أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - تيسير الفارس العفيشات - كيف تشكل المعنى في الخطاب القرآني















المزيد.....



كيف تشكل المعنى في الخطاب القرآني


تيسير الفارس العفيشات

الحوار المتمدن-العدد: 5528 - 2017 / 5 / 22 - 00:52
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


لنبدأ أولا بمعنى كلمة قرآن، فهي مصدر لفعل قرأ ثم أنه قرأء في القرآن الذي هو الكتاب ونص مكتوب عند أول تبلغ ( لا تحرك به لسانك لتعجل به. إن علينا جمعه وقرآنه. فإذا قرأناه فاتّبع قرآنه ) 16 القيامة.
الكثير من الآيات في القرآن تلح على أن يتقيد النبي في تبليغة للآيات بالتلاوة أو القراءة التي سمعها. يقترح المستشرقون بهاذا الصدد أن ثمة أصل سرياني أو عبري لكلمة قرآن، لكن ذلك لا يعدل شيئا من المعنى الذي يفرضه السياق القرآني ذاته. والفكرة الرئيسة هي أن المقصود قراءة مطابقة لخطاب مسموع، ومن أجل ذلك نؤثر أن نتكلم عن خطاب قرآني لا عن نص قرآني في المرحلة الأولى من تبليغ النبي ل.، وهذه مسالة سوف نعود لها بالتفصيل، أما تدوين مجموع هذا الخطاب المنزل فقد جرى في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان، والتفريق بين الخطاب والنص يتخذ أهمية أعظم في ضوء علم الألسنيات الحديث، هذا العلم هو الذي سيكون منهجا نعتمده في طول هذه الدراسة وعرضها.
لا بد من الإشارة هنا الى أن للقرآن أسماء اخرى تكشف عن معاني مختلفة في سياق الآية والتبليغ لبعض الآيات، أو للمعنى العام للقرآن ككتاب منزل من السماء اعتبر بمثابة الهادي أو الطريق القويم للأمة الجديدة، ومن هذه الأسماء الذكر، والتنبيه، والكتاب.. الخ، وأهل الكتاب يدعون أيضا أهل الذكر الذين بلغوا التنبيه، أو الذين يتفكرون في اسماء الله وتعاليمه، ومن أسماءه الفرقان وهو التفريق والحجة الفارقة بين الوحي، إن مسألة التنزيل أدق على التناول لا سيما اذا كنا نحرص على تجاوز التعاليم المستقيمة المكررة بورع داخل كل تراث توحيدي والسعي الى تجديدها، ليس المقصود تجاهل هذه التعليمات أو زعزعتها، إن علم الأديان يسعى اليوم الى فهم ولادهتها التاريخية واللاهوتية ووظائفها الإيديولوجية والنفسية وحدود ملائمتها الدلالية والانتربولوجية، سيطول بنا الحديث ويصرفنا عن مهمتنا في هذا الأستهلال لو تتبعنا هذه المفاهيم بالشرح العميق وتأثيراتها التي أحدثتها في العلم الحديث، وأوثر أن ألح على خطوط البحث العام التي تمكن من فهم القرآن باعتباره ظاهر لسانية وثقافية قبل أية محاولة بناء لاهوتي، هذا مع تفادي كل التعاريف العقائدية المتداولة.
لنذكر هنا على سبيل الأيضاح بالتصور الاسلامي لمعنى التنزيل وهو استعارة جوهرية، تبني النظرة العمودية للإنسان المدعو الى الإرتفاع نحو الله ، نحو التعالي، ويتحدث القرآن عن الوحي الذي هو فعل التنزيل يلقيه الله على أنبياءه، بينما يحيل التنزيل أحيانا الى الموضوع الموصى به، وهذا استشهاد من الآية التالية بالغة الدلالة: ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه عليّ حكيم. وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي الى سراط مستقيم . الشورى 51ـ 52 .
وفي سورة الزخرف 1ـ 5 يقول القرآن:
( إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون. وإنه في أم الكتاب لدينا لعليّ حكيم. أفنضرب عنكم الذكر صفحا إن كنتم قوما مسرفين.. ) .
إن مفردات كلمة التنزيل التي يستخدمها القرآن راح يتحدث المفسرون المسلمون من خلالها عن إلهام يرد من ذاته، إما إيحاء يبعثه الله، في روح إنسان ليتيح له التقاط جوهر الرسالة وإما كبلاغ منطوق بلغة بشرية يبلغه الله الأنبياء بواسطة ملاك أو مباشرة، وفي هذا المنحنى يغدو معنى كلمة قران قراءة وتلاوة، وكذلك روح التي تعني بمعناها الحقيقي نفحة الحياة، تفسر على أنها الروح الذي ينقله التنزيل أو الملاك.
إن مفهوم أم الكتاب العليّ والحكيم والمحفوظ من لدن الله، مفهوم جوهري أيضامن أجل تحديد أفضل لوضع القرآن، إنه بلاغات منطوقة بلغة عربية، توضح للناس بجلاء الحقائق والوصايا التي يشاء الله أن يذكر بها محمد كما فعل مع الأنبياء السابقين ومع القوم المسرفين.
هذه التعريفات التي لا يجادل فيها مسلم، تسمح بالشروع في الخطوة الأولى نحو لاهوت مقارن للتنزيل. واذا اتفق اليهود والمسلمون بسهولة على اعتبار أن الله يعلن مشيئته للناس بواسطة الأنبياء، مع ملاحظة أن المسلمون يعترفون بكافة أنبياء بني اسرائيل في حين يأبى اليهود الاعتراف بمحمد، فالمسيحيون يقولون بفرق لا يمكن أن يرتد الى الموقع اليهودي الاسلامي .. بقولهم أن المسيح هو كلمة الله المتجسدة .. أي أن الله تجسد على شكل بشر وجاء ليقيم بين الناس ليبلغهم مباشرة دون وساطة ملاك أو نبي .
وفي هذا التصور ليست الأناجيل سوى حكاية ما سمعه التلاميذ وحفظوه من تعليم الله الذي جاء على شكل ابن الله أو الأقنوم الثالث .
لندع جانبا المسألة الرهيبة مسألة التثليث التي لا يمكن أن تستأنف بين المسيحيين واليهود إلا الاتفاق على أن .. فيما وراء التعريفات العقائدية المعتمدة في كل تقليد من التقاليد، وضع دلالي للإستعارة وللرمز في مفصلة المعنى بواسطة اللغات الطبيعية . والصعوبة هنا لسانية قبل أن تكون لاهوتية.. ونحن لا نملك بعد نظرية متكاملة للإستعارة والرمز تسمح بشرح الولادة اللسانية الخالصة للمعنى، وللوضع الفلسفي المتولد على هذا النحو، إن إشكالية التعريفات اللاهوتية التقليدية يكمن في كونها تفترض حلا لمشكلة الرمز والاستعارة أو المجاز في الخطاب الديني، إن الاستعارة تضيف زينة ووشاحا جميلا الى خطاب يحيل مباشرة الى الموضوعات والماهيات والكيانات الذهنية المسماة بالأسماء التي علمها الله ذاته، مثال ذلك .. آية توراتية إستأنفها القرآن وأكدها على المستوى اللغوي ... كما شرحها فقه اللغة الكلاسيكي .. وبمثل فلسفة اللغة هذه التي أدانتها التعاليم اللاهوتية تتخذ التنزيلات المتتالية ماهيتها ثم تتعمق و تتجمد في دلالات خاصة بمنظومة الإشارات التي تشرط العمل اللفظي والدلالي لكل لغة، لقد اثيرت هذه المشكلة ونوقشت بوضوح في تقاليد الفكر العربي في القرن الرابع الهجري على يد متى بن يونس وغيره .
من البديهي أن اية إعادة حديثة لتأويل مفهوم التنزيل منوطة بالحلول المعدة للمشكلات الأولية المتعلقة بألسنية التسمية في اللغات الطبيعية، ومنطق هذه التسمية، ومن الممكن .. دون استباق الحكم على ما قد تكون هذه الشروط ـ فتحُ حقل معرفي مشترك بين العقائد الثلاث ، عقل للبحث اللاهوتي ، باستخدام التفريق القرآني بين أم الكتاب والقرآن في اللغة العربية...
ما أود التأكيد عليها هنا أن إحلال النصوص محل الخطابات الشفهية قد ولّد ظاهرتين في غاية الخطورة والأهمية لهما ثقلهما التاريخي والثقافي .. أولاهما: أن هذا الواقع قد وضع أهل الكتاب في موضع تأويلي أي في ضرورة قراءة النصوص المقدسة لاستخلاص الأوامر والنواهي والقوانين التي تضبط حركة حياتهم وفق هذا النص المشكل من بنية العقائد واللاعقائد، وهي التي ستحكم النظام الأخلاقي والسياسي .. وثانيهما: أن الكتابة سمحت بانتشار الكتاب المقدس وحافظت عليه كمدونة مغلقة لا يمكن الأقتراب منها، فهي وعاء تنزيل الوحي، وأن اي اقتراب سيظل يدور فقط في سياق التوجيه للنشاط المعرفي الذي سيظل مرهونا لسلطة النص المقدس، وسنرى كيف أن المجتمعات التي توسلت بالكتاب المقدس أضفت القداسة والتعالي على سلوكهاوأعمالها وقيمها ورؤاها الدنيوية، إن التنزيل المجموع في الكتب المقدسة يستجيب استجابة عريضة لهذه التحديدات، ولا يمكن الخلط بينها وبين المنظومات اللاهوتية والتفسيرات والمدونات القانونية التي استخلصها القائمون على هذه المقدسات في عصور شتى، وكل ذلك ليس سوى دلالات بين غيرها من الدلالات التي يحتويها التنزيل بالقوة . كما يغذي التنزيل التقاليد الحية التي تسمح للجماعة أن تعيد دوريا تدفق النبع المعرفي للحقيقة التي تغذيها الرسالة الأولى دائما وابدا، وكلما مال التقديس والتعالي الى تشويه الهدف التحرري للتنزيل... وإذا كان من الضروري إعطاء أمثلة عن الوظيفة المحركة للتنزيل نستشهد بتجربة المنفى في اليهودية، ومسألة الفداء والبعث في المسيحية، والهجرة نحو الله في الاسلام، ولقد فسرت الجماعات الثلاث هذه القضايا المركزية تفسيرا كافيا يغنينا عن التريث هنا، إن الهدف التحريري لهذه الجيئات الثلاث هي من الوضوح لكي تسوغ تفريقنا بين السلطة المنزلة والمحولة للوحي وبين السلوك المتكرر الذي يستخلصه المؤمنون .
إن تعريفنا للتنزيل أو الوحي على هذا النحو له ميزة تنفتح على كل التعاليم والتجارب الانسانية القديمة من بوذا الى كونفوشيوس الى حكماء افريقيا .. وجميع الأصوات العظمى التي تحمل مصائر جديدة لتغني التجربة الإنسانية للألوهية وهكذا نستطيع أن نغذ الخطى نحو فكر ديني مختلف.
أعود هنا الى مسألة الشفهي والمكتوب لندرسها من وجهة نظر إنتروبيولوجية ، وآمل أن أضيء هذا الموضوع بالغ الحساسية بشكل كبير في موضع آخر .. ليس فقط لمسألة دراسة القرآن الذي تحول الى مصحف.. وإنما وعلى نحو أعم الى رهانات الدلالة في التعارض بين المجتمعات التي لم تكن تعرف الكتابة والمجتمعات النقيضة أي التي عرفت الكتابة فيما بعد .
نحن نعلم أنه في الثقافة الشفهية الأولية حيث لا لوجود للكلمة الا في الصوت دون وجود لإشارة من أي نوع لنص يدرك إدراكا بصريا، وبدون وعي بامكانية وجود هذا النص تدخل ظاهرية الصوت بعمق الى شعور الكائنات البشرية بالوجود، كما تنتجه الكلمة المنطوقة، ذلك أن الطريق الذي تدخل بها الكلمة المنطوقة في خبرتنا تشكل أهمية بالغة في الحياة، وفي تشكيل الفكر فيما بعد أي تشكيل الصورة الذهنية عن الوجود، لا كما يعاش فقط وإنما كما يتصور ويظل يتصورعلى الدوام. فعل الصوت يؤثر في حس الإنسان بالكون على نحو معين، والكون بالنسبة للثقافات الشفهية حدث مستمر يقع الإنسان في مركزه، إذ الإنسان هو مركز الكون .. ولا تزال هذه النظرة بالغة القسوة في الفكر والى وقت قريب هي المسيطرة في الكثير من الفلسفات الدينية وغير الدينية، ولم يحدث أن أخذ البشر في القديم عندما راحوا يفكرون بالكون وبوجودهم كجزء من هذا الكون، اقصد في الثقافة الشفاهية هذا النمط من التصور الذي تتبعثر من خلاله المعرفة ويتشظى الإدراك، اي في اللحظة التي يتعمق فيها في السؤال عن المصير الذي ينتظر هذا الإنسان في وسط هذا الفراغ الكبير الذي يشعر به، من الواضح ان الصورة التي يشكلها الإنسان قبل أن يعرف الكتابة كانت مغايرة تماما أو تجسدت في الفكرة النقيضة كما سوف نرى في تحليل علاقة فقه اللغة وسلطة السياق بالتأويل الذي انزاح نحو الدراسات الكلاسيكية لاحقا.
في الثقافة الشفهية تنطلق الكلمة المنطوقة في تكوينها بصفتها صوتا من الداخلية الإنسانية، وتظهر الكائنات البشرية بوصفها دخائل واعية أي بما هم أشخاص، ولذلك تشكل تلك الكلمة هذه الكائنات في مجموعات ذات وشائج موحدة، عندما يخاطب متكلم جمهورا ما فإن أفراد هذا الجمهور يصبحون في العادة وحدة واحدة سواء فيما بينهم أو مع من يُخاطبهم، أي مُرسل الخطاب، أما اذا حول خطابه الى كلام مكتوب فإن وحدة الجمهور تتلاشى، إذ يدخل كل قارئ في عالم قراءته الخاص، ولا تستعاد وحدة الجمهور إلا اذا استعيد الكلام الشفاهي مرة أخرى، الكتابة والقراءة تعزلان وليس ثمة مفهوم جمعي للقراءة في مقابل الجمهور وتعد عبارة مجموع القراء مسألة تجريدة تماما، ولكي نفكر في القراء من حيث هم مجموعة متحدة ينبغي أن نعود الى تسميتهم جمهورا كما لو كانوا في الحقيقة مستمعين . إن الكلمة المنطوقة تشكل وحدات واسعة النطاق من إلاحالات المتبادلة كما تشكل كذلك معيارية القيمة الوظيفية للمتكلم الناطق واسلوبه، وكذلك شخصيته وحضوره الطاغي، خاصة اذا ربط كلامه بنوع من التقديس والتعالي وظائف أخرى في ذهنية المتلقي.. وهي لحظة لا يمكن أبدا القبض عليها ولا يمكن التفكير بها على نحو قريب الى موضعة لغة الخطاب الذي كان يستقبل بفعل أنه كلام الله في الوجدان العام من قبل ذهنيات مختلفة كانت قد انفتحت على معنى المقدس في وحي سابق اي عند اليهود والمسيحيين و العرب الذين عرفوا نوعا من التقديس فيما يخص طقوسهم وشعائرهم التعبدية في مكة التي كانت تعج بالأوثان .
خاطب محمد اذن مجتمعين، مجتمع كان يعرف الكتابة، وله كتاب مقدس. ومجتمع لا يعرف الكتابة وليس له علم بها، أقصد في بلورة للوعي الخاص الذي ينفتح على عقل في سياق ثقافي محدد، ارتبطت الكلمة الشفاهية التي قالها محمد في خلق الإتجاه نحو الداخل وعلى ما هو مقدس، أي ارتبطت بالاهتمامات النهائية للوجود، وفي معظم الأديان تقوم الكلمة المنطوقة بوظيفتها على نحو متكامل، إذا ارتبطت بهذا السياق على وجه التحديد ، لكن في هذا المنحنى ستظل المسألة بالغة الأهمية، عندما يتحول النص الشفاهي الى نص مكتوب، إن مجموعة كبرى من المفاهيم والأفكار سوف تتغير إن لم نقل تنقلب بشكل كبير، لقد شكل علم الألسنيات الحديث فتحا كبيرا وهو يكشف عن هذا المعادل المعرفي، ما الذي قاله محمد وما هي حقيقة الوحي في لحظته الأولى اللحظة الطازجة وكيف تم أستقبال هذا الخطاب من قبل الجميع قبل أن يتحول القرآن الى نص مجموع في مدونة مغلقة تماما..؟ إن الإجابة على هذا السؤال صعبة للغاية وتحتاج الى إعادة فكفكة النص القرآني للكشف عن نظام العلامات التي تحولت بفعل تدخل المفسرين الى سياق معرفي مغاير. سوف نكشف في أثناء هذا التحليل عن بنية هذا الخلل العميق الذي لم يُنتبه له في كلا المدرستين الاستشراقية والاسلامية الكلاسيكية. لكن لنعد أدراجنا الى قليلا الى الوراء لنؤسس منطلقات وقواعد هذا التحليل ..
إن جمع القرآن كما هو معروف بدأ بعد وفاة النبي محمد، وكان لغياب صحابة النبي والنقاشات التي تفاقمت بين المسلمين الأوائل قد دفعت الخليفة الثالث عثمان بن عفان الى جمع كلي للتنزيل في مدونة واحدة هي المصحف، وان هذا النص المجموع في المصحف لا يناله التغير، وأتلفت المدونات الجزئية لكي لا تؤجج الخلافات حول صحة التبليغ المحفوظ، وهذا ما راح يبرر مفهوم المدونة الرسمية المغلقة .
يفحص التاريخ الحديث هذه المسألة بتشديد نقدي أكبر ولا سيما أن الجمع كان قد تم في مناخ سياسي شديد التعقيد ، وأن من راح يؤسس لهذا النقد التاريخي هو المستشرق الألماني نولدكة في مؤلف ضخم حول تاريخ القرآن وللأسف لم تتم ترجمته العمل المهم للعربية إلا في وقت متأخر جدا في نهاية القرن الماضي، علما أن الطبعة الأولى من هذا المؤلف صدرت في الألمانية في عام 1860 م، ثم ترجم الكتاب الى الفرنسية ونشر في هذه اللغة عام 1909، وفي العام الذي تلاه نشر باللغة الأنجليزية، وهكذا تتالت ترجماته الى اللغات الأوروبية العديدة. وبعد صدوره مباشرة باللغة الالمانية تكثفت دراسات المستشرقين الألمان حول العديد من القضايا المركزية حول القرآن على وجه التحديد، ومن المؤسف أن النقد الفقهي اللغوي الذي طبق على الانجيل والتوراة ما زال الرأي العام المسلم يرفضه ويرفضه بشدة، وظلت أعمال المدرسة الألمانية مجهولة، كما أن الباحثين المسلمين لا يجرؤن على استئناف بحوث تعزز القواعد العلمية لتاريخ المصحف، وأسباب هذه المعارضة هي في المقام الأول سياسية ونفسية. فمن الناحية السياسية يلعب القرآن بالنسبة الى الدول الجديدة دور سلطة التبرير الشرعي الذي تزداد ضرورته مع غياب أو تغيب الديمقراطية، ومن الناحية النفسية فقد دمج الوعي المسلم منذ فشل المدرسة المعتزلية بشأن خلق القرآن، الأعتقاد بأن جميع ما اشتمل عليه القرآن بين دفته تحتوي على كلام الله ذاته. فالقرآن يتماهى مع الخطاب القرآني أو مع القرآن المتلو الذي هو نفسه الإنبثاق المباشر من أم الكتاب.
وهذا يعني أن ظاهرة الكتابة من حيث هي انتقال الى عمل مختلف للغة ، ومن حيث هي أساس للوثائق المرتبطة بسلطة الدولة، هذا العمل اللاهوتي تكذبه الآيات القرآنية. ونحن نعلم أن الخط العربي سيتطور بسرعة مع نمو الدولة الأموية. ويفرض نفسه كتضامن وظيفي بين الدولة والكتابة والثقافة العالمة من ناحية، واستقامة الرأي الديني الذي يمثله الفقهاء اللاهوتيون وتعترف به الدولة من ناحية اخرى. هذا التضامن الذي سيتطور الى تضامن منافس تسعى الدولة المركزية الى تقليصه بإسم الحقيقة المنزلة التي تستأثر بها الدولة التي يقابلها المجتمع المجزأ الذي يسطير عليه النسق الأبوي والثقافة الشفهية والديانات الشعبية والتقاليد والأعراف القبلية، ويحمل القرآن آثار النضال ضد هذا التضامن الثاني الذي يندد به ويدينه بمصطلحات شتى كالجاهلية والمشركين والمنافقين والأعراب، ويحل القرآن كخطاب محل الظلمات الجاهلية الطاغوت و أساطير الأولين، العلم الحق المحفوظ في الكتاب والشريعة السمحاء والقصص التي تجمل تاريخ النجاة، والميثاق الأبدي بين الله والناس، والتي من خلاله ستبرم جميع العهود السياسية والقانونية في الحياة الدنيا، إن خط القسمة الذي أدخله القرآن والذي ترجم سياسيا بالدولة، وقانونيا بالشريعة ولاهوتيا بالعقيدة، هو ذو وزن معرفي عميق في كل المجال الإسلامي منذ انتصار الدولة النموذج التي تأسست في المدينة، يضاد التضامن الوظيفي الثاني ويهمش وينبذ قدر الإمكان من التضامن الأول. وعلى العكس من هذا الدور فإنه يمكن للمجتمع المجزأ أن يضعف الدولة كما رأى ذلك ابن خلدون من قبل، وفي هذه الخصومة المتكررة بين مجال الدولة ومجال العصيان، تغدو الكتابة المقدسة الحاضرة والناجزة في المصحف أداة فعّالة بيد السلطة ومن الطبيعي ان يصدق الوضع الموصوف هنا بالنسبة الى المثال الاسلامي على المسيحية، ويصدق أكثر على الغرب عندما نقل نماذجة الى المجتمعات التي لاكتابة لها، والنظر الى الكتاب المقدس من هذه الزاوية التاريخية والاجتماعية العلمية من شأنه أن يزعزع جميع البينة التنزيهية التي اسسها اللاهوت التقليدي.
مثل هذه العملية لا مناص منها اليوم لدفع الخطأ والضلال و لتجريد الكتاب من نزعة الأسطورة التي هيمنت في المجتمعات التي خضعت لهذه الظاهرة دون السيطرة عليها منذ قرون طويلة . ونحن نعلم كيف راح الكتاب على العكس من ذلك يختزل الأسطورة ويحيلها الى معرفة عقلانية تاريخية، والعقل الحديث يعيد اليوم الإعتبار الى الأسطورة من خلال الكشف عن بنيتها الثقافية والتاريخية والنفسية ويطور استراتيجياته المعرفية بناء عليها في احيان كثيرة ، يتفاعل بها المتخيل مع العقلاني لأنتاج الوجود الفردي والتاريخي، لنعد الى المصحف في السياق الذي نشأ به المفهوم اللاهوتي الذي راحت تضع اسسه وقواعدة التي لا تقبل التحول كالأشعرية والحنبلية والتيار الإشراقي أو الغنوصي . ومن جراء الخلط الذي رافق هذه العمليات الكبرى في تشكيل المتخيل ، راح الديني يختلط بشكل واسع مع السياسي وتأسس كمنهج في بنية الفكر الذي حددت ملامحه هذه الفرق مجتمعة الى حد بعيد، والتي ما فتئت تسقط على المصحف القيم الخاصة والوظائف التي لا تختزل لأم الكتاب، والخطاب القرآني الذي تشكل على هئية مدونة رسمية تحولت الى مدونات تفسيرية متعددة، وغدا المصحف غرضا لمعالجات لاحد لها وفي متناول جميع المؤمنين مما سمح أن يتأسس وفق تلك القراءات المتضادة قيام ايديولوجيا حلت محل اللاهوت وحقائق دين الحق.
إذا أخذنا بحسابنا جميع هذه التحليلات فسوف نجد أنفسنا في موقف المعارض لما راحت كل تلك القراءات تختزله في بؤرة واحدة تكسيها طابعا واحدا هو إرادة العقل في تأكيد معقولية القرآني الصارمة، وهذا سيوقعنا لامحالة في اسلوب المصنفات التفسيرة، ونحن نعلم من جهة أخرى أن ترتيب السور والآيات في المصحف لا يخضع لمعيار زمني ولا لمعيار عقلاني أو شكلي، إن نص المصحف بالنسبة الى عقولنا التي تعودت بلاغة التأليف وطريقة العرض عليها أن تعكس برهنة معينة على مسألة أن هذا النص يدهش العقل بلا ترتيبة. إن اللاترتيب يخفي في حقيقة الأمر ترتيبا سيمائيا عميقا وبالتالي يخفي ضرورة التعرف على أنماط الخطاب المستخدمة في القرآن... هناك في الواقع خمسة أنماط هي على التوالي :
الخطاب النبوي ، الخطاب التشريعي ، الخطاب القصصي ، الخطاب بضرب الأمثال ، ثم الخطاب التسبيحي، إن محتويات الدلالة ومستوياتها في أنماط هذه الخطابات يسهل التفريق بينها لكنها جميعا تظهر في بنية التنزيل، بما أن كلية الخطاب تخضع لبنية واحدة من العلاقات النحوية بين .. أنا .. نحن.. الألهية بصيغة الأمر قل.. مخاطبا أنت من خلال وسيط هو النبي محمد ليوصل الرسالة الى هم .. اي البشر الذين ينقسمون الى أنتم المؤمنين والمؤمنات، وهم غير المؤمنين أو الكفار الذين لا يؤمنون برسالة دين الحق، هذا هو فضاء التواصل النحوي في الخطاب القرآني كله، وفي داخل هذا الفضاء فإن البلاغات ذات المحتوى الدنيوي مثل قوانين الميراث والزكاة تظل مرتبطة بالسلطة الألهية ..
هناك تحليلات للقرآن تواضعية وتصورية لكنها لا تفلح في استنفاد شبكات الأرتباط التي تقوم بين المفردادت الكثيرة والتكرار والتي تتعمق تماما باستخدام المجاز والرمز والأسطورة.
وهذا حقل خصب جدا للبحث من أجل تأسيس نظرية جديدة للخطاب القرآني تتحرر من كافة الإسقاطات اللاهوتية التقليدية.
إن القراءة التي راحت تسيطر على ذهنية المسلمين عبر التاريخ تشكل بنى اثيرة لدراسة ظاهرة الوعي الديني برمته، والذي يرفده النص ثم يعالج النص بالنص في عودة دائمة، وهكذا يظل النص ينتج نصوصا ثانوية تتكامل باستراتيجيات متغيرة مع نصوص جميع الثقافات التي استطاع الاسلام أن يفرض سيادة معرفية عليها وهذا حقل مشوق للبحث، لكنه لم يكد يخطر بالبال حول النص القرآني العالق في شبكة شديدة من التشابك بين نصوص متداخلة.. فكل آية تصلح لمدونة ثقافية تغذي وعي المؤمن وتأسر خياله في فضاءها المركزي .
بأية وسيلة راح يقرأ القرآن ؟ قبل الشروع في الإجابة عن هذا السؤال المهم جدا، لا بد ان نجري تأملا فكريا في النسق اللغوي الذي تجسد فيه الخطاب القرآني، فيما راح يعرف بفقه اللغة ، أي تلك اللغة التي إنبنى النص القرآني على أساسها، نحن نعلم أن اللغة هي إشارات ذات دلالات هي المسميات، وأن اللغة في مجملها هي عملية ترميز للواقع الخارجي والمتصور الذهني، ولما جعل الانسان الواقع الخارجي وهو شيء يرادف الإشارة اللغوية يصبح المعطى على نحو أن الشيء يساوي الإشارة . إلا أن الأشياء قبل وجود الإشارة لها كينونتها الذاتية أو وجودها الرمزي، الذي أوحى بالرمزية اللغوية المستوحاة منها والمعبرة عنها إشارات لفظية مرادفة، وهذا ينتهي بنا الى إعتبار الحياة كلها بكل معطياتها التكوينية المؤلفة لهانظاما أو نسقا إشاريا، فالفكر الإنساني يتعاطى مع العالم الشيئي كمجال له موضوع موحد هو الإشارة. ومفهوم الإشارة كما ينطبق على الإشارة المفردة ينطبق على الإشارة المركبة التي يمكن النظر إليها كوحدة واحدة. بحيث لا يمكن أن توجد إشارة إلا وهي مؤلفة ومتراكبة من مجموعة من الإشارات، وهكذا تتداخل الإشارات الخارجية مع التعبير الذاتي للغة بحث نصل الى حد التماهي والتطابق التام بين اللغة وبين المعطى الموضوعي الخارجي. أي أن الكلمات تتشيئ كما أن االأشياء تتحول الى كلمات، هذه هي العلاقة الجدلية التي تحكم اللغة في تماثلها وهو ما يسمح لاحقا بتداخل على مستوى أعلى فيما يتعلق بالفكر الإنساني برمته الذي يجد هو الأخر ولوجا الى تخارج من نوع ما الى الواقع الخارجي عبر هذه اللغة، وكل إشارة تحيل الى إشارة أخرى وهذه الإحالة هي إحالة مستمرة دائمة متحركة مما يسمح بعدد غير محدود من الكلمات التي نسميها في نهاية المطاف لغة تصوغ قوانينها الذاتية عبر منطق سيتطور لاحقا بفعل القوانين الداخلية لنظام الفكر الذي يبتدع هنا وببطء شديد ما راح يطلق عليه علم النحو.
إن الكلمة في اللغة تعوم على بحر من الدلالات الغير محصورة وتعدد وجوهها يجعل الإشارة في اللغة قادرة على اختزال المعنى وتحديده، ومن هنا لا يمكن التعرف على وجه الكلمة إلا من خلال علامات السياق التي هي اشارات أخرى ، فالكلمة في هذا التصور هي بمثابة الإطار الذي يشحنه السياق بالمعنى. وتعدد وجوه المادة اللغوية يمكن أن يظهر بمقارنة السياقات المتماثلة التي تكشف تارة عن تعدد دلالة المعنى وتارة عن تعدد القوالب اللفظية مع بقاء محتواها ثابتا وذلك كنتيجة لتداعي المعنى والوجوه على الذهن بصفة سيال لا يحد.
إن العلاقة التي تربط اشارات اللغة تحيلها بطبيعة الحال الى شجرة لها أصولها وفروعها، والعلاقة بين تلك الإشارات هي علاقة ابدالية وتكاملية، وعلى هذا الأساس من الإبدال والتكامل يصوغ الفكر رؤاه المعقدة، والتي تتمثل في قوانين ضابطة فيما يتعلق بتجلياته الدينية أو الفلسفية أو الفنية أو العلمية أو حتى اللغوية ذاتها فيما يطلق عليه بفلسفة اللغة، والكلمة في تعدد وجوها تجعل ممارس اللغة يقوم بعملية وضع حين يمارس فعل الكلام فهو يتجنب وضع المعني للأفاظ من خلال تحكمه الصارم بالقوالب اللفظية المعتادة، أو التي صاغها العقل وتأبدت عبر التاريخ، وهذا ما يظهر جليا في بوح الأساطير الذي يتسرب عبر منطوق اللفظ ذاته الى البنى المؤسسة لعقيدة التصور والتأمل في السياق الديني، كما لا يغيب عن البال هنا أن ممارسة اللغة في الحياة اليومية للناس قائمة على اعتماد تقنية العبارة المضغوطة بشدة، مما يفرض ممارسة من نوع آخر تابعة هي ممارسة الأستنباط والتأويل وتظل عملية فكفكة هذا القوانين اللغوية صعبة أو مستحيلة في اللاهوت الديني على وجه التحديد.
السؤال الملح هنا كيف يتخلص الفكر من التشابه الذي يحتويه وهو يواجه النص اللغوي المفتوح على كافة الدلالات والوجوه؟ أو ما هي الشروط الذي اذا توافرت في النص اتصف بالبيان ؟ إن التشابة الناتج عن تردد الإشارة بين عدة معاني وعدم اتضاح الوجه المراد منه مشكلة تطرّق الفكر وهو يتعامل مع اللغة كأداة اتصال بعد أن تحولت مفردات اللغة الى مواد مشتركة وكثيرة الدلالات والتي يصطلح عليها بالمتشابه، هذه المشكلة واجهها الفكر من خلال سلطة السياق، وهي تلك السلطة التي تظهر من خلال عدم وضوح الإشارة او العلامة، والإشارات لا تتضح إلا من خلال تلاحق الإشارات وتتاليها في بنية الجملة المشكلة من سلسلة من الكلمات التي تحمل معان دلالية خاصة، وهنا تتحول الكلمة الى صورة مرجعية تضل تضغط على الوعي باستمرار وهذا ما يجعلها أيضا تؤسس في العقل قوانين لا تناقش أو بتعبير أصح غير مرجوع عنها. لقد علمّنا فقه اللغة أن السياق كمنظومة مرجعية لا يكون دائما سياقا لفظيا، وإنما قد يتحول الى سياق ظرفي ينسخ وجه مكوناته الإشارية. ويمكن فهم هذا السياق من خلال كونه إذا أطلق في إطار الكلام أثر في تحديد دلالته، وبعبارة أخرى هو المنظومة الغير لفظية التي لها سلطتها المرجعية في تثبيت الإشارة في وجوه ونفي وجوه أخرى، وهي التي تتجلى في نظام اللاعقائد على وجه التحديد، مما يسمح بتكريس سلطة المعنى الذي لم يُعّرف ، وهذا على سبيل المثال نجده واضاحا في تحليل الخطاب السياسي الصادر عن السياسي، اذ نجد أن كل محلل لهذا الخطاب ينطلق من مدى إلمامه بالظروف التي رافقت اصدار هذا التصريح، وما يمتلك المحلل في ذاكرته من وقائع، بل وطريقته في فهم وتركيب القضايا التي اشتمل عليها الخطاب، وهي تختلف من قارئ لآخر، لاختلاف السياقات التي يموضعها القارئ في تحليله، وهي ذات الآلية التي يستخدمها القارئ في تحليلة للكتب الدينية والسياسية والاجتماعية وحتى الفلسفية .
و سلطة السياق تشكل العامل الرئيس في خلخلة الوجوه والمعاني مجزئة إياها الى سلطة إثبات ونفي ، والإثبات يعني اظهار السياق كمركب في وجوه، وهي وجوه تبدو في ظاهرها فقط كما أنها تنفي وجوها أخرى محولة إيها الى سياق يحمل الدلالة الباطنية أو الدلالة المخفية أو المسكوت عنه في بنية الخطاب أو حتى المفردة، وهكذا يتم من خلال السياق في بنيته التركيبية تقسيم أوجه الدلالة الى ظاهر وباطن، فالظاهر ما أظهره السياق، والباطن ما أخفاه السياق ، وهذا ما يجعل كل خطاب خارج سياقه اللغوي المؤسس على مرجعية معرفية حددها نظام اللغة ذاته فاعلا يؤدي حظوره الدائم الى بناء القواعد والقوانين التي ستحكم مسار كل أوجه النشاط المعرفي، وهكذا نرى أن اللغه هي سياق وتركيب لفظي .
إن الآلية التأويلية لسلطة السياق، بالكيفية هذه من إفرازاتها أنها تنسخ النص في زمنه فتنقله من زمن الى زمن آخر.. تستطيع أن تجعل النص يخرج من أسر الحاضرويمتلك حرية السفر في البعد الزمني كبعد رابع، من خلال قدرة النص على التنبؤ بالأحداث الواقعة في قلب الغيب، وكأننا نخرج النص من اطار الزمن ليكون في دلالته له القدرة على الخلود بالأنتقال فوق الزمن والهيمنة على مراحله واختيار التشكل في أي مرحلة من مراحله، ومجارات حركته الصانعة للأحداث، بصيغتها المادية بصيغة رمزية، إن هذا الواقع الذي يعايشه النص ناتج عن ارتباطه بالمشهد الكوني بعلاقاته التعبيرية، مما جعل خصائص هذا الأخير تسري في المشهد اللغوي الممثل في النص وبهذه الطريقة تكون للنص القابلية على الخلود ونفاذ مداليله وسياقاته الفكرية عبر الزمن .
إن تصريف الإشارة اللغوية غير متناه في إنتاجه للوجوه التي يمثلها باستمرار باعتبار العلامات والقرائن التي تنقل المادة اللغوية من وجه لاخر، ومن ثم تتعدد قرائتها أو تصبح قراءتها غير محصورة، والقرآن حين وصف بأنه علم غير نافذ، فإن حالة عدم النفاد هذه لا يثبتها له أو لغيره من نصوص اللغة إلا فقه اللغه، كما يعكسه واقع اللغة التطبيقي في تصريفه لمادة اللغة على وجوه في اطار التأويل، كعنوان يعرف به هذا الفقه، إن التعدد الدلالي والتصريف هو السبب في لانفاذية النص، ومن جملته علم الكتاب ، ان عملية التفكيك والتركيب في النص بقراءة بعضه في بعض، ما هي إلا عملية تبديل لقرائن الآية لإضافتها الى آيات أخر لإنشاء منظومة مرجعية سياقية جديدة تنتج الوجوه المستحدثة المخزونة في أعماق غائرة داخل النص وهي العملية التي اذا ما طبقت في اطار النص اللغوي غير القرآن، يعني تجاوز الوجه الظاهر لمؤلف آيات النص الى الوجه الباطن الذي ينطق به النص حين يستنطق بعضه ببعض هي المقاصد التي يعبر عنها النص في نهاية الأمر داخل الوعي الإيماني على وجه التحديد، وهذا ما يجعل النص القرآني مفتوحا دائما وأبدا، وهنا تكمن أهمية القرآن كما تكمن أهمية كل النصوص الدينية، وعملية التفكيك والتركيب هذه ليست إلا التزاما بالمبدأ الأول الذي قامت على أساسه اللغة، وهو المبدأ الذي يحكم قواعد اللغة في انفصالها واتصالها، وما ينتج عنها من علاقات غير محدودة تؤدي الى عدد لا يتناهى من الكلمات التي تؤدي بحركتها الى مالايحد من الجمل والعبارات التي تؤدي بدورها هذه الأخرى الى تزاوج مالا يحصى من النصوص والمؤلفات، إن اضافة صفة الحركة الى اللغة تجعل ذلك المحدود في شكله وواقعه غير محدود في عطائه أو انفتاحه، فاللاتناهي هونتاج حركة المحدود وما يتمخض عنه من انتاج دلالي هو المسمى بالوجوه، فكل حركة تنتج تركيب له دلالته وباعتبار المركبات الناتجة غير قابلة للحصر اصبحت الدلالات غير متناهية ..
فجاء القرآن استثمارا للمعطى اللغوي المتمثل في اضافة الحركة للمادة اللغوية .






إطلاق البث التجريبي لقناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع المرأة في المشرق والمهجرمقابلة مع د. إلهام مانع
واقع المرأة في المشرق والمهجرمقابلة مع د. إلهام مانع
في الثامن من مارس لانريد وردا ولامدحا - مقابلة مع د.امال قرامي
في الثامن من مارس لانريد وردا ولامدحا - مقابلة مع د.امال قرامي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,247,289,472
- تفكيك النص القرآني وتحليل البنية الخطابية المقدمة - ج2
- تفكيك النص القرآني - تحليل البنى اللغوية والدلالية - المقدمة ...
- نيوزلندا-- زيارتي إلى جبل ألكوك
- قراءة مواربة في تجربة الشاعر السوري سامي احمد ....
- نيتشه - ومفهوم العدمية
- الشاعر أحمد أبو ردن ....
- نيوزلندا ... زيارتي إلى أوكييا أقدم كنيسة في نيوزلندا
- مع قصيدة سميح وجه في المرآه
- بقايا مدينة وآثار صلاة لم تكتمل
- رحلتي الى جبل تاراناكي في الجزيرة الشمالية / نيوزلندا
- رحلتي الى دير جون سانتا في هضاب مدينة هستن ....الجزء الاول
- مايكوفسكي وصديقه يسينين


المزيد.....




- أمير قطر يستقبل وزير خارجية السعودية ويتسلم رسالة من الملك س ...
- هل تتحول إدلب السورية إلى -قطاع غزة جديد-؟
- لقاء أوبرا: ميغان تتحدث عن صحتها النفسية، ابنها آرتشي والعائ ...
- البابا فرنسيس يغادر العراق بعد زيارة تاريخية
- هل تتحول إدلب السورية إلى -قطاع غزة جديد-؟
- صعود السلالم... خطوة أولى لحياة أكثر صحية!
- قطر تصدر بيانا عاجلا بشأن هجوم جوي خطير على السعودية
- 60 عاما... والبعثة الروسية تمد أطواق النجاة لـ-كنوز النوبة- ...
- من يقصد... وزير جزائري: قريبون من أحد أكبر مراكز المخدرات في ...
- الجيشان المصري والفرنسي ينفذان إجراء عسكريا في البحر الأحمر ...


المزيد.....

- تشكُّل العربية وحركات الإعراب / محمد علي عبد الجليل
- (ما لا تقوله كتب الاقتصاد) تحرير: د.غادة موسى، أستاذ العلوم ... / محمد عادل زكى
- حقيقة بنات النبى محمد / هشام حتاته
- كيف ومتى ظهرت العربية بصورتها الحالية / عزيزو عبد الرحمان
- الحلقة المفرغة لتداول السلطة في بلدان الوطن العربي و العالم ... / محمد عبد الشفيع عيسى
- دور الزمن في تكوين القيمة / محمد عادل زكى
- مستقبل اللغات / صلاح الدين محسن
- ألدكتور إميل توما وتاريخ الشعوب العربية -توطيد العلاقات الاج ... / سعيد مضيه
- نقد الاقتصاد السياسي، الطبعة السادسة / محمد عادل زكى
- التاريخ المقارن / محسن ريري


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - تيسير الفارس العفيشات - كيف تشكل المعنى في الخطاب القرآني