أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالكريم العبيدي - خريج يبحث عن وظيفة














المزيد.....

خريج يبحث عن وظيفة


عبدالكريم العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 4873 - 2015 / 7 / 21 - 01:44
المحور: الادب والفن
    


تَتَحَرَّى المقهى فضيحتي بسرية تامة، تقترب جدرانها ببطء لتعاين حيرتي، وتنشغل تخوتها المتهرئة الهزّازة دائما بهذا الاختباء المباغت، اتباء مهندس تقنيات حاسبات عال عن العمل.
لطالما تَركَتْ هذه المقهى آثارا عابرة في عينيَّ، دون أن تعقد معي أيما صحبة، ربما لأنها اعتادت على محوها باغماضة عين، فكل هذا التكرار الممل لم يكن يعني لي شيئا في تلك الرفقة البائسة التي لا تعني شيئا هي الأخرى، هذه الرفقة، مهما صَلُحَتْ، تبقى عقيمة غير ذي جدوى لعاطل مُكره على الاحتماء المهين بها، ربما لسبب تافه يتعلق بضيق جغرافية تسكعي ونهاراتي المهدرة على مدى ثلاثة أعوام.
مازلتُ أدور منذ الصباح في شوارع المدينة، أهمس لنفسي ساخطا: ها قد بدأ النهار، وبدأ مسلسل القلق اليومي، لكنني لم أبدأ، هناك بطء عقيم، موت غير محسوس، أُقايضُ إشاراته المرئية بالصمت، وأتجرع عذابه المزمن بدرجة صبر تبدو مناسبة لهذياني، فكلما أشرقت شمس هذه المدينة أشعر أن النهار سيدوم إلى الأبد, وكلما غربت أظنها لن تعود، الحياة في هذه المدينة دهور عجاف، حُقبٌ غامضة، مكررة، انتظار مضن، لا يحكمه معنى.
قرأتُ شعار صاحب المقهى: "ماكو بالدين لو تحْلِف بالعباس"، ثم طلبت استكان شاي، ورحت أتصفح جريدة قديمة وجدتها على التخت، لكنني لم أفقه شيئا مما قرأت بسبب كثرة طلبات الزبائن، وقرقرة أركيلات الرواد وقهقهاتهم، وضجيج لاعبي الدومينو والطاولي والشطرنج وفحش شتائمهم.
شعرت بصداع، وبخدر يسري في جسدي، طأطأت برأسي وتركت الصحيفة تتسلل من بين أصابعي وتسقط على الأرض.
تقدمت القوة المداهمة باتجاهي، وقفتْ إلى جانب الطاولة فتاة حسناء، مستديرة الوجه، شعرها أسود فاحم ملفوف إلى الخلف، ترتدي فستاناً أسوداً وسيع، وجاكيت أزرق مطرز بخطوط سوداء على الصدر والأكمام. سألتني مبتسمة: بطاقة الهوية، أي مستمسك رسمي لو سمحت.
- أنا شاب مسالم، خريج عاطل، مهندس...
خارج المقهى وجدت سيارة فاخرة تنتظرني، جلست في المقعد الخلفي الى جانب الفتاة، وانطلقت السيارة إلى جهة مجهولة.
داخل مكتبه الأنيق، أعاد المسؤول طرح سؤاله باستغراب للمرة الثالثة، دون أن أجد له جوابا، بينما لاحظت في شريط السوبتايتل على شاشة إحدى الفضائيات خبرا عاجلا يقول: العثور على خريج عاطل في مقهى شعبي!
في مختبر الفحوص الطبية تم إجراء فحص شامل لي، شمل الدماغ والقلب والعينين والأذنين والأسنان، مع فحوصات مختبرية دقيقة للدم والبول والغائط.
في عيادة طبية أخرى مجاورة، جلست على أريكة متحركة، واستسلمت لأسئلة الطبيب النفسي، فيما يعرف بعملية التداعي الحر، وفي مكتب أنيق انهالت علي أسئلة أستاذ في علم الاجتماع، ثم نقلوني إلى غرفة كبيرة تضم جدرانها شاشات كبيرة، وخرائط، وكاميرات، وحالما جلست، أشارة فتاة جميلة إلى رفوف وحافظات وثلاجات عديدة مليئة بقناني البيرة والويسكي والقهوة والشاي والماء والمرطبات والشكلاته.
اقترب مني رجل في الخمسين من العمر، ابتسم لي ثم قال: أنت ثروة وطنية كبرى، تجلس الآن في مركز التعيين الفوري، انظر الى هذا الشاشة، لقد تم التأكد من مستمسكاتك وتحصيلك العلمي، أنت ثروة وطنية كبرى.. ثم تابع هذه الشاشة الثانية، تم عرض نتائج الفحوصات الطبية والنفسية والاجتماعية، أنت ثروة وطنية كبرى.. والآن انظر الى الشاشة الثالثة، ستجد قائمة بالوظائف المناسبة لك، اختر وظيفة منها، هيا يا بني فأنت ثروة وطنية كبرى!
قرأت فقرات القائمة واخترت وظيفة في وزارة النفط. فابتسم لي المسؤول ثم قال هامسا: بإمكانك الالتحاق من الآن ومزاولة عملك، أنت ثروة وطنية كبرى.
نهضت أو كدت، لكن المسؤول أشار إلي قائلا: مهلا، انظر إلى تلك الشاشة العملاقة، ستجد تفاصيل راتبك الشهري، مع مكافآت وتعويضات ستصرف لك مع بداية استلام أول راتب، أنت ثروة وطنية كبرى.
فرِحتُ، وذُهلت من هول الصدمة، وبينما كنت أحاول أن أبقى صامدا، اقتربت مني فتاة تحمل مظروفا كبيرا وسجلا وقلما، قالت: هذا مبلغ نقدي فوري قدر "36" مليون دينارا كتعويض عن الأضرار النفسية التي حقت بك طيلة ثلاثة أعوام، فأنت ثروة وطنية كبرى.
لقفت المضروف ووقعت على استلامه، ورحت أردد منتشيا: أنا ثروة وطنية كبرى، أنا ثروة وطنية....، أنا ثروة....
نهرني صاحب المقهى الفظ، بدا منزعجا، قال"اشثبرتنه، صارلك ساعة نايم وانت مشارب غير استكان شاي؟، جيب ربع دينار واتفضل شوفنه عرض أكتافك"!








الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب
حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خمس قصص باكية جدا
- في لحظات رحيله.. في بدء الفراق -عادل قاسم-.. صورة عراقية لمس ...
- البصرة.. أم السرد
- -31- آذار.. نبض -الآخر- الجميل
- الشيوعي بلوى!
- الشيوعيون -كَفَرَة-
- سوزان ابراهيم و (لعبة الأنا).. قراءة تحليلية في مجموعتها الش ...
- الرفيقة (أم امتاني)
- بيت علي الشباني. محطة الشيوعيين.. شهادة
- العراقيون يتكيفون مع الحر ويحولون معاناتهم إلى نكات!
- شهادة دموية مكتوبة برائحة شواء لحم العراقيين
- مفردات برلمانية تغزو الشارع العراقي الآن
- 1/7 تاريخ كاذب لمواليد العراقيين على مدى قرن
- صورة -فكاهية- من داخل المعتقلات الصدامية
- البعث و ضرورة المراجعة الذاتية


المزيد.....




- -كان يعلم بوفاته-... آخر لحظات الفنان مشاري البلام باكيا قبل ...
- العثماني يبسط الإجراءات المواكبة لتنزيل ورش تعميم الحماية ال ...
- مجلس المستشارين.. تأجيل الجلسة الشهرية المخصصة لتقديم أجوبة ...
- أحاديث المكان وقيد الخاطر في -مسافر زاده الجمال-
- محيي إسماعيل يكشف فنانا أضاف للكوميديا أكثر من عادل إمام... ...
- تعليق قاس من الملحن هاني مهنا على دعوة حمو بيكا لفرح ابنته
- معرض -فنون العالم الإسلامي والهند- في سوثبي
- صدر حديثًا كتاب -ولكن قلبى.. متنبى الألفية الثالثة- للكاتب ي ...
- القدس في عيونهم .. رواية -مدينة الله- للأديب حسن حميد
- أخنوش لـ«إلموندو»: استقبال غالي من شأنه زعزعة الثقة بين البل ...


المزيد.....

- مجموعة نصوص خريف يذرف أوراق التوت / جاكلين سلام
- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالكريم العبيدي - خريج يبحث عن وظيفة