أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أنوار الأنوار - هستيريا














المزيد.....

هستيريا


أنوار الأنوار

الحوار المتمدن-العدد: 5749 - 2018 / 1 / 6 - 17:50
المحور: الادب والفن
    


مصابةٌ بحساسيّةٍ مزمنةٍ للروائح، تشتدّ في نوباتٍ هستيريّة تعبث بتوازني حدّ التخريب. لا أشبه غرونوي بطل رواية العطر تمامًا، لكني إن أصابتني نوبات الشمّ يغدو كلّ شيءٍ أمامي رائحة: الصّور والكلام والأجساد والطبيعة والأوراق والنصوص والذكريات والنظرات والنبرات والملامح والمواقف.. أمقتُ الروائح البشرية في نوباتي. قد أتجنب السفر بالقطار، وأحرص ألا أخرج إلا بسيارتي كيلا أفقد السيطرة على ذاتي من رائحة أحدهم/نّ وتغلبني الهستيريا.
قد أتأخر في الخروج إلى عملي لأني انشغلتُ بحمّام متكرّر في الصباح، يصل حدّ الاستحمام ثلاث أو أربع مرّاتٍ ثم البدء من جديد. وقد أجنّ وأفسد جلسة عملٍ إن تذكرتُ فجأةً أني لم أستحمّ منذ خرجتُ من البيت ولن يسعفني كلّ ما طليتُ به نفسي من زيوتٍ وعطور، وقد أنفعل وأتحوّل إلى سواي إن راودني أنّ الزّميل الذي يُجالسني غاب عن الصّابون ثلاث ساعات أو أكثر فيباغتني التقيّؤ أو الغثيان.
كثيرًا ما أفسدَت نوبات حساسيّتي علاقاتي بأشخاص كثيرين، قد لا يجدون مبرّرًا لتغيّر سلوكي معهم، إذ كيف ستشرح لأحدهم أنك تذكرتَه فجأةً حين غزَت أنفك رائحةٌ دنيئةٌ، وأن صورته ارتبطت بها ولم تنفكّ ملتصقة، فصار مجرّد حضور اسمه يجعل الرائحة تخنق روحك من جديد؟
لكلّ شيءٍ عندي رائحة.. معظمها مزعجٌ خانق، يجعلني ألوذ بروائح العطور والبخور والزيوت والطبيعة.. أو بكلّها مجتمعةً إن شممتُها في صوتٍ ما..
نعم للأصوات رائحة، لكنّها لا تنبعث إلا إذ تتجلّى الروح الكاملة متجاوزةً كلَّ تصنيفاتها.. كصوت كاميليا إذ ترتجفُ الروح في ارتعاشة "وأبني خرائبَ عينيكِ بيتًا"، كصوت درويش حين تصهل الأنثى في روحه على لسان ريتا "حُكّني وحُكّ دمي"، فيرتعش الدم داخل المنصت حدّ النزف، أو كما يذوب ياسين التهامي فيُذيب مستمعيه إن رتّل كلمات ابن الفارض "قلبي يحدّثني بأنك مُتلفي" وضاع في جذل.
نعم ثمّة أصوات تنبعث منها روائح إلهيّةٌ مقدسة تشبه رائحة إخلاص فدائيّ لقضيّته.. كرائحة صوت شهرام ناظري الذي يظلّ يفتت الروح ثمّ يلملمها راتقًا فتعود بكرًا عذراء إلا من حزنٍ شفيف جُبلت به يشهد بإنسانيّتها..
كلّ الروائح السماوية تذوب وتنصهر في نبرات عبد الباسط حين يجوّد حكاية العبد الصالح في سورة الكهف.. كأنّ روائح الجنّات تنتشر منبعثة ًمن صوته. على قراءته كتبت أكثر نصوصي عشقًا وشغفًا وشهوةً وشبقًا "صمتك أيضًا يلهمني".. وكنتُ كلما انساب إلي ّصوته رأيتُ بعضًا من نور الله ينسكب إليّ من علٍ.. نعم أكتب نصوصًا عاشقةً من إلهام قراءة قرآنية.. فالتحليق واحد والسّكرة الروحية فقط تغيّر أثوابها..

نادرةٌ هي الأصوات المتكاملة تنبعث روائح إلهية منها، لكنها ملاذي كلما خنقتني نوبات الهستيريا الشميّة والروائح البشرية.
أعرف جيدًا كيف أميّز روائحَ الأخلاق والقيَم، روائحَ النصوص الشهيّة، روائح الأنوثة والرجولة، روائح الإله إذ يتجلّى في عصفورةٍ مرتجفة، روائحَ الشبق حين يغزو المطرُ الأرض فتنبعث الحياة، روائحَ الحبّ الصافي حين يقول فتىً لزميلته يا أختي ومن بين النظرات تنسكب حروف الشوق البريء.. أعرف روائحَ النظرات أيضًا فأعانق روحًا لا أعرفها فقط لأنّ نظرتها سكبت لي روائح تاريخٍ وأصالةٍ أو مستقبلٍ قادم وحداثة، فجعلت من روحي بساتينَ حياة.
بيد أنّ كل روائح الله إذ تنهمر صفاءً لا تسعفني أبدًا لأغلب رائحتَين تربكانني لأعلن انهزامي أمامهما في النوبات أو في سواها. وحدهما لا ملجأ يحمي منهما مهما علا وتجلّى طغَت روائحهما سوادًا قاتمًا خانقًا: روائح الغباء أو الخيانة..



#أنوار_الأنوار (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصيرة جدًّا
- الخروج من القفص
- حديث الرمان
- نملٌ في العين
- دواة مائلة


المزيد.....




- فوز فيليب جاينادا بجائزة غونكور 2026.. انتصار البحث الأرشيفي ...
- -إلى من يشبهونني في الحطام-… مرح دلول تكتب الصمت والنجاة في ...
- باتمان: نايت فول.. قراءة سينمائية في الاحتراق النفسي وهشاشة ...
- وثائقي جديد يعيد فتح ملف مأساة فيلم «راست» ومحاكمة أليك بالد ...
- رحيل الفنان الكويتي كاظم الزامل بعد مسيرة حافلة في الإبداع و ...
- بعد توقف قلبه.. نجل الفنان محمد الحلو يكشف تطورات حالته الصح ...
- وفاة الفنان الكويتي كاظم الزامل بعد سنوات من الغياب وفقدان ا ...
- باربيس- حي ينبض بالموسيقى
- ميلوني تدعو لتوحيد التمثيل الأوروبي في مفاوضات السلام الأوكر ...
- مليون كتاب للبنان .. استعادة المكتبات من ركام الحرب


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أنوار الأنوار - هستيريا