أنوار الأنوار
الحوار المتمدن-العدد: 5267 - 2016 / 8 / 27 - 13:55
المحور:
الادب والفن
نملٌ في العين
1**
أخضّ ذاكرتي فتفور الصور: أبي واقفٌ بالباب بذراعين مشرعتين على احتمالات صفعٍ تتوزع حرة، وصايا أمي توشوش بحدّة: "هذا العالم غابةٌ، والبشر وحوشٌ ناهشة، ولا متسع للهو يا بلهاء". رفيقة الطفولة التي عشقها الموت فسرقها من ملعبٍ كنا نقطف منه البيسوم الأصفر لنغزل عقودًا وتيجانًا تبيح لنا الحلم ملكاتٍ على رعية موهومة. لم أقتلها كما ظنوا. كانت الكرة من حشائش نلفّها في كيسٍ رخو وقطع قماش طرية. وحدها الصخرة تآمرت إذ دعت رأسها للوقوع وبقيتُ مسمرةً مكاني كي تقوم وتلحق بي. نتّفتُ تاج الزهور ووهبته للرأس المدمى فلم يستجب للعرش. غاص في الدماء فصارتني. وصوتك يتسلل في كل صورة: سنكبر يومًا ونصير حبيبين ونهرب من هنا إلى حلمٍ بعيد فيه سنونوةٌ تشدو لعشيقها فيصير حقلاً، تصير القبل فراشاتٍ ونحلًا، يصير الجسد وردًا بجميع الألوان. يصير العناق عسلاً وشهدًا فنرتمي في النهر لنعود مبللين بفرح جديد.
أخضّ ذاكرتي فتفور الصور: قلبي المشطور يفتح أبوابه غرفًا للموتى، دمي لا تغيب رائحته من حقول اللوز مهما كساها البياض، قلمي المكسور ألف مرة أبريه بأسناني فيبيت سيفًا. أرسمهم وأخربش فوق الصور ثم أمحو فتولد من جديد. أخضّ ذاكرتي فلا تُزبِد إلا فيضانًا كلما انهمر عاد حرًا، وعدت أبحث عن الحلم الذي وعدتَني فلا أصدق أن كان وهمًا.
2**
الجسد مرآة الروح أم هي مرآته؟ يتحشرج سؤالكِ في حضنها مبللاً بدمع يخونكِ فاضحًا تأثيرَ الذكريات. اليد التي ما أكثر ما خذلتك إذ طواها منتصرًا خصمُك وهو يشدّ أصفاد المشجّعين من حوله، والتي تساءلتِ كثيرًا عن معنى صنابير الدم تنفجر منها كلّ حين، هي ذاتها التي انتسجت قلائدَ ابتسامات إذ داعبتِ زهرة عصا الراعي الوحيدة بين الصخور. كنتِ تنتشين في هتافك : إنّ الدرنات وإن قسَت تملك بعث الصفاء ما دام طيف حبيبٍ رحب يغني مربّتًا : أزهري أيتها الوحيدة.. بالحبّ وحده تغلبين كل هذا الموت الذي غزلوه ببراعةٍ فتحيلينه بيت عنكبوت. ثمة حبٌّ لا يخون مهما رصفته المسافات. ثمة حبٌّ ينفخ في الدرنات وردًا صافيًا يبدد صنابير الدم حتى لتكاد تمّحي. والطبيبة المتماهية مع ذكرياتك ابتسمت لعصا الراعي تكاثر في ملامحك إذ رددتِ اسمه. لا الجسد مرآة الروح ولا هي مرآته -قالت. كم مرةٍ رأوا منكِ الوهج وغاب عنهم ما احترق فيكِ! وحده الحبّ يكسر كل المرايا حين ينفخ في الدرنات وردًا. وحده يزهر وطنًا يحيل الجدب حقولاً ولو بزهرة واحدة. فدعيها يانعةً ولا تفتّتيها ولو بقبلة. اهتفي باسمه وحسبُ كي تصفو العصا وتزهر.
3**
مثل تفاحة بيضاء الثلج المسمومة، عالقٌ في حلقي اسمك، لا هو يثب مني فأتنفس ولا أنا أبتلعه لأموت. والخالة تناسلت من حولي فيهم: أبي الذي كلما تنفستُ اهتز حياؤه مخدوشًا يصرخ في المرآة ، جدتي التي ما زالت تصرّ أن العالم ينتهي عند حدود الجبل القريب كي تتمكن من سرقة الغابة، العابرين الذين سقطت منهم أسماؤهم فحبلت تربة الروح بأشجار شوك الذكريات، وعاشقة حبيبي تحكي لي عن جماله: "أحبه" تهمس، فيربت عليها قلبي الظامئ. وصوتك الغائب يزمجر في وحدتي مذ خانني الأقزام وألقوا بي خارج الكوخ كيلا أشاركهم الجبن والفطائر. تركوني للوحوش تنهش مني كل نقطة سوى الحلق.. ظلّ اسمك تفاحته العالقة.. وبقيت ألوّح مبحوحةً دون أن يسمع صرخاتي أحد.
4**
بقلبي المنمّش ببقع الذكريات، بعينٍ تطلّ يائسةً إلى بريد الله، أجيب كلّ الرسائل بصمتٍ. أين اختفى الصبح منذ غيابك؟ ألتقط ريشةً وقعت من صدر عصفور إذ فرّ يراود محبوبته. أناديه: لا تترك ريشاتك ها هنا. لا تدع ما يسقط منك في أرضه وحيدًا. أعاتب سربًا حلّق فوق رأسي: من سرق مني الفجر يا شارة الفجر التي تراوغني وتراود الحنين؟ ماذا سأقول لقاضٍ علموه أن الربّ لم يخلق سواهم؟ ماذا أقول لأمي التي أورثتني كل هذي القبائل تجوس رأسي فتلد الأنين؟
أوشوش شجرةً سأهجرها قريبًا نحو رحيلٍ جديد: لم أنصف أزهارك التي تلوّن الفصول. لم أرسم عريَك الحالم بشموخ. إنما ما زلت أبحث عن معاني الحياة تهرب مني كما يهرب الرغيف من فقيرٍ غلبه الجوع. قولي لليمامات لم أنزعج منها. وحده اسمه الغائب من هديلها قد خان!
**5
أحبّ قميصك الأزرق. يذكّرني بعمق البحر ورحابة السماء. كنتُ حسبتك ستنتقي الأسوَد كي تنصف المناسبة. ثم كالعادة أنستني الأناقةُ فكرتي إذ ارتديتَ ربطة العنق المبرقشة. لم أطلب من الموت مهلةً مثل درويش كي "أنهي تدابير الجنازة". قلتُ سيكتب في سطرين نعيًا تنشره صحيفةٌ صفراء أو خضراء لا يهمّ. لم تفعل. وأنفي الذي هرب من جثتي بحثاً عن رائحةٍ تنثرها لم يعُد ليخبرني بما نال. أصختُ سمعي لعلك تترك لي اسطوانةً لشوبان الذي أحبّ، موسيقى جنائزيةً حزينة أو حتى قراءة عبد الباسط لسورة "يس" يخترقها انتشاءُ مستمع يهتف :الله، فأرتعش. إن الجثث أيضا ترتعش يا جميلي وتنتشي. لكنها تفجع في انتظار نعيٍ ينصف موتها فيغيب. واربتَ الباب بصمتك خارجًا وأنا قمتُ ألملمني في القبر خشية أن تخونني رائحة التفسّخ في غياب أنفي الهارب، فلا أنتبه، كان لساني منفلتًا خارج الكفن بشتائم بذيئةٍ جدًّا، يلعن الأنوف التائهةَ إذ تخون أصحابها.
أنوار الأنوار- الجليل
#أنوار_الأنوار (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟