أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مظهر محمد صالح - نصف الدخان














المزيد.....

نصف الدخان


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 6530 - 2020 / 4 / 6 - 03:47
المحور: الادب والفن
    


نصف الدخان
مظهر محمد صالح
في واحدة من اكثر احياء بغداد جمالاً وارستقراطية ودهشة . تجد نفسك وانت في ازمنة بدايات النصف الثاني من القرن العشرين في تلافيف حي سكني من بغداد ظل يسمى بحي نجيب باشا وانت تتطلع الى غابة سكنية اثقلها سعف النخيل الاخضر .ففي تلك العقود الممتدة من الزمن كان لابد لك من ان تمرق بين ثنايا جنينة صغيرة توسطت الحي المذكور وبتناسق معماري دقيق وانت تسير مدفوعاً برغبة تتسائل فيها عن مكان حديقة شيدت في عصر رجل سمي بامين العاصمة وقت ذاك وتميز بطباع اتسمت بالقوة والشكيمة والارادة كما روي عنه .فقد سعى ذلك الامين الى تخليد ذوقه الرفيع باقامته لتلك الحديقة الغناء وسميت بام الربعين تيمناً برمزيات الربيع في نينوى وعاصمتها ام الربعين . كانت الحديقة اشبه ما بجنة صغيرة مستطيلة الشكل تحيطها الاشجار الباسقة وتتخلها ازهار تنمو وتزدهر وتطول دون استحياء بمواسمها وفصولها الاربعة لتضفي بالوانها أفق غابة متواصلة الازدهار اسمها الجمال .ظلت ام الربيعين محمية بسياج قليل الارتفاع لكنها لم تخل من حراسة وعناد رجل بستاني كبير السن قوي المنكبين شديد الحرص على رعايتها .فقد علمته الحياة كيف يضرب في الارض لتنتج خيراً، بعد ان تعلق هو قبل غيره عشقا بنباتاتها وارضها وتنظيم سقيها وتناسق اشجارها .كانت ام الربعين في مطالع ستينيات القرن الماضي المكان المثالي الذي لم اتردد في زيارته ، حيث توافرت فيها كل مناخات الطبيعة الزاهية لحث القدرة العقلية على تحريك دواليب الحفظ السريع نثراً وشعراً لاغراض مدرسية تتعلق بمادة اللغة العربية وبجاذبية عالية .فما كان عليّ الا ان اقصد ام الربعين تكرارا ومراراً خلال العام الواحد كي انتفع من الحيز المثالي الطبيعي المعظم لقدرات الذاكرةفي تلقي جماليات الادب بتفاصيله وعبراته .فتتناسق الكلمات والمعاني اللغوية وبارادة ومقدرة نادرة لتتحول بادوات الجمال ومعاوله العاطفية الى طاقة متدفقة مسرعة نحو دروب الذاكرة المعرفية ،لتخلد فيها بيقظة عالية دون اغتراب او خوف .وهكذا ادركت ان في رفوف ذاكرتي العالية معمل متكامل تتناسق فيه دواليب الكلمات وتنهض فيه المعاني وهي تستعرض زهو جنينتنا وتاثير جمال لونها دون ان تحمل ذيول الخواء او الهزيمة وهي في طريقها منتصرة الى معاقل الذاكرة ومكنونات الجميل في عمق الادب العربي . مضت اربعون عاما ونيف ليتيح لي القدر المرور عبر ازقة سكنية تحولت معالمها الى طرازات باهتة وتبدل رونقها وضاعت معماريتها لاجد نفسي قد توغلت حقاً في مكان من مدينتنا امسى خالياً من بساتينه واختفت بيوتاته وازيلت قصوره وفقد الكثير من الوانه....! قال لي صديقي الذي رافقني اتتذكر ايها الرجل هذا الحي الارستقراطي ...فاين نحن منه الان ؟؟قلت له حقيقة لا ادري ، قال لي استفز ذاكرتك لعلها تستجيب ؟الا ان ذاكرتي ونشاطها العقلي قد تحجر من دون حراك وربما فقد طعمه بعد ان غاب اللون عنه !!قلت له ياصديقي لايوجد شي هنا يستحق الذكرى بعد ان بدى المكان خالياً تماماً و تجرد من ذكريات الماضي الجميل .... !! قال اذن ساخبرك ان هذه الفسحة القاحلة الكبيرة التي هي امامك وتعج بنصف الدخان بعد ان غادرت النار نصف نفاياتها المحترقة ..هي من اضلت تلابيب عقلك وانست ذاكرتك وافقدتها عضلات قوتها !!! قلت ما اسم هذا القاحلة ...ايها الرجل ؟قال وبحزن عميق انها جنينة ام الربيعين.!!.هنا ضاقت انفاسي وتجمدت ابيات الشعر والنثر كلها وتوقفت محركات الادب وعوامله كله في ثنايا ذاكرتي وتعارجها التي اضطربت حزنا وخجلاً. ثم سكنت الابيات والسطور النثرية واستئذنتني وبصمت مطبق ،لتغادر ذاكرتي جميعها بيتاً بيتاً وسطرا سطرا بعد ان توشحت حزنا وخجلا على جنينة مسحت من ذكريات الحياة وفقدت اي لون اخضر فيها وتحولت الى مكب داكن للنفايات في صحارى مدينتا القاحلة .
ختاماً،فاذا رحم الله امين بغداد بام الربيعين فمن يرحم ذاكرتي التي غادرتها اسطر الجمال وهرب الجميل منها الى زمن غامض بات اثقل من الذنوب .



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السندات السيادية المقومة بالنفط الخام: جدل التمويل في اقتصاد ...
- تدهور اسواق النفط: آليات الحاضر واستشراف المستقبل .
- الصراع الطبقي المميت : كورونا والقضية الاجتماعية .
- اسواق النفط :نحو اعادة ترتيب قواعد اللعبةوالنفوذ العالمية.
- المالثوسية والفائض الاقتصادي العالمي :من حرب العملات إلى الح ...
- توازن لعبة الحرب التجارية القائمة : الرابحون والخاسرون في ال ...
- ملامح الموازنة العامة الاتحادية للعراق ٢٠٢ ...
- رؤية في الإنقلاب الديمقراطي:
- سيناريو انتاج النفط الأمريكي :بداية امتصاص اقتصاديات الفائض ...
- من صراع المكونات إلى صراع الطبقات
- السوق الحمراء وتفكيك الصدمة الاقتصادية: الصين انموذجاً
- الصين و العراق : مرارات العقود الضائعة في التنمية.
- التهديد المالي والنفطي للعراق :هواجس واحاسيس
- البجعة السوداء :حقيقة في الجدل الاقتصادي
- ريعية المصارف الاهلية في العراق: السلوك والاداء!
- حماية اموال العراق في منطقة الولاية القضائية الامريكية/وجهة ...
- العراق بين مشهدين :وجهة نظر في الاقتصاد السياسي
- العقد الاجتماعي المالي الجديد للعراق
- إطلالة على تاريخ ديون العراق السيادية
- خريف الذكريات :الفرج بعد الشدة


المزيد.....




- وفاة الكاتب المسرحي الأسطوري السير توم ستوبارد
- في يومه الثاني.. مهرجان مراكش يكرم -العظيمة- جودي فوستر
- ممزّق .. كهذا الوطن
- تكريم النجم المصري حسين فهمي في افتتاح مهرجان مراكش للفيلم ا ...
- -أطلس عاطفي-.. رحلة فوتوغرافية للإيطالي فيورافانتي في قرى وم ...
- دعوة للمشاركة بالدورة الـ 19 للمهرجان الدولي لأفلام المقاومة ...
- الكِتاب السوري بين زمنين.. كيف تغيّر المشهد الثقافي وواقع ال ...
- انطلاق الدورة الثانية والعشرين لمهرجان مراكش الدولي للسينما ...
- وقائع واحداث منبجسة من نسيج الواقع.. وممضاة بدماء شهداء فلسط ...
- آراء متباينة حول الإعلان الترويجي لفيلم -الست- المرصع بالنجو ...


المزيد.....

- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية
- الذين باركوا القتل رواية ... / رانية مرجية
- المسرواية عند توفيق الحكيم والسيد حافظ. دراسة في نقاء الفنون ... / د. محمود محمد حمزة
- مداخل أوليّة إلى عوالم السيد حافظ السرديّة. الطبعة الثانية / د. أمل درويش
- مشروع مسرحيات مونودراما للسيد حافظ. اكسبريو.الخادمة والعجوز. ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مظهر محمد صالح - نصف الدخان