أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي دريوسي - رابطة المَنَاجِذ الشيوعية -4-














المزيد.....

رابطة المَنَاجِذ الشيوعية -4-


علي دريوسي

الحوار المتمدن-العدد: 5787 - 2018 / 2 / 14 - 15:35
المحور: الادب والفن
    


نظرت إلى ساعة معصمي، ها قد مضت دقيقتان على موعدي مع مجد ولم يأتِ بعد، عليَّ إذن أن أغادر مكاني، كنت متوتِّراً نوعاً ما، ضغطتُ بأصابعي على ربطة الخبز، نظرت حولي للمرّة الأخيرة علَّني ألمح الشخص الذي قد يكونه مجد.

كان مجد يكبرني بعقدٍ من الزمن، كان في نهاية عقده الثالث تقريباً، لا أذكر أنّي رأيته في حياتي إلا مرتين، في المرة الأولى رأيته عندما كنت في الصف الثالث الإبتدائي، دخل إلى صفنا وأخبرنا باِسمه وبأنَّ معلمتنا الرئيسية مريضة وسينوب عنها ويكون معلمنا البديل ليومِ واحدٍ، لعلّه عمل آنذاك كمعلمٍ وكيل بصورة مؤقتة لتغطية الشواغر في مدارس المحافظة، هذا إلى جانب دراسته في كلية الطب في الجامعة، مضت حوالي ست سنوات قبل أن أراه للمرة الثانية وهو يسير وقوراً في موكب المشيعين القلائل وراء جَنَازَةِ إحدى النساء الفقيرات في الضيعة التي كان قد أشرف على تطبيبها مجاّناً خلال فترة مرضها، كما أخبرتنا عمتي فيما بعد.

كان مجد شاباً شامخاً بقامةٍ رشيقةٍ صلبة، جسده أسطواني الشكل صغير نسبيَّاً بمَنْكِبَيْن ضيقين، نصفا جسمه متساويان بالطول، وجهه صارم وعيونه زرقاء، أنفه حاد ضيق وبارز، حليق الذقن، يعانق عنقه بشالٍ أنيق، ويضع قُبَّعَة شتوية بُنِّيّة اللَّون على رأسه، يرتدي سُتْرة رجاليّة رسميّة رمادية غامقة اللَّون فوق كنزة صوف وبنطلوناً قماشيّ بلونٍ فاتحٍ. بدا من سِيمائِهِ أنّه ينتمي إلى تلك الشريحة الاِجتماعية قليلة العدد ممن أعلنوا اِنتمائهم المخلص واللامشروط لجيش الفقراء البسطاء في بلدهم، كما كان حال بعض المعلمين الأوفياء في المدارس من أجيالٍ سبقته، كان أكثر ما يميزه هو مشيته الآلية المنتصبة، إذ كان يمشي وكأنَّه مُقَيَّد اليدين والرجلين، بالإضافة إلى حركة فكيه، إذ أنَّه حين يتكلّم يتولَّد لديك الإحساس بأنَّ عظم فكه السفليّ يحتوي عظم فكه العلويّ لا العكس.

باِختصارٍ شديد كنت قد شكَّلت وخزَّنت في ذاكرتي عن الطبيب مجد صورة تشبه صورة الخُلْد الديناميكي خلال النهار والليل، والمتكيِّف كلياً للعيش في أنفاقٍ تحت سطح الأرض لا يغادرها إلا في فتراتٍ محدّدة، فقط في ظل غطاءٍ من الظلمة حين يتطلَّب الأمر، كان مجد يشبه الخُلْد الذي كنا ونحن أطفال نبحث عنه في حقول وجبل الوادي الأحمر دون أن نراه مباشرة لكننا كنا نرى تلك الأكوام الترابية المتتابعة التي بوساطتها كنا نَسْتدلّ على ممراته ووجوده. وعندما كبرنا صار جلّ همنا وحلمنا ينحصر في الاِنتماء لمملكته، مملكة المَنَاجِذ.

قلت لنفسي: "إذنْ لن يستطيع مجد المجيء للموعد، أرجو ألا يكون قد تم اصطياده".

كانت الرسالة التي وصلتني من حلقته قبل يومين، تحديداً مساء يوم الجمعة بعد اِختتام دورة ألعاب البحر المتوسط، واضحة تتضمَّن موعدين: "الموعد الرئيسي - المكان: أمام مدخل سينما الدنيا. الزمان: الساعة الرابعة والربع ظهر يوم الأحد بتاريخ 27.09.1987. ملاحظة: إذا تأخر الرفيق مجد عن الموعد أكثر من دقيقتين ينبغي أن تمشي باِتجاه المركز الثقافي ثم الوقوف أمام مكتبة كردية. إذا لم يكن بانتظارك هناك، عليك مغادرة المكان بأقصى سرعة. الموعد الاِحتياطي - المكان: أمام مدخل نقابة المهندسين. الزمان: الساعة العاشرة صباح يوم الإثنين بتاريخ 28.09.1987، مع الرفيقة فاتن، لا تقلق، ستتعرّف رفيقتنا عليك. ملاحظة: يجب عليك إحراق الرسالة".

أشعلت سيجارة ومشيت إلى مكتبة كردية، لم أجده هناك، لكني وجدت السؤال في واجهة المكتبة، ساعتئذٍ قرَّرت قراءة الرواية للكاتب الأردني غالب هلسا. همست لنفسي: "سأجدها حتماً في مكتبة صديقي عبَّاس".

من أمام مدرسة جول جمّال صعدت إلى باص البلدية وعدت إلى البيت وبعض الفضول يعتريني للقاء فاتن، لرؤيتها وسؤالها عن سبب تأخر مجد. وقعت عينايّ على ربطة الخبز السياجيّ الأبيض، شعرت بجوعٍ جميل يداعب بطني، اِبتسمت ووددت اِلتهامها في الباص، لكنني ومن باب التهذيب تراجعت في اللحظة الأخيرة وأجلت حاجتي إلى حين وصولي.
*****
يتبع



#علي_دريوسي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رابطة المَنَاجِذ الشيوعية -3-
- رابطة المَنَاجِذ الشيوعية -2-
- رابطة المَنَاجِذ الشيوعية -1-
- الاعتقال والعرش
- خمارة دليلة والزئبق -الحلقة الأخيرة-
- خمارة دليلة والزئبق -10-
- خمارة دليلة والزئبق -9-
- خمارة دليلة والزئبق -8-
- خمارة دليلة والزئبق -7-
- خمارة دليلة والزئبق -6-
- خمارة دليلة والزئبق -5-
- خمارة دليلة والزئبق -4-
- خمارة دليلة والزئبق -3-
- خمارة دليلة والزئبق -2-
- خمارة دليلة والزئبق -1-
- كيف اِنهارَت كعكة العائلة؟ -الحلقة الأخيرة-
- كيف اِنهارَت كعكة العائلة؟ -16-
- كيف اِنهارَت كعكة العائلة؟ -15-
- كيف اِنهارَت كعكة العائلة؟ -14-
- كيف اِنهارَت كعكة العائلة؟ -13-


المزيد.....




- ثقيلاً عليّ الصمت
- الخرتيت المدبوغ
- فرنسا: الجمعية الوطنية تناقش مشروع قانون لتسهيل إعادة القطع ...
- الهند تودع آشا بوسلي -ملكة الغناء الهندي- عن عمر 92 عامًا.. ...
- كانيي ويست.. النجم الممنوع من الغناء والمحتفى به في آنٍ واحد ...
- مصر.. زوجة الفنان سامي عبدالحليم تصدر توضيحًا بخصوص نفقات عل ...
- -مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس- مذكرات الوزير السابق جمال أغم ...
- فتحي عبد الوهاب.. كيف يصبح الممثل الأهم دون أن يكون البطل؟
- فرنسا أمام امتحان الاعتراف بنهب الاستعمار
- جامعة إيرانية: الهجمات الأمريكية الإسرائيلية تستهدف تقدم إير ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي دريوسي - رابطة المَنَاجِذ الشيوعية -4-