).
كذلك نرى حبقوق أيضًا يقف في موقع الرصد والمراقبة ليستمع لصوت وجواب الله، فحتى إن مللنا من الانتظار، وإن يئست نفوسنا من تدخل الله، وإن شكت قلوبنا في قرب تدخله، فكل هذه لا تمنعه من أن يتدخل في الوقت المناسب إذ يؤكد لنا "... َخَلاَصِي لاَ يَتَأَخَّرُ..." (اشعياء46: 13)، فهو لا يتأخر أبدًا، ولكن مواعيده لا تحركها عجلة أفكارنا، بل تتم في حينها، تتم عندما تُبطل المشورة البشريّة، وعندما نعترف بضعفنا واحتياجنا، وفي حينها نرى عِظم الاستجابة "عَلَى مَرْصَدِي أَقِفُ، وَعَلَى ٱلْحِصْنِ أَنْتَصِبُ، وَأُرَاقِبُ لِأَرَى مَاذَا يَقُولُ لِي، وَمَاذَا أُجِيبُ عَنْ شَكْوَايَ. فَأَجَابَنِي ٱلرَّبُّ وَقَالَ: «ٱكْتُبِ ٱلرُّؤْيَا وَٱنْقُشْهَا عَلَى ٱلْأَلْوَاحِ لِكَيْ يَرْكُضَ قَارِئُهَا، لِأَنَّ ٱلرُّؤْيَا بَعْدُ إِلَى ٱلْمِيعَادِ، وَفِي ٱلنِّهَايَةِ تَتَكَلَّمُ وَلَا تَكْذِبُ. إِنْ تَوَانَتْ فَٱنْتَظِرْهَا لِأَنَّهَا سَتَأْتِي إِتْيَانًا وَلَا تَتَأَخَّرُ." (حبقوق2: 1-3). لقد وثق حبقوق في الرّب وتأكد من أن الرّب سيتدخل في حينه، وهو كالفتيان الثلاثة الذين رفضوا السجود لتمثال نبوخذ نصر الذهبيّ عالمين أنّ لهم إلهًا يستطيع أن ينجيهم إن أراد، وحتى أن لم يتدخل فهم يثقون به "فَأَجَابَ شَدْرَخُ وَمِيشَخُ وَعَبْدَنَغُوَ وَقَالُوا لِلمَلِكِ: «يَا نَبُوخَذْنَصَّرُ، لَا يَلْزَمُنَا أَنْ نُجِيبَكَ عَنْ هَذَا ٱلْأَمْرِ. هُوَذَا يُوجَدُ إِلَهُنَا ٱلَّذِي نَعْبُدُهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنَجِّيَنَا مِنْ أَتُّونِ ٱلنَّارِ ٱلْمُتَّقِدَةِ، وَأَنْ يُنْقِذَنَا مِنْ يَدِكَ أَيُّهَا ٱلْمَلِكُ. وَإِلَّا فَلْيَكُنْ مَعْلُومًا لَكَ أَيُّهَا ٱلْمَلِكُ، أَنَّنَا لَا نَعْبُدُ آلِهَتَكَ وَلَا نَسْجُدُ لِتِمْثَالِ ٱلذَّهَبِ ٱلَّذِي نَصَبْتَهُ» (دانيال3: 16-18)، وهكذا حبقوق يعلن ويؤكد أن ثقته في الرب لن تتأثر بالظروف مهما كانت، فهو متيقن أن إلهه حيّ وقادر على أن يصنع فوق ما يتوقع وأنه سيتدخل، وحتى إن لم يتدخل في أوقاتنا الحرجة، فإيماننا راسخ على صخر الدهور غير المتزعزع "فَمَعَ أَنَّهُ لَا يُزْهِرُ ٱلتِّينُ، وَلَا يَكُونُ حَمْلٌ فِي ٱلْكُرُومِ. يَكْذِبُ عَمَلُ ٱلزَّيْتُونَةِ، وَٱلْحُقُولُ لَا تَصْنَعُ طَعَامًا. يَنْقَطِعُ ٱلْغَنَمُ مِنَ ٱلْحَظِيرَةِ، وَلَا بَقَرَ فِي ٱلْمَذَاوِدِ، فَإِنِّي أَبْتَهِجُ بِٱلرَّبِّ وَأَفْرَحُ بِإِلَهِ خَلَاصِي. اَلرَّبُّ ٱلسَّيِّدُ قُوَّتِي، وَيَجْعَلُ قَدَمَيَّ كَٱلْأَيَائِلِ، وَيُمَشِّينِي عَلَى مُرْتَفَعَاتِي." (حبقوق3: 17-19).
وتبيّن قصة الخروج من مصر كيفيّة تدخل الرّبّ في ميعاده، فقد فرح الشعب بخروجهم من مصر، ولكنهم عندما رأوا مركبات وجيوش فرعون تلاحقهم ذُعروا، فزعوا وتحولوا إلى التذمر على موسى وعلى خطة الله، ولكن موسى كان واثق الايمان فشجعهم «لَا تَخَافُوا. قِفُوا وَٱنْظُرُوا خَلَاصَ ٱلرَّبِّ ٱلَّذِي يَصْنَعُهُ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ. فَإِنَّهُ كَمَا رَأَيْتُمُ ٱلْمِصْرِيِّينَ ٱلْيَوْمَ، لَا تَعُودُونَ تَرَوْنَهُمْ أَيْضًا إِلَى ٱلْأَبَدِ. ٱلرَّبُّ يُقَاتِلُ عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ تَصْمُتُونَ» (خروج14: 13-14). حقيقة تَمَجّد الله وسط هذا الضيق، ليس فقط في تحويل البحر الأحمر إلى طريق مرّ فيه الشعب الخارج من مصر، بل بعد ملاحقة فرعون وجيشه ومركباته للشعب في قلب النهر، وفي الوقت الذي اقترب المصريون من العبرانيين ليؤذوهم، في اللحظة الأخيرة، في الهزيع الأخير، هزيع الصباح، نرى التدخّل الإلهيّ العظيم، "وَكَانَ فِي هَزِيعِ ٱلصُّبْحِ أَنَّ ٱلرَّبَّ أَشْرَفَ عَلَى عَسْكَرِ ٱلْمِصْرِيِّينَ فِي عَمُودِ ٱلنَّارِ وَٱلسَّحَابِ، وَأَزْعَجَ عَسْكَرَ ٱلْمِصْرِيِّينَ، وَخَلَعَ بَكَرَ مَرْكَبَاتِهِمْ حَتَّى سَاقُوهَا بِثَقْلَةٍ. فَقَالَ ٱلْمِصْرِيُّونَ: «نَهْرُبُ مِنْ إِسْرَائِيلَ، لِأَنَّ ٱلرَّبَّ يُقَاتِلُ ٱلْمِصْرِيِّينَ عَنْهُمْ». (خروج14: 24-25). وأمر الرّبّ موسى بمدّ يده على البحر، فعاد الماء وغطى المصريين ولم يبق منهم واحدًا.
يعلّق تشالز ماكنتوش على هذه الحادثة بقوله "هنا نرى الرب واضعًا نفسه بين شعبه وبين العدو وهذه هي الحماية الصحيحة. فلم يكن ممكنًا لفرعون أن يصل إلى شعب الله إلا إذا اخترق ستر القدير نفسه بل الرّبّ ذاته... لأنه مكتوب «كل آلة صورت ضدك لا تنجح». وقد وضع الرب نفسه مرّة بيننا وبين خطايانا، وها نحن نراه الآن واضعًا نفسه بيننا وبين كل تجاربنا وضيقاتنا وكل ما هو ضد لنا. وفي هذا سلام الضمير وسلام القلب... إننا إذا تأملنا في أغلب تجاربنا وأحزاننا لوجدنا أنها ناشئة من تصور وقوع مصائب مستقبلة، لا وجود لها إلا في أذهاننا المرتبكة بسبب عدم الإيمان".
بعد مرور ساعات طويلة من ليل مُظلم حالك، كان فيه الشعب ملاحقًا من قبل العدو، ويعيش حالة من التوتر والقلق والخوف، ويتساءل لماذا لم يتدخل بعد الاله الذي اخرجنا من مصر لينهي هذا الأمر؟ هل أخرجنا ليُهلكنا هنا؟ نرى الرّبّ صاحب السلطان يتدخّل في هزيع الصباح، وصار سورًا بين شعبه والاعداء. نعم، تدخل في اللحظة الأخيرة، في هَزِيعِ ٱلصُّبْحِ، والهزيع هو قسم من الليل، وهزيع الصباح هو ثُلث الليل الأخير أو ربعه الأخير. فقد قَسّم اليهود الليل قديمًا إلى ثلاثة أقسام، كل قسم أربع ساعات: الهزيع الأول، الهزيع الأوسط أي منتصف الليل، ثم هزيع الصُبح. في حين قسّمه الرومانيون إلى أربعة أقسام، كل قسم منها مدته ثلاث ساعات: الهزيع الأول يبدأ تقريبًا حوالِي الساعة السادسة مساءً، وَالهزيع الثاني يبدأ حوالِي التاسعة مساءً، وَالهزيع الثالِث يبدأ حوالي الثانية عشرة في منتصف الليل، وَالهزيع الرابِع مِنْ الساعة الثالثة حتى السادسة صباحًا، مع بزوغ أول أشعة الفجر في الأفق.
لن يتأخر عن ميعاده، ولكن طرقه تختلف عن طرقنا، وأفكاره سمت وعلت عن أفكارنا «لِأَنَّ أَفْكَارِي لَيْسَتْ أَفْكَارَكُمْ، وَلَا طُرُقُكُمْ طُرُقِي، يَقُولُ ٱلرَّبُّ. لِأَنَّهُ كَمَا عَلَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ عَنِ ٱلْأَرْضِ، هَكَذَا عَلَتْ طُرُقِي عَنْ طُرُقِكُمْ وَأَفْكَارِي عَنْ أَفْكَارِكُمْ." (اشعياء55: 8-9)، كذلك أوقاته ليست كأوقاتنا "لِأَنَّ أَلْفَ سَنَةٍ فِي عَيْنَيْكَ مِثْلُ يَوْمِ أَمْسِ بَعْدَ مَا عَبَرَ، وَكَهَزِيعٍ مِنَ ٱللَّيْلِ." (مزمور90: 4). فتأكد أن أمورك ستتحول حتمًا " لِأَنَّ لِلَحْظَةٍ غَضَبَهُ. حَيَاةٌ فِي رِضَاهُ. عِنْدَ ٱلْمَسَاءِ يَبِيتُ ٱلْبُكَاءُ، وَفِي ٱلصَّبَاحِ تَرَنُّمٌ. وَأَنَا قُلْتُ فِي طُمَأْنِينَتِي: «لَا أَتَزَعْزَعُ إِلَى ٱلْأَبَدِ" (مزمور30: 5-6).
هذه التعاملات الإلهيّة تأخذنا إلى بحر الجليل، إلى مشهد ولا أروع، فبعد أن أشبع ربّ المجد نَحْوَ خَمْسَةِ آلاَفِ رَجُل، مَا عَدَا النِّسَاءَ وَالأَوْلاَدَ، "لِلْوَقْتِ أَلْزَمَ يَسُوعُ تَلَامِيذَهُ أَنْ يَدْخُلُوا ٱلسَّفِينَةَ وَيَسْبِقُوهُ إِلَى ٱلْعَبْرِ حَتَّى يَصْرِفَ ٱلْجُمُوعَ. وَبَعْدَمَا صَرَفَ ٱلْجُمُوعَ صَعِدَ إِلَى ٱلْجَبَلِ مُنْفَرِدًا لِيُصَلِّيَ. وَلَمَّا صَارَ ٱلْمَسَاءُ كَانَ هُنَاكَ وَحْدَهُ. وَأَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ قَدْ صَارَتْ فِي وَسْطِ ٱلْبَحْرِ مُعَذَّبَةً مِنَ ٱلْأَمْوَاجِ. لِأَنَّ ٱلرِّيحَ كَانَتْ مُضَادَّةً. وَفِي ٱلْهَزِيعِ ٱلرَّابِعِ مِنَ ٱللَّيْلِ مَضَى إِلَيْهِمْ يَسُوعُ مَاشِيًا عَلَى ٱلْبَحْرِ. فَلَمَّا أَبْصَرَهُ ٱلتَّلَامِيذُ مَاشِيًا عَلَى ٱلْبَحْرِ ٱضْطَرَبُوا قَائِلِينَ: «إِنَّهُ خَيَالٌ». وَمِنَ ٱلْخَوْفِ صَرَخُوا! فَلِلْوَقْتِ كَلَّمَهُمْ يَسُوعُ قَائِلًا: «تَشَجَّعُوا! أَنَا هُوَ. لَا تَخَافُوا». فَأَجَابَهُ بُطْرُسُ وَقَالَ: «يَا سَيِّدُ، إِنْ كُنْتَ أَنْتَ هُوَ، فَمُرْنِي أَنْ آتِيَ إِلَيْكَ عَلَى ٱلْمَاءِ». فَقَالَ: «تَعَالَ». فَنَزَلَ بُطْرُسُ مِنَ ٱلسَّفِينَةِ وَمَشَى عَلَى ٱلْمَاءِ لِيَأْتِيَ إِلَى يَسُوعَ. وَلَكِنْ لَمَّا رَأَى ٱلرِّيحَ شَدِيدَةً خَافَ. وَإِذِ ٱبْتَدَأَ يَغْرَقُ، صَرَخَ قَائِلًا: «يَا رَبُّ، نَجِّنِي!». فَفِي ٱلْحَالِ مَدَّ يَسُوعُ يَدَهُ وَأَمْسَكَ بِهِ وَقَالَ لَهُ: «يَا قَلِيلَ ٱلْإِيمَانِ، لِمَاذَا شَكَكْتَ؟». وَلَمَّا دَخَلَا ٱلسَّفِينَةَ سَكَنَتِ ٱلرِّيحُ. وَٱلَّذِينَ فِي ٱلسَّفِينَةِ جَاءُوا وَسَجَدُوا لَهُ قَائِلِينَ: «بِٱلْحَقِيقَةِ أَنْتَ ٱبْنُ ٱللهِ!» (متى14: 22-32، راجع مرقس6: 45-51).
هنا نلمس تدخّل الرّبّ بشكل معجزيّ عظيم أيضًا في الهزيع الرابع، لقد أتى في حلكة الليل ماشيًا على البحر ليشجع تلاميذه وينقذهم من اضطراب البحر وعذابهم في وسط بحر الجليل المضطرب. علينا أن نكون متأكدين أن وضعهم لم يغب عن باله ولا لحظة واحدة، لقد كانوا أمام عينيًه كل لحظة، لم يكُن غافلًا عن أي منهم كأفراد وعن جميعهم كمجموعة، عندما كان يصلي كانوا أمامه مكشوفين معذبين في وسط البحر. ولكن هذه الظروف برغم قساوتها وإن ولدت فينا أحيانًا بعض التساؤلات، بل التشكيك في صلاح الرّبّ ومعيته وأمانته، كما تساءل التلميذ في حالة أخرى في نفس البحر إذ كان يسوع نائمًا في السفينة وسط اضطراب وهيجان البحر "فَأَيْقَظُوهُ وَقَالُوا لَهُ: «يَا مُعَلِّمُ، أَمَا يَهُمُّكَ أَنَّنَا نَهْلِكُ؟» (مرقس4: 38). هذه الظروف هي قسم من حياتنا الاعتياديّة، فنحن غير محصنين من المشاكل والصعاب، ولم يَعدُنا الرّبّ من خلو الضيق من حياتنا، فكيف نشهد له وعنه إن كانت أمور حياتنا كلها في رغد وتخلو من الصعب، بل كيف تتقوى عضلات إيماننا إن لم نجتز الامتحانات الصعبة، فالآن نحن نعيش في ضيق هذه البريّة كالجميع، وبالتالي نغلق على إبليس كل حجّة، فلا يستطيع القول «هَلْ مَجَّانًا يَتَّقِي أَيُّوبُ ٱللهَ؟ أَلَيْسَ أَنَّكَ سَيَّجْتَ حَوْلَهُ وَحَوْلَ بَيْتِهِ وَحَوْلَ كُلِّ مَا لَهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ؟ بَارَكْتَ أَعْمَالَ يَدَيْهِ فَٱنْتَشَرَتْ مَوَاشِيهِ فِي ٱلْأَرْضِ. وَلَكِنِ ٱبْسِطْ يَدَكَ ٱلْآنَ وَمَسَّ كُلَّ مَا لَهُ، فَإِنَّهُ فِي وَجْهِكَ يُجَدِّفُ عَلَيْكَ» (أيوب1: 9-11). وبالرغم من أننا نعيش الضيق مع الجميع "وَلَكِنَّنَا فِي هَذِهِ جَمِيعِهَا يَعْظُمُ ٱنْتِصَارُنَا بِٱلَّذِي أَحَبَّنَا" (رومية8: 37)، نثق ونؤمن ونتقوى بهذا الوعد. لقد أتى الرّبّ ماشيًا على الماء في وسط البحر الهائج، معلنًا سلطانه على الطبيعة، ومعلنًا إحساسه وشعوره مع تلاميذه الخائفين المعذبين، وتجاوب مع طلب بطرس ليمشي على الماء، وكلما كان نظر بطرس مُركّزًا على الرّبّ استطاع أن يمشي على الماء بقوة الرّبّ، ولكن عندما نظر إلى الأسفل إلى الضيقات والصعاب، اضطرب واختل توازنه وابتدأ يغرق، ولكن يدّ الرّبّ القويّة الحنونة امتدت لتنتشله، "وَلَمَّا دَخَلَا ٱلسَّفِينَةَ سَكَنَتِ ٱلرِّيحُ. وَٱلَّذِينَ فِي ٱلسَّفِينَةِ جَاءُوا وَسَجَدُوا لَهُ قَائِلِينَ: «بِٱلْحَقِيقَةِ أَنْتَ ٱبْنُ ٱللهِ!»، وهكذا تغير جوهر الوضع والفكر والمشاعر والتساؤلات والتشكيك إلى جواب الحقيقة واليقين.
في الهزيع الأخير، في الهزيع الرابع، تمم الرّبّ الوعد باسحق لإبراهيم "وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ وَسَارَةُ شَيْخَيْنِ مُتَقَدِّمَيْنِ فِي ٱلْأَيَّامِ، وَقَدِ ٱنْقَطَعَ أَنْ يَكُونَ لِسَارَةَ عَادَةٌ كَٱلنِّسَاءِ" (خروج 18: 11)، وحقق الرّبّ أحلام يوسف بعد أن مرّ في حقول أشواك المعاناة، من خلال بيع إخوته له كعبد، واتهام زوجة فوطيفار له وسجنه، وفي كل هذه الأمور بقي أمينًا ولم يُخطئ إلى الرّبّ، وفي كل هذه كان الرّبّ يُعدّه لما هو أعظم، حتى أصبح المتسلط بعد فرعون في أرض غربته "ثُمَّ قَالَ فِرْعَوْنُ لِيُوسُفَ: «ٱنْظُرْ، قَدْ جَعَلْتُكَ عَلَى كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ» (تكوين41: 41). كذلك الفتيان الثلاثة لم يتدخل الرّبّ في كل مراحل ضيقهم حتى الهزيع الأخير، وهم صمدوا بإيمانهم وشهادتهم المؤثرة، وعند رميهم في أتون النار المُحمّى، أحاطت بهم عناية العليّ وشجعهم حضور ابن الله في وسطهم «هَا أَنَا نَاظِرٌ أَرْبَعَةَ رِجَالٍ مَحْلُولِينَ يَتَمَشَّوْنَ فِي وَسَطِ ٱلنَّارِ وَمَا بِهِمْ ضَرَرٌ، وَمَنْظَرُ ٱلرَّابِعِ شَبِيهٌ بِٱبْنِ ٱلْآلِهَةِ» (دانيال3: 25)، كذلك الأمر مع دانيال في جبّ الأسود، ومع استير ومردخاي في الإنقاذ العظيم، ومع غيرهم من مؤمني العهد القديم وتلاميذ الرّبّ ومؤمني العهد الجديد ومؤمني عهد النعمة حتى يومنا هذا.
فلا نجزع، سيعلن الرّبّ مجده وسلطانه في الهزيع الرابع.
تذكر أنه قبل أحد القيامة كان أسبوع الآلام الذي من خلاله دخل الرّبّ يسوع للمجد كابن الانسان، وأكمل عمل الخلاص.
تذكر أنه قبل أحد القيامة، كان خميس التسليم والخيانة والانكار.
تذكر أنه قبل أحد القيامة كان الرّبّ على الصليب مُعلقًا ما بين الأرض والسماء صانعًا المُصالحة.
تذكر أنه قبل أحد القيامة، كان سبت الحزن واليأس وفقدان الأمل، فالجثة ما زالت في القبر، والحراس يتمخترون حول القبر بعظم عنهجيتهم، والحجر يسدّ فوهة باب القبر بإحكام وسلطان.
ومع كل هذا لا تنسى أبدًا، أن أسبوع الآلام بكل أحداثه، لم يكن إلا تمهيدًا لأحد القيامة، حيث قام الرّبّ بكلّ المجد، والحجر دحرجته السماء، لتكشف القبر الفارغ، فيرتاع الحراس ويصيرون كالأموات، ولتُظهر الأكفان الموضوعة مكانها معلنة قيامته المجيدة، وليعلن ربّ الحياة قيامته بظهورات عديدة ولا أروع لإحياء الرجاء الذي لا يُخزي، بل ينعش القلوب في الظروف والأوقات مهما كانت الضيقات والصعوبات. في الهزيع الرابع يقوم، في الهزيع الرابع تغيرت الأحوال، بزغ فجر القيامة المجيدة.
أخي الحبيب، أختي الحبيبة، علينا أن نصمد في وسط الضيقات مهما تنوعت، وفي وحلكة الليالي مع تنوع عتمة سوادها، ولنتأكد أنه سيعلن مجده في حياتنا، وسيظهر بمجد جلاله ليتدخل بعظم محبته وبغنى نعمته، ليصنع أمرًا عظيمًا في حياة كلّ منا.



#عزيز_سمعان_دعيم (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سبع كلمات على الصليب
- قد قام
- الآثار في كشف الستار على التعايش
- هل تستطيع الرياضة أن تغيّر العالم؟
- الإعلام والسلام
- ماذا تحمل لنا السنة الجديدة؟
- الأهالي: ماذا يُشبهون؟
- رسالة سلام من قنصل سلام
- إبدأ بنفسك
- العنف كفر
- الميلاد وثقافة السلام
- تعايش سليم
- مجتمعنا يفتقد السّلم المجتمعيّ
- ثقافة السلام ما بين زخم الأنشطة وتعاسة الواقع المُعاش
- الاختراعات والبحث العلمي في خدمة السلام
- للأهل دور هام
- المعلم في قوالب تشبيه
- ثقافة السلام تطلب تجنيد قوى
- كنز المجتمع ورُقيّه
- ثقافة انتماء وتكامُل


المزيد.....




- المقاومة الإسلامية في العراق تعلن استهداف حيفا
- -المقاومة الإسلامية في العراق- تعلن ضرب هدف حيوي في حيفا بال ...
- -نفقد هويتنا كيهود وبشر-.. عامي أيالون يعلق لـCNN على صور -س ...
- ألمانيا: حوالي ألفي حادثة معادية للإسلام والمسلمين في 2023
- قدم حالاً.. شروط التسجيل في كلية المسجد النبوي 1446 والتخصصا ...
- مقال في هآرتس: على اليهود الأميركيين محاربة نظام نتنياهو الب ...
- ماذا يعني ارتداء شال -الطاليت- في المسجد الأقصى؟
- مقتل 19 شخصاً في هجمات على كنائس وكنيس يهودي في داغستان
- -مرتان فقط- في اليوم.. حقيقة تعديلات رفع الأذان في الكويت
- مستوطنون محتلون يقتحمون باحات المسجد الأقصى المبارك


المزيد.....

- المرحومة نهى محمود سالم: لماذا خلعت الحجاب؟ لأنه لا يوجد جبر ... / سامي الذيب
- مقالة الفكر السياسي الإسلامي من عصر النهضة إلى ثورات الربيع ... / فارس إيغو
- الكراس كتاب ما بعد القرآن / محمد علي صاحبُ الكراس
- المسيحية بين الرومان والعرب / عيسى بن ضيف الله حداد
- ( ماهية الدولة الاسلامية ) الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- كتاب الحداثة و القرآن للباحث سعيد ناشيد / جدو دبريل
- الأبحاث الحديثة تحرج السردية والموروث الإسلاميين كراس 5 / جدو جبريل
- جمل أم حبل وثقب إبرة أم باب / جدو جبريل
- سورة الكهف كلب أم ملاك / جدو دبريل
- تقاطعات بين الأديان 26 إشكاليات الرسل والأنبياء 11 موسى الحل ... / عبد المجيد حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عزيز سمعان دعيم - يتجلّى في الهزيع الرابع