أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - يوسف أحمد إسماعيل - الانتماء















المزيد.....

الانتماء


يوسف أحمد إسماعيل

الحوار المتمدن-العدد: 5544 - 2017 / 6 / 7 - 17:10
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


تغيّرت وتطوّرت صور انتماء الفرد في المجتمعات البشرية بوتيرة بطيئة عبر آلاف السنين، ولكنّ أبرزها بقي ملاحَظاً، وحيّاً في كثير من المجتمعات والتجمّعات البشرية: في الشرق والغرب والشمال والجنوب، وعبّر عن نفسه بشفافية في أوقات السلم في المعارض والاحتفالات الجماعية والكرنفالات، ولكنه في النزاعات عبّر عن نفسه بحدة وقسوة ودموية ووحشية.
وفي مجتمعاتنا تتبلور صوره تاريخيا بالانتماء القبلي (العشيرة والعائلة) والطائفي (الدين والمذهب) والقومي (العربي والكردي والأرمني والآشوري، والتركماني، والجركسي والبربري...). وفي كلّ تلك الصور كان يذوب الفرد في الجماعة؛ فتُلغى فردانيته، وشخصيته الخاصة، ويغيب وعيه الفردي، وينصهر بالوعي الجمعي في صورة الانتماء هذه أو تلك. غير أن ذلك الانتماء كان يبدو معطّلا إلى حدّ ما في التجمعات الحضرية، والمدن الكبرى بشكل خاص، ولكنه نشيط في التجمعات الريفية البعيدة عن المناطق الحضرية، وذلك بسبب التوزّع الديموغرافي؛ فحين يكون الفرد في قريته غالبا يكون انتماؤه الجمعي مهيمنا على وعيه وسلوكه ولغته وتعاضده أو تناحره، ويصبح الآخر بالنسبة له هو الآخر بالنسبة للجماعة، وحين يكون بعيدا عن مركزه الجماعي تقوى فردانيته، ويُستحضَر الانتماء الجماعي في المفاخرة الكلامية أو الهجاء فحسب، ويقوى حينها النزوع الوطني أو الانتماء الوطني، بسبب التشاركات الجديدة التي توثق العلاقة بينه وبين الآخر الذي يحتك معه باعتبار البيئة المختلفة في الحي والمدينة والعمل والدراسة، ولكنه لا يلغي الانتماءات الأخرى وإنما يؤجّل اشتعالها.
ربما هنا تكمن المعضلة، فالتشاركات في البيئة الجديدة لم تلغ الانتماءات الأخرى، وقد يتساءل بعضنا: وهل من الصواب أن يكون غير ذلك، أي أن تُلغى الانتماءات الأخرى؟ طبعاً، سيكون من العبث القول: نعم تُلغى الانتماءات الأخرى، بسبب استحالة ذلك، لكن يجب أن تدفع التشاركات الجديدة إلى إعادة تموضع الفرد في إطار الجماعة على أسس جديدة تسمح بالانتماء الأوسع لمجموع العناصر المختلفة، أي أن يكون الانتماء للوطن باعتباره الحاضن العام لكل الانتماءات الإثنية الأخرى، وفي الوقت نفسه تسمح تلك المعطيات الجديدة بالخروج من استلاب الانتماء إلى الجماعة لصالح تعزيز الفردانية، بحيث يصبح الجهد الفردي والسمات الشخصية الفردانية هي عنصر التمايز في حلقة الانتماء الواسعة الممثلة بالوطن، بدلا من حضور سمات الجماعة في الفرد باعتبارها هي الحاضنة للفردانية.
وفق ذلك يعمل الفرد على تطوير انتمائه الجديد دون أن يلغي فردانيته، ويعبّر بحرية عن مواقفه هو وآرائه هو وإن اختلف في ذلك عن كل صور الانتماء الجماعي السالفة الذكر، فيصبح عنصرا فاعلا في جماعته البدئية أو الحضرية أو الوطنية. و بالانعتاق من الجماعة يتحرر وعيه، فيبدأ بالتفكير خارج أنساقها الثقافية الاستلابية ، وينظر إليها باعتبارها موضوعا خارج ذاته، وهو موضوع مستقل خارج ذاتها، بمعنى أنه يبدأ بالتفكير بموضوعية تدخله مرحلة التمحيص والتدقيق وبالتالي التفكيك والنقد ، وإعادة التشييد على أسس مختلفة، تتسم بالعقلانية والعلمية بغض النظر عن التماهي مع الجماعة أو الخوف من تفتتها.
وعليه، يتشكل لدى الفرد وعي نقدي تحليلي، وهو سمة الثقافة الكتابية؛ والوعي النقدي يبدأ بذاته، ولذلك تعرف الثقافة الكتابية النقد الذاتي، ولا تعرفه الثقافة الشفوية. والسبب في ذلك انفصال الذات عن الجماعة في الكتابية، واندماج الذات بالجماعة في الشفوية. والانفصال يعني الوعي الموضوعي بالأنا وبالآخر الذي يغدو في الكتابية الجماعة التي أنتمي إليها أو التي لا أنتمي إليها، وهذا يؤطّر قدرتي على النقد الموضوعي، إن كان موضوعه ذاتي الفردية، أو ذاتي الجماعية في المرحلة الشفوية، أو انتمائي الواسع في المرحلة الكتابية.
إنّ انغلاق الفرد على ذاته الجماعية هو انعكاس لوعيه الشفوي الذي لا يسمح له بقراءة الأحداث والوقائع قراءة موضوعية، ومن ذلك عدم القدرة في النزاعات على التخلّص من الانتماء الإثني، فتبرز بشكل جارح واستلابي الطائفية (الدينية والمذهبية) والعنصرية ( القومية والقبلية) بوصفهما الحاضن والحامي، وليس الوطن بوصفه طيفا واسعا لإثبات الفردانية والعقلانية التي تستطيع أن ترى أسباب النزاع وحلوله بشكل موضوعي. ولذلك تتأجج في المجتمعات الشفوية النزاعات العرقية والدينية والقبلية والطائفية، وإن كانت أسبابها اقتصادية طبقية أو سياسية أو غير ذلك، مما يؤدي إلى فرز جديد لأطراف الصراع، يخالف طبيعة الفرز الأول الذي منه نشأ الصراع. فبعد أن كان الصراع بين السلطة الحاكمة المستبدة، مثلاً، والشعب المستلَب بكل تكويناته الإثنية قد يتحول الصراع إلى صراع إثنيّ بين طائفة وطائفة، أو بين قومية وقومية أو بين مذهب ومذهب. وبذلك ينحرف الحراك بمجمله من ثورة ضد السلطة المستبدة إلى صراع داخلي، تعيد المكونات الاجتماعية في ظله إحياء انتماءاتها الإثنية، وتكون بذلك هي الخاسر الأكبر.
إلا أنه لا بدّ من التذكير بالملاحظة الأولى التي سجلناها حول التطور البطيء لمفهوم الانتماء وماهيته في المجتمعات، فالتخلص من الوعي الشفاهي عملية معقدة لا ترتبط بمعرفة الأبجدية فحسب بل بالقدرة على امتلاك وعي نقدي ذاتي بالدرجة الأولى، وإلا سيغدو من السهل على السلطة الاستلابية التحكم بالأفراد والجماعات، وإثارة النزاعات الإثنية للخروج من مأزقها الصدامي، هذا فضلا عن أنها في آلية حكمها لفترات طويلة تكون قد عززت في الوعي الجمعي العميق صور الانتماء الإثني، وإن لم تتحدث به صراحة، ومن أبرز وسائلها في الوصول إلى ذلك:
1ـ تعميم الفساد على الجميع، لتختفي صورة العدالة الاجتماعية، حيث يضطر الفرد إلى إيقاظ انتمائه الجماعي الإثني بحثا عن الحماية، للوصول إلى حقه، أو ما فوق ذلك.
2ـ توزيع المناصب الإدارية الكبرى في الدولة بناء على التوزع الديموغرافي للمكونات الاجتماعية، تحت شعار مزيف لمفهوم العدالة والتشارك بين المكونات الاجتماعية، في الوقت الذي تسند فيه المفاصل الأساسية في الدولة لعناصرها المنتمية إلى الأبعاد الإثنية في انتمائها هي، أي إلى طائفتها أو دينها أو مذهبها أو قوميتها.
3ـ تعميم فكرة تماثلها مع الوطن، إعلاميا، بغاية حماية نفسها، وإدانة الآخر المعترض، إن كان فردا، أو مكونا اجتماعيا، أو تيارا سياسيا. وتلك الفكرة هي من أسوأ ما تقترفه السلطة المستبدة بحق الوطن ومكوناته، إذ تصبح علاقة المكونات الاجتماعية أو صور ارتباطها عمودية بدل أن تكون أفقية، أي أن الفرد يرتبط بالزعيم،أو الرمز، أو الشيخ، أو القائد ، وهذا يعزّز الاستقلالية الطائفية أو العنصرية ويلغي فكرة الانتماء الأفقي إلى الوطن باعتباره جامعا لكل المكونات بخيط واحد، وكل المكونات ترنوا إليه وحده فهو الرمز والقائد والمرتجى.
إن تلك السياسة الاستلابية تضع الوطن في مهب الريح عند إي هزّة عنيفة؛ لأن الانتماء لم يكن للوطن وإنما للقبيلة أو المذهب والطائفة أو القومية، ولا يمكن الخروج من ذلك دون التخلص من أنساقنا الثقافية الشفوية للعبور نحو وعي تحليلي، يبدا بالنقد الذاتي لتلك الأنساق الشفوية التي تحكم حياتنا.





#يوسف_أحمد_إسماعيل (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التّابو في أنساقنا الثقافية
- الماضويّةُ وعيٌ استلابيّ
- الثقافة الشفوية والعنف
- النّقد الذاتيّ ما بعد الخراب
- الشفاهية ، من الإرث إلى النسق الثقافي
- أسئلة في الحاجة إلى الثورة(2) -التحرر من الصيغ الجاهزة-
- أسئلة في الحاجة إلى الثورة (1)
- التابو المحرم والثقافة المضادة- نوال السعداوي-
- لماذا إدلب؟
- دول التبعية ولعبة الشطرنج الدولية
- دون رتوش (2 )
- دون رتوش(1)
- أسئلة استنكارية
- البيئة الاجتماعية الحاضنة
- التصنيف العشوائي
- الخراب والأسئلة
- أمراء الحرب والسلطان المتحوّل
- تشويه الآخر تحت سقف الوطن
- مثقف السلطةومثقف المعارضة
- الانتصار للحرية


المزيد.....




- وزير الداخلية الفرنسي يزور المغرب لـ-تعميق التعاون- الأمني ب ...
- قطعها بالمنشار قبل دفنها.. تفاصيل جديدة تُكشف عن رجل قتل زوج ...
- فك شفرة بُن إثيوبي يمني يمهد الطريق لمذاق قهوة جديد
- الشرطة الهولندية: عصابات تفجير ماكينات الصرف انتقلت لألمانيا ...
- بعد موجة الانقلابات.. بقاء -إيكواس- مرهون بإصلاحات هيكلية
- هل يحمل فيتامين (د) سر إبطاء شيخوخة الإنسان حقا؟
- وسائل إعلام أوكرانية: انفجارات في مدينتي أوديسا وتشيرنومورسك ...
- الاحتلال يتحدث عن معارك وجه لوجه وسط غزة ويوسع ممر -نتساريم- ...
- كاتب أميركي: القصة الخفية لعدم شن إسرائيل هجوما كبيرا على إي ...
- روسيا تصد أكبر هجوم بالمسيّرات الأوكرانية منذ اندلاع الحرب


المزيد.....

- فيلسوف من الرعيل الأول للمذهب الإنساني لفظه تاريخ الفلسفة ال ... / إدريس ولد القابلة
- المجتمع الإنساني بين مفهومي الحضارة والمدنيّة عند موريس جنزب ... / حسام الدين فياض
- القهر الاجتماعي عند حسن حنفي؛ قراءة في الوضع الراهن للواقع ا ... / حسام الدين فياض
- فلسفة الدين والأسئلة الكبرى، روبرت نيفيل / محمد عبد الكريم يوسف
- يوميات على هامش الحلم / عماد زولي
- نقض هيجل / هيبت بافي حلبجة
- العدالة الجنائية للأحداث الجانحين؛ الخريطة البنيوية للأطفال ... / بلال عوض سلامة
- المسار الكرونولوجي لمشكلة المعرفة عبر مجرى تاريخ الفكر الفلس ... / حبطيش وعلي
- الإنسان في النظرية الماركسية. لوسيان سيف 1974 / فصل تمفصل عل ... / سعيد العليمى
- أهمية العلوم الاجتماعية في وقتنا الحاضر- البحث في علم الاجتم ... / سعيد زيوش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - يوسف أحمد إسماعيل - الانتماء