أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - عبد الله أبو أياد العلوي - العنف في حياتنا اليومية محاولة للتفسير















المزيد.....



العنف في حياتنا اليومية محاولة للتفسير


عبد الله أبو أياد العلوي

الحوار المتمدن-العدد: 4588 - 2014 / 9 / 29 - 00:31
المحور: الصحة والسلامة الجسدية والنفسية
    




رغم العديد من الترسانات القانونية والآليات الضبطية، لمكافحة السلوك المخالف للقانون، والمسيء لحقوق الإنسان والمضاد للقيم ولطموحات الأفراد والجماعات والمجتمعات في التقدم والتنمية، مازلنا داخل العالم المعاصر نعاني من عدة اضطرابات في حياتنا اليومية باختلاف مراحل أعمارنا، تبدو في صعوبات قد لا يدركها المرء نفسه، كما يستعصى إدراكها من قبل القيمين على تربيته أو تنشئته إلا عندما تبدو في سلوك مضطرب يتعارض مع المعايير والقيم الاجتماعية، فتتم مواجهتها بالجزاءات التي تحددها الجماعة لمعاقبة ذلك السلوك، وهنا تنتهي المسألة، خاصة عندما ينحصر الجزاء في تحقيق قدر من الإيلام النفسي والجسدي والمادي، ولا يستثمر في فتح فرص للمستهدف منه للتحاور مع ذاته وتمكنه من إدراكها والمصالحة معها، كمدخل للعلاج والتأهيل والإدماج بالتركيز على مقاربات تكاملية.
وفي هذا المداخلة المتواضعة نتطلع إلى استعراض ما تم التوصل إليه في رصد ومعالجة السلوك العدواني عامة والتصرف العنيف بالخصوص، انطلاقا من بعض أعمالنا الميدانية كمربين وكآباء وباحثين بالأساس. فما هو السلوك العدواني؟ وماهي أسسه النفسية؟ وماهي المقاربات التي يجب الاستعانة بها في تفسيره؟ ماهو واقع السلوك العدواني في المدارس؟ وماهي سماته وأسبابه؟ وماهي الأساليب المساعدة على معالجته؟ وماذا نعني بالعنف؟ وماهي أصنافه ومظاهره؟ وماهي أسباب وعوامل تكوينه لدى الشخص؟ وماهي الآثار التي يخلفها على الفرد في مرحلة الطفولة؟ وكيف نعالج العنف؟
أولا: السلوك العدواني
1 ـ تعريف السلوك العدواني:
هناك عدة اجتهادات بشأن تعريف السلوك العدواني، منها من تعتبره استجابة انفعالية متعلمة تتحول مع النمو لدى الفرد، وخاصة لدى الطفل منذ السنة الثانية إلى عدوان وظيفي لارتباطها ارتباطا شرطيا بإشباع الحاجات )سيزار،Sezar (. وهناك من يعزوه إلى حالة عدم ملائمة الخبرات السابقة للفرد مع الخبرات والحوادث الحالية، وإذا دامت هذه الحالة يتكون لدى الفرد إحباط ينتج عنه من جرائه سلوك عدواني من شأنه أن يحدث تغيرات في الواقع حتى تصبح هذه التغيرات ملائمة مع للخبرات والمفاهيم لدى الفرد )كيلي، (Kelley. وفي اجتهاد آخر يتبين أن العدوان سلوك ينتج عنه إيذاء لشخص آخر أو إتلاف لشيء ما، ولذلك فالسلوك التخريبي هو شكل من أشكال العدوان الموجه نحو الأشخاص أو نحو الأشياء )فيشباخ،(Feshbach. وهناك من يرى في العدوان ذلك السلوك المتخلف لنتائج تخريبية أو مكروهة الرامي إلى السيطرة من خلال القوة الجسدية أو اللفظية على الآخرين، وهذا السلوك يعتبر من الناحية الاجتماعية عدوانيا. )البيرت باندورا، (Banadura.
لذلك فهو سلوك يبتغي به صاحبه التنفيس الانفعالي المعبر عن إدراكات مشوهة لذاته وللحياة والواقع، كما أنه إسقاط لما يعانيه الفرد من أزمات نفسية حادة كثيرا ما نجد الأطفال والناشئين يملون إليها بغرض التغريب والاعتداء على الذات أو على الغير، داخل البيت أو المدرسة أو الشارع..، وفي ظل هذه المحاولات الراصدة للسلوك العدواني تأتي محاولة تعريف العنف الذي يعني ذلك التصرف الفردي أو الجماعي الممارس عند إخفاق الذهن الإنساني في القدرة على الإقناع والاقتناع، فيلجأ الفرد من أجل تأكيد وجوده من خلال هذا السلوك.
فالعنف ضغط جسمي أو معنوي ذو طابع فردي أو جماعي، وهو الاستخدام المستند للقوة أو للسلطة أو التهديد بذلك ضد الذات أو ضد شخص أو عدة أشخاص، وفي حق المجتمع برمته، ينتج عنه أدى أو وفاة أو إضرار نفيسة أو اضطراب في النمو أو حرمان عاطفي. وعليه فالعنف هو نمط من سلوك عدواني متطرف، قد يكون ظاهرا أو مقنعا، وقد يبدو في كل نشاط هدام يقوم به الفرد لإلحاق الأذى بالآخرين، سواء عن طريق الاستهزاء والسخرية والهجاء أو من خلال الأذى والإيلام الجسدي والحرمان العاطفي أو المادي، وهي تصرفات نمارسها نحن كوالدين أو أساتذة ومربين على الأجيال الصاعدة بحسن نية، مما يسقطنا في حدود تشكيلها ولا يساعدنا على تكوينها بالمناهج والبرامج التي تؤهلها لقيادة الحاضر والمستقبل بصحة نفسية قوية ومتحضرة.
بصفة عامة يمكن القول )مؤقتا( بأن العنف ممارسة عدوانية توظف القوة والإكراه بغرض التدمير والإضرار بكافة الأصناف، وضد كل الأشخاص والجهات والمجالات. وبالعودة إلى الأسس النفسية للسلوك العدوان والعنف، يتبين بأنها تصرفات بشرية محكومة بنمطين من الدوافع التي نوجهها على نحو محدد من اجل إشباع حاجة معينة أو تحقيق هدف مرسوم:
• الدوافع الأولية التي تتعلق بالبقاء وتضم دوافع حفظ الذات، وهي دوافع فسيولوجية ترتبط بالحاجات الجسدية، ودوافع حفظ النوع المتمثلة بدافعي الجنس والأمومة.
• دوافع ثانوية تكتسب من خلال عملية التنشئة الاجتماعية للفرد عن طريق التعلم والمعرفة ومن بينها دوافع الكينونة ودوافع التملك والسيطرة والتجمع.

2 ـ دوافع السلوك العدواني
كثيرا ما ترتبط هذه الدوافع بصورة عضوية وأساسية بانفعالات الغضب والخوف والكره والحسد والخجل والإعجاب بالنفس وغيرها، فقد تحدث في الجسم حالة من التوتر والاضطراب، وتتزايد حدة كلما اشتد الدافع ثم اشبع أو أعيق عن الإشباع، فقد تكون قدرات الفرد وعاداته المألوفة غير مواتية لإشباع حاجاته وتلبية رغباته ودوافعه لأسباب ذاتية ناتجة عن عوائق شخصية كالعاهات والاضطرابات النفسية التي تؤثر على قدراته. أو خارجية أفرزتها ظروف بيئية كالعوامل التربوية والثقافية والسوسيوتنموية.
فدافع السيطرة عند الفرد مثلا يتطور ليصبح ميولا عدوانيا عنيفا مجموعة من المراحل منها:
-;- الحرمان أو النقص في الرعاية النفسية الاجتماعية التي نحتاج إليها كبشر من المراحل من المراحل الجنينية وإلى مغادرتنا إلى الدار الآخرة، مهما كانت أجناسنا واعتقاداتنا ومواقعنا الاجتماعية والسياسية، وبغض النظر على أحوالنا الاقتصادية والأسرية، وإمكانياتنا المعرفية، فكلنا في حاجة لهذا الرعاية كحق أصيل من حقوق الإنسان.
-;- الحرمان من الدفء الأسري أو نقصانه جراء الإهمال أو الترك أو الطلاق، فيصبح الطفل عدوانيا جراء فقدانه رعاية الأب وعطفه أو نتيجة مشاهدته أشكال النزاع بين الوالدين. كما يصبح الطفل مفرط الحركة إلى حد بجعله مصدر إزعاج سلوكي وهو في سن الثالثة. وقد يتعرض الطفل في هذه المرحلة إلى صورة شتى من التعسف والإيذاء الجسدي وربما يصل إلى الاعتداء الجنسي. وهذا يدعونا إلى وجوب العناية النفسية بمؤسسة الأسرة من حيث الشكل والتنشئة والأدوار والمقومات ونظام التواصل.
-;- يتحول دافع السيطرة لدى الطفل إلى سلوك عدواني عنيف وبروز الرغبة في الانضمام إلى زمرة تلبي حاجاته إلى الانتماء وتكوين هوية وتشكيل ثقافة فرعية خاصة. كما يبدو في الواقع النفسي والسوسيوثقافي لأطفال الشوارع ونزلاء الشوارع.
-;- تامين الحاجة إلى الانتماء للجماعة خارج الأسرة واعتبارها من مراجعة الأولية البديلة للأسرة قد يسهم في انحراف الطفل وتكوين نزعة العدوانية لديه ضد الأسرة وهنا نحتاج إلى عمل جدي يمكن الآباء والأمهات وكل القيمين على العملية التربوية على تنمية العلاقات السوية والجيدة بالآخرين أساسها قيم التعاون والصداقة بدل السيطرة والتنافس والتحقير والنبذ والمقارنة.
-;- يقترف الأطفال بعض التصرفات العدوانية المتسمة بالعنف البسيط التي قد تتحول إلى مخالفات أو جنح أو جنايات وتتحول معها زمرة الرفاق إلى مجموعة لممارسة السلوك الإجرامي.
هذه المراحل تحول السلوك العدواني والميولات العنيفة إلى سمات تصطبغ بها شخصية الطفل.
وفي سياق الحديث عن السلوك العدواني والعنف يتبين بأنه من الواجب التنبيه بأن انفعال الغضب قد يعتبر ايجابيا إذا كان الأمر يتعلق بتنمية الذات أو الحفاظ على الممتلكات أو الكينونة داخل العلاقات الإنتاجية، فهو يمنح للفرد طاقة كبيرة تساعده على القيام بجهود عضلية ونفسية كبيرة، وتحقيق مجموعة من الانجازات الجيدة. لكن الغضب الذي يظهر كثيرا بشكل مضطرب يتجاوز الحد المقبول وخاصة في مواقف عادية لا تبرر وجوده وفي أحوال يصعب التحكم فيها فينجم عنه عدة مساوئ تخلف أضرارا بليغة على الشخصية الفرد.
وانفعال الغضب قابل للتحويل، فغضب الطفل من أبوين قد يدفع به نحو الانتقام من لعبه أو احد إخوته أو رفاقه، أو الاعتداء على حيوان أليف، ذلك أن الطفل لا يستطيع أن يوجه غضبه نحو أبويه، ويبدو حينئذ عدوانيا ميالا للعنف في تعامله مع الآخرين، والشعور الطفل بالتهديد المحدق لمكافحته الاجتماعية ولأهدافه. وكذلك الخوف من إظهار رغباته المكبوتة، والخوف من الإحساس بالذنب أو من عقاب متوقع، والتعرض لخبرات مؤلمة متشابهة مع خبرات سابقة تعرض لها بجعله في حالة قلق، تكون مصحوبة عادة ببعض الأعراض الجسمية تصبب العرق باستمرار واضطرابات الأمعاء والمعدة والصداع وسرعة الخفقان القلب وبرودة الأطراف، فضلا عن الأرق والضيق والاكتئاب وعدم التركيز الذهني.
وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى كون القلق من أحد وأعقد الأمراض التي تعانيها الإنسانية خاصة خلال مطلع القرن الواحد والعشرين، فهو السبب المباشر لحالات الميل إلى العنف والى كل السلوك العدواني. والقلق ينتج لدى الفرد منذ مرحلة انتقاله من الرحم البيولوجي إلى الرحم الاجتماعي، وهو أمر يتم التخفيف عنه ومحاصرته من خلال الرعاية النفسية الاجتماعية الجيدة، والمتناسبة مع شخصية الفرد. أما الصنف الثاني من القلق فهو قلق بموضوع وينتج عن الإحباط والتعرق والتهديد الجسدي أو التعرض لفقدان التقدير...، وهذه الوضعية المضطربة المتمثلة في القلق كثيرا ما يتوافق معها الأفراد بواسطة آليات دفاعية مباشرة تعتمد العنف من اجل تأكيد الوجود أو أي سلوك عدواني آخر، أو من خلال الانسحاب عن الذات عبر آليات دفاعية أخرى تتمثل في الإدمان على المخدرات والخمور والتشرد والهروب من البيت والمدرسة، والخصومة مع التعلم...
3 ـ مظاهر العنف
يتجلى لدى الفرد في مرحلة الطفولة والمراهقة والشباب أربعة مظاهر للعنف يوظف كل واحد منها لتحقيق غرض معين وهي:
o الميول العدواني في مرحلة الطفولة.
o الانضمام إلى الزمر أو العصابات
o السرقة
o التحرش الجنسي
ـ الميول العدواني: تظهر كقيمة عند الطفل وذلك من خلال الألعاب الخشنة التي يزاولها من أجل تكوين روابط اجتماعية مع الآخرين واختيار الأصدقاء وتنمية المهارات وفرض السيطرة الشخصية على الآخرين، واستمرار هذه القيمة في التنامي دون تنظيم وبدون معرفة، كثيرا ما تتحول إلى نزعة من المشاجرة التي غالبا ما تكون هي الانطلاقة الأولى للسلوك العدواني المناهض للمجتمع.
ـ العنف من خلال الانضمام إلى زمرة: ويتكون جراء البحث عن السلطة والكسب المادي السريع والدفاع عن النفس وحب المغامرة.
ـ السرقة: وتزيد نسبتها لدى الأطفال ما بين 9 و13 سنة ولدى الناشئين والشباب ما بين 17 و19، السرقة لدى هذه الفئات الطريق المختصر للحصول على المال الذي يحتاجون إليه.
ـ التحرش الجنسي: ويعني بالنسبة للناشئين والشباب أداة التعبير عن حب التسلط والسيطرة وتقدير الذات.
ويؤمن العنف عند الناشئين والشباب ستة أغراض أساسية:
1) تحقيق مكانة اجتماعية مهيمنة عند الأقران وتوفير وضع مالي مطمئن.
2) تعزيز الهوية الاجتماعية التي تجعل الغير يحسب له حسابا.
3) فرض الهيمنة وامتلاك القوة والمكانة الاجتماعية والنفوذ.
4) تحقيق العدالة الخاصة بالقوة والنفوذ.
5) تحدي المعايير الاجتماعية والمؤسسات القائمة في المجتمع.
6) التعبير عن حب المغامرة وهي بدورها وسيلة لتحقيق المغامرة ووسيلة لامتلاك الهوية الاجتماعية.
ويعتبر الميل للعنف لدى الإناث رفضا للعنف الموجه ضدهن من قبل الرجال وتعبيرا عن الحاجة لحماية الذات من الأغيار ذكورا وإناثا.
4 ـ مكانة العدوان والعنف في الاجتهادات التحليلية
هناك صنفين من الأعمال التي يتميز بها تيار التحليل النفسي في الاجتهادات المفسرة للسلوك العدواني، الأول يعود لمؤسس هذا التيار العلمي الطبيب النمساوي سيجموند فرويد، والاجتهاد الثاني يعود للاتجاه التحليلي الحديث وترى في العدوان حافز على الجشع والحسد والغيرة والرغبة في الانتقام. ومن الرواد في هذا الاتجاه الباحثة ميلاني كلاين.
ـ سيجموند فرويد:
يرى هذا الباحث المؤسس للمقاربة التحليلية بأن العدوانية واحدة من الغرائز التي يمكن أن تتجه ضد العالم الخارجي أو ضد الذات وهي تخدم في كثير من الأحوال ذات الفرد، وتتوزع تفسيرات هذا الباحث للعدوانية عبر ثلاث محطات من تاريخه العلمي تتميز كل مرحلة عن التي سبقتها بإضافات علمية جديدة دون أن تنقص من مميزات ما سبقها.
ففي البداية توصل فرويد إلى كون العدوان مكون من المكونات الجنسية السوية الساعية إلى إنجاز أهدافها المتمثلة في التوحد مع الشيء، الجنسي أي جنسية معظم الكائنات البشرية من الذكور تحتوي على عنصر العدوانية وهي الرغبة للإخضاع، والدلالة البيولوجية لها تتمثل في الحاجة إلى التغلب على مقاومة الشيء الجنسي بوسائل تختلف عن عملية التغزل ومخاطبة الود.
ويعتبر أن السادية كانت هي المكون العدواني للجنسية التي أصبحت مستقلة ومبالغا فيها، وهذا يعني أن فرويد في تفسيراته الأولى للعدوان كان يركز على أنه قوة تدعم الغريزة الجنسية عندما يتدخل شيء ما في الطريق لمحاصرة الاتصال المرغوب فيه والتوحد مع الشيء. فوظيفة العدوان هنا تعني التغلب على ما يحول دون ممارسة الجنس.
وقد تقدمت الدراسة لدى هذا الباحث بشأن الغرائز، حيث نص في كتابه بعنوان "الغرائز وتقلباتها" الصادر سنة 1915، على التمييز بين فئتين من الغرائز هما: )غرائز الأنا وحفظ الذات والغرائز الجنسية( والمشاعر التي استثارتها عصاب التحول مكنته من قناعات مفادها بأن عند أصول كل هذه الوجدانيات نجد أن هناك صراعا بين مزاعم الجنسية ومزاعم الأنا )مطفل الأنا ومطفل الجنسية( وإحياء وتجنب السخط هي الأهداف الوحيدة للأنا التي تكره وتمقت وتتابع بغاية تنحية كل الأشياء التي تمثل المصدر للمشاعر الساخطة عليها دون أن تأخذ في الحسبان إذا ما كانت تعني إحباطا للإشباع الجنسي أو إشباع حاجات حفظ الذات. والواقع أننا نستطيع أن نؤكد على النموذج الأصلي الحقيقي لعلاقة الكراهية بأنها ليست إقرارا للحياة الجنسية، ولكن هي نتاج لكفاح الرفض الذاتي الذي تمارسه الأنا النرجسية ضد العالم الخارجي يغيض ما يحتويه من مثيرات عنده. في هذا السياق يعتبر فريد بأن معظم الأشخاص الذين يعانون من النرجسية يبدلون أقصى الجهود للحفاظ على الذات والانا من خلال اعتماد قدر كبير من العدوان لفائدتها.
وتميزت أعمال فريد في هذا الصدد بتحولات هامة عندما أصدر كتابه بعنوان ما وراء مبدأ اللذة، الذي استطاع من خلاله إعادة تصنيف وترتيب الغرائز، بحيث انتقل الصراع الذي كان يطال العلاقة ما بين غرائز الأنا والغرائز الجنسية، إلى صراع بين غريزتين الحياة والموت. فغرائز الحياة حسب هذا الباحث دافعها الحب والجنس، لذلك فهي تعمل من أجل صيانة الفرد، وبين غرائز الموت دافعها العدوان والتدمير وهي غريزة تحارب دائما من أجل تدمير الذات، واستعمال العدوان المباشر بغرض تدمير الآخرين، وعندما لا يتم ذلك في حق الآخرين، فإنه يرد ذلك ضد الشخص نفسه بدافع تدمير الذات.
وداخل الجهود المبذولة لدى رواد التيار التحليلي، من أجل تشخيص العدوان، نجد باحثين، منهم وليم هيلي Willia Healy الباحث الأمريكي الذي يرى بأن الدوافع الأساسية للعنف مستترة في اللاشعور ولا يمكن إزاحة الغطاء عنها إلا من خلال التحليل النفسي، فالفرد حسب هذا الباحث يمر من مراحل يتقمص خلالها عناصر العالم الخارجي في شخصه أو جسمه، ويسقط رغبات ملحة داخلية غير مرغوب فيها لدى العالم الخارجي وفي هذه المراحل يتصور ويفكر وفق رغباته هو وليس وفق الحقائق الموضوعية.
وقد أكدت الباحثة آنا فريد Anna Freud ابنة الباحث مؤسس هذا التيار S.freud حيث نصت في كتابها سوء التوافق الاجتماعي ، وهو نفس توجه الباحث اوجيست ايخور Auguste Aicrorn في كتابه الشباب الجامح، حيث يرى بأن الدلالة المرضية لعدم التوافق الاجتماعي لنمو "الأنا" و"الأنا الأعلى"، ويعتبر العوامل الذاتية والخارجية التي تمنع النمو السوي لوظائف الأنا المختلفة تلعب دورها كعائق للتوافق الأولي مع الواقع ذلك التوافق الذي يعد أساسا لا غنى عنه للتوافق الاجتماعي. فالعوامل الداخلية والخارجية التي تعيق من وجهة نظره نمو الفرد وجدانيا وتحول دون أن يربط مشاعره بموضوعات الحب الدائمة، كالأبوين أو من يقوم مقامهما، تمنع الخطوة التالية للنمو الاجتماعي. المتمثل في التوافق مع القيم والمعايير الاجتماعية والثقافية المتوازنة، فهنا يكون الفرد في حالة عدم القدرة على تكوين نفسه وفق ماهو معمول به داخل المجتمع. كما أنه لا يستطيع النجاح في تكوين مختلف التقمصات التي تصبح لينة للانا الأعلى الذي يستطيع أن يحول دون هيمنة القوى الغريزية ويجعل سلوك الفرد متوافقة مع الواقع السوسيوثقافي الذي يعيش في أحضانه.
ومن الاجتهادات القائلة بأن العنف والعدوان إفراز للصراع النفسي والاضطرابات العاطفية الباحثة كيت فريد لاندر Kate Fried Lander التي لا ترى بأن الاضطرابات النفسية أساس العنف بل إنها ترى في التحليل النفسي المقاربة الأنجع لعلاج هذا الاضطراب.
ثانيا: التغيير السلوكي للعدوان والعنف.
يعتبر أصحاب هذا الاجتهاد بأن العدوان والعنف شأنه شأن أي سلوك يمكن اكتشافه ويمكن تعديله وفقا لقوانين التعلم، وعليه ينبني تفسير هذا الاضطراب وفق هذا التيار على قاعدة مفادها أن السلوك برمته متعلم من البيئة، ومن تم فإن الخبرات المختلفة التي اكتسب منها الفرد سلوكه العنيف قد تم تدعيمها بما يعزز لدى الشخص ظهور الاستجابة العدوانية كلما تعرض لموقف محيط. ويبني هؤلاء مقاربتهم هذه على مجموعة من التجارب التي أجريت بداية على يد مؤسسة هذا التوجه، جون واطسون، الذي أكد بأن الفوبيا بكل صنوفها مكتسبة بعملية التعلم ومن ثم يمكن علاجها وفقا للعلاج السلوكي الذي يستند على هدم نموذج من التعلم الغير السليم وإعادة بناء نموذج تعلم جديد وسليم.
1 ـ تفسير العدوان والعنف وفق مقاربة التعلم الاجتماعي:
يرى أصحاب هذه المقاربة في العنف والعدوان بأنه سلوك متعلم على الأغلب، ويعزون ذلك إلى أن الشخص يتعلم الكثير من أنماطه السلوكية عن طريق مشاهدتها لدى غيره وخاصة في مرحلة الطفولة، حيث يتعلم الطفل العنف عن طريق ملاحظته لنماذج العدوان والعنف عند الأبوين أو المربين والأصدقاء وعبر شاشة التلفاز... ومن تم يقومون بتقليدها. فإن عوقب الطفل عن السلوك المقلد فإنه لا يميل في المرات القادمة لتقليده أما إن كوفئ عليه فيزداد عدد مرات التقليد لهذا العدوان.
وفي قراءتنا لأعمال الباحث ألبير بنادورا نجد أن هذا الباحث يميز بين اكتساب الفرد للسلوك وممارسته له، فاكتساب الشخص للسلوك لا يعني بالضرورة أنه سيزاوله، ذلك لأن القيام بالسلوك النموذج يتوقف بشكل أساسي على توقعاته من نتائج التقليد وعلى نتائج السلوك. فإذا توقع أن تقليده للسلوك النموذج سيعود عليه بنتائج سلبية "أي أنه سيعاقب على سلوكه" فإن احتمالات تقليده له ستقل حيث أنه إذا توقع بأن تقليده لسلوك ما سيعود عليه بالنفع فإن احتمالات تقليده لذلك السلوك تصبح أكبر.
إن ألبرت بنادورا واضع أسس مقاربة التعلم الاجتماعي أو ما يسمى أيضا بالتعلم عبر الملاحظة، من أهم الباحثين الذين برهنوا تجريبيا عن الأثر الذي تخلفه مشاهدة النماذج العنيفة على مستوى السلوك العدواني لدى الملاحظ، وكثيرا هو السلوك الذي يتعلمه الإنسان من خلال ملاحظته عند الآخرين. فالتعلم بالملاحظة يحدث عفويا في أغلب الأحيان، فالملاحظة عملية حتمية.
وقد فسر أصحاب هذا الاجتهاد التعلم بالملاحظة من خلال تحليل ثلاث متغيرات لها علاقة بالسلوك هي:
ـ كل ما يحدث قبل السلوك.
ـ العمليات المعرفية وكل ما يدركه الشخص أو يشعر به أو يفكر به.
ـ المثيرات اللاحقة، أي كل ما يحدث بعد السلوك.
وقد اهتم هذا الباحث بدراسة الإنسان في تفاعله مع الآخرين وأولى اهتماما بالغا للنظرة الاجتماعية والشخصية لهذا الأمر، والتي لا تفهم إلا من خلال السياق الاجتماعي والتفاعل الاجتماعي والسلوك عنده يتشكل بالملاحظة أي ملاحظة سلوك الآخرين. ومن الملامح البارزة في مقاربة التعلم الاجتماعي الدور الواضح الذي يوليه تنظيم السلوك عن طريق العمليات المعرفية مثل الانتباه والتذكر والتخيل والتفكير، حيث لها القدرة على توقع النتائج قبل حدوثها ويؤثر هذا التوقع المقصود أو المتخيل في توجيه السلوك.
فمعظم السلوك العنيف والعدواني حسب هذا الباحث متعلم من خلال الملاحظة والتقليد، حيث يتعلم الفرد السلوك العدواني بملاحظة نماذج وأمثلة من السلوك العدواني يقدمها أفراد الأسرة والأنداد والأفراد البالغون في بيئة الفرد وهناك العديد من المصادر التي يتعلم من خلالها بالملاحظة السلوك العدواني منها:
• التأثير الأسري والأقران والإعلام
• اكتساب السلوك العنيف من الخبرات السابقة
• تأكيد هذا السلوك من خلال التعزيز والمكافآت
• التعلم المباشر للسلوك العنيف والعدواني كالإثارة المباشرة للأفعال الصريحة في أي وقت
• إثارة الفرد إما بالهجوم الجسدي بالتهديد أو الاهانات أو إعاقة التصرف موجه نحو هدف أو التقليل التعزيز أو إنهاؤه مما قد يؤدي إلى العنف والعدوان
• العقاب قد يؤدي إلى زيادة العدوان



2 ـ تفسير العنف وقف مقاربة الإحباط
من أهم المجتهدين في هذه المقاربة ميل ميلر وروبيرت سيزر وجون دلارد هؤلاء وغيرهم انصبت أعمالهم على الخلفيات الاجتماعية للسلوك البشري وقد عرضت أو صور هذه المقاربة على افتراض مفاده وجود ارتباط بين الإحباط والعدوان. فكلما وجد الإحباط كثيرا إلا وجد العدوان كاستجابة. ويتجلى عمق هذه المقاربة في الآتي:
-;- كل الاحباطات تقوي من احتمالات رد فعل عدواني
-;- كل عنف يفترض مسبقا وجود إحباط
فالعنف من أشد الاستجابات التي تثار في الموقف الإحباطي حسب هذا الاجتهاد، ويحتوي العنف اللفظي والعنف البدني والعنف الرمزي حيث يتجه العنف غالبا نحو مصدر الإحباط، فعندما يحبط الفرد ويوظف عدوانيته في التخفيف عن توتراته الناتجة عن الإحباط يستنتج هؤلاء بأن العلاقة بين الإحباط والعنف هي بمثابة الأساس النفسي لهذه العلاقة التي تختلف شدة الرغبة في العنف في ظلها باختلاف قيمة الإحباط الذي يواجهه الفرد ويعتبرون الاختلاف في قدر الإحباط دالة لثلاثة عوامل هي:
أ ـ شدة الرغبة في الاستجابة المحبطة
ب ـ مدى التدخل أو إعاقة الاستجابة المحبطة
ج ـ عدد المرات التي أحبطت فيها الاستجابة
كما تزداد الرغبة شدة في التصرف العدائي ضد ما يدركه الفرد على أنه مصدر لإحباطه، ويقل ميله للإعمال السلمية جراء ما يدركه من صعوبات على أنها مصدر ما يعانيه من إحباط، ويعتبر المحبط حسب هذا التوجه كفه عن العنف والعدوان في المواقف الإحباطية بمثابة إحباط آخر يسهم في اندفاع الفرد نحو التصرفات العدوانية ضد مصدر الإحباط الأساسي وفي مواجهة عوامل المنع والكف التي تحول دون استعماله للعنف والعدوان.
ما يمكن أن يقال عن هذا الاجتهاد ومن خلال الممارسة الميدانية هو أن ردود الأفعال العنيفة والعدوانية قد يقع المرء في براتينها بدون إحباط. كما أن فرضية الإحباط ينتج العنف والعدوان ليست دائما سليمة بل يمكن للإحباط أن ينتج أو يحفز على الإبداع والاختراع، وقد تحدث الاستجابات العدوانية جراء الملاحظة والتقليد، فالعدوان والعنف ليس هو الاستجابة الوحيدة للإحباط الذي لا يصل إلى ذروته إلا عندما ينطوي على تبرير لتوقعات تتعلق بتحقيق مبتغيات لها أهمية، أو طموح طال انتظاره. وعليه يبدو العنف والعدوان كاستجابة لمثيرات الإحباط كثيرا ما تتوقف على عدة مقومات منها أولا تبرير التوقعات ومدى شدة الرغبة في الأغراض التي يتوخاها الفرد، ويعاني من الإحباط بشأنها.
وهناك من يعتبر العنف والعدوان هي تعبيرات عن أعراض لواقع شخصي يعاني من سيكوباتية التي يعتبرها البعض مرض ذهني عضال ميئوس من الشفاء . وهناك من يعتبره صعوبة نفسية واجتماعية يمكن معالجتها من خلال آليات التحليل النفسي ويرى أصحاب هذا الاتجاه بأن السيكوباتي كثيرا ما يندفع منذ طفولته نحو العدوان والعنف والإضرار بالغير دون تفريق ما بين الأبوين أو الإخوة أو الأصدقاء أو من أسدى إليه معروفا. فالسيكوباتي شخص فقير العواطف يعاني من برودة عائلية واجتماعية مجمدة. لكن هل صحيح أنها ذات أصل خلقي؟ لا يمكن الجزم في هذا الشأن لكن حسب أعمالنا الميدانية يتبين أن صاحب التصرف العدواني المعتمد على العنف كثيرا ما يعاني من صعوبات شخصية تعود إلى حقيقة مساره التطوري منذ المرحلة الجنينية بكل أبعاده العضوية والنفسية والاجتماعية والبيئية.
3 ـ اجتهادات في مجال الطب العقلي
نجدها تعتبر العنف بأنه حالة مرضية ذات صلة قوية بأشكال متنوعة من الذهان (psychoses)، فحسب الدراسات التي تمت في هذا العدد يتبين بأن الذهان سبب أساسي في إنتاج الكثير من التصرفات العنيفة. وخاصة العنف البشع المقترف ضد الأشخاص، وفي أعمال أخرى يعتقد بأن المرض العقلي المعروف بالفصام ischizophrenia أو الذي كان ينعت بانقسام الشخصية أخطر الأمراض العقلية وأشدها ت ترغيما على ممارسة العنف ضد الأشخاص . وحسب بعض الدراسات المتخصصة في رصد الخلفيات الحقيقية للتصرفات العنيفة يتبين من خلال الباحث رابيتو فيتش في دراسته الأولى طالت 1000 نزيل سجن فورست Forest ببلجيكا، تبين له بأن 53 % منهم يعانون من أمراض عقلية مختلفة. وفي عمل آخر لنفس الباحث أجراه بسجن لوفان Louvain ببلجيكا طالت كافة النزلاء أصحاب التصرفات الأشد عنفا تبين له بأن 83 % منهم يعانون من اختلالات ذهنية . وهو الاتجاه الذي توصل إليه الباحث جلسي Gillespie الذي تنص على قوة العلاقة بين الأمراض العقلية المختلفة والعنف .


4 ـ في الاجتهاد النفسي
التي تركز على صنف المقاربة المعرفية في دراسة السلوك العنيف، بأن العنف والعدوان قد يكون وسيلة استمتاع تتجلى في التسلط على الاغيار وإيذائهم. فهناك من الأفراد من يجدون في هذا الصنف من التصرفات وسيلة لإثبات شخصياتهم وأهميتهم ومكانتهم الاجتماعية. فهذا الصنف من الأفراد يعتبرون العنف والعداون أدوات تأمين للرضى عن الذات، فكلما استطاع الفرد أن يحقق أهدافه ومصالحة الخاصة والعامة من خلال العنف والعدوان على الآخرين ألا يعتبر هذا التصرف متعة وسلاحا لشخصيته وتنميتها، وعليه يقتنع بأهمية إيذاء الآخرين ولو بدون إثارته انفعاليا، فإذا أصاب صاحب السلوك العنيف ضجرا وكان غير سعيد فإنه يستطيع التخلص من هذا التواتر عبر استعمال العنف والاعتداء على الغير.
ويعزز أصحاب هذا الاتجاه تفسيراتهم للعنف عبر تبيان الدوافع والأسباب التي تؤطره، حيث يبين صاحب السلوك العنيف للعالم وقبل ذلك لنفسه أنه قوي ولا يريد أن يحظى بالأهمية والانتباه. وحسب تعاملنا مع أصحاب هذا الصنف من الأشخاص على الصعيد الميداني يتبين بأن الكثير من أصحاب السلوك العدواني العنيف يستطيعون الاعتداء على الآخرين بدون أي مبرر بل من أجل المتعة التي يحصلون عليها، وإشباع أحاسيسهم بكل ما يطمئن على أنهم أقوياء ولديهم كل الاقتدارات المطلوبة للتسلط على الآخرين.
ومن خلال هذه المعاينات يتبين أن معظم مظاهر السلوك العنيف تظهر بأنها لا تنبني على التفكير والمعرفة، وهذا يعني أن الاجتهاد المفسر للعدوان والعنف وفق المقاربة المعرفية، والذي يقول بغياب المعرفة والتفكير في هذا الصنف من السلوك المضطرب يعتبر بأن الأفكار لها أدوار مؤثرة في تأطير الانفعالات، فالشخص المثار يتأثر بما يعتبره سبب إثارته بالإضافة إلى الكيفية التي يفسر بها أحواله الانفعالية وما يطاله من مواقف ومآزق ومفاجآت.
5 ـ باخ وتفسير العدوان من بعد إبداعي
يبين الباحث باخ مقاربة هامة وابتكاريه وذات فعالية في تعامله مع العلاقات الإنسانية المضطربة. فالعدوانية الإبداعية في تصورات باخ منظومة علاجية نفسية وأسلوب تعلم ذاتي مصمم لتحسين الاقتدارات الشخصية والمهارات النفسية لدى الأفراد جذريا للحفاظ على العلاقات الايجابية المتوازنة مع الآخرين.
وتركز هذه المنظومة على صيغة العدوان العنف الإنساني المباشر وغير المباشر السلبي الموجه نحو الذات والموجه نحو الآخرين أفرادا كانوا أو جماعات. فالعدوان الإبداعي شكل من أشكال العلاج الذي يؤدي إلى تفسير المشاعر والاتجاهات وأعمال العنف الصريحة والمستمرة بأسلوب إعادة التدريب المباشر، وأساليب العدوان المبدع، فيقدم طقوسا وتمارين تدريبية تقلل من التأثيرات المؤدية للعدوان والعنف في الوقت الذي ترفع فيه من التأثيرات البناءة إلى الحد الأقصى.
وترفض هذه المقاربة الآراء القائلة بأن العنف العدوان هو آليات يستعملها المرء ضد عوامل الضيق مثل الخوف، أو الشعور بالنقص أو الإحباط، ويركز على وجوب الانتفاع بالطاقة العدوانية البناءة، فمن المسلم به أن العنف والعدوان لدى الفرد فطريا كان أو مكتسب، يثار بسهولة نسبية وبمجرد إثارته فإن صياغة التعبير عن العنف وتوجيهه هي الطرق التي تتحكم بفاعلية أو على الأقل تخفض إلى الحد الأدنى من العداء الميت وترفع إلى الحد الأقصى الصيغ البناءة والمؤثرة للعدوان والتي يمكن أن تؤدي إلى النمو.
ويعتبر أصحاب هذا التوجه بأن توجيه المسار التربوي بتوظيف مجموعة من الفرص العدائية الواضحة البناءة بتوازن مع تدريبات تطبيقية مؤثرة. ويرى هؤلاء بأنه في الوقت الذي توجد مبادئ إرشادية للعدوان الإبداعي يتم تعلمها ذاتيا عبر توظيف الكتب الإرشادية والألعاب التنفيسية الموجهة نحو إطلاق العدوان قد يستطيع الطفل السليم التعبير عن غضب الشديد الذي قد يكون متركما بسورة مستترة.
فالتنفيس عن العدوان مثل تشجيع المواجهة الصريحة والواضحة والناقدة التي قد تسهم في تخفيض حدة التوتر لدى الشخص وتدعم لديه الوازع العاطفي الايجابي نحو الآخرين. وعليه يرى الباحث بطرس حافظ بطرس بأن العدوان الإبداعي يتضمن إدراكا كاملا لكل من المستويات الظاهرة والمستترة للعدوان والعنف لدى المرء كما يساعد في الوقاية من مساوئ العنف المدمرة، ولذلك يوظفه الكثير من المعالجين والمربين كوسيلة فعالة في التربية والعلاج الإكلينيكي مع ذوي التصرفات العدوانية العنيفة.
6 ـ العنف وفق المقاربة القانونية:
قد يصنف العنف من حيث التصرف إلى العنف مخالف للشرائع والقوانين والذي يتمثل الاعتداء على الغير وإيذائه في جسده أو في حقوقه الشخصية أو المهنية. وعنف يلجأ إليه من أجل الدفاع عن النفس أو عن الآخرين لصد خطر ناتج عن سلوك عدواني من قبل الغير وفق ما يحدده القانون|، وهو ما يسمى بحالة الدفاع الشرعي الذي تنص ليه القوانين العقابية ومنها مثلا ما ورد بالفصلين 124 و125 من القانون الجنائي المغربي، حيث نص الفصل 124 بأنه لا جناية ولا جنحة ولا مخالفة في الأحوال التي يكون فيها الفعل قد أو جبه القانون وأمرت به السلطة الشرعية، أو عندما يضطر الفاعل ماديا إلى ارتكاب الجريمة أو كان في حالة عليه معها استحالة مادية،ـ وذلك لسبب خارجي لم يستطع مقاومته. أو إذا كانت الجريمة قد استلزمتها ضرورة حالة للدفاع الشرعي عن النفسي الفاعل أو غيره أو عن ماله أو مال غيره بشرط أن يكون الدفاع متناسبا مع خطورة الاعتداء.
أما الفصل 125 فيعتبر الجريمة نتيجة الضرورة الحالة للدفاع الشرعي في حالتين الأولى تتعلق بالقتل أو الجرح أو الضرب الذي يرتكب ليلا للدفع التسلق أو كسر حاجز أو حائط أو مدخل منزل مسكون أو ملحقاتهما. أما الحالة الثانية التي ترتكب دفاعا عن نفس الفاعل أو نفس غيره ضد مرتكب السرقة أو النهب بالقوة.
7 ـ العنف الوالدي:
وهناك العنف الوالدي والذي قد يبدو بأنه عنف بحسن نية يمارسه الأبوين والعديد من القيمين على رعاية وتربية الأطفال وهو نتاج التربية الخاطئة التي تجعل من الضبط والتنميط أداة للحماية والوقاية ضد السلوك المنحرف، وهذا الصنف من العدوانية في نظر التحليل النفسي يترجم قدرا من الشعور بالذنب لدى القيم على العملية التربوية، كما يؤكد على الطابع السلبي للأفكار التي يحملها عن ذاته، وهو عنف يسهم كثيرا في إنتاج سوء التوافق الشخصي واضطراب التكيف الاجتماعي، وهذا يظهر كثيرا في عجز الفرد عن التعلم بشكل عام وعن امتلاك مهارات التواصل والتعامل الجيد مع المحيط جراء هيمنة الاتجاهات العدوانية التي تحول دون تمكنه من تكوين العلاقات الإنسانية الايجابية.
ثالثا ـ توظيف العنف كآلية لإعادة التشكيل
إن هذا التصرف الذي ينم عن عدم استعمال العقل في الشأن الشخصي وإدارة العلاقات الإنسانية قد يكون من الأمور المفتعلة التي تسخر الصعوبات الشخصية التي تتصل بنمو الفرد وبتطلعاته نحو إشباع حاجاته الأساسية وتحولها إلى أزمة التي تعد بمثابة فعل أو رد فعل إنساني يرمي إلى توقف أو انقطاع خدمة من الخدمات أو زعزعة استقرار وضع من الأوضاع، بهدف إحداث تغيير في اتجاهات العامة لصالح الخاصة، وقد يفتعل العنف هنا كأزمة تفرضها الإدارة لتقوية نفوذها وتوسع هيمنتها تحت يافط ما يعرف "الإدارة بالأزمات"، وتقوم الإدارة بالأزمات أو بافتعال الأزمات على عدة قواعد منها:
-;- خلق علاقة التبعية والانقياد والسيطرة على الكيان المزمع من وراء افتعال الأزمة. مثل افتعال العنف في الوسط الجامعي أو افتعال العنف في الوسط المدرسي أو افتعال في العنف داخل الوقفات الاحتجاجية أو افتعال العنف في الإضرابات أو افتعال العنف في الشارع العام عبر سلوك مثل ما يسمى بالتشرميل، والسماوي... شريطة أن يكون ذلك الافتعال محدود النطاق ويمكن السيطرة عليه، وضمان عدم اتساع رد الفعل إلى مدن وأبعاد غير مطلوبة.
-;- زرع عناصر موالية تتولى مواقع حساسة في أجهزة الكيان الإداري، يمكنها في الوقت المناسب إعاقة حركة الجهاز أو المؤسسة، وتوجيه أفراده وتقليل رد فعل وبشاعة افتعال الأزمة.
-;- اختبار التوقيت المناسب الذي يكون فيه افتعال العنف مؤثرا، وقدره العناصر الموالية للمفتعل على توجيه الرأي العام والتحكم في اختبارات متخذي القرار، وإبقاء التأثير الازموي مرتفعا مع القدرة على امتصاصه وابتلاعه في الوقت المناسب.
-;- إيجاد المسار البديل في شكل مصلحة جانبية يحرص الكيان المعتمد لأسلوب الإدارة بالأزمات وفي سبيلها يمكن أن يتغاضى عن الأزمة التي تم افتعالها.
-;- افتعال الأزمة بشكل سريع ومؤثر، وجني مكاسبها وتحقيق الهداف منها، ثم القيام بما يسمى امتصاص الغضب الذي أحدثته الأزمة، وذلك بغرض التحقق من النتائج التي أفرزتها الأزمة المفتعلة ومن استقرار علاقة التبعية والخضوع والانتظارية وعدم تأثرها بالأزمة، ثم امتصاص الانفعال، وتجديد الروابط وتنقية العلاقات وفتح صفحة جديدة ونسيان الماضي.
والإدارة بالأزمات كثيرا ما تتضرع بمجموعة من الادعاءات والمبررات مثل: صيانة الشرعية، الاضطراب، الحتمية، التنبيه للخطأ، الحفاظ على الأمن وتأمين الاستقرار وحماية الحقوق والحريات.
وتجدر الإشارة بأن العنف الذي يتم افتعاله من خلال التدبير بالأزمات كثيرا ما تكون أغراضه الحقيقية ذات طابع اقتصادي أو سياسي أو هما معا، حيث ينشد المدبر هنا إنشاء علاقات إنتاجية غير متكافئة تؤمن لأحد الأطراف الهيمنة والاستبداد وتخضع الطرف الآخر للخنوع والرضى والتبعية في ظل إحساس بالأمن والاستقرار ولو كان على حساب نمائه الشخصي السوسيو اقتصادي والثقافي والعلمي والمجتمعي. ولعل من اهم مظاهر العنف التي تسود العالم المعاصر هي التي تمارسها التجمعات الاقتصادية المستحوذة على اقتصاد المعرفة برغبة الوصول إلى الأرباح الطائلة السيطرة السوسيواقتصادية والمعرفة والتقنية الدائمة. وذلك بالتحكم في الأسواق والأذهان والمعارف للتعطيش المستهلك وتأزيم الحياة وتدمير القدرات الشرائية للشعوب والأمم والإرغام على استهلاك المخزون المعدوم الصلاحية.
ثم العنف الذي يمارسه السياسيون من خلال ما يسمى بالفوضى الخلاقة التي تقوم على العنف والتدمير قصد إعادة هيكلة الحياة الدولية، وتشديد الوثاق على المستضعفين وخنق حرياتهم من خلال اختلاق لعبة الإرهاب التي أصبحت بمثابة السلاح الفتاك الذي دمر العديد من المجتمعات الإنسانية وأعاق بشكل قوي كل فرص تحرر العالم وإقامة مؤسساته على العدالة والتكامل والتساكن الحضاري والتعارف الايجابي والتراحم الإنساني.
وتوظف لتصنيع العنف كأزمة إنسانية وتدبير العالم على مخلفاتها العديد من الأجهزة والمؤسسات ذات القدرات التقنية والعلمية العالية، ومنها الإعلام العالمي. فحسب المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي يوظف المستثمرون من أجل الهيمنة على العالم أسلوب الإدارة بالأزمات من خلا آليات الإلهاء المتمثلة في تحويل الانتباه الرأي العام عن المشاكل الهامة والتغيرات التي تقررها قوى الهيمنة السياسية والاقتصادية والتقنية، ويمرر ذلك عبر العديد من الالهاءات و المعلومات التافهة. ومنع الناس من النمو والتطور وامتلاك المعرفة ومهارات قيادة الحياة، فشعارهم هو أن تجعل الأفراد والجماعات والمجتمع منشغل بتكاليف العيش أو ترهات أخرى تتخفى وراء الفن تارة وخلف الرياضة تارة أخرى أو منشغلة بحاجات الأمن ضد الجريمة دون أن يتاح لأي كان فرصة للتفكير.
وأسلوب احتكار المشاكل ثم تقديم الحلول، ويسميه هذا المفكر بطريقة )المشكل ـ رد الفعل - الحل( في البداية تبتكر قوى التدبير بالأزمات مشكل، "العنف مثلا" أو موقفا متوقعا بغرض الوصول إلى رد فعل معينة من قبل العامة وحتى تطالب هذه الأخيرة بالإجراءات التي تريد قوى التدبير بالأزمات أن تقبل بها العامة. مثلا ترك العنف المدرسي أو العنف الأسري أو العنف في الشارع يتناما ويتسع، أو بالقيام بتفجيرات دامية أو اختلاق أكذوبة الربيع العربي أو الإفريقي وإجهاضها من الداخل لدفع العامة إلى المطالبة بقوانين أمنية متشددة على حساب الحقوق والحريات، أو اختلاق أزمة عالية حتى يتم التقبل التراجع عن المطالب الاجتماعية والتنازل عن الحقوق المكتسبة.
ولا تشتغل قوى تدبير حياة الإنسانية والهيمنة عليها عبر نهج الإدارة بالأزمات من خلال إجراءات تقدم دفعة واحدة، ولكنها تعتمد التدرج في بسط الهيمنة وذلك وفق خطط عشرية حيث تعتمد هذه الطريقة لغرض أحوال السوسيواقتصادية الجديدة كما وقع بين عقدي الثمانينيات والتسعينات من القرن العشرين.
ويتميز خطاب إدارة التدبير بالأزمات للآخرين بكونه يخاطب القاصرين عديمي الأهلية فحسب تشومسكي جل الخطابات والإعلانات الموجهة للعامة تتسم من حيث حجمها وشخصياتها ونبراتها ومصطلحاتها بالطابع الطفولي، بل وكثيرا ما تقترب من مستوى التخلف الذهني، كأن المتلقي طفل صغير أو في وضعية إعاقة ذهنية، فكلما حاول مغالطته كلما زاد اعتمادهم على تلك الوضعية، ذلك لان خطاباتهم لأشخاص كما لو كانوا أطفال أقل من الثانية عشر فستكون لدى هؤلاء استجابات خالية من أي حس نقدي بنفس الدرجة التي ستكون عليها ردود الفعل بالنسبة لشخص راشد.
ويراهن أسلوب الإدارة بالأزمات على حرمان العامة من عدم القدرة على امتلاك التكنولوجيا، وان تكون استعمالاتها بالنسبة لهم في حدود الترفيه والإلهاء وليس من أجل تطوير آليات المعرفة، وعليه يصرون على أن تكون نوعيات التعليم الذي تقدم منشآت التربية والتكوين العمومي في أحط مستويات الفقر المعرفي، وأن لا تتعدى حدود الخدماتية والتركيبة التي تجعل من مستهدفيها مجرد أعوان تنفيذ تابعين لا حق لهم في التعلم من أجل التفكير والإبداع والاختراع وتصنيع الحياة. كما يجتهد هذا الأسلوب في توظيف ما يسميه أصحابه بأنشطة التنفيس ذات الطابع الرديء من الناحية الأخلاقية والاجتماعية مثل مهرجانات التفسخ وغض الطرف عن السلوك الشاذ، بل وتوظيفها في إرباك الرأي العام وإظهار التعامل معها بحزم وجدية وإحداث بلبلات إعلامية وجمعوية موالية على هامشها بغية إقناع العامة بوجوب التنازل عن عدة مطالب مقابل الحماية ضد براتين تلك الصعوبات، ويوظف دعاة التدبير بالأزمات احتجاجات الأفراد والجماعات والشعوب أو التمردات التي يقومون بها ضد المعاناة والظلم والتسلط وتعميق أحاسيس الذنب وانه سلوك فتنة في حين أن الأحوال التي يحتجون ضدها هي من عند أنفسهم فتعاسة الفرد هو المسئول الوحيد عنها جراء ذكاءه الناقص وقدراته الهزيلة وتكاسله.
وهذا الأسلوب قد أسهم في إنتاج العديد من مظاهر السلوك العنيف والانسحابية التي عوض أن أصحابها بحقيقة الواقع ويعملون على الاجتهاد من أجل معالجته، يحاصرون في امتهان ذواتهم ويغرقون في أحاسيس الذنب وهو تربية وتنشئة على الحزن والاكتئاب والانغلاق والتزمت وانعدام التفكير وإضعاف الإيمان بالقيم وانعدام الثقة في المعايير الاجتماعية بغرض إفراز مجتمع اكتئابي ومؤسسات اكتئابية لا قدرة فيها لأي كان على التحرك الفكري المتحضر.
ومن المبادئ الأساسية لنزعة التدبير بالأزمات هو الحرص على أن تكون معرفة المدير بالأزمات للحقيقة الشخصية بكل تركيباتها العضوية والعصبية والنفسية والثقافية والاجتماعية لكل مستهدفيهم أكثر مما يدرك هو لذاته، وبهذا يتم استعماله وفق ما يحدده أصحاب هذا التوجه من أغراض.
من خلال هذه الصنوف المنتجة للعنف، يعاني واحد من كل عشرة أطفال من أشكال الإعاقة وكثير منهم وبالخصوص البنات لا يكون قادرا على الاستفادة من خدمات الضرورية للعناية به نفسا واجتماعية، كما يهيمن الاضطراب والتعنيف على مسار النمائي البدني والذهني والنفسي لملايين من الأطفال جراء عدم أو ضعف الرعاية الصحية والذهنية والنفسية والاجتماعية.
ويسهم العنف الناتج عن أسلوب الإدارة بالأزمات في اتساع نطاق الديون الخارجية، وتوسيع مستوى الفقر المادي والفكري والنفسي والإيماني وضعف الأحاسيس بالانتماء وتعميق أحاسيس الغربة في ظل تدني الاستثمار في الإنسان.
بصفة عامة يمكن النص على أن العنف بكل مظاهره وخلفيات خلل في التوازن بين الدافع والمانع، تتواطأ على إنتاجه عدة عوامل دولية ووطنية ومحلية وأسرية وتربوية وفردية لكنه يختلف من حيث مصادره. فالعنف الصادر عن رد فعل مخالف للقانون كثيرا ما يكون مؤسسا على الانتقام أو الاستحواذ أو الغيرة أو الشعور بالنقص، وهذا كله نتاج التدبير بالأزمات، فحسب بعض الأعمال الميدانية التي قمنا بانجازها في هذا الصدد يتبين بأن 45 % من الأشخاص أصحاب السلوك العنيف المودعون في السجن المحلي بالقنيطرة يعود سلوكهم إلى توق نحو إشباع الرغبة في الانتقام من ممارسات عدوانية عنيفة تعرض لها الشخص في مرحلة حياتية، ولم تتم معالجته منها، فهذا الصنف من الأشخاص يعاني من ضآلة الشخصية والإحساس بالظلم.
وهناك حالات قليلة لا تصل إلى 1 % من الذين يمارسون العنف بدافع الغرور، أو نتيجة تفاعل الخلفيات البيولوجية للفرد مع الواقع، لكن هناك ما يقارب 27 % يعانون من سلوك عنيف تبلور لديهم جراء أسلوب الإدارة بالأزمات التي يمارسها الأبوين داخل الأسرة ويزاولها المدرسون داخل الفصول الدراسية، ويفرضها الإعلاميون عبر الصحف والقنوات الإذاعية المسموعة والمرئية، ويستعملها الخطباء والأئمة في المساجد، بالإضافة إلى استعمالها في لخطابات السياسية الرسمية والحزبية وفي الممارسات الإدارية الخاصة بتنظيم الشوارع أو المختصة بتقديم الخدمات.
فتدبير الحياة الفردية والجماعية بالأزمات بالنسبة لهؤلاء يتجلى في نمط التربية والتنشئة التي تطالهم وهو نمط يعاني من الفقر القيمي وتدني المستوى النفسي والمعرفي والتواصلي لدى القيمين على الحياة الأسرية، والذين يعتبرون منتوجا خالصا لأسلوب إدارة الأزمات.
1 ـ وحسب هذه العينة التي تعاملنا معها من أصحاب السلوك العنيف يتبين بأن غالبية هؤلاء يعانون من عدة صعوبات نذكر منها:
• عدم القدرة على التعامل الإيجابي مع الذات واستثمار طاقاتهم الإيجابية.
• انعدام الرغبة في التواصل مع الآخرين.
• هيمنة مشاعر الحرمان وعدم الرضا وضعف إشباع الحاجات الأساسية داخل الأسرة والمدرسة والعمل والعلاقات الاجتماعية.
• صعوبة تكوين اتجاهات إيجابية سليمة نحو الأسرة والوطن والمستقبل.
• عدم استطاعة تحمل التوترات والضغوط والتعامل معها بشكل إيجابي.
• استعصاء حل المشكلات التي تواجه الشخص دون عنف أو خوف أو حزن أو اكتئاب.
• افتقار الفرد للاستقلالية في تدبير شؤونه الحياتية اعتمادا على إمكاناته الشخصية.
• افتقار الفرد للمشروع الشخصي بكل أبعاده القيمية والتنظيمية والمعرفية والاجتماعية والإنتاجية.
رابعا ـ كيف يمكن مواجهة العنف؟
قد يعتقد البعض بأن هذه المسألة يمكن معالجتها من خلال لقاءات رسمية أو تطوعية عبر برامج تحسيسية أو حتى من خلال الوساطة الجمعوية الاجتماعية أو التربوية، أو من خلال صرامة القوانين أو التشديد وتقوية القيمين على الأمن والسجون والإصلاحيات.
وقد يعتقد آخرون بأن العمل على تكوين مؤسسات تهتم بشؤون الأسرة وتوفير أماكن للمعنفين الذين لا يقبل أهاليهم العودة إليهم، وتزويد هذه المؤسسات بالمربين والمساندين المختصين النفسيين والاجتماعيين القادرين على العلاج النفسي والإدماج الاجتماعي، والمختصين في القانون للعمل على توضيح الحقوق التي يؤمنها القانون للمعنفين والدفاع عنهم. وأن تكون لهذه المؤسسات فروع للإرشاد والتوجيه في المجال الأسري للعمل على نشر الوعي بين كافة الشرائح المجتمعية.
وقد يرى اتجاه آخر في أن الحد من المعاقبة البدنية للأطفال ومحاولة إدراكهم بشكل سليم والانتقال من العمل معهم على قاعدة الأب والمربي المساند والمحاور والمنصت بدل الأب الطيب والطموح الذي كثيرا ما ينشد تحقيق رغبات لم يتمكن من الوصول إليها في طفولته فيريد بكيفية لا شعورية أن يحقق رغبته الدفينة من خلال ابنه رغم العديد من الفروق الزمنية والنفسية والثقافية القاطعة بين الطفولتين.
كما يقول رأي آخر بوجوب الإقلال من الضغوط التي يعانيها الأفراد والأسر جراء صعوبات العيش وضعف الإمكانيات المادية والمعرفية والسكنية التي يعتبرها هؤلاء أساس كل التصرفات العنيفة، ويدعو هؤلاء إلى وجوب نشر الوعي بين الأفراد والجماعات داخل المجتمع، والحرص على التخلص من العطالة والفقر وتأمين الرعاية الصحية والأسرية لكل الأفراد، بالإضافة إلى العمل على إعادة النظر في الأسلوب القانوني مضمونا وشكلا الذي تعالج به قضايا العنف على الأصعدة الشرطية والقضائية والسجنية.
هل صحيح أن هذه الاقتراحات كافية للإسهام في تحقيق غايات الجمعيات والمنضمات التي تعمل على مكافحة أسباب العنف المجتمعي، والوساطة الجمعوية الرامية إلى الإسهام في نشر رسالة اللاعنف وإرساء قيم التسامح والتعايش واحترام الآخر وتقبل الاختلاف؟
هل تستطيع هذه الإجابات معالجة المعضلات النوعية والكمية والواردة في التقرير العالمي عن العنف ضد الأطفال الصادر سنة 2006؟ وعقد الأمم المتحدة الدولي لثقافة السلام واللاعنف من أجل أطفال العالم )2010(؟
هل تساعدنا هذه الاقتراحات في بلورة مقاربة تشاركية بين كل الفاعلين في الحياة السوسيوتنموية لرصد خلفيات العنف بكل صنوفه وتأثيراته على الواقع الفردي والجماعي والمجتمعي، المحلي والوطني والدولي؟
هل يتوفر الفاعل الجمعوي الذي يستثمر طاقاته التطوعية في الوساطة الوقائية والعلاجية ضد كل صنوف العنف؟
قد نجد إجابات متعددة عن هذه التساؤلات في دراسات علمية وطنية ودولية لها من المصداقية والاحترام والتقدير ما يجعلها جديرة بالاستعراض في هذه المناظرة، منها إجابات أستاذنا الجليل أحمد أوزي الذي يرفض تفسير ظاهرة العنف في المدرسة بمعزل عن عواملها ومجالها الثقافي الذي تتداخل معه خلال تحليلها وتفسيرها. ويعتبر هذا الباحث الأكاديمي أن العنف الصادر عن بعض التلاميذ بصفة عامة واتصاف سلوك بعضهم بالاعتداء هو بمثابة استجابة ورد فعل على العنف المؤسسي الذي يمارس غليهم، ليس على مستوى العقاب الجسدي فقط ولكن على صعيد أشكال أخرى غير مرتبة، مثل تطبيق نظام منح النقط المجحف والتوجيه المدرسي اللامعياري. فالتلاميذ على رأي أحمد أوزي يرفضون السلطة المدرسية لأنهم يشعرون بأنها نظام تعسفي في أغلب الأحيان، ويضيف إلى ذلك بأن ثقافة أبناء الفقراء والعمال والمهنيين والفلاحين والمعطلين توضع في تعارض مع الثقافة المهينة التي تنقلها المدرسة إليهم ويستطرد أستاذنا أحمد أوزي في تفسيره لخلفيات العنف المدرسي مبرزا أسس التصاميم المعمارية للمنشآت التعليمية في انتشار العنف بفعل اكتظاظ الفصول المدرسية وبنائها المعماري الذي يفتقر للفضاء والحدائق وأماكن ممارسة الرياضة وإشباع هوايات مختلف الأنشطة الثقافية التي تساعد على تفريغ الطاقات بأساليب إيجابية . ويرى هذا الباحث أن العنف ظاهرة جد معقدة تتداخل فيها عوامل متنوعة ومتعددة تحتاج إلى الكثير من البحث العلمي، ومن خلال تخصصات متعددة.
يرى بأن العنف سلوك مكتسب وهو ما يتيح العديد من الفرص لمعالجته، وأن العناية بالمعارف العلمية الحالية من شأنه مدنا بالقدرات اللازمة للعلاج على المستويات البيولوجية والاستعدادات الكامنة لدى الفرد، بالإضافة إلى معالجة العوامل الاجتماعية، وكل مكونات السياق الحياتي الذي يعيش في أحضانه، وخاصة بالتركيز على الأسرة والمدرسة والمجتمع بمعناه العام.
ويرى الأستاذ أوزي على أن الأسرة بالنسبة للأطفال والمراهقين هي النواة المركزية لنمو السلوك ما قبل الاجتماعي، وكذا نمو مشاعر المسؤولية اتجاه رفاه وخير الآخر والإيثار كما يمكن أن تكون الأسرة كذلك المتتبع الأساسي للعداء والاعتداء. فاختلاف المناخ الأسري والتربية الوالدية "حسب أوزي" قد يؤدي إلى الإسهام في مختلف أشكال نمو السلوك الاجتماعي. ذلك أن نتائج الخبرات الاجتماعية تسهم بشكل كبير في النمو الشخصي والاجتماعي للشخص، وصياغة سلوكه وفق معايير محددة.
ويدعو هذا الباحث إلى الاهتمام الدولي بمظاهر استفحال العنف والاعتداء، ودعم التطور العلمي وتعديل السلوك المتسم بالعنف، واجتثاث منابعه والحد من أسباه، والحرص على ترشيد العقاب وجعله خاليا من العنف والاعتداء، كما يدعو هذا الباحث إلى وجوب وضع بيداغوجية وقائية ضد العنف المدرسي يؤمن الحرص على تمكين الأطفال والناشئين والشباب من امتلاك مهارات السلوك الاجتماعي في مختلف مستويات التعلم، وتنمية الذكاء الوجداني لديهم بكيفية تؤمن التوازن الانفعالي، ومنحهم فرص الحديث والتعبير وتحسين الأداء التعليمي وتوظيفه في الحد من التصرفات الخطرة وإعادة تأهيل البناء المعماري لمنشآت التربية والتكوين، والارتقاء بأدوار المدرسين من حيث الإعداد والتأهيل والتدريب وتطوير القدرات المهنية، والحرص على التطوير العلمي لمناهج التربية والتكوين والاستثمار فيها من أجل امتلاك الاقتدار والتميز، وتأهيل الإدارة التربوية وفق حكامة راشدة على قيم التمكين والتشارك في القيادة، وتوظيف التكنولوجيا المعلوماتية والتواصلية في خدمة التربية والتعليم والتكوين. وتعزيز الأدوار التربوية للشباب بما يساعد على إشراكهم في القرار وإدماجهم في المجتمع، والعمل على العناية بالتربية الوالدية.
ويعتبر هذا الباحث بأن الوقاية ضد السلوك المتسم بالعنف والاعتداء والتطرف بكافة أشكاله تتطلب تأمين حياة تربوية آمنة بدءا من الأسرة والمدرة ومرورا بكافة مؤسسات التنشئة الاجتماعية. ويعتبر بأن المناخ التربوي الآمن أساس مساعد على تطوير الجودة والرفاهية النفسية لدى كل المتعلمين القادمين إلى منشآت التربية والتعليم والتكوين. كما يرى بأن للحوار بين الآباء والأبناء وبين الأساتذة والتلاميذ والطلبة يعتبر عاملا هاما في التواصل بينهم وفهم حاجات الأطفال والمراهقين والشباب ورعايتهم، ويقول بأن للتعليم المتجدد والمتطور في مضامينه وأساليبه الديداكتيكية دورا أساسيا في إكساب المتعلمين المهارات الحياتية التي تفيدهم في مواجهة التغيرات في محيطهم المعيشي.
لكن السؤال الذي نحتاج إلى الإجابة عنه والذي يحاصر تحرر العملية التربوية ويهيمن على كل مكونات التنشئة الاجتماعية ويسود العلاقات الإنتاجية ليعودوا إلى العنف كأزمة تدار بها الحياة الفردية والجماعية والمجتمعية، المحلية والدولية المؤسساتية منها والتلقائية. فالعنف هو سيد العلاقات الدولية وهو المتحكم في الاقتصاد العالمي وهو المفعل لقواعد القانون الدولي والعام والإنساني، وهو المعيق للإنتاج السليم لإنسان الحقوق والحريات. بالإضافة إلى العنف الأسري والمدرسي والعنف داخل الملاعب هناك العنف القانوني، فالعديد من القوانين المتعلقة بالتجريم والعقاب وقوانين السجون وقوانين الأمن تسهم في إنتاج العنف، ومنها على سبيل المثال لا الحصر الكتاب الثالث في قانون المسطرة الجنائية المغربي وخاصة قسمه السابع الخاص بالأطفال في وضعية صعبة، وكذا قوانين التقاعد وقوانين الضمان الاجتماعي وقانون الأسرة، هناك العنف المسمى بالسياسي والممارس عبر المؤسسات السياسية الرسمية وداخل الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية وداخل الحركة الجمعوية، والعنف الديني الذي يمارس داخل بعض الجماعات الدينية، والعنف الإعلامي، والعنف الاقتصادي والمالي، والعنف الثقافي، والعنف الإداري، والعنف الرياضي، وهي كلها صنوف تحتاج إلى المزيد من الدراسة والبحث، يصعب علينا الحديث عن العنف في دراستنا الميدانية حول العنف، نستطيع القول بأن العنف أداة تسلط متزايدة يفرض عبرها شخص أو جماعة أو دولة من موقع، "ما لديه بإحساس بالقوة"، مراقبة وضبط بل واحتلال شخص أو جماعة أو دولة أو مجموعة دول أخرى مستعملا كافة وسائل الضغط المتنوعة ومنها الإدارة بالأزمات التي تكرس دونية وخضوع الطرف المعنف، وتجبره على تبني مواقف وسلوك مطابق أو تتطابق مع توجهات الطرف صاحب السلوك العنيف.
ففي العنف الأسري وهو حالة عنف مؤسساتية، لا ترتبط بوقائع خارجة عن الرقابة الذاتية بل هي فعل تسلطي رقابي يحمل هم وحاجة قامة علاقات غير متوازنة وضاغطة وقمعية، وهي نفسها في حالة العنف الموجه ضد النساء التي تستخرج فعل الضغط للحفاظ على وضعية "الدرجة الثانية" وفي إطار سياسة اجتماعية عامة تؤكد التضامن والتعاضد مع التسلط الوالدي الذي يرتشف روحية الدولة في الداخل التي تستمد روحيتها من روحية الدولة المهيمنة على العالم وتعود أصوله إلى التحولات القسرية المتزايدة من القرى إلى المدن. وهو يؤكد رأي الباحثين: J.A.d’ornano et F.X. de Gwbert وفي دراستهما حول أصل العنف الحديث ، فالعنف هو سلوك مديني كل من فاعليه وضحاياه هم على السواء من أناس المدن الذي يعانون من فقدان خيط التواصل إما بشكل مفاجئ، وقد حرموا منه منذ انتقالهم إلى رحم اجتماعي لا يقيم للمروءة وزنا.
فالعنف هو مسلسل علاقات إنتاجية يؤطرها النبذ والاستبعاد والاستثناء عبر سلخ الفرد عن كليا عن كل ما يحيط به، وكان الوازع الذي يجمعه بالحياة قد تبدد فجأة أو أنه لم يتربى على وازع ينمي له معاني الحياة والإنسانية والتحضر والحرية والكرامة، ويشبع حاجاته الأولية والثانوية، ويمكنه من الإدارات الايجابية لذاته. ونلاحظ هذا التصرف اللاانساني في التصرفات اللااجتماعية المتمثلة في عنف الحاكم ضد المحكوم، عنف الغني ضد الفقير، عنف التحرش الجنسي، وكل أفعال الاضطهاد والعنصرية والتحقير، وكثيرا ما يتم العنف في حياتنا المعاصرة معتمدا على تبريرات قد تنص عليها بعض القوانين أو الاتجاهات السياسية السائدة في الحياة الدولية والوطنية مثل الفوضى الخلاقة والربيع التحرري والحرب ضد الإرهاب، ليتم تحميل ضحايا العنف المسؤولية ويتحرر منها صاحب السلوك العنيف، ويمكن توضيح أسباب العنف وأساليبه ووظائفه من خلال الخطاطة التالية:






الحقوق الإنسانية القانون الجنائي
اعتراف بالذنب وبالنتائج اعتراف بصاحب
الذنب المعتدي



التمييز رقابة
تحكم بشرعية تحكم بلا شرعية
"الزوج والزوجة مثلا"
إن العنف يضر بعيشنا المشترك وبسبل نمونا الشخصي والجماعي والمجتمعي الوطني والكوني ويعيق امتلاكنا لمهارات التفكير والتعبير والإبداع والاختراع والإنجاز لدينا. فالعنف أولا وأخيرا هو عنف نفسي يعبر عنه بعدة وسائل للتواصل شكلا ومحتوى، رسميا وضمنيا، سلبا وإيجابا، غرضه الظاهر هو طعن وجرح المشاعر الانفعالية لدى امرؤ ما.
قد يبدو مما تم تقديمه بأن العنف لا يمكن الحديث عنه من خلال مداخلة أو عدة مداخلات داخل مناظرة أو ندوة. بل يحتاج إلى مركز للأبحاث والدراسات يتخصص في رصد العنف وتشخيصه وتحليله وصياغة المقاربات الناجعة للإسهام في معالجته وفق مناهج وبرامج تتسم بالتكاملية من حيث التخصصات المعرفية والعلمية، وعلى صعيد القطاعات التدخلية تنطلق من الخاص الحميمي والعلائقي، ويتجاوزه على المستوى الميكروسكوبي ليشرح عمقه الذاتي عبر الخاص جدا (le particulier) ليتمكن من التأكيد بأن العنف العالمي هو عنف متأتي من العنف المجتمعي بشكل عام، لذا فكلما استطاعت التخصصات العلمية صياغة مناطق مشتركة ومتواصلة بين مجالاتها الحيوية كعلم الاجتماع في علاقاته بعلم النفس، من أجل خدمة الحياة عبر عمليات إصلاحية للقيم والقوانين والقضاء على الفساد، وفي وضعية الحريات وحقوق الإنسان والتربية والتعليم والتكوين والتعلم والتنمية الذاتية والطفولة والمرأة والشباب والأسرة والسياسة والعدالة، والديمقراطية والعلوم والتكنولوجيا، هذه الأخيرة التي قد تتحول بشكل أو بآخر إلى مصدر للعنف خاصة عندما يتم الفصل بين الوطني والعالمي.
1 ـ دور الحركة الجمعوية في معالجة معضلة العنف:
تدل النتائج المتسمة بالصلاحية العلمية وليس الثبات العلمي بأن الفاعل الجمعوي شخصية معنوية كانت أو ذاتية، وهبت ملكات ذهنية أقوى ليس لتوضيح رسالة أو وجهة نظر أو التعبير عن موقف فحسب بل تستطيع إعماله وتقييمه وتطويره. للفاعل الجمعوي مسؤوليات يتحملها عبر الاختيار الحر، والإرادة القوية الناضجة والعمل التطوعي، داخل الجهود المعتنية بالنهوض بالشأن العام، وترقية الرأي العام بالتركيز على التربية والتنشئة والتثقيف والتأطير على قواعد الاستقلالية والتطوعية والعلم والمساواة والاعتماد على الذات في تمويل وإنجاز المشاريع، وإقامة التحالفات والشراكات من أجل تنامي الحرية الفكرية وتقوية الاقتدار الذاتي لدى الأفراد والجماعات والمجتمعات. والحركة الجمعوية هي كيان مبني على أواصر نفسية واجتماعية ومعرفية تتوخى الإسهام الفعال في الإنتاجية الإيجابية.
لكن الذي يجب على الحركة الجمعوية التركيز في مكافحة العنف هو العناية بالفاعل الجمعوي وتمكينه من قدرات استنطاق الرموز العامة بأسلوب نقدي متطور، يخلص القيم والمعايير الاجتماعية السليمة من التسلط والنفاق واستمرار الاستبداد الذي يهيمن على المخيال الجمعي. يجب ترقية هذا المخيال وتحريره من الجمود والعنصرية.
إن الحركة الجمعوية في حاجة إلى تأهيل يمكن فاعليها من الاستقراء العلمي، يمكنهم من تأمين المصالحة مع التعلم والتثقيف، والعمل المؤمن للعناية النفسية والاجتماعية التي يعاني الحرمان منها كل منتجي العنف وضحاياه. ولعل من أهم المقاربات التي يمكن للفعل الجمعوي المفكر بالإنسانية والعامل داخل الوطن بنزاهة علمية وتطوعية التركيز على العمل السوسيوتنموي الوقائي ذو الأهداف العميقة التي لا تقتصر على التحسيس أو مجرد الإرشاد للصعوبات ولكن العمل السوسيوتنموي التربوي والصحي والاقتصادي في نفس الآن.
فالعمل الجمعوي الجيد هو الذي يعتمد على مبادئ التحصين والحماية والوقاية لما لها من إفرازات إيجابية صحية، اجتماعية واقتصادية على مستوى الفرد والجماعة والمجتمع والإنسانية جمعاء. ذلك لأن اعتقادها الراسخ بقيمة وأهمية المرء لا يمكن تعويضها، فمثلا مهما توفرت الإمكانيات فإن الإصابة بالصم من خلال تعنيف الأب أو المربي للطفل باعتباره قيم على رعايته، أو بالسرطان المهني أو تعنيف الزوجة من خلال ممارسة جنسية مرضية أو منحرفة لا يمكن تعويضه بالمال ولا بالإمكانيات. لذا فالحل الأمثل هو تخصيص إمكانيات للوقاية منه بطرق سوسيوتنموية توظف التنشيط كعملية إنسانية، توظف كافة العلوم والمعارف والتقنيات والإنماء الحضاري بكل أبعاده لدى الأفراد والجماعات بالتركيز على تقوية الإرادة وتنضيجها.
وفي هذا السياق يدخل دور الحركة الجمعوية في إطار العمل على تفعيل العلاقة المنطقية بين الأفراد والأسر والتجمعات السكنية وبين المؤسسات المجتمعية وعلى رأسها الدولة بكل أجهزتها الأمنية والقضائية والاجتماعية والتربوية والاقتصادية والمالية والجماعات المحلية والقطاعات الخاصة، بغية إبراز الدور الحقيقي للعمل الجمعوي كواقعة سوسيوتنموية ميدانية تستثمر كفاءات الوساطة والتكوين ودعم القدرات وتجاوز الصعوبات واستقطاب الكفاءات العلمية والتقنية في إطار التعلم والتثقيف المفتوح، وتحول الأزمات الشخصية والجماعية والمجتمعية إلى فرص وآفاق للتطور وتقوية الاقتدار وتنويع المهارات، واستثمارها في النهوض بالشأن الإنساني عامة والنهضة الوطنية بالخصوص.
ولإعمال هذا التوجه يجب على الجمعيات الجادة التركيز على ما يلي:
• إحداث نظام للتكوين والتطوير في مجال التنشيط السوسيوثقافي والوساطة التنموية بشراكة مع مؤسسة المعهد الملكي لتكوين الأطر وبعض القطاعات الحكومية المختصة بالشأن الأسري والتربوي والاجتماعي، تستطيع من خلاله تمكين الفاعلين الجمعويين على الصعيد الوطني من امتلاك الرصيد المعرفي والمهارات الداخلية الواجبة للممارسة الوساطة التنموية والتدخل السوسيوالثقافي.
• تسطير وضع برامج للوقاية الاجتماعية والسلامة التربوية والصحة والاقتصادية.
• توسيع نطاق الشراكات مع مراكز البحث العلمي من أجل امتلاك التفسيرات السليمة للسلوك المضطرب وصياغة المقاربات العلاجية بشكل تكاملي.
• وضع تقرير وطني عن واقع العنف بالمغرب والجهود الحكومية والجمعوية وخاصة بمعالجته.
• تيسير سبل الفحص والإنصات والاستقبال لصيانة وعلاج الصحة النفسية المتوازنة.
• تنشيط وإدماج الإطارات على مستوى بعض المؤسسات للإسهام في تطير الفعل الجمعوي على قواعد علمية تستند على سوسيولوجين والأطباء والسيكولوجيين والتربويين والمهندسين والبيئيين والاقتصاديين وعلماء الدين والقانون والإعلاميين وأخصائي الرياضة والتربية البدنية والباحثين في الشأن الثقافي والفني.
• يجب على الجمعيات القيام بدراسات وبحوث علمية نموذجية في انتشارها الترابي اعتمادا على إمكانياتها البشرية، أو بتعاون مع التنظيمات الجمعوية الأخرى، أو بشراكة مع بعض المؤسسات الإدارية أو الاقتصادية أو المنتخبة أو الخاصة.
• استرجاع الكفاءات الفكرية والباحثين والمثقفين والعلماء الذين تتوفر عليهم الساحة الوطنية عامة والمحلية بالخصوص إلى أوساطهم بعد هجرهم لها واندفاعهم نحو قنوات الإعلام أو الدعاية، واقتصار اعتمادهم على من يشاهدهم بدل تفاعلهم الايجابي داخل تلك الأوساط التي تعاني من هجرهم لها رغم ما يملكون من قدرات على الإنصات لكل فرد من أفرادها، وتدعيم تطور وارتقاء اذائه وتوازن شخصيته.
2 ـ مسؤولية الباحثين نحو مكافحة ومعالجة العنف
إننا مسئولون عن تطوير البحث العلمي في الظاهرة الإنسانية عامة والبحث في شأن العنف كسلاح مدمر بالخصوص، هي مسؤولية إيمانية وتاريخية وحضارية. فالمطلوب صياغة مناهج دراسية بشكل تكاملي للوقوف على أسبابه الفعلية وصياغة مقاربات التحصين ضده ومعالجة أصحابه وضحاياه بشكل جيد، يستطيع تحرير الأفراد والجماعات والمؤسسات والمجتمع من كل دروب الاكتئاب المنتشرة بأشكال متفاوتة من حيث الحدة ومن جانب التأثير، جراء انتشار ثقافة العنف التي اعتلت بكل صنوفها السدة المركزية المتحكمة في علاقات الإنتاج المهيمنة على الحياة الإنسانية عامة ومنها الواقع المغربي المعيش الذي تعاني غالبيته من عدة صعوبات تجعلها ممنوعة أو غير قادرة على ممارسة أدوارها الاجتماعية جراء إغرائها المتواصل في براثين الاستهلاك والتبعية والانتظارية.
فواقعنا الإنسانية يعاني من شدة عصابية لا تتكيف مع ما هو ضرورة ملحة للعيش، لكنها في تصادم متواصل مع الحقيقة والواقع والرغبة في الوجود الفعال. وذا نتاج الحرمان من الرعاية النفسية الاجتماعية التي تعتبر ضرورة وجودية وحضارية للحاكم ومحكوم للطفل والبالغ للمرأة والرجل للآثم والضحية. فكل اضطراب أو نقص أو حرمان منها إلا ويسهم في توالد عدة عوارض. عوارض صاحب السلوك العنيف وعوارض ضحية هذا السلوك، فالعنف قد يكون حاجة تهديمية بالنسبة للفرد كحاجته للحياة على رأي فريد، ولعل الدراسة العلمية المركز على تطوير الوعي النقدي من أجل اكتشاف الطابع العميق للعنف بكل أشكاله وخاصة العنف الانعكاسي. فهناك مواجهة ضاربة بين حب الحياة وحب الموت، وقد تقع هذه المواجهة في داخل الفرد الواحد. والمسئولة العلمية التي يتعلمها الباحثون في هذا الصدد هو معرفة وزن كل خصم من الخصمين الأساسيين داخله وإيجاد متطلبات علاجه.
3 ـ أهمية الديمقراطية في مكافحة العنف:
كلنا يتحد عن الديمقراطية وينبهر بمستوى منتوجها في البلاد الأخرى، وكلنا يدعو إلى الانفتاح على تلك المنتوجات ويعتبرها البديل الأساسي على مستوى الخطاب، لكن القلق البسيط الذي يحرص على إعمالها على صعيد الواقع مع ذاته أو داخل أسرته أو حزبه أو جمعيته أو ثقافته أو محل عمله، جراء تراكم الاستبداد الممتطي لحصان العنف الذي يتخفى وراء البراديغم الامتثال والطاعة والوفاء الذي كل انتقاد لأعدائه أو اجتهاد من أجل تطويره يعتبر دعوة إلى الفتنة. وعليه نعاني انعدام التراكم الفكري والسياسي البديل، ونعاني من غياب حركات الرفض المنظمة بحرية وبدون خطوط حمراء، كما نعاني من الاستبداد المتجدد والمتستر وراء الحرية المفروضة وديمقراطية التنميط والإخضاع والواجهة المفروضة التي نرى فيها المنقذ من الفتن، في ظل الاستحالة التامة لإعمال ديمقراطية المنتوج الحضاري.
فواقع الديمقراطية في واقعنا المعيش سجين زنزانتين العنف حارسهما، زنزانتي الانتماء والتنميط، المؤطرتين بالاختبارات التقليدية والمفبركة والتي تمارس الترغيب والترهيب في ممارستهما السياسوية الطبق الأفق والخادمة لأجندات مصالح ضيقة توسع من دوائر العنف.
وحيث أن العنف من عمقه سلوك مخرب للحقوق والحريات على الصعيد الإنساني، وحيث أن الإنسانية الساعية الارتقاء بالحياة الخاصة والعامة للشعوب والدول تحتاج إلى ديمقراطية الواقع العالمي، وتمكينه من الكيان التشريعي وتنفيذي والقضائي والاقتصادي والبيئي وإعطاء المكانة للشعوب والفاعلين المدنيين من النهوض بمهامهم الإنسانية، فلا يمكن تصور حياة دولية قوية على النهوض بالأمم والشعوب في غياب دمقرطت الأمم المتحدة وإعادة النظر في مجلس الأمن وتقوية الأجهزة القضائية ووضع حد للعنف الاقتصادي والمالي والاجتماعي الذي تمارسه المؤسسات المالية والمنظمات التجارية، والتقزيم المتواصل للمنظمات العمل الدولية، والمحاكم الدولية، وتجريم الاعتداء على البشر، وتمكين الأفراد والجماعات الإنسانية من كل أصقاع الكون اللجوء إلى القضاء الدولي لرفع كل صنوف الحيف السياسي أو الاقتصادي أو البيئي الذي يطالهم.
على هذا الأساس يجب أن تمكننا التربية والتثقيف على الديمقراطية كحض قوي ضد كل صنوف العنف من خلال عمل جمعوي يركز على عمل سوسيوتنموي بمنظورات جديدة للإنسانية المفكر بالعالم والمطبق بجدية فكرية وعلمية تطوعية عادلة على صعيد الوطن
وعليه يجب التأكيد على صعوبة إمكانية تخلصنا من العنف في ظل استتباب الاستبداد وتجدده، وما ينتجه من تدجين وإهمال وتهميش لا يمكن التخلص منه عبر ربيع أو خريف يتم تصنيعه تحت الأكياس البلاستيكية والأسوار الجديدة لجهة من جهات الاستبداد العالمي. ولكن التحرر الفكري والاجتماعي والحضاري من براثين يحتاج إلى تكوين منطقة مشتركة لكل وجهات النظر المتواجدة على الساحة الإنسانية عامة والوطنية خاصة، تمكن الجميع من إدراك ما حدث وما يحدث وما سيحدث، وما يتطلبه من تطوير لادراكاتنا لذواتنا الواعية والمثالية والاجتماعية. إلى الآخرين والى الماضي والحاضر والمستقبل، وجذور العنف وأنماطه وغاياته المغذية لجدر الاستبداد وهيمنة أركانه على الماضي والحاضر والمستقبل.


















قائمة المراجع العربية
ـ اوجيست ايخورن، الشباب الجامح، ترجمة سيد محمد غنيم، الفصل الأول المقدمة. 1954
ـ بطرس حافظ بطرس، المشكلات النفسية وعلاجها، دار المسيرة، عمان، الأردن، الطبعة الأولى 1428هـ 2008م
ـ الخضيري محسن أحمد: إدارة الأزمات، منهج اقتصادي إداري لحل الأزمات على مستوى الاقتصادي القومي والوحدة الاقتصادية، القاهرة مكتبة مدبولي الطبعة الثانية 2003
ـ نعوم تشومسكي: أسلحة صامتة لحروب هادئة
ـ محمد أوزي: سيكولوجية العنف، عنف المؤسسة أو مأسسة العنف، منشورات مجلة علوم التربية، الطبعة الأولى، 2014
ـ صبري جرجس: مشكلة السلوك السيكوباتي، بدون تاريخ
قائمة المراجع الأجنبية
- William healy and Augusta. F.Bronner, New lighion Delanquency and lis treatment
- Anna freuel « certain tupes and stages of social maladjustment » in K.R. Eissleretal. (eds), searchlights on de linquency.
- Kate Fried Lander, the psycholo – analytical Approch to puvenile Delinquency
- Benjamin Karpman, the natur of psychopathy, in clyde B vedder et al. Op cit
- Warren Dunham, the schozophrene and criminal behavior, in clyde B Vedder et al op cit
- R.d Gillespie Mental Abnormality and grume
- Rabinowice, la lutte modeme contre le gume
- R.d Gillespie Mental Abnormality and grume
- Essai sur l’origine de la violence contemporaine- O.E.I.L.Paris, 2003.
- Centre de recherche interdisciplinaire : sur la violence familiale et la violence faite aux femme, violences violence et intentionnalité. Actes du colloque tenu à Québec le 12 mai 1998. Dans le cadre du 66ème congrès de l’acfas.
المواقع الالكترونية:
مركز الكاشف للمتابعة والدراسات الإستراتيجية: http://www.alkashif.org






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من أجل مغرب رياضي يصون مستقبل الأجيال الصاعدة
- العمل مع الأطفال والناشئين والشباب:تساؤلات من أجل التطوير وم ...
- الدروس الثورية العربية
- الخدمات السوسيوتنموبة للأطفال والناشئين والشباب بالمغرب خدما ...


المزيد.....




- واشنطن ترحب بقرار حظر الأسلحة الكيميائية بشأن سوريا 
- البيت الأبيض: واشنطن لم تتوقع أبدا أن تغير حزمة عقوبات واحدة ...
- أمريكا تعمل على سحب ترسانتها النووية العابرة للقارات بسبب ال ...
- ما هو مقدار الماء الذي يحتاجه الجسم يوميا في رمضان؟
- خطوة تركية هي الأولى منذ سنوات تجاه إسرائيل
- الأرض على موعد مع -هجوم نيزكي- يشاهد بالعين غدا في موعد محدد ...
- بقيادة رئيس المخابرات... الأيام المقبلة قد تحمل مفاجأة بشأن ...
- القطري ناصر الخليفي رئيسا لرابطة الأندية الأوروبية
- واشنطن: دعم إيران لـ -أنصار الله- اليمنية -كبير جدا ويتسبب ب ...
- 4 طائرات إيرانية تقترب من حاملة طائرات أمريكية في الخليج وتل ...


المزيد.....

- أصول التغذية الصحية / مصعب قاسم عزاوي
- الصحة النفسية للطفل (مجموعة مقالات) / هاشم عبدالله الزبن
- قراءة في كتاب إطلاق طاقات الحياة قراءات في علم النفس الايجاب ... / د مصطفى حجازي
- الافكار الموجهه / محمد ابراهيم
- نحو تطوير القطاع الصحي في العراق : تحديات ورؤى / يوسف الاشيقر
- الطب التقليدي، خيار أم واقع للتكريس؟ / محمد باليزيد
- حفظ الأمن العام ، و الإخلال بالأمن العام أية علاقة ... ؟ / محمد الحنفي
- الوعي بالإضطرابات العقلية (المعروفة بالأمراض النفسية) في ظل ... / ياسمين عزيز عزت
- دراسات في علم النفس - سيغموند فرويد / حسين الموزاني
- صدمة اختبار -الإيقاظ العلمي-...........ما هي الدروس؟ / بلقاسم عمامي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - عبد الله أبو أياد العلوي - العنف في حياتنا اليومية محاولة للتفسير