أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - آزاد أحمد علي - كوباني: قصة نجاح على حافة التجميد















المزيد.....

كوباني: قصة نجاح على حافة التجميد


آزاد أحمد علي

الحوار المتمدن-العدد: 4658 - 2014 / 12 / 10 - 13:05
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



يمكن سرد الكثير من القصص والحكايات حول تفاصيل نجاح هذه المنطقة عبر قرن أو اكثر، بما حمله من متغيرات كبرى وتطور إجتماعي – إقتصادي عميق.
إذ لم يبدأ نجاح كوباني من لحظة قدرتها على مواجهة هجمات داعش الإرهابية، ولا إثر تزايد إهتمام الإعلام العالمي والعربي بها، وإنما منذ نشأتها كمدينة صغيرة، بائسة ومنسية على حافة الحدود الدولية التي خطت على طول مسار قطار الشرق السريع مطلع القرن الماضي بين سورية وتركيا.
إن تركيز هجمات تنظيم "الدولة الإسلامية" على ريف كوباني ومركز المدينة في الأشهر الماضية، آثار تساؤلات عديدة، حول خلفية وهدف هذه الهجمة الشرسة، وما الذي سيحققه تنظيم الدولة من وراء السيطرة على هذه المدينة تحديدا؟ ولماذا كل هذه الخسائر والضحايا؟ كثرت الأسئلة التي تزداد صعوبة الإجابة عليها دون معرفة، وإستعراض أبرز ميزات منطقة كوباني، وبالتالي الإلتفات إلى ثقلها الإستراتيجي، والإستعانة به لتفسير جانب من تعقيدات المعضلة والحدث.
تبدأ قصة نجاح كوباني في الربع الأول من القرن الماضي عندما تبلورت ملامحها كمركز حضري صغير، تأسس من تجمع للعائلات كردية حضرية، ومهاجرون أرمن فارون من بطش السلطات العثمانية، إبان الحرب العالمية الأولى. ثم توسعت وإنتعشت لتكون حاضرة لريف واسع شرق الفرات. بدأت حدود منطقة كوباني ترتسم وتترسخ بدءاً بمعاهدة سان ريمو (1920) وإتفاقية أنقرة عام (1921) بين فرنسا والحكومة التركية، مقابل إعتراف تركيا بالإنتداب الفرنسي على سوريا. وإستند مشروعية هذه الحدود على معاهدة لوزان عام (1923)، والتي تم بموجبها طي قرار معاهدة سيفر(1920) المتضمن إنشاء دولة كردية في المناطق ذات الغالبية الكردية الواقعة شرق نهر الفرات وتتضمن أيضا كامل ولاية الموصل. فمن حيث الجوهر كانت إتفاقيتا سان ريمو وأنقرة تعديلا بل إلغاءاً لمعاهدة سيفر، التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، وإشتملت على خفض مساحة أقاليم تركيا، وإنشاء دولة دولة كردية في بعض ولايات الدولة العثمانية السابقة. ما تحقق عمليا هو ضم مناطق من ولاية دياربكر وأجزاء واسعة من سهول ويرانشهر وسروج، إلى سورية التي كانت تتشكل كدولة، وكإتحاد لأقاليم فدرالية في ظل الانتداب الفرنسي. سبب عملية رسم الحدود تمزيقاً للنسيج الحضري – الإجتماعي الكردي شمال خط القطار(تركيا) وجنوبه(سورية)، فتم حرمان هذه الأرياف من الإتصال بالمدن الكردية التاريخية، وهما في منطقة وسط وشمال سهول الجزيرة، مدن: (ويرانشهر، سروج وأورفا)، مما دفع الحاجة بالأهالي لإستحداث مدنية جديدة، وسوق محلية للأرياف التي ظلت جنوب الحدود السورية – التركية، فوقع الإختيار على موقع (كانيا عربان) ليكون هذا الموقع مركزاً إدارياً وسوقاً ناشئة. تكونت النواة الأولى لمدينة كوباني حول أحد مراكز الشركة الألمانية التي قامت بتمديد سكة القطار، سرعان ما إندمجت وإستوعبت مخيم النازحين الأرمن، وإستعارت إسمها كوباني اختصارا من إسم الشركة (كومباني).
نُسجت الأعوام قصة إستيعاب كوباني لمحيطها الريفي والرعوي الواسع، الذي قارب مساحته أربعة آلاف كم مربع، فإرتبطت مع البلدة سهول واسعة كانت تقطنها في الغالب عشائر كردية رحل، تلك التي كانت تجوب براري شرق الفرات شمال مدينة الرقة، وحتى شرق مدينة حماه.
حدث ذلك التحول الكبير في عمران المنطقة دون خطة مسبقة لربط هذه الأرياف بمركز حضري، إلا أن تم إتباع منطقة كوباني لاحقا إلى أقرب وأكبر مدينة في شمالي سورية وهي حلب، التي تقع على بعد (160) كم غرباً.

حافظت منطقة كوباني على أهميتها التي تنبثق من جغرافيتها الوسيطة، فهي شرق الفرات ضمن الجزيرة الفراتية، إلا أنها أخرجت من الناحيتين الإدارية والعملية من الجزيرة، وضمت إلى محافظة حلب، وأتبع قسم صغير من ريفها إلى محافظة الرقة التي تأسست عام (1960).
نتيجة لهذه الإجراءات تم قطع التواصل الاجتماعي والإقتصادي والسياسي بين أكراد الجزيرة(محافظة الحسكة) وأكراد كوباني، الذين كانوا متواصلين سابقا عبر سهول ويرانشهر ورأس العين، وعبر الطريق التاريخي الذي كان يربط حلب بالموصل. لقد إنقطع التواصل الاجتماعي والإداري الذي إستمر لآلاف السنين قبل تقسيم مناطق كوردستان بعد الحرب العالمية الأولى.
لاحقا أصبح تفتيت وتخريب المناطق الكردية في شمال وغرب سورية هدفا وموضوعا لسياسات وخطط الدولة، والحزب الحاكم في دمشق. ولتثبيت هدف تفتيت مناطق الجزيرة العليا، صادرت الحكومة السورية أراضي الملاكين الكورد في غرب رأس العين، خاصة أملاك عائلة (إبراهيم باشا الملي)، وذلك تحت شعار الإصلاح الزراعي، كما تم تسهيل مهمة إستيطان بعض القبائل العربية البدوية غربها، في ناحية (سلوك)، ومنطقة تل أبيض (كري سبي).
وفي سياق لاحق، تفتت وإنكمشت كل المناطق الكردية في شمال وغرب سورية بسبب سياسات الحكومات المتعاقبة التي كانت تتعمد إهمالها وتطويقها، بما فيها كوباني التي سجلت على رغم من تلك السياسات قصة نجاح تنموي، وإنتعاش إقتصادي.
حافظت منطقة كوباني على خصوصيتها وأصالتها، وكذلك على التجانس والتضامن الاجتماعي بين قبائلها، فإتجه أبناء المنطقة نحو العمل الحر، والزراعة بعيدا عن الدعم الحكومي. فتمكنت من المحافظة على التنمية البشرية فيها، وكذلك على قدرتها الفريدة في أن تربط أكراد الجزيرة مع الخزان البشري الكردي الموزعين في المناطق الغربية من سورية في مناطق (الباب، تل عرن، ريف شمال حلب، عفرين، جبل الأكراد في اللاذقية، حماه وحمص)، فالطبيعة العشائرية للمناطق الكردية في غرب سورية هي من نفس الأصول العشائرية في كوباني، كعشائر البرازية التي تتواجد أيضا في محافظة حماه على سبيل المثال لا الحصر.
تمكنت منطقة كوباني من العيش بشكل شبه مستقل، وبإكتفاء ذاتي عالي المستوى، فهي مكونة من ريف واسع تبلغ مساحته إداريا (2730) كم2، يتبعها ناحيتان هما ( شيوخ، وصرين) بمجموع قرى ومزارع تتجاوز عددها (400)، وعدد السكان بلغ (363,000) نسمة، حسب آخر إحصاء رسمي.
إضافة الى سيادة الرعي في سهولها قديما، إنتعشت فيها الزراعة منذ أواسط القرن الماضي، خاصة المروية (القطن والحبوب). إلى أن حققت كوباني قفزة في الحياة الزراعية عندما نجحت في زراعة أشجار الفستق الحلبي، الجوز واللوز، وكذلك الزيتون في السنوات الماضية.
وتوالت فصول نجاح أبنائها عندما إكتسبوا خبرة صناعية عالية، فإشتهروا بصناعة الآلات الزراعية وتعديلها، وبشكل خاص حفارات الآبار العميقة، ومضخات المياه العمودية، ومعدات تقنية أخرى متعددة. لدرجة ان توزع أبنائها في أصقاع متباعدة من قاراتي آسيا وأفريقا، وهم يحفرون آبار مياه الشرب، بنفس الآلات التي صنوعها في مدينة كوباني، ونجحوا في رفع المياه من أعماق تتجاوز الخمسمائة متر.
لاحقا تحققت في كوباني نهضة عمرانية وصناعية، فتوسعت المدينة، وأنشأت فيها مصانع الآلات الزراعية والألبان. إضافة إلى وجود معملان للإسمنت، إحداهما بشراكة تركية (غورش)، والأخرى شركة عملاقة (لافارج) بأسهم فرنسية، شيدت في قرية جلبي، التي تتجاوز رأسمالها /680/ مليون دولار، ويقدر إنتاجها السنوي بحوالي /3/ مليون طن، بمبيعات تقريبية تبلغ /240/ مليون دولار.
بعد الانتفاضة السورية، توجهت إلى كوباني وريفها آلاف العوائل، وخاصة العربية منها، التي تعرضت مناطقها للقصف والتدمير. لتشكل حاضنة ومكانا آمنا للمدنيين.
وعلى ما يبدو أن كوباني قد استهدفت من قبل داعش لهذا السبب أيضا، إضافة لخيراتها وإقتصادها المتنامي. وكذلك لقرب بوابتها التجارية من الحدود التركية. فكان قرار الغزو، الذي سبب خسائر بشرية تجاوزت ألفي شخص، وأخرى إقتصادية كبيرة، تقدر بحوالي (3,7) مليار دولار، وقد ترتفع إلى حوالي (5) مليار دولار حتى صيف عام 2015. وعلى الرغم من الخراب الكبير في ريفها، وتدمير مرافق ومساكن مركز المدينة، إلا أنها تستمر في تسجيل النجاحات من الناحيتين المعنوية والسياسية، فقد توحدت في معركة الدفاع عنها كل القوى المحبة للسلام والمعادية للإرهاب والإستبداد.
لقد كانت كوباني تجربة فريدة، تحكي قصة انتعاش وتطور منطقة كوردية منسية في وسط وشمال سورية، قابلة للتطور والاتحاد مع مناطق الجزيرة في شرقها، لتشكل أرضية لمنطقة واسعة تنتعش خارج سلطة الحكم في دمشق.
أخيرا في الفصل الأخير والدامي من قصتها، باتت كوباني رمزا للبسالة ولتضامن قوى السلم والديمقراطية والمدافعين عن حقوق الإنسان، لدرجة ان مقاومتها المستمرة باتت ترسل إشارات أمل قوية لإحياء العلاقات العربية الكردية، ولتوفير أرضية سياسية مناسبة لإمكانية وحدة قوى المعارضة السورية. فإن نجحت في ذلك فستثبت من جديد، على إستمرارية رمزية قصة نجاحها، في سنوات السلم كما في أوقات الحرب. لكن ما نلمحه في الأفق هو إستثمار سياسي وتوظيف حزبي لهذه القصة بما فيه تجميد إحتلال داعش لها لحين حدوث مستجدات سياسية يوظفها هذا الطرف أو ذاك.






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ملامح محنة العرب السنة
- داعش بين خيوط اللعبة الأمريكية
- معرفة الأكراد عربيا
- لماذا انحنت القوى العظمى أمام حكام طهران؟
- هل حقا كردستان مستعمرة دولية؟
- مصير مناطق غربي كوردستان بعد محطة تل كوجر
- الانتفاضات العربية: جوع للسلطة وكراهية لللاصلاح
- تركيا وخيارات شراكتها الصعبة
- من المدينة الفاضلة إلى مدينة الكينونة
- دور الحركة الكردية في الانتفاضة السورية خلال عام 2011
- الحركة الكردية ودورها في المعارضة السورية*
- يشار كمال في: سلطان الفيلة
- الاستخدام المُفرَط للتاريخ في الأجندات السياسيّة
- اللغة السيكولوجية في العمارة
- مفتي دمشق ابن فضل الله العمري
- العمارة المعاصرة من النزعة السلفية إلى الحداثة المنسجمة
- الكرديّ الذي يحمل خازوقه -نموذجاً للقسوة والاستبداد-
- أسماء للنسيان رواية لنسيان الأحداث الكبرى
- هل تحتاج تركيا إلى حربٍ دائمة ضد الأكراد؟!
- سحر المكان وطاقته أو فن «الفينغ – شوي»


المزيد.....




- موسكو.. افتتاح مراكز الاقتراع في اليوم الثاني من انتخابات مج ...
- وسائل إعلام: وقوع جرحى جراء انفجارين في العاصمة الأفغانية كا ...
- من الأفضل موديرنا أم فايزر ... دراسة أمريكية تكشف تفوق أحد ا ...
- بوتفليقة الرئيس الذي تشبث بالسلطة حتى أسقطه الشارع
- بوتفليقة الرئيس الذي تشبث بالسلطة حتى أسقطه الشارع
- من الأفضل موديرنا أم فايزر ... دراسة أمريكية تكشف تفوق أحد ا ...
- بدون أعراض ـ كم عدد ناقلي عدوى كورونا غير المرئيين؟
- وفاة الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة عن 84 عاماً ...
- مادورو يصل إلى المكسيك قبل قمة لزعماء أمريكا اللاتينية
- رئيس تركمانستان يبحث مع نظيره الإيراني قضايا التعاون الثنائي ...


المزيد.....

- هيكل الأبارتهايد أعمدة سرابية وسقوف نووية / سعيد مضيه
- جريدة طريق الثورة، العدد 41، جويلية-اوت 2017 / حزب الكادحين
- جريدة طريق الثورة، العدد 42، سبتمبر-أكتوبر 2017 / حزب الكادحين
- جريدة طريق الثورة، العدد 43، نوفمبر-ديسمبر 2017 / حزب الكادحين
- جريدة طريق الثورة، العدد 44، ديسمبر17-جانفي 2018 / حزب الكادحين
- جريدة طريق الثورة، العدد 45، فيفري-مارس 2018 / حزب الكادحين
- جريدة طريق الثورة، العدد 46، أفريل-ماي 2018 / حزب الكادحين
- جريدة طريق الثورة، العدد 47، جوان-جويلية 2018 / حزب الكادحين
- جريدة طريق الثورة، العدد 48، سبتمبر-أكتوبر 2018 / حزب الكادحين
- جريدة طريق الثورة، العدد 49، نوفمبر-ديسمبر 2018 / حزب الكادحين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - آزاد أحمد علي - كوباني: قصة نجاح على حافة التجميد