أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - المطعم














المزيد.....

المطعم


دلور ميقري

الحوار المتمدن-العدد: 5800 - 2018 / 2 / 27 - 14:40
المحور: الادب والفن
    


لا أدري كيفَ رأيتني في الملعب، الذي ليس فيه شيئاً من اسمه. كان مستحيلاً، تحديدُ اللاعبين من الجمهور في هذا الجوّ الصيفيّ المائل إلى الغروب. فالكل كان يركض كالمسعور كي يحظى بالكرة، وكما لو أنهم لاعبو السياسة الكبار مع الكرة الأرضية. على حين غرّة، قذفَ أحدهم الكرة باتجاهي.. وأعني، كرة القدم لا الكرة الأرضية!
كانت الضربة من القوة، أنني تلقفتها بكامل جسدي خشية أن تصيبَ الأطفالَ، المتجمهرين مع ذويهم حول الملعب. وهأنذا أضحي بنفسي خارج الملعب، تحيطني نظرات عطف ذوي أولئك الأطفال الشقر الرؤوس. ما لبثتُ أن شعرتُ بوجع في البطن، مع أنّ ضربة الكرة أصابت جانباً من كتفي. فكّرتُ عندئذٍ: " لا ريبَ أنّ معدتي خاوية، كوني لم أتعشَ ". عادةُ الاستغناء عن وجبة العشاء، كنتُ قد ألفتها في الفترة الأخيرة تجنباً للكوابيس المزعجة.
غادرتُ المكانَ إذاً، متجهاً إلى مسكني القريب من منطقة الملاعب. مع خروجي من المنطقة، إذا بي أجدني في دربٍ طويل، مسقوفٍ ومزدحم بالخلق، كأنه سوق من أسواق الشام. دلفتُ من ثمّ في منعطفٍ جانبيّ، ذاخرٍ بالمحلات من كلّ صنف، تقود خطوي قوةٌ مجهولة. بلى، إنّ قدماي تسيران على أرضية مألوفة لهما ولن تتوقفا قبلَ أن تسلمانني للمطعم المطلوب. ولكن لخيبتي، اكتشفتُ أنه أضحى مجرّدَ مطعم وجبات سريعة. المعدة المُتطلّبة، أجبرتني أن أتجه نحو منصة البائعين، هنالك أينَ تنتصبُ خلفهم على الجدار لوحةٌ بأسماء الوجبات وأسعارها. اللوحة، من نكد الطالع، كانت ألكترونية. أخيراً، وبعد دقيقة من شقلبات ملوَّنة مختَرَقة بالركلام، ظهرَ على شاشة اللوحة اسمُ وجبة وحيدة.
" لبنة؟.. يا للعنة! "، قلت في نفسي. البائعان الشابان، كلاهما نظرَ في ذات اللحظة إلى الآخر مع بسمة متهكّمة. لم أعبأ بهما، ولا بمفردات المجاملة الصادرة منهما. إذ انتبهتُ إلى وجود ممرّ في آخر الفناء، سبقَ لي في زمن أقدم أن عبرته باتجاه مطعمي الأثير. اتجهتُ إلى تلك الناحية، دون أن ألتفت لهتاف أحد البائعين: " يا أخ، المكان مسدود ". بالفعل، كان ذلك هوَ الباب الخارجيّ لمطعم أيام زمان. عرفته من طراز نقوشه الخشبية، التقليدية. كان موصداً على أيّ حال. عدتُ أدراجي، برأسٍ يَغلي حنقاً ومعدةٍ تتضوّرُ جوعاً. أحد البائعين، سدّ عليّ الطريقَ. أدهشتني هيئته الجديدة؛ سترة أنيقة قاتمة من الجوخ الأسود، ينبثق من فتحتيها قميصٌ ناصع ذي ياقة منشاة معقودة بالبابيون الأحمر اللون. لما حاولتُ الانسلال، لكزني بكفه الموضوعة على كرشه الكبير. صحتُ فيه وأنا ممسكٌ بكلا منكبيه: " ماذا دهاك، يا هذا؟ أتعدّهُ أمراً مسلياً، العبثُ بهذه الطريقة المشينة؟ ". ثم أردفتُ، وقد داخلني خوفٌ من كون الشاب منتمياً للملّة المقدّسة: " عليكَ احترام الكبار بالسنّ! ". في الوهلة التالية، تبدى لي ما يُشبه شعار المطرقة والمنجل، يُزيّن ياقة قميص ذلك البائع. فخاطبته مطمئناً: " من يضع هكذا شعار، عليه أن يكون بمستوى إنسانيته! ". فلما ظهرَ الاستغراب على وجهه، فإنني عدتُ لأدقق بالشعار: كان يُمثّل فنياً قلبين بلون أحمر، متعانقين. آه، بالأمس القريب كانت الصفحات الموالية تتناقل خبراً يفيد، بأنّ شبابَ الساحل أطلقوا أسهماً نارية في ليلة الفالنتين كانت متبقية لديهم من مخلفات رأس السنة.
بعيدَ وهلة أخرى من التفكير، قلتُ للشاب برقة: " لو أننا كنا نحب بعضنا البعض، لما تمكّن الإرهابيون من تدمير بلدنا؛ ولما فقدت محافظتنا نصفَ شبابها! ". فما أن أنهيتُ جملتي، حتى صاحَ البائع الآخر من وراء منصّته: " على عيني والله.. أنتم رجال من طول عمركم ". قالها بنبرة شامية لا يمكن أن تكون مصطنعة. شملت الطمأنينة كياني، بحيث أنني بالغتُ في ردّ تحية ذلك البائع. كنتُ أهمّ بمغادرة المطعم ( جعلني الجدالُ أسلوَ جوعي )، عندما أمسك أحدهم كُمّ سترتي بفظاظة. هذا كان زبوناً، تنطق هيئته الرقيعة بالعدوانية والشر: " بطاقتك يا سيّد..! "، خاطبني وهوَ يحدّق فيّ بعينيه الرماديتين. دهمني ذعرٌ لا يوصف، فيما داخلي خاطبني بدَوره: " آخر بطاقة حُزتها، انتهى تاريخها قبل نحو ربع قرن. ومن يخرج اليومَ بدون بطاقة، في دمشق الأشبه بالثكنة العسكرية، يمكن أن يعرّض نفسه للإعدام الميدانيّ ".



#دلور_ميقري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الرابع 5
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الرابع 4
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الرابع 3
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الرابع 2
- الهاوية
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الرابع 1
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثالث 5
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثالث 4
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثالث 3
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثالث 2
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثالث 1
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثاني 5
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثاني 4
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثاني 3
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثاني 2
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثاني 1
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الأول 5
- أدباء ورهبان 4
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الأول 4
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الأول 3


المزيد.....




- دراسة صينية: موسيقى البيانو الهادئة تعالج التوتر أسرع من أصو ...
- مهرجان الجونة يفتتح دورته التاسعة بحفل استثنائي يحتفي بسحر ا ...
- تيك توك تغلق حساب فيلم وثائقي عن ماسك قبل عرضه
- بعد تضامنها مع روائية إيرلندية.. الشرطة البريطانية تحسم موقف ...
- حوار | سلوى السنيورة بعاصيري: العلاقات الثقافية بين مصر ولبن ...
- باتمان وتشاكي.. روح جيل -زد- ورموز فكاهية وأخرى من الثقافة ا ...
- -أدين باللغة لجدتي-.. الروائي الجزائري واسيني الأعرج يفتح دف ...
- من مفاتيح البيوت إلى هاتف أبي عمار.. متحف يحفظ تفاصيل فلسطين ...
- بعد سنوات من الغياب.. عادل إمام يعود إلى الواجهة بفيلم يوثق ...
- فنان سعودي يعلق على تضامن مصر مع المملكة برسالة مؤثرة


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - المطعم