أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سلام إبراهيم - ليلة في برلين















المزيد.....

ليلة في برلين


سلام إبراهيم
روائي

(Salam Ibrahim)


الحوار المتمدن-العدد: 5960 - 2018 / 8 / 11 - 16:18
المحور: الادب والفن
    


ليلة في برلين

كانت ليلة الأمسية "5-8- 2008 التي قدمنا فيها للحضور مختصرا مكثفاً عن سيرتنا الحياتية والأدبية أنا وناهده وقرأ د. عدنان الظاهر قصيدتين، خرجنا إلى ليل برلين مجموعة صغيرة نبحث عن مكانٍ يأوينا، لم يتمكن صديقي الجميل الفنان مصمم الأغلفة والمثقف الموسوعي "طالب الداوود" من البقاء معنا لسفر زوجته ورعايته لبنتيه المراهقتين اللتين حضرتا الأمسية معه فتوادعنا أمام باب مطعمٍ هندي. كنا تقريباً أخر الرواد، طبيب أسنان كردي جميل درسّه د. عدنان الظاهر في كلية العلوم، قرأ الخبر فحجز قادما من النروج ليلتقي بأستاذه، وشاعر عراقي عرفني بنفسه "كريم الأسدي" وأخبرني بأنه صديق لصديقي الراحل الروائي والشاعر "حميد العقابي" الذي ذكرته في محاضرتي، وتشعب الحديث والحوار فيما بعد الأمسية، كان إنساناً ودوداً مؤدباً مثقفاً لكنه يؤمن بدور العشيرة وأهمية (المُضِيفْ) ودوره الاجتماعي، لم أجادل هذه الفكرة فلا وقت لحوارٍ جدي وأنت تلتقي بناس تراهم لأول مرة وقد لا تلتقي بهم، لكنه عندما سألني بكل جدية وهدوء عن عشيرتي انفجرت بضحكة عاصفة بعد أن أجبته على عجل:
ـ ليس لدي عشيرة!.
الذي أثار عاصفة من الضحك ولا أدري هل من جوابي أم من طبيعة ضحكتي، أعاد السؤال بدهشة بعد تخافت الضحك فأكدت ذلك وأضفت بأن ليس لدينا أي صله أو علاقة بالريف فكل عائلتي في الديوانية. شرد قليلا وفي عينيه سؤال إذ يبدو أنه لم يقتنع بجوابي أو ظن أني أبالغ أو أدعي.
وَشخص أخر لطيف وجميل سهر معنا في الليلة الفائتة مقيم في ألمانيا منذ ستينات القرن الماضي من الموصل اسمه "محمد الصوفي" يعشق العزف والغناء وقدم في الليالي الثلاث عزفاً، صرنا أصدقاء من أول جلسته، إذ أطربه ردي وجعله يضحك طويلا حينما سألته:
ــ متزوج محمد؟.
ــ مُطَلقْ!.
فقلت له فوراً:
ــ أحسن لك!.
فانفجر الجميع بالضحك، وشخصوا صوب ناهده الجالسة معنا ليروا ما إذا كان ثمة ردة فعل فوجدوها مستغرقة بالضحك أيضاً.
و د. عدنان الظاهر الشخصية المكرمة وسبب هذه الليالي الثقافية الجميلة، ولا كأنه يكاد يبلغ ال 85 حيوي نشط الحركة متوقد الذهن، سريع البديهية، بسيط، شعبي، نموذج للمثقف والأديب والعالم المتواضع.
أما الأخير فهو "حسين هاتف" وجدته في يوم أمسيتنا ينتظرني وأفرد ذراعيه ليعتنقني، ابن مدينتي يكبرني عدة سنوات، خاض معي خضم النضال السياسي بوقتٍ باكرٍ، لكننا لم نلتق في المدينة كثيراً، فهو في مناخ أخر سياسي ثقافي، وأنا جذبني الوسط الأدبي وبدائرة محدودة لأدباء يكبرونني سناً بأكثر من عقدٍ. لكن مسار حياته لا يختلف كثيراً عن مسار حياتي، إلا بحركة، فهو عاد من ألمانيا ليلتحق بحركة الأنصار وأنا التحقت من الداخل ولم نلتقِ بسبب أختلاف الأمكنة ورجوعه المبكر إلى ألمانيا. في منتصف تسعينات القرن المنصرم وجدته صدفة وأنا في زيارة إلى السويد في بيت رفيقنا وصديقنا "نجاح هلال" وكان حيوياً مثقفاً ويعمل مهندس كهرباء في شركة ألمانية عالمية وكان اللقاء خاطفاً فقد كان يستأجر مع زوجته الألمانية وأولاده الثلاثة بيتاً صيفياً. وتفارقنا.
بعد الأحتلال الأمريكي أتصل بي تلفونيا حينما علم من صديق ثالث بأني سوف أزور العراق فرتبنا الأمر كي نستأجر سيارة من دمشق إلى مدينتنا الديوانية، وأخبرني بأنه سيصل قبلي بيومين وسيظل ينتظرني. وفعلا وجدته في نزلٍ بمنطقة الزينبية حيث نزلت وكان رفيقاً آخر – جابر – فقد ساقاً أيام النضال المسلح قادما من العراق في طريق عودته إلى السويد.
ستدخل سهرتنا الثلاثية فصلا في روايتي الطويلة – الحياة لحظة – فنحن الثلاثة كنا معطوبين أنا جراء أصابتي بقصفٍ كيمياوي، وجابر في معركة أيام الجبل، أما "حسين" فوجدته مجلوطاً وبصعوبة يستطيع الكلام. وكانت سهرة ذات شجن صورتها في الفصل 13 المعنون "الحالمون الثلاثة".
في اليوم التالي ودعنا – جابر – وأستأجرنا سيارة سائقها من أبناء مدينتنا لنبكر قبل نزول الفجر متوجهين إلى الحدود. وكنا فرحين جدا بعودتنا لرؤية ماذا حلَّ في وطننا ومدينتنا وأهلنا بعد الحروب المتلاحقة التي تُوجت بالاحتلال. وكان "حسين" يحلم ويحدثني عن مشاريعه، فهو متقاعد بسبب الجلطة، لكنه يستطيع العمل وأخبرني بأنه سوف يقدم مشروعا لأضاءة الديوانية وكهربتها من الطاقة الشمسية، وعن نيته بتقديم محاضرات عن تاريخ العراق القديم وخصوصا عن السومريين ونفر حيث أطلال مدنهم تحيط بالديوانية لكن أهلها لا يعرفون شيئاً كان يقول لي:
تخيل يا سلام.. تخيل لا يعرفون أي كنز إنساني معرفي حضاري يحيط بمدينتنا، سأعرف بهم
وكنت لكثافة صلتي بالعراق طوال سنوات الحصار أعرف بأنه يحلم لكنني لم أقل شيئاً، كنت أتمنى مثله.
وصلنا إلى مدينتنا، لم نلتق إلا في سوق التجار مرة واحدة وكان حزيناً مخذولا أنتحى بيّ جانباً ليقول لي:
سلام لقد خربوا كل شيء حتى ذكرياتنا!.
ورجع إلى ألمانيا خائبا، لم يقدم مشروعاً ولا محاضرةً، بل أكمده الحزن والخراب.
بعد هذه السفرة بسنوات قليلة، ستكون رحلتي مع "حسين" من الزينبية بدمشق في طريقنا إلى الديوانية موضوعاً للفصلين الأخيرين من روايتي "الحياة لحظة، سيكون فيهما التصعيد الدرامي للنص الطويل "509 صفحة من الحجم الكبير" وسألعب بأحداث الطريق، سأصور مشاعرنا لحظة رؤيتنا لأول جندي أمريكي على الحدود العراقية، وتفاصيل أحداث ما جرى في مطعم على الطريق تناولنا فيه أفطارنا إذ وضعت صرخته أسما للفصل "جندي أمريكي وعدس عراقي" وهو يرد على قلقي من وجوه السواق ورواد المطعم:
سلام أحنه بالعراق ذولة عراقيين وهذا عدس عراقي أش بيك قلق.
وكنت متوجساً قلقاً بالفعل، فصغتُ نهاية الرواية من هواجسي فتخيلتهم يخطفوننا قرب الرمادي ليقتلوا السائق المسكين ويأخذوننا إلى جامع الفلوجة، كان إلى جواري في غرفة بطرف الجامع في النص ونحن نترجف في أنتظار حدفنا. ورأيتهم يذبحونه قبلي، لتنتهي الرواية وهم يحزّون عنقي ليلقوا بيّ خارج الفقاعة "الحياة" في فصلها الأخير المسمى (بم).
الكتابة لا تختلف عن العيش على المستوى الحسي أبداً، فما جرى لنا في جامع في الفلوجة رأيته مجسداً وكنت أصوره باللغة. كنا قد متنا.
سيطلع على الرواية ويحكي لأولاده قصة موتنا، وحينما التقيت به في أمسية برلين قال لي ضاحكاً
أخبرت أولادي بأنني ذاهب للقاء صديقي الروائي الذي ذبح معي في الفلوجة قبل 14 عاماً.
فغرقنا في ضحكٍ عاصف، كان يكلم ناهده ذاكراً الصفحة التي قُتلَ فيها، ثم أخبرني بأن أبنته الوحيدة التي أسماها "أنصار" تيمماً بتجربة الجبل بعد عودته إلى ألمانيا تخصصت في الثقافة العربية حاصلة على ماجستير وقرأت روايتي ورأت كيف ذُبِحَ والدها، كان يروي ذلك ضاحكاً، وأخبرني بأنه أخذها إلى الديوانية لتنصعق بحجم الخراب في بلد والدها.
سهرنا في ليلة برلين الأخيرة في مطعمٍ هندي لم نكف عن الضحك والكلام، ثم غادرنا في طريقنا إلى الفندق القريب. ودعنا الجميع وعبرنا الشارع إلى فندقنا القريب. كنا في قلب برلين على مبعدة عشرين متراً عما تبقى من جدار برلين الذي حولوه إلى متحف. وصلنا باب الفندق كانت الليل قد جاوز منتصفه قليلا، تبادلنا النظرات والتفتنا إلى زوجتي التي تبسّمت لأنها عرفت الأمر فقالت:
ــ ما تصعد مو
هدرنا بالضحك، فحسين لم يقل "مع السلامة" قال لها:
ــ هو أني وين أشوف سلام بعد!.
وغابت خلف باب الفندق، لنهب في التسكع والحديث والحوار والشرب، فالمحلات مفتوحة حتى الصباح، ندخل من محلٍ إلى أخر لنتزود بالجعة والكحول وندور في الحدائق والساحات والقصص والحكايات والأسرار وكأننا في عالمٍ أخر لا هم ولا غم فقط قصص وحكايات أغرقتنا حتى طرة الفجر وخروج الناس إلى عملهم. لا أتذكر بالضبط كيف عدت لم أكن مخموراً كنت مخدرا بالمحبة والكلام والقصص. ما أتذكره اللحظة التي نزل فيها سلالم المترو القريب ليغيب، فأتوجه إلى الفندق والساعة السابعة إلا ربعاً صباحاً.
10-8-2018
الدنمارك



#سلام_إبراهيم (هاشتاغ)       Salam_Ibrahim#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
إلهامي الميرغني كاتب وباحث يساري في حوار حول الوضع المصري ودور وافاق الحركة اليسارية والعمالية
سلامة ابو زعيتر باحث وناشط نقابي ومجتمعي في حوار حول افاق ودور الحركة النقابية والعمالية في فلسطين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- د. عدنان الظاهر شخصية ثقافية فريدة
- سيرة وجع عراقي: سفر في حياة الشاعر علي الشباني العاصفة.
- من رسائل الروائية العراقية عالية ممدوح إلى الروائي العراقي س ...
- أوراق من ذلك الزمن لعلي محمد: كتاب يوثق بدقة لحركة الأنصار
- مرور 17 عام على رحيل الشاعر العراقي المجدد -عزيز السماوي- من ...
- أن تعانق صديقاً بعد واحد وأربعين عاماً
- الروائي المصري الجميل -مكاوي سعيد- وداعاً
- الأجنبية كتاب عالية ممدوح: حفر في منظومة قيم القسوة الاجتماع ...
- المدنية والإنسان والخرافة
- يحدث في الفجر
- طرف من خبر عائلة ال سوادي الشيوعية
- حفيدتي
- سوف لا أشتمك
- تجربتي الثقافية مع الحزب الشيوعي العراقي. 1- كراس عن شهيد
- انتقام
- لحم حار
- كيف يفشل النص حينما يُبنى على فكرة غير دقيقة
- الإنجاز الإبداعي لتجربة -مظفر النواب- في ميدان القصيدة الشعب ...
- الحُلو الهارب إلى مصيره رواية العراقي -وحيد غانم-: عالم الشا ...
- البنية الفنية لقصيدة الشاعر الراحل علي الشباني


المزيد.....




- قاعدة جديدة مقترحة لكتابة أسماء -الرب- والأنبياء باللغة الرو ...
- موسكو تشهد احتفالات واسعة النطاق بمناسبة يوم الثقافة السلافي ...
- مهرجان كان: فيلم -ريش- المصري يحصد معظم جوائز -مركز السينما ...
- شاهد.. الفنانة بوسي تغضب أثناء زفافها -عليا الطلاق أبوظ الجو ...
- غوغل تطور نظارة للترجمة الفورية باستخدام الذكاء الاصطناعي
- -ميس.تيك- واحدة من أبرز وجوه فنون الشارع في باريس تفارق الحي ...
- رسالة تحذيرية شديدة اللهجة من الإعلامية سبا المبارك لخطيبها ...
- غادة إبراهيم تكشف -سبب- منعها من صعود حافلة الفنانين في جناز ...
- بحضور عدد من المشاهير.. الفنانة الشعبية بوسي تحتفل بزفافها ع ...
- وفاة رسامة الشوارع الفرنسية راضية نوفات الشهيرة بميس.تيك عن ...


المزيد.....

- رواية راحلون رغما عن انوفهم - الجزاء الاول / صبيحة شبر
- من الشعر نفحات / عيسى بن ضيف الله حداد
- - شعر - قطوف من خارج المالوف / عيسى بن ضيف الله حداد
- المجموعة الشعرية الكاملة في الشعر السياسي / عيسى بن ضيف الله حداد
- المُلحد / عبد الباقي يوسف
- أمريكا كاكا / عبد الباقي يوسف
- حنين احلام مصادرة / رواية خماسية - رواية الجزء الاول ( هرو ... / أمين احمد ثابت
- ديوان شعر ( مترائي . . الثورة المفقودة ) / أمين احمد ثابت
- حزن الشرق / السعيد عبد الغني
- حتى أكون / رحمة شاذلي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سلام إبراهيم - ليلة في برلين