أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عباس مدحت محمد البياتي - البعد الثالث في لغز العين















المزيد.....



البعد الثالث في لغز العين


عباس مدحت محمد البياتي

الحوار المتمدن-العدد: 5365 - 2016 / 12 / 8 - 12:35
المحور: الادب والفن
    



البعد الثالث في لغز العين



لم يكن تَجَمُعنا في محل السكن؛ إلا صدفة صنعتها الغربة اللعينة، تلك التي لا يشعر بمرارة صبرها، إلا من تجرع الهجر قسرا، بحثا عن عيشة مرضية في جوف الزمن.
هذه الغربة التي منحتنا صداقة ما من خيارها بد، هي ذاتها من صنعت لنا أقدارا من نكد الدنيا.
قدرٌ تَبَنّى صداقة غير مقنعةٍ، على أكتافِ ظرفِ وشلت الحياة في كنفهه رجاءنا.

قطنا في ملحق البناء الرئيسي( لأحد شيوخ مأرب )، في منطقة الحصبة، في مدينة صنعاء عاصمة اليمن، وهو عبارة عن ثلاث غرف صغيرة، يخترقها ممر ضيق يؤدي إلى سلم، بدوره يؤدي الى فنار الارض.
هذه الغرف؛ شبه مدفونة في الأرض بارتفاع حدود الشبابيك، أشبه بالسراديب.
كنا قد استأجرناها ( أنا ، معز، إياد )،لقربها من مدارسنا، ولموقعها المميز بعيدا عن الضوضاء والزحمة، إضافة للاستقلالية التي تتصف بها كل غرفة بحمامها أشبه بغرف الماستر إلا أنها مبنية ببناء شبه عشوائي، وما يميز البناء حداثته بحيث نحن أول الساكنين فيه، هذا ما كان يهمنا وكان دافعا لنا لأستأجرها كونها غير مسكونة مسبقا.

يتصف إياد؛ بقصر قامته ولباقته، وبلادة ثرثرته التي تذكرني بعجوز النساء، حين يجتمعنَّ حولها لفيف من الصبية لتقص لهنَّ الأحاديث عن سالف العصر والزمان.
يكاد يكون تفكيره محصور في هم بطنه أكثر من تفكيره في هم الدنيا، بحيث أنه ينهم ويلهم كل ما يصادف في طريقه، أشبه بالجراد الزاحف على حقل زرع.
ممتلئ، ذات بشرة بيضاء، حسن الملامح، يدخل أنفه في كل معمعة نقاش تصادفه.... يدعي الفهم على الرغم من محدودية معلوماته المستقات من جلسات المقاهي، أو النوادي الليلية التي يرتادها.
أحيانا تشعر بنوعية احاديثه كأنها صور مقتطفة من بانوراما الكذب، أو أسطورة من الخيال.
اضافة الى تلك الصفات، فأنه يتصف بصفة المرح والطرفة، تكاد تكون الصفة الإيجابية الوحيدة المقبولة فيه. دائما ما تجده يغوص في قهقهة شديدة حتى يختنق صوته الأجش في أعماق صدره.

أما معز فأني أعرفه منذ الطفولة، أنه زميل الدراسة، لكني لم أحتك به مباشرة إلا ما ندر.
لم أطور علاقتي به أو أصاحبه، نظرا لصفة البخل المأخوذة عنه، ولصفة الحسد الملتصقة به.
أحيانا تجده يحسد نفسه، أن لم يجد من يحسده، أنه الهوس الذي يطغي على كل تصرفاته، تشعر به ؛ كأنه يحمل ضغينة لجميع البشر، لكثرة انتقاداته وتعليقاته.
لم أحاول أن أجربه مطلقا، كأنَّ لشرارة الحسد المتقدة في عيونه الزرقاء, والجمود الذي يقبع في دمه المصفر، هما الجدار المانع لكل علاقة متبادلة، متكافئة ما بينه وبين الآخرين من أقرانه.
صفة الحسد؛ تغلب على كل أوصافه، على الرغم من قلتها.
لقد عاش في بيت يشع منه رائحة البخل، والكآبة، والموت، ترعرع بين مجموعة من العوانس اللاتي لم يعرفنّ طريقا للابتسامة، أو المرح مطلقا. وكأنّ هذه الصفات موروثة في جميع أفراد العائلة التي ينتمي إليها فردا فردا.

على أية حال أنا الوحيد الذي كنت أمتلك أثاث مطبخ شبه كامل بين المجموعة، بعد سفر زوجتي للوطن بسبب اندلاع حرب اليمن.
وأنا الوحيد الذي كنت أمسك بعصا الأمور من منتصفها، أكاد أكون عادلا، ومتوازنا في كل الأمور، المادية والاجتماعية والعاطفية والنفسية.
عادلا في تصرفاتي الشخصية وعلاقاتي مع الآخرين.
لا أحب الكذب ولا الثرثرة ولا النفاق، لا أعرف الغيض ولا الحسد، تكاد تكون البساطة هي السمة الغالبة على مجمل تصرفاتي، بل أنها الثوب الذي أشتاق له و يليق بي فعلا، لذا تجدني أرتديه في كل المحافل.
لن يغرني مال ولا جاه، كريم النفس، لا أحب تضخيم المشاكل البسيطة، أراعي نفسية الآخرين دون أن أتجرأ على آرائهم.
هناك من يجعل الغلطة الصغيرة مشكلة عويصة، كما في المثل يقال ( يجعل من الحبة كبة )، لذا تجدني أشبه بالرأس الجامع بين الأقطاب المتنافرة في دائرة الوحدة الاجتماعية.

كانت أيامنا تمضي شبه روتينية، خلال الفترة الأولى من تجمعنا في السكن المذكور, حتى حين دارت الدفة عن اتجاهها بأيدي الأستاذ فالح الذي حلّ ضيفا بيننا دون أستاذان ودون سابق معرفة بنا.
بالأحرى فرض علينا من قبل المؤجر، حيث فوجئنا في أحدى صباحات أحد الأيام الأخيرة لانتهاء السنة الدراسية بشخص ما نائم في الممر الضيق، تحت درجات السُلّم .
عَرّفَنَا بنفسه، أنه الأستاذ فالح مدرس العلوم في أحدى قرى محافظة مأرب، وبالذات كان يُعطي دروسا خصوصية بلا مقابل مادي لأولاد وأحفاد الشيخ صاحب البناية التي نسكن بها.
في المقابل كان الشيخ يغدق عليه بكرمه بالسكن المجاني، وأحيانا بالنقل والمأكل على شكل تعويض ومساعدات آنية له.
كان انطوائيا، لم يحاول الدخول بين صفوفنا، لم يحاول أن يتعرف على طبيعة جمعنا المتنوع، ولم يحاول مجاملتنا وصداقتنا.
لكنه من الواضح جدا بأن البخل قد أكل من صحته وعافيته الشيء الكثير، فحنطه في بنية نحيفة ورسم على وجهه تقاطيع البؤس والنكد فبدت نحافته كغصن فارع من الجاذبية دون أوراق أو ثمر. تحمل مشقة الجوع والذل مقابل بعض الريالات التي لا تغنيه إطلاقا.
لم أشاهده يدخل مطعما، أو يأكل أكلا صحيا أبدا، كان يعيش على تركة السلطة من الطماطم والبصل والخبز، أو ما يتفضل به عليه الشيخ اليمني من فتاته.

هذا هو حاله طوال تلك الفترة التي قضاها معنا في المجمع، والتي لا تزيد عن عشرين يوما، قبل أن يحين موعد سفرنا بشكل وجبات تحدده التربية بالاتفاق مع شركة الطيران.
تجده بطوله الفارع، ونحول جسده، وسمرة بشرته، أشبه بعمود كهرباء برونزي ساطع في دجى يومه.
تشع منه رائحة نتن العرق الملتصقة على جسده وثيابه لقلة استحمامه، لذا لم نلح عليه إلحاحا مجزيا أو جارفا للاندماج ضمن صفوفنا، ولم نحاول مجاملته طوعا لانطوائه وصمته السديم.
كان يعيش ظرفه بكل تفاصيله دون أن يشرك أحدا في مضمونه، أي ليس له دخل بغيره.
في المقابل هو أيضا لم يحاول التقرب منا، لكني عرضت عليه أن كان بحاجة لأية مساعدة فلا يتوان في طلبها.
فعلا طلب مني أن أضع حقيبته الكبيرة والمدججة بالهدايا, والمجهزة للسفر في غرفتي، فرحبت بذلك.

مرت الأيام مسرعة، كنا في منتصف شهر حزيران من عام 1997، ننتظر موعد سفرنا وعودتنا لديارنا ولأحبائنا بعد أن لذعتنا ألسنة بأيام النوى والوحدة بسمومها الصفراء، كنا ننتظر العودة على أحر من الجمر وذلك حسب جدول وضعته مديرية تربية صنعاء وبحسب الأولوية التي وضعت على إساس تفضيل المناطق النائية على مدرسي محافظة صنعاء العاصمة.
في تلك الأمسية من يوم السبت؛ كنت قد أقمت وليمة على شرف زملاء المجمع، قبل أن يحين موعد الرحيل ونبصم بالفراق.
كان هدفي؛ أن أترك ذكرى طيبة تبقى عالقة في اذهانهم و قلوبهم أمد الدهر، فالذكريات الطيبة تأتي بالصدقة والمرحمة.
وقد قمت بتجهيز سمكة(هامور) مشوية بالفرن، تزن بحدود 4 كغم .
كنا قد تجمعنا حول المأدبة التي ملئت صينية معدنية بقطر أربعون سنتمتر, كل من، إياد، ومعز وأنا وأحد الضيوف من أصدقاء إياد في غرفتي المتواضعة.
وهي غرفة3×4م، مجهزة بسرير وارضية مفروشة بطنفسة خضراء من حياكة النايلون وخزنة لحفظ الملابس.
كانت الساعة تشير إلى السابعة مساءً.
كنّا نجلس بشكل دائري حول سفرة المائدة.
السمكة المشوية؛ مطروحة في وسطنا بلونها الناري، يطغي عليها لون الحمرة الداكنة، لاسعة أطرافها ووسطها المحيط بالعمود الفقري بنزلة الشواء، يخالط الحمرة بياض لحم السمكة المشظى هنا وهناك، إضافة لسواد راغ به الشواء موزع على الحواف الجانبية وذوائب العمود الفقري البارزة.
كأنها تعبر عن لوحة شوق مسائية تتأوه في ظل الشفق، تحكي قصة عشق أزلي قابع بين النواجذ والجوع ورواق اللذة، عشق ينبع برخاء من أعماق الاشتهاء كدندنة سمفونية تعزف الصبابة والرغبة المحشوة بآهات اللذة، بحيث كل منا صار يمسح روال فمه بيديه قبل أن يبتدأ النزال.
بهاء السمكة جعل للجوع دلائل تمتد لها أذرع من خواطرنا، الجوع المغروس في خصر التعب، والقابع في جوف الشهوة كآفة تختبئ في جحرها، تنتظر إشارة قدحة الصبح لتنطلق نحو الفضاء.

كانت السمكة رائغة بلون شوائها بين البياض والحمرة تأزز من شدة الحرارة المستسقاة من أتقاد الفرن، يفوح منها رائحة الاشتهاء، تنتظر بصمت لحظات افتراسها.
كُنّا قد ابتدائنا ولا زلنا في بداية مشوار عشاءنا، السفرة جاهزة تماما والأيادي أضحت تغرف من البئر المشتهاة لتملئ جوف جرادل المعدة بتأن.

كنت جالسا في الجهة المقابلة لباب الغرفة، على يميني يجلس إياد.. وإلى يساري يجلس الضيف.. في الجهة المقابلة لي يجلس معز.
كل منا مبتهج بحسن المنظر البهيج، حيث رائحة الفلفل الأخضر والطماطم والبصل المشوية والموزعة على جسد السمكة، يخالط رائحة شواء اللحم والذي يمخر أنوفنا وتزفها برائحة البهارات الشهية اللذيذة، تلك التي تدق أحداقنا بحسن منظرها فتجعلنا تذرف دموعا تهيج ماكنة المعدة، صارت الهواجس تصطلي على أزيز الرعشة التي تزق بأنفسنا لساحة الميدان، تغويها اللذة المتطايرة في خواطرنا كالدخان.
كُنّا منشغلون بها وبأحاديث أخرى جانبية يدور محورها حول قائمة السفر وتأخير بعض الوجبات، البعض قد سافر وهناك من لازال ينتظر لحظات الفرج تفرج عن قيود انتظارهم، وإلى ذلك من أطراف شجون الكلام.
بالوقت الذي انهمكنا فيه في لحظات الاستمتاع بالطعم الطيب، واللذة المفرطة التي لازمتنا وجعلتنا لا ننفك عنها، في الوقت الذي كل منا نسى صاحبه وصار يسبق الخطى في أنهاء ثورة الجوع والسيطرة على هيجان الفكر، في الوقت الذي صارت ألسننا تتلوى على وقع طرب اللذة، بل صارت السمكة بنكهتها تلامس أطراف أشداقنا وهي منهارة مهروسة، مغموسة بالطيب، حينها باتت قروؤنا تعزف سمفونيتها على واقع أحاسيسنا، بعد أن أرهقت ظلال أعيننا وشاغلت برقتها هواجسنا.

في ذلك الوقت الذي به اصبحنا نسابق بعضنا البعض خلف رائحة الشواء التي أزكمت أنوفنا حين امتدت الأصابع تداعبها وتقرصها وتشعر بحرارتها، كنا قد مضينا خلفها نلاحق سكرة اللذة في الوقت الذي كانت تلاحقنا الرغبة براية الأهواء، كما هو الدبيب نزحف خلف رجاءنا المدفون في أحشاء السمكة، وحين انغمست أعيننا بتلابيب سحرها وترطبت الشفاه بغر لونها ونعومة لحمها، وحين أدركنا قمة النشوة وتعلقنا بأرداف الشبق والنجوى، وحين استلهامنا اللحظة باللحظة دون أن نفرط في أجزائها، وحين كانت أعيننا تسابق بعضها قبل أن تشبع البطون.
في تلك اللحظة وفي ذلك الوقت ونحن في قمة النشوى وبتلك الأجواء منشغلون، نتعقب ظلال الجوع الذي بات ينكمش ويهرب من قبضاتنا كلص ساذج، في تلك الأثناء ونحن في أوج صراعنا نتلوى مع عصا الجوع، في الحظة التي أنتشت بها أحاسيسنا بطعم السمكة وباتت ترتقي قمه اللذة، وتلوك بها في أفواهنا.....
.... طُرِقَ باب غرفتي طَرقا خفيفا، والذي كان بالأساس مفتوحا بزاوية 60 درجة تقريبا، باغتنا صمت هدوء عارم، كمقص حاد قطع حديث شجوننا الجانبي، شده بالنا، وجفت العيون، تطايرت الحدقات لأعنان سماء الخبر، توقفت أيدينا عن حرث جوانب الرغبة في محلها، شدَّه انتباهنا إليه، حيث الطرق جاء بغير أوانه, سرق المتعة من أعيننا واللذة من أفواهنا، قطع علينا دابر الوصل إلى الرجاء.
كان الطارق الأستاذ فالح !!
قلت له:- أهلا بك أستاذ فالح تفضل معنا على العشاء، لا زلنا في البداية المشوار.
قال:- شكرا لك أستاذ ،زاد الله من فضلك، استأذنك بأخذ حقيبتي.
قلت له :- خير يا أستاذا لِمَ ؟
قال:- سلامتك يا أستاذ! أتمنى لكم إقامة موفقة وسفر ميمون --- في هذه الليلة في تمام العاشرة والنصف، موعد سفري بأذنه تعالى.. أود أن أصل المطار بالوقت المناسب.
قلت له:- على الخير والبركة انشاء الله.... لكن يجب أن تشاركنا عشاءنا قبل السفر لتتذكرنا.. (الححت عليه دون جدوى).
قال:- أعتذر أستاذ، سامحني، ليس لي من الوقت الكافي، يجب أن أكون متواجدا في المطار قبل الإقلاع بساعتين.

إذا جاء يستأذنني بأخذ حقيبته، ليعد نفسه للسفر في هذه الليلة-- كانت الحقيبة بجانب الباب-- فمد يده بسلاسة وهدوء، قبض على مقبضها ومن ثم سحبها بذات الهدوء، أنسلت دون ضوضاء، دون أن يدخل في غرفتي بكامل جسمه، كان ماهرا بحركته كلص مدرب.
فقلت له:- الله معاك، تصل بالسلامة وبلغ أهلك السلام.
قال شكرا لك يا طيب. ثم أنزوى خلف الباب

ما أنْ أنسحب وعلقت الحقيبة براحة يديه، ما أن أنزوى في الممر بالخطوة الأولى، حتى ضرب معز راحة يده بقوة على فخذه قائلا:....
... : (آخ.. هذا يسافر ونحن نبقى !!!!!!!!!).
قالها بحسرة شديدة وألمْ، بحيث الكلام خرج من جوف قلبه كعصارة من السم، عصر بها أحاسيسه ومشاعره فقطرت غيضا من الأنانية وسٌمّا جليا من الحسد، وكأنّ عيناه قدحت بشرارة كهربائية أحرقت أوراق فالح وهو لازال في الممر.

قدح زناد الحسد والغيرة في وجهه، بحيث غال كثيرا في حسده دون مبرر، دون لباقة وكياسة، دون لياقة في التعامل بين الزملاء.
الحسد يولد البغضاء، بحيث كلنا لمناه على فعلته القبيحة،{ قل أعوذ برب الفلق ، من شر ما خلق .....وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ } صدق الله العظيم . .
فقلت له:- ما بك يا أخي؟ دعه يمضي أولا، ثم أنك إن تأخرت يوما أو يومين فالأمر سيان كلنا سنرحل.
فقال معز وهو يضحك بفطر غير مبال، وفطرة مبالغ بها ههههههههه :- ألا ترى القذارة التي يحملها!! أيسافر ونحن ننتظر هنا,ههههههههههه . !!.بات يضحك ويكركر كأنه لم يفعل شيء .
فقلت له مازحا:- والله يا معز؛ على حسدك هذا لا أظن أنه سيسافر!! هههههه .
قال إياد مستهزئا: وعند دبش الخبر اليقين. مؤشرا بأصبعه على معز . هههههههه.
فقلت: أظن قد قضى عليه بلكمة معزية. هههههه
قال معز: ماع هههههههههههه.
قال إياد: دعنا نمعمع قبل أن تتبخر السمكة. هههههههه.

تحول الحديث إلى هزار، أغضنا به معز، أحمر وجهه خجلا، لكنه لم يزعل.
بعدها صرنا نتجاذب أطراف الحديث عن شتى المواضيع، عن فالح، والسفر، والسمكة التي لم يبقى منها سوى العظام تشكي وحدتها وتشهد على لذتها، وعلى المجاعة التي عبر عليها هؤلاء الشرذمة.
وبين الجد والضحك والهزل، صرنا نقصف أسلوب وسلوك معز، بحيث لم يترك لنا فرصة توديع فالح بشكل لائق.
بعد الانتهاء من العشاء ،وجلسة السمر التي أستمرت لحدود ساعات النوم. الحادية عشرة ليلاً، أنزوى كل منا في فراشه، ليمضي ساعاته الباقية في خلده .

في صباح اليوم التالي؛ جلست على وقع ربت خفيف على الباب... فتحت الباب، وإذ بمعز يخبرني بأن السيد فالح نائم في الممر! وحقيبة سفره بجانبه ! استغربت الموقف!
فقلت له: ماذا تقول ؟
..... أقسم لي بأنه نائم تحت السلم.

حينها أصبت بالدهشة من قوة العين الحاسدة التي يمتلكها معز. قبل هذا الموقف لم أكن أقتنع كثيرا؛ بأن للعين الحاسدة سهاما من النار، أن أصابت الفريسة فهي قاتلة، وأن تخطت الفريسة فهي مربكة.
بعد هذا الموقف صرت أتجنبه في كل شيء يخصني، فأكتم السر عنه، وخاصة فيما يخص الأخبار السارة، كما أصبحت أتجنب مسايرته وصداقته، إلى تلك من الأمور التي جعلتني أن أتوخى الحذر الشديد منه. فأنه علمني درسا في المبالاة بأبسط الأمور. كما أنه أثبت لي صحة النظرة المأخوذة عليه بين أبناء المدينة، وبذا أنطبق عليه المثل القائل،( العنزة ترعى بمرعاها) و ( جنت على نفسها براقش).
خرجت مع معز لنخبر إياد، والضحكة محبوسة على أطراف أشداقنا تجمعت فلولها والخجل يشكمها لا تستطيع أن تبرح ثناياها، غدت تراقص الحيرة صمتا دون أن تتجرأ أن تبرح مكانها درجة، تود أن تنطلق إلى عالم الحرية دون وجل، كأنها ملت انحسارها بقيد الصمت والخجل المطبق على أفواهنا، محبوسة كطير يود الفضاء ليمرح.
وحين سمع إياد بالخبر التمعت عيناه عجبا رغم وشاح النعاس المسيطر على محياه ،أنه معروف لنا من حيث صفة الأكل المفرط، والنوم العميق، على رغم من سنه الصغير، فأنَّ شخيره يكاد يعبر إلى ضفاف الجيران، وهي الصفة الأكثر إزعاجا الملتصقة به.
لذا وجدنا ضيفه المسكين صاحٍ في فراشه يفرك بعينيه، والتعب موسوم على وجنتيه، كأنه عوقب جراء مشاركته لنا العشاء والمبيت.
دلفنا نحن الثلاثة باتجاهه كشياطين أرهقتها المفاجأة ولجلجة النكد، كل منا يرتدي بيجامة نومه، فيما إياد كان يرتدي اللباس الداخلي فقط (البكيني)!هذه هي عادته في النوم، نتيجة فرط سمنه أنه لا يطيق أي لباس على جلده.
كما أنه كثيرا ما يرتدي الجلابية فضفاضة، في حالة مرافقتنا إلى أسواق المدينة.
كان الأستاذ فالح مطروحا تحت سلالم الدرج، أشبه بالمغمى عليه، يترنح تحت سلطان النوم من جهة، ونكد الدنيا والهم الذي شغل تفكيره من جهة أخرى، وكأنه مهووس بسلطان القلق الذي يغطي ملامحه، تائه، ضائع، يتأمل فرصة نجاة تكيله لواقعه الأول.
التعب والحزن أثرا في ملامح وجهه، أصبح أكثر سوادا وانهماكا في الهم والحيرة، حيث أنه تفاجأ بغارتنا عليه في أول الفجر.
فقلنا له :- صباح الخير يا أستاذ -- ألم تذهب للسفر!!؟
ماذا حصل، لماذا أنت هنا؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
كأننا في سؤالنا قد صفعناه على خده وسرقناه من سرحان تفكيره، اضطرب، جلس متربعا في فراشه، والهم يغطي ملامح وجهه تماما.
قال لنا:- بلا .... لكني في المطار تفقدت جواز سفري فلم أجده!... كأني نسيته في سيارة التكسي !!!.
وقبل أن يكمل حديثه انفجرت بالونة ضحكاتنا بإبرة الحسد، هههههههه..انطلقت بعفوية من سجنها، بعد أن أفرج عنها الأستاذ فالح بإشارة الضوء الأخضر.
كانت ضحكة قوية، اهتزت لها جدران السكن، جلجلت الفضاء، انطلقت من براثنها بعفويتها تامة جلت هموم الغربة من صدر النفوس، فلم نستطيع كتمان الحقيقة في دواخلنا، حتى نطقنا بها في لوم معز أمامه جهراً.
فقلنا له :- لم يحسدك سوى معز !!هههههه
ثم أسعفناه بضحكة أخرى اقوى من الأولى، ههههههه، كنا كمن مسح هالة الحزن من وجهه، حتى انشرحت أساريره عن ابتسامة عريضة ملئت شدقيه، ثم قال لمعز:...
-----:- الله يسامحك يا معز!! هههه.
حينها مسكت بمقبض حقيبته لأعيدها لغرفتي .
قلت له: اِصْبِرْ عَلَى مَضَضِ الحَسُود --- فإنَّ صَبْرَكَ قَاتِله، ههههههههههههه—
...: سأخذ حقيبتك حتى موعد سفرك القادم، وعسى أن تكرهوا أمرا فهو خير لكم، فلا تبالي لربما الله يريد لك خيرا، فقط أبعد عن معز. ههههههههههه
حينها شكرني، والألم يعتصر وجهه الناشف رغم ابتسامته الصفراء التي جاملنا بها، فلم يتقطر منه إلا صمتاً رهيبا، وأخيرا تأجلت الرحلة لموعد قادم.

كان الأستاذ فالح مهموما، وهمه لم يكن بسبب عدم سفره فحسب، إنما بفقدانه جواز السفر، هذا يعني أنه ربما لن يسافر مطلقا، لأن إجراءات استخرج بدل ضائع تأخذ فترة طويلة تتجاوز الأشهر، ناهيك عن الجهد والمصاريف التي تتبعه، اضافة لضرورة نشر الخبر في الجرائد للتأكيد....الخ ، ومن ثم المراجعة بعد شهر من نشر الإعلان .إنها معمعة عقيمة.
لكنه كان متأكدا من نسيان جواز سفره داخل سيارة التكسي، وذلك حين وضعه على صدر السيارة (الدشبول) وهو ينم في دفع أجرة التكسي.
استعجاله للسفر أربكه فأنساه جوازه، أو بالأحرى كانت عين معز تتبعه فأراد الهرب منها فنسي جوازه.
مشكلته تكمن في أنه لا يعرف رقم سيارة التكسي! أضافة إلى ذلك؛ فأن قلقه نابع من أنه قد يكون صاحب التاكسي من اللذين لا يبالون بهموم الناس، أوقد يكون جاهلاً، فلا يهتم بأمر الجواز، أو قد يسهو عنه ولم ينتبه له، فيضيع منه، وقد يكون طيبا وذا إحساس مرهف فيبحث عن صاحبه.... كل الاحتمالات ممكنة ونحن نرجو أن نمسك باحتمال ما كي نعرف أن نتصرف في خطوتنا القادمة، على الأقل من باب التوجيه.
ولكن كيف سيتمكن من أن يصل إلى الجواز؟
مجموعة من أسئلة تدور في ذهنه المشتت، لكننا اقترحنا عليه أن يذهب للسفارة قبل أن يتخذ أي إجراء، قبل أن تتعقد خيوط الشبكة الملتفة حول عنقه.

فعلا أخذ باقتراحنا، توجه للسفارة ووجد جواز سفره أمامه في الاستعلامات.
كان صاحب التكسي ذا أخلاق عالية بحيث لم ينتظر كثيرا ليوصل الجواز، وبذلك حُلت هذه العقدة التي أبرمها بيديه واستعجاله وعدم تركيزه. ولربما أعمت بصيرته عيون معز بحدة حسدها.
لقد تجنى عزيز بفعلته الشنيعة، فوضع المسكين فالح هدفا تحت مبدأ الفرضة والشعيرة ثم أطلق عليه سهمه، فبانت قوة البعد الثالث في شرارة العين الحاسدة.
مرت الأيام؛ تم تقديم الأستاذ فالح مع الوجبة الجديدة القادمة، رأفة به لما جرى له من مشهد درامي مع صاحب التكسي وتأخره في سفره. ...
لذا تقرر درج أسمه مع وجبة الرحلة القادمة، والتي ستقلع طائرتهم ليلة الأربعاء المقبل، حيث تمضي الرحلات يومي السبت، والأربعاء من كل اسبوع.
في مساء الأربعاء بعد عودنا المكوكية من شوارع صنعاء وخاصة شارع جمال الزاخر بالحركة والمنتجات والألبسة أو باب اليمن وسوقها الشعبي بحيث تجد فيه كل ما تفتقده في الأسواق الأخرى من نواعم ونوادر، بعد عودتنا ودلوفنا في غرفنا طرق باب غرفتي مرة أخرى، كتلك التي سبقتها، أستأذن في أخذ حقيبته تهيئا للسفر والتي ستقلع طائرته في تمام الحادية عشرة مساءا.
هذه المرة لم يكن بغرفتي أحدا، ولم يتطرق إلى أي حديث مع الآخرين، وكأنه أراد أن يهرب ويتملص من أنظارنا بهدوء تام.
لكن الكل كان يعرف بموعد رحلته القادمة، بعد أن وضع نفسه تحت المجهر، لذا تم توديعه هذه المرة بشكل مميز من قبل الجميع، قبل أن نخلد للنوم، متمنين له سلامة الوصول.

و في صباح اليوم التالي ومع أول إشراقة الشمس، مع زقزقة العصافير على رغم من قلتها بسبب ارتفاع صنعاء بأكثر من 2500 م عن مستوى سطح البحر.
وفي ذلك الصباح جلست على قهقهت معز العالية ههههههه- والذي لم يستطع أن يخفيها، حيث أنه دائما ما يصحى باكرا كالقط الذي لا يجلس إلا على هدف. فتحت الباب برفق، فسألته ....
ما بك ؟؟؟.
قال لي:- وبصوت متقطع، غارق بضحكة عريضة.... فالح لم يسافر!!.
.. فأضفت إلى قهقهته قهقهتي هههه!!!،
على أثر الدوشة التي حصلت فتح إياد باب غرفته! وهو كالعادة يرتدي لباسا داخليا (البكيني الطويل) فقط، وما أن عرف الحقيقة! حتى غرق ضحكا وقهقهة هههههههه.. أسند جسده على الحائط لفرط سمنه وشدة ضحكته مع اهتزاز كبير لكرشه الذي صار يختض كزنبرك ضغط عليه، صار يتموج بترددات سريعة مع شدة قهقهته، مما زاد فينا فرط الضحك المبررة والغير مبررة.
من الطبيعي أنّ الأستاذ فالح لم ينم، حيث أنه أثناء الليل كان يجهز نفسه للسفر، ومن ثم ذهب للمطار بحدود التاسعة مساء، وقد أنتظر في المطار لمدة ساعتين أو ثلاث ساعات، ثم عاد من المطار بحدود الواحدة أو الثانية صباحا يجر أذيال الخيبة ورائه، ناهيك عن طبيعة المشكلة الجديدة ومسار المطار السحيق، وعن الصفعة الجديدة التي صفعته ومنعته من السفر.
تلك الأمور جعلته يفقد صبره، وتحكمه بمشاعره، لاعنا حظه العاثر، عيناه واجفتان، حائرتان في محيط خياله، فما باليد من حيلة، لا يملك عصا موسى لتغيير مجرى الأحداث. بقي يتقلب في فراشه ذات اليمين وذات الشمال، أشبه بأصحاب الكهف من غير أن ترقد عيناه لحظة واحدة.

آمن بالله وبالنصيب وبقلة الحظ، ولكن ليس بعقدة السفر التي صاحبته، لم يصالحه الحظ قط، جراحاته تعمقت بموس الحسد وسهامه، تلك التي أطلقتها عين معز المزرية.
فلم تلتقي قدماه بمسارات الحظ، بقيت تدور في دوامة فلكها، فبقي متعلق بخيط الرأفة التي أبرمها الزمن والمسؤولون عن الرحلات القادمة.
لم تسلم جرته لمحاولتين سابقتين، ترى هل ستسلم جرته للمرة الثالثة؟ وهل يتمكن من الحصول على محاولة ثالثة من قبل اللجنة المنظمة للرحلات؟

سألناه: بالله يا أستاذا أخبرنا ماذا جرى لك؟ أخبرنا الحقيقة؟ لم أنت نائم هنا؟
كان هذا هو سؤالنا له مجتمعين، فأجابنا وهو خائر القوى، منهك، يكاد الحزن يتفجر من عينيه ومن وحي غضبه ومشاعره.
قال :- خلال انتظارنا صعود الطائرة، سافر على متن الطائرة وفد رئاسي يمني بشكل مفاجئ، وبذلك تم أعفاء آخر25 راكبا من السفر، لتؤجل رحلتهم إلى الرحلة القادمة وقد كنت أنا من ضمنهم.

قبل أن يكمل انفجرت بلونة ضحكاتنا معا مرة أخرى هههههههه، انطلقت قوية من أشداقنا الغير متعودة على هذه الدراما الكوميدية، إذا تأجلت الرحلة الثانية لأجل قادم. ههههه.
لم ندع هذا الموقف يمر مرور الكرام، لقد بدأنا نضحك، ونألف القصص عليه، على الرغم من هالة الحزن التي تحيط بالسيد فالح.
ومن خلال العِشرة البسيطة التي جمعتنا به، اكتشفنا بأن معدن السيد فالح خالص من الشوائب، طيب القلب جدا، ذلك ما جعلنا نقترب منه أكثر ونزيد من مزحنا معه أكثر.
فالغربة آفة أنْ لم تدعسها بالضحك والمرح تقتلك بالنكد والكآبة، وتحيل صبرك إلى نار تحرق فتائل العمر بقدحة التفكير، ولكن شر البلية ما يضحك.
قلت له:- يا أستاذا، يجب أن تدفع كفارة العين الحاسدة، التي أصبت بها... قديما قالوا:.... بأن الحسد يلازم صاحبه أربعين يوما، وأنت لازلت لم تكمل منه أسبوعا واحدا، وهذا يعني بأنك سوف لن تسافر قبل الأربعين يوم القادمة. ههههههههههههه.
حينها ارتفعت القهقهة بيننا، حينها شاركنا ضحكته الباردة التي لا تكاد أن تسمع صوته بها.
قال:- الله يستر يا معز دعنا بحالنا لا نستطيع مواجهتك ههههه.
هنا ازدادت شدة ضحكاتنا ومرحنا، هههههههههههه
فقال معز:- كم سيدفع ليتجنب الحسد؟
أجابه إياد:- ما يكفي اطعام60 مسكينا، ههههه.
قال معز:- دعه يطعم نفسه أولا هههههههههه.
ههههه... اشتدت قهقهتُنا، فضربنا بها يوما من سفر العمر في سجل التأريخ، كل منا لن ينساه أبدا.

ثم جلسنا معا على سفرة فطورنا، ونحن نتداول أطراف الحديث عما جرى، وعما سيجري في الرحلة القادمة. الخيال الواسع بات يسرقنا، ينهمر جداولا مرح على فكرنا المتقدة، ليصب بسلسلة من القصص الطريفة الشجية في أحضان فالح، تلك التي أشدقنا بها مرحا، حتى صار كل منا مُنسدحا على ظهره من شدة الضحك.
قال إياد: أكيد هناك تأجيل آخر ينتظره لرحلة السبت القادم.
معز : لماذا؟
أجبته: بعد أن أشتهر على مستوى اليمن يود أن يشتهر على مستوى العالم. هههههه
إياد: لا... بالله أن حصل ذلك دعني أقف خلفك عسى تعتني بي الصحافة. هههههه .
معز: لا هذا ولا ذاك.
إياد: ماذا تعتقد إذا سيحصل.
معز: زلزال يصيب مدرج الإقلاع والهبوط. ههههههه.
فالح: دخيلك يا معز لا تنوي على شيء، كلامك فيه سم يخوفني. هههههههههههه.
قلت: لا هذه المرة يدعو لك بسلامة الوصول.
قال معز: أنسى لن أدعه يسافر قبلي.
هههههههههههههه.

كان فصلا ممتعا، لتنشيط الدورة الدموية التي شلت عضلاتها الغربة، جعلت قيود الوحدة والغربة كأشواك تنبز جوارحنا وسط بيدائها.
ما حصل لفالح يعد فوق الخيال، لا يمكن تصديقه، بل كأننا بتنا نرى بأم أعيننا أحداثا من الخيال تتربع على صرح الواقع في عالمنا المعاصر، لقد جر الحسد حظ الأستاذ فالح إلى حظيظ البؤس ،إلى مستنقع العسر المشبع بنتن من اليأس.

مضت الأيام ونحن نتذكر الموقف، ونؤلف القصص والطرائف حوله، فموضوع سفر فالح يكاد يكون الشغل الشاغل لتفكيرنا، أنه فعلا موضوع نادر، لن يتكرر ولن تجد له مثيلا! حتى في قصص الف ليلة وليلة.
حيث الواقع المؤلم، وتتابع النكد، وتسلسل الظروف الغير مترابطة، تجعلها ذات نكهة أشبه بالأكل الهندي، يطغي عليه الوان شتى بطعم البهارات الحارة، وكأن وقائع القصة جزء من قصص الف ليلة وليلة.
هذه القصة التي لم تنتهي فصولها بعد، لربما هي من اكثرهن طرافة يسطرها الزمن في سفر تأريخنا، لربما الفصل القادم لا يقل طرافة عما سبق.
أحيانا ترسم لنا الأقدار مسارات يسر مبهجة، وأحيانا تتعسر المسارات في عنق الرغبة، فلن تبرح الحلم إلا والحزن يخمر وجه الحدث، عسر يرافق الألم في كل خطوة يخطوها ذلك المسكين فالح.

نحن بدورنا لم نصدق ما حدث له، فنقلنا الحدث إلى جميع معارفنا في ساحة التحرير كما تفعل العجائز النمامة، طرقنا قصته في المقاهي التي تتوسط مدينة صنعاء، وخاصة في مقهى الأمل المجاورة للساحة، والتي تقع في رأس شارع جمال، وتعتبر كملتقى للمدرسين، ومرفأ لتداول الأخبار الجديدة.

أنتظر وانتظرنا موعد الرحلة التالية وكلنا شوق لمعرفة مصيره، ترى أتتجدد مغامرته؟ هل سيفلح بالنجاة من عين معز الذي قال لن أجعله يسافر قبلي؟
كلنا في انتظار الموعد الذي أقترب أجله. وكنتُ قد أدرج أسمي من ضمن القائمة المصرح لها بالسفر، أضافة إلى أسم الأستاذ فالح الذي تعاطفت معه السفارة، ومديرية التربية، بعد أن أشتهر بين الأوساط بسوء الطالع، فتم إدراج أسمه بقائمة المسافرين.
وقد كان موعد السفر في تمام الساعة الخامسة مساءً من يوم الأربعاء، غير أن الرحلة تأخرت كثيرا فلم تقلع الطائرة إلا في الخامسة صباحا من اليوم التالي.

السبب وراء التأخير هو تحميل شحنة كبيرة بالأطنان من الأسماك المصدرة من اليمن إلى الأردن، كنت واقف ضمن الطابور الطويل جدا، كان موقعي يتوسط الطابور تقريبا، فيما يقف الأستاذ فالح في الجزء الأخيرة من ذات الطابور.
كنت أميزه عن بعد، من طوله الفارع، وسمرة بشرته الداكنة.
وكنت أسال نفسي، لم لا يخالف تسلسل الطابور؟ ألا يرعوى من ما حدث له خلال الرحلة السابقة؟.... لكنه لن يتجرأ أبداً، أخلاقه والتزامه الأدبي ووازعه الديني، يمنعانه من الغلط، فهو محصن بتقاليد وأعراف ومبادئ القبلية الجليلة.
صعدت بالطائرة كانت من نوع بوينغ 737، جلست بالقرب من المدخل، بالجزء الأمامي من الطائرة حسب رقم تذكرة الكرسي المخصصة لي، فكنت حريصا على أن أتتبع الذين يدخلون من بعدي، بحثا عن الأستاذ فالح.
اكتملت جميع المقاعد ولم ألاحظ صعوده إلى الطائرة!، انتابني ريب حجزه مرة أخرى، فصرت الوم معز على عينه القاتلة، تلك التي تنطلق من نفس مريضة، لا تشعر سوى بالنقص أتجاه الآخرين.
صرت أسأل نفسي عن قوة الحسد في عين معز.
الحسد: هو البعد الثلث في لغز العين، بعد النظر والتفسير.
هذه هيّ الرحلة الثالثة التي تتأجل بشكل دراماتيكي، فبت أحادث نفسي، يا ترى كيف ستكون حالته النفسية، حين يُبَلغ بتأجيل رحلته الثالثة؟! أكيد أنها ستكون محطمة! فهي لازالت لم ترمم نتيجة الزلازل السابقة التي هزته، ترى كيف سيتخطى أزمته الجديدة... صرت أفكر به.
؛ ما نوع هذا النحس الذي لازمه؟ وكم أنتِ سليطة يا عين معز. ترى إلى أين تسيرين به بعد ثلاث محاولات فاشلة.

على أية حال وصلنا ديارنا، ووصل من بعدي بعد أسبوع كل من: معز و إياد. وقد تحدث لي معز عن حجز الأستاذ فالح، وخمسة وعشرون آخرون، الذين لم يسمح لهم بالصعود للطائرة، بسبب الشحنة الكبيرة من الأسماك. فتأجلت رحلته للمرة الثالثة.

أنهار نفسيا، أصبح ذات مزاج عصبي، لم نستطع أن نقيم حفلة ضحك بوجوده، و بعد أن يأس من السفر، قرر أن تكون رحلته القادمة هي آخر محاولاته، وإلا فأنه سيعزف عن السفر نهائيا، إذا ما تعسرت به مرة أخرى.
ومن جهة أخرى صار يتجنب معز ويتهرب منه، لم يرغب بملاقاته أو التحدث معه، حتى أصبحت العلاقة بينهما فاترة جدا ومتشنجة.
لكنه أخيرا تمكن في الرحلة الرابعة من السفر برفقة كل من معز، وإياد، حيث العين الحاسدة، تجر معها المحسود بها إلى حتفها إلى حيث ما تريد. لذا تمكن أخير من السفر ولكن برفقة معز وإياد، والذي لا تقل عينه تسلطا وسخطا عن عين معز.

وفي نفس السنة، وفي نهاية الشهر العاشر، بعد أن قررنا نحن المدرسون من تغيير وجهة تعاقدنا من اليمن إلى ليبيا، ذلك بعد أن وصلت لجنة تربوية من ليبيا تود التعاقد مع المدرسين وبالذات مع العراقيين، وقد تعاقدنا معها لغرض التغيير فقط ليس إلا.
وبعد أن نقلتنا الطائرة الخاصة إلى الأردن، وخلال انتظارنا في صالة الانتظار (ترانزيت)، قبل أن تنقلنا طائرة أخرى لتونس، ومن ثم ندخل ليبيا عن طريق البر(بسبب الحصار المفروض على ليبيا).
وبصدفة غير متوقعة التقت عيناي بعيون الأستاذ فالح المحتارة! في صالة الانتظار، علمت منه بأنّ إعارته قد انتهت مدتها، لذا جاء يبحث عن فرصة التعاقد مع لجنة ليبيا بعد أن وصل شهرتها للعراق.
حينها سألته عن الرحلة الأخيرة، وتلك التي قبلها، التي لم يسمح له بصعوده الطائرة بسبب شحنة الأسماك.

فقال لي:- يقينا أني عزفت عن السفر، كان الحظ نحسا معي، لم يدرك أطر ظني وأملي أبدا.
فقلت بقرارة نفسي: أن لم أسافر في المرة القادمة، سوف الغي سفري نهائيا.
كان يتكلم وهو غارق بضحكة عريضة، وهو يقول: عين معز هي السبب، كانت أقوى من السيف عنتر على رقبتي هههههههههههه.

آن ذاك نودي على ركاب الطائرة المتوجهة لتونس بالصعود للطائرة، فكانت تلك اللحظات هي آخر لعقة راغت بها عيناي في ملامح وجهه الأسمر.
ودعته معانقا والأمل يراوده في مرافقنا، فقلت له تأمل خيرا، فليس للحاسد إلا حصد ما زرع من الحسد.






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني
حول آفاق ومكانة اليسار ، حوار مع الرفيق تاج السر عثمان عضو المكتب السياسي - الحزب الشيوعي السوداني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نبع الحنان
- قصة فروة السبع
- اسم بغداد
- الأميرة والمؤذن
- لغة العود والحجر --- عنوان كتابي القادم قصص من الموروث الشعب ...
- فرصة هدف
- الباستا مقابل الإقامة
- الإعصار بين كفيها
- البصمة التي ابتسمت لها السويد


المزيد.....




- العثماني معلقا على الانتقادات الاحترازية خلال رمضان: الزمن ك ...
- تلخيص وترجمة كتاب هام أثار كثيرا من الجدل بعنوان”تكلفة الذكو ...
- فيديو لفنانتين سوريتين في الإمارات يثير موجة من التعليقات
- مصر.. محاكمة طبيب مشهور متهم بهتك عرض 4 رجال بينهم فنانون
- مصر.. خالد النبوي يعلق لأول مرة منذ تدهور حالته الصحية
- -تبدو وكأنها ألحان قيثارة-... علماء يستلهمون الموسيقى من شبا ...
- المخرج الإسرائيلي آفي مغربي: الحرب همجية .. والصراعات تنشر ا ...
- فنان تركي يجمع 16 ألف خصلة شعر من نساء من حول العالم.. والسب ...
- نزهة الشعشاع تفسر أهمية -العلاج بالمسرح-
- إصدار جديد يوثق الحياة الثقافية والاجتماعية بالرباط خلال الق ...


المزيد.....

- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- أسأم / لا أسأم... / محمد الحنفي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عباس مدحت محمد البياتي - البعد الثالث في لغز العين