أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - منير المجيد - في ثقافة التفويل















المزيد.....

في ثقافة التفويل


منير المجيد
(Monir Almajid)


الحوار المتمدن-العدد: 6122 - 2019 / 1 / 22 - 12:37
المحور: سيرة ذاتية
    


الفول المدمس! من منّا لم يتلذّذ بتناول هذا الطبق السحري؟
شخصياً أفضّل الطريقة الحلبية. فول صغير الحجم مجفّف، يُنقّع في الماء لنحو ساعة. كثيرون يرتكبون خطأ نقعه ليوم كامل لأن هذا يُعطي نتائج مخيبة ويجعل القشرة قاسية ومطّاطية. بعد ذلك يُغلى في قدر التدميس على نار هادئة جداً لساعات طويلة.

عبدو، الفوّال الحلبي الذي كان مطعمه يحتل زاويتين على كتف سينما كربيس كان يشغل الغاز تحت القدر مساءً قبل أن يغادر إلى عائلته، وفي الساعة السادسة صباحاً كان يمّر على الفرن الواقع في السوق (العَرَصَة) الرئيسية ويحمل رزمة كبيرة جداً من الخبز المرقّد (نُسمّيه الخبز الحلبي)، وحينما يفتح باب المطعم، كانت رائحة الفول تملأ مركز المدينة مُتسلّلة إلى المحال التجارية والمكاتب الحكومية، ويسرع إلى تحضير البصل والبقدونس والفلفل الأخضر والنعناع والبندورة والمخلّلات والطرطور (طحينية، لبن، ثوم وعصير ليمون)، ليستقبل الزبائن الذين كانوا يقصدونه لتناول الإفطار قبل الإلتحاق بأعمالهم.
في صباحات الشتاء، كان بخار قدر التدميس النحاسي قد حطّ على الواجهات الزجاجية حاجباً الشارع والبيوت كستارة، ورائحة هذه الخلائط اللذيذة مع أبخرة الخبز الدافئ لا يمكن وصفها كما لا يمكن وصف الحب.
يقوم عبدو بصبّ الفول الحار في الصحن البني الفخّاري. الفخّاري ليحفظ الحرارة أطول مدّة ممكنة. ثم يصبّ عليه الطرطور ويُضيف البقدونس المفروم والنعناع والبندورة، وأخيراً رشّة زيت زيتون عفريني بقوام لزج وطعم ربّاني. وحينما يأتي إليك يكون قد حمل أيضاً صحناً صغيراً فيه بصل وفلفل أخضر ومخلّلات. يعود مرّة اخرى حاملاً رغيفاً حارّاً من الخبز يرميه على الطاولة كيفما اتفق.

في دمشق يقدّمون الفول بطريقة مختلفة. يستعملون الفول كبير الحجم، ثم يهرسونه ويُقدّمونه دون طرطور. تناولته لأول مرّة لدى مجيد الفّوال. يقع مطعمه إلى جانب حمام الأرماني حيث كان يطهو الفول بقدور مغلقة على جمر الحمام بعد إطفاء ناره، وكان زبائنه في الليل من الممثلين والفنانين والمثقفين وزبائنه في الصباح الباكر من العتالين والعاملين بسوق الهال والأسواق المجاورة، وكان يتعامل مع زبائن الليل والفجر بالطريقة نفسها، لا يميّز أحداً عن أحد.
وكما عبدو الحلبي-القامشلاوي، كان «يستورد» خبزه من الفرن المجاور حرصاً على تقديمه طازجاً حارّاً.
وكما يجب مشاهدة الأفلام في دور السينما، فإن الفول المُدمّس كان يتمّ شراؤه من الفوّال.

في الدانمارك، لم تكن ثقافة الفول قد وصلتها في الثمانينات، بل كان هناك ثلّة من اللبنانيين والفلسطينيين شغلتهم الفلافل والشاورما، حتى ظهر الإسمان في كتب الموسوعات اللغوية الدانماركية. لذا لا أفهم هؤلاء العنصريين الذين يصرّون على أننا لم نضف شيئاً يُذكر إلى الثقافة الجَمْعية الدانماركية. ومع انتشار المحال العربية بقدوم دفعة كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين والعراقيين فيما بعد، صار أمر شراء الفول المُنشّف مُتاحاً.
الفول كبير الحجم كي أكون دقيقاً، الصغير منه كان نادراً. صرت أتبع خطوات عبدو الفوّال في النقع والغليان على نار هادئة، ولأكون أكثر قرباً من التقليد، فإنني خبزت أيضاً النوع الحلبي وقدمته منتفخاً بالبخار الساخن، لأصدقائي الذين كانوا ينتظرون دعوتي لهم على الإفطار. من هؤلاء الأصدقاء بعض الدانماركيات والدانماركيين الذين صاروا من عشّاق الفول المُدمّس، وللتسهيل اللغوي استعملوا كلمة «فول» فحسب.
أذكر أنني أردت تحضير طبق فول لشقيقتي حين كانت في زيارتنا منذ ثمانية عشر عاماً، فسألتني إن كان عندنا مطاعم فول أيضاً. الآن، وبعد تكاثر اللاجئين السوريين هنا، صار للمدن الدانماركية الرئيسية «فوّاليها»، علاوة على «حلوانييها» وما تبقى من أسماء حرفيي المطبخ السوري.

في العام ٢٠١١، وكنت قد عدت لتوي من رحلة الربيع إلى اليابان، أُصبت بوهن مفاجئ، وفي المرآة لاحظت أن وجهي قد إصفّر وكأنني مُصاب باليرقان، ولاحظت أن كمية تبولي كبيرة ولونه أحمر كالدمّ. هاتفت طبيبي فأرسلني فوراً إلى المستشفى. سألني أحد الأطباء إن كنت قد تناولت الشمندر الأحمر.
من هناك أرسلوني إلى المشفى الأكبر في البلاد (ريز هوسپيتال)، فوقف الأطباء حائرين في تشخيص حالتي وصعب عليهم إيجاد القسم حسب نوع وصنف المرض. إحدى الطبيبات حشرت إصبعها المُقفّز في مؤخرتي باحثة في إمكانية تضخم البروستاتا فشعرت بحزن مهين. طرحوا عليّ مئات الأسئلة وتعرّفوا على تاريخ حياتي، وتاريخ حياة أسرتي ومواطني سوريا بشكل عام. أرادوا أن يعرفوا أنواع الأطعمة التي تناولتها في اليابان، فألقيت عليهم مُحاضرة مملّة عن المطبخ الياباني، وذكرت أنني تناولت لحم الدجاج الطازج في إحدى المطاعم المختصة بتقديم لحوم الدجاج.
وقع اختيارهم على القسم الخاص بالمُصابين باللوكيميا (سرطان الدم). استمر وهني واصفرار جلدي والدم الذي كان يُهدر من خلال المسالك البولية. ربطوني، من خلال بعض الأنابيب البلاستيكية بأكياس الدم، لكنني كنت أتبوّل ما يحقنونني به من دم.
أحد المختصين النُبهاء، اتصل، بعد يومين، بمشفى آخر (هيرليڤ) ليُناقش حالتي مع بعض الزملاء، فاقترح أحدهم الإتصال بأحد مشافي إيطاليا، لأنه «سمع» عن حالات مماثلة. من إيطاليا قالوا لهم «عنده G6PD، سارعوا بحقنه بالمضادات الحيوية». قال لي أطباء المستشفى، وهم في حالة ذهول، أن حالتي هي الأولى في البلاد، ولم أقتنع تماماً بالمعلومة.
وعندها فقط بدأت حالتي تتحسّن بفضل المُضادات.

الـ (Glucose-6-phosphate dehydrogenase deficiency) الذي أُختصر بشغف المصطلحات إلى G6PD، ويُدعى أيضاً بالـ Favism ليس سوى «الفوّال»، أو «التفويل». بصراحة ويا لضحالة معلوماتي، لم أكن قد سمعت الإسم من قبل، ولم أعرف شيئاً عن المرض هذا.
يُقدّر عدد المصابين به، أو الحاملين له إن صحّ التعبير، بنحو أربعمائة مليون حول العالم، وهو لأسباب جينية يُصيب الأفريقيين، الجنوب شرق آسيويين وسكان البحر الأبيض المتوسط.
«يعرف مرض الفوال بمرض التفويل لدى العامة ويعتبر مرضاً وراثياً يحدث نتيجة لطفرة موجودة على صبغي إكس مما يعني انتقاله بالوراثة المرتبطة بالجنس. ويعد من الأمراض المتخفية، حيث لا تكون الأعراض ظاهره على الوالدين "حاملين للمرض". يقع الجين الخاص بانزيم سداسي فوسفات الجلوكوز النازع للهيدروجين في الشريط رقم 28 من الذراع الطويلة من صبغي إكس. جميع الأمراض الوراثية التي لها علاقة بالصبغي إكس مثل نقص الإنزيم سداسي فوسفات الجلوكوز النازع للهيدروجين. ويصيب هذا المرض الذكور أكثر من الإناث. وينتقل من الأم ليظهر على الطفل الذكر، ونادراً ما ينتقل من الأب المصاب لطفله، لأنه ينتقل عن طريق مورث Gene، وهذا الجين ينتقل عن طريق الكروموسوم الأنثوي، لكن الأب يورث بناته هذا المرض دون ظهور علامات مرضية عليهن، وبعض البنات قد تظهر عليهن بعض الأعراض، كما يمكن اكتشاف ومعرفة حملهن للمرض. ويولد الطفل طبيعياً دون أعراض في الغالب، ولكن عند تناوله بعض الأغذية أو الأدوية فإن كريات الدم الحمراء تتكسر، ومن ثم تظهر الأعراض المرضية للحالة، ومن أهمها: الفول، والالتهابات الفيروسية، ونوبات مرض السكري، وتناول بعض الأدوية».
هكذا تُعرّفه الويكبيديا.

بعد أسبوع في المستشفى، مع مرضى اللوكيميا وأنينهم المستمرّ الذي كان يُهدهدُ بحقنة مورفين، أرسلوني إلى البيت وأنا أمشي بخطواتٍ مُتعثّرة وكأنني خرجت للتوّ من مقبرة. كنت أعرف، لسبب ما، أنني لن أموت، خلافاً لما ظنّه أفراد عائلتي وأصدقائي.
الذي أثّر فيّ وحطّمني تماماً، لم يكن حالي، بل كان منظر الأطفال المُصابين بالسرطان في القسم المُلاصق لقسمنا. كنّت أراهم يلعبون، دون شعر وحواجب، في الفناء الصغير الذي فَصَلنا عنهم. كانوا يبتسمون أو يلوّحون في كلّ مرة التقت عيوننا. «أي ربّ يسمح لهؤلاء الملائكة كل هذه المعاناة؟». قلتها لنفسي مليون مرّة.

لم تنته معاناتي إلّا في العام الماضي. لأن التأخر في علاجي جعل الدم يترك ترسّبات مختلفة اجتمعت في المرارة والكلية على شكل كلسيات تُسمى حصى. استأصلوا المرارة باستعمال التنظير، ثم أزلوا حصوة لا تتجاوز مليمتراً من مجرى البول، بعد أن صرخت ألماً، أنا الذي له جَلَدٌ عجيب في تحمّل الآلام. يُقال أن آلام حصى الكلى تُعادل آلام المخاض لدى النساء.
لكن الأشعة اكتشفت حصوتين صغيرتين أخريين في الكلية، تمترست واحدة منها في مكان يصعب الوصول إليه. هكذا قال الجرّاح في كل الأحوال. في العام الماضي عانيت من آلام الطلق، عفوا آلام الحصوة التي انجرفت إلى المسلك البولي. ناقشت الأمر مع الجراح (في مستشفى آخر) قبل أن أُحقن بالمُخدّر، فاقتنع بإزالة تلك التي في المجرى البولي وأيضاً المختبئة في غضاريف الكلية. وهذا ما تمّ.

أنا والفول تطلّقنا إلى الأبد، وأحاول جاهداً الإبتعاد عن البقوليات بشكل عام، لكنني لم ولن أحتمل الوقوف مكتوف المعدة أمام صحن حمّص إلى جانب كأس عرق، أو صحن شوربة عدس في شتاء إسكندينافيا.






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أكثر من نصف جسمك ليس بشراً
- الألزاس، ذهاباً وإياباً بالسيّارة (الجزء ٢ من ٢)
- الألزاس، ذهاباً وإياباً بالسيّارة (الجزء ١ من ٢)
- رسالة إلى جورجيت
- السفر بنظام الإنتر ريل في أوروبا (الجزء الأخير)
- السفر بنظام الإنتر ريل في أوروبا (الجزء الثاني)
- السفر بنظام الإنتر ريل في أوروبا
- السُكياكي
- كاروشي وكاروجيساتسُ
- واشوكُ ويوشوكُ
- في زيارة مسقط رأس كينزابورو
- الساكورا، روح الربيع الياباني
- أم كلثوم وأنا
- الساكيه، «نبيذ» اليابان
- حفلة ليلة السنة الجديدة
- محمد عبد الوهاب وأنا
- القطط وأنا
- البيرة، وما أدراك!
- بعوض وحشرات اخرى
- عائلة سورية لاجئة في اليابان


المزيد.....




- جعجع يهنئ السعودية بمناسبة يومها الوطني
- مصر.. محكمة تقضي ببراءة الراقصة سما المصري
- بالفيديو.. جنوب إفريقيا تسيّر قطارا مستشفى لتطعيم السكان ضد ...
- فيديو: طالبان تعلق جثث أربعة رجال في ساحة عامة في هرات -عبر ...
- فيديو: طالبان تعلق جثث أربعة رجال في ساحة عامة في هرات -عبر ...
- مُعلمة يمنية تحول منزلها إلى مدرسة للاطفال
- تحالف الاحزاب السياسية يدعو لاستشعار الخطر الداهم والتوحد لا ...
- -البيت الوطني- يوجه كوادره بعدم الترويج للاحزاب
- بوندسليغا.. فولفسبورغ يخسر لأول مرة وليفركوزن يقتنص الوصافة ...
- واشنطن تدعو الرئيس التونسي للقيام بخطوتين وتعرب عن قلقها لاس ...


المزيد.....

- رواية سيدي قنصل بابل / نبيل نوري لگزار موحان
- الناس في صعيد مصر: ذكريات الطفولة / أيمن زهري
- يوميات الحرب والحب والخوف / حسين علي الحمداني
- ادمان السياسة - سيرة من القومية للماركسية للديمقراطية / جورج كتن
- بصراحة.. لا غير.. / وديع العبيدي
- تروبادورالثورة الدائمة بشير السباعى - تشماويون وتروتسكيون / سعيد العليمى
- ذكريات المناضل فاروق مصطفى رسول / فاروق مصطفى
- قراءة في كتاب -مذكرات نصير الجادرجي- / عبد الأمير رحيمة العبود
- سيرة ذاتية فكرية / سمير امين
- صدی-;- السنين في ذاكرة شيوعي عراقي مخضرم / زكي خيري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - منير المجيد - في ثقافة التفويل