أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فارس حميد أمانة - الطريق















المزيد.....


الطريق


فارس حميد أمانة

الحوار المتمدن-العدد: 5365 - 2016 / 12 / 8 - 12:34
المحور: الادب والفن
    


المقدمة : هل يستطيع الحب تغيير حياة الانسان؟
قصة قصيرة ..
الطريق
( 1 )
أطفأ سيجارته ونهض بتثاقل ليفتح الباب بعد إن سمع طرقا خفيفا .. فتحه بنصف انفراجة ليرى الطارق .. لم يكن هناك أحد أمام الباب فهم بإغلاقه لكنه رأى فتاة شابة تقف في الممر وعلى بعد عدة خطوات .. نظر اليها مليا .. فتاة متوسطة الجمال بثوب رخيص لكنه نظيف وأنيق .. ينسدل حتى يصل شبرا فوق الكعبين .. نهدان صغيران لا يكشفان العمر الحقيقي للفتاة لكنه خمن انها ربما كانت في منتصف العشرينيات .. بشرة بلون الحنطة إلا أنها تميل للبياض .. جسد منتصب القامة برشاقة مع اكتناز قليل لا يكاد يبين .. ابتسمت الفتاة بارتباك بعد أن تقدمت نحوه وهي تسأله : " هل تريد يا سيدي ؟ " .. فغر فاه ورفع حاجبيه الكثين .. لم يجبها إذ لم يفهم معنى فرد عليها بسؤال أيضا : " ماذا ؟ " .. فردت بلعثمة أكثر : " هل تريد .. تريدني يا سيدي ؟ " .. بدا له أنها عانت كثيرا لتلفظ الجملة .. فتح الباب أكثر وأشار لها بالدخول .. فدلفت وأغلقت الباب بنفسها ثم اتكأت عليه بظهرها وصدرها يرتفع ويهبط بتنفس عميق كأنها هرولت لمسافة طويلة .. كانت وكأنها تلتقط أنفاسها قبل أن تبدأ بالكلام ..
أخذ بيدها واقتادها إلى الأريكة ليجلس معها وهو يبادرها بالكلام : " كنت أعد الشاي قبل أن تطرقي باب الشقة .. هل تشربين قليلا معي ؟ " .. أومأت برأسها علامة الرضا وصدرها لا يزال يتهدج من الارتباك وصوت تنفسها يسمع من مسافة .. سألها عن اسمها وهو يقدم لها قدح الشاي فأجابت بعد تردد : " عنايات " ..
- " متى تريد أن تبدأ ؟ .. سأنهي قدحي بسرعة .. الوقت محسوب علي " .. هكذا هتفت بحسرة وبشيء من الحزن .. ثم تنهدت ..
- " الوقت ؟ آه .. الوقت هو عمرنا الذي مضى .. وعمرنا الذي سيمضي " ..
هكذا رد عليها .. إلا أنها بدت غير مهتمة لهذه الفلسفة التي تفوه بها فردت عليه : " كم ستعطيني ؟ " .. لم يجبها بل قام من الأريكة وسحبها من يدها برفق إلى غرفة نوم مجاورة ثم قال : " سنرى ذلك في حينه .. ستكونين راضية عن الثمن " ..
على أريكة غير مرتبة جلست لتبدأ بخلع ملابسها فمد يده إلى معصمها وقال لها : " ليس الآن عنايات .. لنتحدث قليلا " .. فانصاعت الفتاة وهو يجرها ليتمدد الجسدان متجاورين على السرير .. تردد كثيرا ليختار عبارات أخف وقعا وهو يركز بصره على السقف متحاشيا النظر في عينيها : " اخبريني لم أنت .. ؟ أنت .. أقصد هكذا ؟ " .. مرت دقيقة صمت قبل أن يجد العبارة المناسبة : " لماذا تبيعين جسدك ؟ " ألقى بوجهها بجملته وكأنه يتخفف من حمل حمله فترة ما .. استدار لها لينظر في عينيها .. كانت نظراتها معلقة في السقف وشفتاها ترتعشان قليلا .. ربما كانت هناك دمعة لم تسقط من عينها .. شعر بالندم لكلماته الحمقاء وسأل نفسه لم لا يكمل الصفقة معها ثم يضع في يدها الثمن ليطلق سراحها بعد ذاك ؟ كم يغادرنا العقل أحيانا ؟ ..
" هل جرحت مشاعرها ؟ " سأل نفسه أيضا .. إلا انه سرعان ما تساءل مع نفسه إن كان لبائعات الهوى مثلها مشاعر .. حرك يديه وكأنه يطرد من أمامه تلك الأفكار المتجسدة أمام نظره بأشكالها الهلامية المتراقصة .. : " تستطيعين إن لا تردي " أردف لها .. بعد فترة صمت قصيرة أجابته بصوت مختنق وبنبرة حزن : " هل تعتقد إن هذا شيء يستحق أن نتحدث عنه ؟ ".
استدار بجسده إليها ثم أمسك بكلتا يديها فوجدهما دافئتين ومرتعشتين .. ثم قال لها بود واضح : " تحدثي فقط إن كان ذلك يريحك " .. لم تجبه الفتاة بل استوت جالسة لتبدأ بخلع ملابسها قطعة فقطعة حتى تعرت تماما .. رمقته بعين تكاد تدمع قائلة : " أخبرتك إنني محاسبة على الوقت .. أرجوك .. لنبدأ " .. مد أصابع يديه الاثنتين متحسسا بشرتها التي بدت أكثر بياضا من وجهها .. فأحس بارتعاش بشرتها تحت أصابعه .. شعر بدفء جسدها وليونته يحركان في داخله رجلا آخر استيقظ من نومه للتو .. فانحنى بشفتيه على شفتيها وهو يحتضن عنقها البض .. فاستسلمت الفتاة متأوهة ومغمضة عينيها ..
لم تمض على مقدم الفتاة إلا ساعة ونصف حتى رافقها إلى الباب وهو يدس في يدها مبلغا من النقود .. ابتسمت برضا وهي تتحسس المبلغ .. انه كما يبدو أكثر مما توقعت وهذا أفضل مما لو أنها حددت مبلغا قبل البدء .. التفتت قبل خروجها قائلة :
- " هل آتيك غدا ؟ .. في نفس الموعد إن أحببت ؟ " ..
- " كلا " أجاب بسرعة .. " غدا سأذهب باكرا في جولات مع شركة سياحية لأتفرج على معالم المدينة "
- " بعد غد إذن ؟ .. ما قولك ؟ " .. .. ردت بسرعة
- " لا بأس " ..
هكذا أجابها .. خرجت مودعة إياه .. ما هي إلا لحظات فقط حتى رجعت قبل إن يغلق الباب قائلة
- " اسمع .. سآتي غدا وأطرق طرقتين متلاحقتين ثم طرقة أخرى وسأكرر نفس الطرق بعد نصف دقيقة فان لم تفتح سأعرف انك غير موجود " .. لم يرد بل اكتفى بابتسامة فقالت الفتاة متسائلة
- " هل يضايقك ذلك ؟ " ..
- " لا بالتأكيد " أجابها ثم أردف : " لكن ذلك سيكلفك وقتا ونقودا كما إنني بالتأكيد سأذهب في تلك الجولة.
- " لا عليك .. " أجابت الفتاة ثم أردفت بألم : " سأحاول .. هل سأخسر أكثر مما خسرته في حياتي ؟ "
قالت ذلك ثم استدارت بسرعة نازلة ودون أن تنتظر جوابا .. سرعان ما ابتلعها السلم المتلوي كالأفعوان .. لم يبق منها سوى أثر عطر رخيص كانت تتعطر به .. أما هو فقد رجع لفراشه غير المرتب وقد سقط الشرشف على الأرض .. فكر فيما إذا كانت الفتاة تختلف عن الأخريات .. " وهل تختلف بائعات الهوى في أي بلد عن بعضهن ؟ " .. هكذا سأل نفسه وهو يحدق في السقف .. " إنها في النهاية بائعة هوى .. ليس إلا " .. سرعان ما غط في نوم عميق ..
( 2 )
تأخرت عنايات .. تساءل مع نفسه إن كان ينتظرها وان كان مجيئها مهما ؟ لم يتأخر كثيرا بتساؤله فقد طرق الباب طرقتين متتاليتين وقبل أن يسمع الطرقة الثالثة كان الباب يفتح ليرى عنايات ويدها معلقة في الهواء تهم بالنزول على الباب بالطرقة الثالثة المميزة .. أمسك يدها واقتادها للداخل .. " أرغب بقدح شاي إن لم تمانع لكنني من سيعده إن سمحت " .. هكذا قالت وهي تكاد تتعثر بحذائها .. احتضنها محاولا أن لا يبدو عليه انه كان مهتما لقدومها ..
- كيف كانت جولتك السياحية البارحة ؟ .. سألته وهي ترتشف قليلا من الشاي الساخن ..
- جيدة جدا .. لقد استمتعت حقا .. أجابها من غير حماس ..
- هل أتيت البارحة ؟ .. سألها وهو يضع كوب الشاي بجانبه ..
- هل هذا مهم بالنسبة إليك ؟ ..
إلتمعت عيناها بشدة وهي تجيبه هكذا .. لاحظ ذلك بوضوح إلا انه حاول بحركة من يده ومن شفتيه أن يفهما بعدم أهمية الموضوع إلا أنها ردت بسرعة :
- نعم .. وقد قلت لك إنني سأطرق مرتين ثم أنصرف " ..
- وهل فعلت ذلك ؟ .. سألها باهتمام لم يستطع أن يخفيه ..
- كلا .. ردت بنبرة خافتة .. ثم أردفت :
- بل أربع مرات ..
أغمضت عينيها وهي تنطق عبارتها الأخيرة كطفل يبوح بجرم ارتكبه .. عانقها ملتقطا شفتيها المرتجفتين بين شفتيه فشعر بدفئهما .. تناول منها قدح الشاي ووضعه جانبا وهو ينزلق معها على الأرض ويده تمتد لفتح أزرار قميصها الزهري اللون ويده تنزلق لنهديها الدافئين فأحس بارتعاشهما تحت أصابعه .. فقالت بصوت متهدج : " هل نذهب إلى غرفة النوم ؟ " .. لم يجب .. الرجل الآخر الجائع المختبئ في أعماقه أزاح الشاب جانبا مرة أخرى .. أصبح الرجل الآخر والفتاة الملتهبة ثعبانين يتلويان على بعضهما ورائحة الرغبة تنبعث من جلديهما الساخنين منسكبة على أرضية الغرفة ككائن هلامي غير مرئي .. أحس حينها أنها منحته أكثر من جسدها .. منحته وجدانها أيضا ..
مضت عشرة أيام على ذلك .. تجددت اللقاءات فيها كل صباح .. شعرت عنايات إن شيئا فيها قد تغير .. هناك شيء من القوة والرغبة في الحياة ينبع ليرمم الصدع في روحها .. أما الرجل فقد شعر أن عنايات أصبحت جزءا من حياته .. وهذا ما كدر عليه كثيرا .. " التعلق ببائعة هوى .. شيء خطير " .. هذا ما كان يردده لنفسه كل صباح .. لكن ما إن تطرق الباب بطرقتها المعهودة حتى يقفز فاتحا الباب ناسيا إرهاصات عقله تاركا خلفه كل مخاوفه .. " سأرجع إلى بلدي .. وسترجع عنايات إلى حياتها .. ليس هناك ما أقلق منه .. قريبا سينتهي كل شيء " .. لم يكن التعليل الذي وضعه مقنعا له على الإطلاق وكان يعرف ذلك .. الحيرة في ازدياد ..
( 3 )
طرقت الباب في اليوم الحادي عشر بنفس الطريقة .. تأخر قليلا ثم فتح الباب .. لا يجب أن تشعر بلهفته للقائها .. دلفت عنايات بخفة واحتضنته وهي تهمس في أذنه : " اشتقت إليك .. حقا اشتقت إليك " .. قبل عنقها وهو يجلسها على ركبتيه .. " هل تريدين الشاي ؟ " .. قال بلطف .. فأجابت بالإيجاب فما كان منه إلا إن نهض إلى غرفة المطبخ حاملا قدحي شاي .. ابتسمت : " بهذه السرعة ؟ " ردت وهي تتلقى القدح الذي قدمه لها .. " أعددت الشاي لنا في نفس الموعد .. كنت أنتظرك فقد تعودت على قدومك كل صباح " .. رد بحماس واضح .. ما إن أكملت نصف قدحها حتى ألقت برأسها على كتفيه فانحنى بشفتيه على جيدها البض .. تنشق عطر بشرتها ثم أغمض عينيه ويده تنزلق من فتحة قميصها إلى التلتين الصغيرتين .. سقط الاثنان على الأرض منصهرين في كتلة ذائبة واحدة .. جاهدت الفتاة أن تهبه الاثنين معا .. جسدها .. وقلبها ..
سألها وهما لا يزالان ممدان عاريين على أرضية الغرفة وفمه ينفث دخان سيجارته ليتصاعد حلقات باهتة تتكسر عند السقف : " تحدثي إلي .. لماذا ؟ "
- " عن أي شيء ؟ "
- " لماذا لا تجدين عملا آخر بدلا من ذلك ؟ "
- " لماذا ؟ "
- " لا أعرف .. عمل جديد سيكون أفضل لك .. أتخيل إن شكلك واقفة في محل عمل تبيعين للزبائن أو حتى خلف ماكنة في مصنع سيكون أفضل من .. من .. " ..
تردد كثيرا .. لكنه لم يكمل ..
- " لا أستطيع " .. ردت الفتاة بألم اتضح جليا من نبرة صوتها .
- " لماذا ؟ "
- " زوجي يجبرني على ذلك " .. قالت ذلك وهي ترخي بصرها نحو الأرض .. شعرت بانكسار شديد وهي تصل إلى هذه النقطة .
- " ماذا ؟ " .. رد مصعوقا .
- " لقد تزوجني شاب عربي زواجا عرفيا أغضب أهلي فطردوني من حياتهم .. بعد بضعة أيام جلب رجلا للبيت وأجبرني على إن أهب نفسي له " ..
- " زوجك ؟ لماذا لم تقاومي ؟ "
- " ضربني الاثنان بكل قوة حتى أقبل .. بعد أن أنهى الرجل فعلته وضع النقود تحت الوسادة دون أن أعرف وخرج .. كان زوجي يتفق مع الرجال على مبلغ يضعوه تحت الوسادة دون علمي ليأخذه بعد ذلك " ..
- " لا أصدق .. لماذا لم تهربي ؟ "
- " أنا أيضا لا أزال أيضا غير مصدقة .. يخيل لي أحيانا إنني أعيش كابوسا لن ألبث أن أستيقظ منه لينتهي كل شيء ..لا أهل لي .. ولا عمل لدي بل لا ملجأ على الإطلاق .. لقد خبأ الورقة التي تزوجني بها ولم أستطع إيجادها .. كان الشاهدان الموقعان معنا هما من ناما معي بعد أسبوع من زواجنا .. هددني بتهمة البغاء إن تمردت عليه ولا أملك ما يسندني قانونا .. وبعد عدة مشاكل مع شرطة الآداب أصبح يجبرني على التنقل بين الشقق لأرجع له بالنقود " ..
اختنقت الفتاة وهي تنطق الكلمات بصعوبة بالغة ثم انهمرت دموعها ساخنة .. غزيرة .. كانت تبكي بصمت مؤلم .. سال الكحل من عينيها على شكل نهرين أسودين صغيرين حتى شفتيها .. أردفت أيضا
" هل تعرف شيئا ؟ أكثر من نصف المبلغ أعطيه للبواب ولصاحب العمارة حيث يخبره البواب بعدد المرات التي دخلت فيها وأعطي جزءا لضابط الشرطة المكلف بالمنطقة وما يتبقى أعطيه لزوجي فيأخذ الحصة الأكبر تاركا لي القليل جدا " ..
- " هل يعيش كل هؤلاء الرجال الأنذال على جسدك الصغير هذا ؟ عنايات ؟ .. هل تعتقدين انك ضعيفة إلى درجة الاستسلام ؟ هل فكرت بمصيرك عند ذبول جسدك الذي يعيش البعض عليه ؟ سيتخلى عنك الجميع حينها .. ستنتهين وحيدة " ..
- " أشعر إنني منكسرة .. صدقني .. أنت أول رجل يتحدث لي ويعاملني بلطف هكذا .. كنت أشعر بالذل والانكسار في كل مرة ومع أي رجل منهم .. وإنني وعاء رغبة يمتلئ عند حاجة رجل لذلك .. وعاء .. ليس غير .." ..
- " هل ترغبين بإيقاف كل ذلك ؟ أنت فتاة لطيفة .. ابتعدي عن هذا الرجل .. اهربي إلى أي مكان ثم اعملي أي شيء .. حتى لو اضطررت إلى الخدمة في البيوت أو بيع أي شيء في التقاطعات .. الأطفال الصغار الذين في التقاطعات ليسو أفضل منك " ..
- " أرغب بذلك بشدة لكنني لا أستطيع .. زوجي يضربني بقسوة بالغة إن عدت إليه بدون النقود .. إنني اقطع من لحمي قطعا لأبيعها .. هذا ما أشعر به كل مرة .. هل تتصور كم يؤلمني ذلك ؟ " ..
- " توقفي إذن عن فعل ذلك " ..
- " لا أقدر .. لا أقدر " .. قالت ذلك ثم سيطرت عليها موجة بكاء شديدة ..
احتضن رأسها واضعا شفتيه على شعرها .. ما الذي فعله بها .. بل ما الذي فعله بنفسه هو ؟ لماذا أقحم نفسه بحياة ومصير بائعة هوى لا يعرف سوى اسمها ؟
- " اهدئي قليلا " .. قال لها ذلك إلا أنها استمرت ببكاء تحول إلى نشيج خافت ..
- " توقفي عن بيع جسدك عنايات .. توقفي .. الآن " ..
إلا إن بكائها ازداد حدة حتى أصبح نوبة هستيرية .. صرخ بها وهو يهزها بعنف .. حدقت في عينيه المحمرتين فخافت كثيرا .. ارتعش جسدها كله .. نهضت ترتدي ملابسها على عجل وبشكل غير مرتب ..
- " هل ستغادرين دون أن تأخذي نقودك ؟ " قال ذلك دون أن ينظر إليها .. لم تجبه بل سارعت إلى الباب تفتحه فصرخ وراءها بقوة
- " إن لم تتوقفي عن ذلك لا ترجعي مطلقا " .. خرجت وهي تصفق الباب وراءها ثم هرولت متعثرة عند السلم .. لقد شعرت للتو بالصدع في قلبها .. أما هو .. فالتقط القدح الذي بجانبه قاذفا به نحو الباب المغلق .. تهشم قطعا صغيرة .. أحس اللحظة انه كان يرغب بصفعها على وجهها بل ربما بصفع وجهه هو أيضا ..
( 4 )
استيقظ مبكرا في اليوم التالي .. ولج غرفة المطبخ وأعد شايا .. شرب قليلا من القدح ثم أزاحه جانبا .. قام من جلسته ليدخل المطبخ مرة أخرى .. عاد بقدح آخر وضعه على الطاولة .. : " لن تأتي " .. تمتم مع نفسه بهاتين الكلمتين .. " لكن .. إن أتت سيكون ذلك أفضل .. لن أحدثها عن الثورة على الرجل الذي يستعبدها " قال لنفسه أيضا " هذا شأنها .. شأنها فقط " .. أنصت إلى حركة خلف الباب فقفز يفتحه .. كانت هناك عائلة في شقة أخرى تنقل أغراضا .. لم تكن هي .. سرعان ما حل المساء بطيئا .. ثقيلا .. مملا .. " لم تأت عنايات .. حسنا فعلت .. سأتعود على ذلك .. وسأنساها " .. وضع القدحين بجانب بعضهما وغرق في تفكير عميق .. متى سينتهي كل هذا ؟ ..
استبد به الجوع إذ لم يأكل منذ الصباح .. خرج إلى المطعم القريب .. أنهى طعامه ثم ضرب بقدميه حتى الحاجز الحجري الذي يفصل النهر عن رصيف الشارع .. كان هناك الكثير من العشاق يجلسون سويا ونسيم نهري يزيح خصلات من شعور الفتيات فوق الجباه .. فيزيدهن جمالا .. هل يحلم بالجلوس مع عنايات وكتفها يلامس كتفه وخصلات من شعرها تسقط على عنقه وكفها الصغير ينام في كفه كأنه عصفور بردان ؟ أزاح كل تلك التصورات .. " لا بد وان أكون مجنونا " ..
كان اليوم التالي أشد ثقلا .. عبر موعدها ساعة أو أكثر .. خرج من الشقة ليتقي ثقل التفكير .. نجح في ذلك قليلا .. بقي حتى ساعة متأخرة من الليل .. وعند رجوعه غط في نوم عميق حال استلقاءه على السرير .. مرت أربعة أيام أخرى دون أن يسمع الطرق المحبب إلى قلبه ..
في صباح اليوم الخامس ومبكرا جدا كان الطرق المعهود يحرك قلبه قبل أن يحرك ساقيه .. قفز ملسوعا ليفتح الباب .. أطلت عنايات بوجه مصفر .. وبشفة مشقوقة من زاويتها اليسرى والجرح لا زال طريا لم يندمل بشكل جيد .. دخلت بسرعة لترمي برأسها فوق صدره منخرطة في بكاء أوجع قلبه .. أجلسها على الأريكة لترتاح قليلا والدهشة تجتاحه بقوة .. حمل لها كأس الماء فشربت قليلا لتتماسك .. " لم تعد لي الشاي ككل مرة " قالت ذلك بابتسامة باهتة ملأها الألم .. " حسنا هاهي تتذكر أشياء جميلة كنا نعملها معا " حدث نفسه بذلك مبتسما والألم لا زال يوجع قلبه ..
أخبرته أنها تمردت على رجلها ورفضت الخروج لبيع جسدها فشدها من شعرها وألقاها على الأرض فما كان منها إلا إن قامت ووجهت له ضربة بكفها على وجهه فجن جنونه وصفعها بشدة فشق زاوية شفتها بمقدمة خاتم كان يضعه بإصبعه محدثا جرحا كبيرا .. هربت إلى الخارج فصرخ وراءها : " سيرجعك الجوع إلي أيتها البغي " .. لجأت الفتاة إلى شقة إحدى صديقاتها ممن لا يعرفهن .. وقد ساعدتها ببعض المال لحين أن تجد عملا ..
احتضنها بقوة وهو يتمتم لها : " أنت شجاعة يا عنايات .. لقد عثرت على بداية الطريق .. ما تبقى أن تكملي وتثبتي لنفسك أولا انك فتاة أخرى " .. بعد دقائق كان الباب يلفضهما إلى الشارع .. أشار عند المنعطف إلى سيارة أجرة فركبا لينزلا عند مطعم على النهر الكبير .. أكلت الفتاة كثيرا وبسرعة .. رفعت رأسها إليه وقالت بخجل : " أشعر بجوع شديد إذ لم أأكل جيدا منذ الحادث " .. تمشيا على طول الكورنيش كثيرا بعد فراغهما من الأكل وعبرا كوبري عباس مرتين والفرح الخفي ثالثهما .. كانت الفتاة تضحك بعمق وتتقافز أمامه كالعصفور الصغير .. وكان فرحا جدا بها .. لقد وضعت عنايات قدمها على بداية الطريق وهذه خطوتها الأولى ..
في ساعة متأخرة من الليل قالت له وهي تحتضن يده : " علي الرجوع لمنزل صديقتي .. لا يمكنني التأخر أكثر " .. رفع كفها إلى شفتيه لاثما أطراف أصابعها .. ثم أخرج من محفظته بعض النقود ودسها بيدها .. قالت بغضب بدا واضحا
- " لا أستطيع أن أقبل أي نقود " ..
- " لكنك تحتاجين اليها " ..
- " لم أمنحك شيئا حتى تنقدني الثمن " .. هكذا أجابت وبغضب أشد .
- " بل منحتني أفضل شعور .. من فضلك .. اقبلي "
- " لا .. مستحيل " .. قالت ذلك وهي تمسك بالنقود لتعيدها إلى محفظته ..
اختفت سيارة الأجرة التي أقلتها .. لم يلمح منها سوى ظل باهت لشعرها المنسدل .. ثم اختفت السيارة بعد أن اختلطت أضواؤها الخلفية بأضواء عشرات السيارات ..
( 5 )
" ستكون هذه ليلتي الأخيرة هنا " .. قال لها ذلك بعد بضعة أيام وقد جمعتهما غرفة النوم ..
أطرقت عنايات برأسها حتى كادت خصلة من شعرها أن تلامس مسند الأريكة .. مرت دقائق من صمت ووجوم .. لم يتحدث هو أيضا .. كان الألم يعتصر قلبه ..
- " هل ستكونين قوية ؟ " .. سألها .. لم تجبه بل ظلت مطرقة إلى الأرض .. تشاغل بترتيب بعض ملابسه في حقيبة السفر الكبيرة ..
- " هل ترغبين ببعض الشاي ؟ ".. قال ذلك وهو يمد يده إلى ذقنها ليرفع رأسها فأحس ببلل يرطب أطراف أصابعه .. كانت الدموع السوداء تنهمر من عينيها بصمت ..لم ترفع رأسها .. مد يده مرة أخرى ليضغط بقوة تحت ذقنها ليرفعه .. رأى ذلك الوجه الصغير وبعض الخصلات قد سقطت لتغطي جانبا منه .. رأى أن عينيها أجمل مما كان يراه كل يوم .. رأى أن شفتيها ترتعشان لتطلقا كلمات لم يستطع سماعها ..
- " لا بد من نهاية لكل شيء .. علي الرجوع لبلدي .. عديني انك ستكونين قوية وستكملين طريقك الجديد " هكذا همس بأذنها .. لم تجبه إلا بحركة واحدة .. نهضت لتلقي بنفسها في أحضانه وهي تجهش بالبكاء .. لثم شفتين مبللتين بدموعها .. قبل عنقها بحب وود عميقين .. قبل جيدها .. رجع إلى شفتيها يقبلهما وكأنه لم يقبل امرأة في حياته .. احتضنته هي بقوة كأنها تريد أن تمنحه كل شيء .. تمنحه جسدها .. عقلها .. قلبها .. روحها .. كل شيء .. غاب الاثنان في لذة عناق دافئ .. ثم ذاب الجسدان ليصبحا كتلة واحدة .. ملتهبة ..
- سآتي إلى المطار لأودعك .. قالت الفتاة ..
- لا .. مطلقا .. رد الشاب بحزم ..
- من فضلك .. اسمح لي بتوديعك .. قالت ذلك بتوسل شديد بان في عينيها ..
- سيكون إقلاع الطائرة مبكرا جدا .. عليك أن تذهبي إلى بيت صديقتك ..
ود لو انه يستطيع إخبارها بالحقيقة المرة .. إن قلبه سينفطر لو رآها في المطار ..
(6)
خيل إليه وهو يجر حقيبته على بلاط الممر المؤدي إلى قاعة فحص الأمتعة في المطار انه لمح وجه عنايات بين عدد من وجوه المودعين المتجمهرين خلف الحاجز .. انحنى ملتقطا حقيبته ورجع إلى الخلف .. اختفى وجه عنايات بين عشرات الوجوه فبحث حتى عند الزوايا لعله يراها .. لم تكن هناك .. هل جاءت لتلمحه قبل سفره ثم رجعت ؟ هل كان يحلم بأمنية كالأطفال فخيل إليه أنها تحققت ؟ هل كانت هي حقا أم انه يسبح في أوهام مجنونة تصورها له روحه الشفافة ؟..
درجت الطائرة ببطء على المدرج وجناحيها يهتزان بخفة .. القي نظرة على البناية قبل أن تبتعد الطائرة عنها لتتوقف قليلا فوق مدرج طويل آخر لبضع دقائق قبل أن تهدر المحركات الثلاثة ثم تتسارع ليشعر بحركة العجلات تحته .. اختفى الشعور بحركة العجلات لتصبح الطائرة كتلة هائمة في الهواء .. نظر من النافذة بعد إن استدارت الطائرة خافضة جناحها الذي كان بجانبه .. بدت له مباني القاهرة وكأنها مكعبات صغيرة كتلك المكعبات التي يلعب بها الأطفال .. أما شوارعها فبدت كأنها خيوط رفيعة تمتد بين تلك المكعبات .. ارتفعت الطائرة أكثر فاختفت المدينة تحته خلف هلام من ضباب خفيف تكاثف شيئا فشيئا ..
حدق مرة أخرى من خلال الغيوم .. هناك في الأسفل .. أحس انه فقد جزءا من قلبه .. وجزءا من عقله ..






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني
حول آفاق ومكانة اليسار ، حوار مع الرفيق تاج السر عثمان عضو المكتب السياسي - الحزب الشيوعي السوداني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اليوم خمر .. وغدا أمر
- قصة حب
- أطفال داعش .. اندماج .. أم قنابل مخبأة
- هدى جرجيس سعيد .. المسيحية -الكافرة-
- أنا .. ارهابي ( الجزء الثالث والأخير)
- أنا .. ارهابي .. الجزء الثاني
- أنا .. ارهابي
- الرحيل بعد صعود الجلجلة
- احتراق
- تحليق
- ندم مجدلية
- ندم المجدلية
- لا تندمي .. لا
- من دونك يا بغداد
- البحث عن عبد اللطيف علو
- بدونك
- ارتديني معطفا عند العناق
- ﺇ-;-متطاء صهوة الجنون
- أوجاع البجعة البيضاء
- هدى جرجيس سعيد .. أيقونة المحبة


المزيد.....




- العثماني معلقا على الانتقادات الاحترازية خلال رمضان: الزمن ك ...
- تلخيص وترجمة كتاب هام أثار كثيرا من الجدل بعنوان”تكلفة الذكو ...
- فيديو لفنانتين سوريتين في الإمارات يثير موجة من التعليقات
- مصر.. محاكمة طبيب مشهور متهم بهتك عرض 4 رجال بينهم فنانون
- مصر.. خالد النبوي يعلق لأول مرة منذ تدهور حالته الصحية
- -تبدو وكأنها ألحان قيثارة-... علماء يستلهمون الموسيقى من شبا ...
- المخرج الإسرائيلي آفي مغربي: الحرب همجية .. والصراعات تنشر ا ...
- فنان تركي يجمع 16 ألف خصلة شعر من نساء من حول العالم.. والسب ...
- نزهة الشعشاع تفسر أهمية -العلاج بالمسرح-
- إصدار جديد يوثق الحياة الثقافية والاجتماعية بالرباط خلال الق ...


المزيد.....

- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- أسأم / لا أسأم... / محمد الحنفي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فارس حميد أمانة - الطريق