أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسن خضر - بطولة الناس العاديين..!!














المزيد.....

بطولة الناس العاديين..!!


حسن خضر
كاتب وباحث

(Hassan Khader)


الحوار المتمدن-العدد: 4513 - 2014 / 7 / 15 - 13:22
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الشيء الوحيد الذي يستحق الكتابة هو بطولة مليون وسبعمائة ألف من بني البشر في قطاع غزة. وهؤلاء هم الأولاد والبنات، الأزواج والزوجات، الآباء والأمهات الأبناء، الكهول، الشيوخ، المرضى، الأطفال، الشباب، الفقراء، الأغنياء، المراهقون والمراهقات. هؤلاء كلهم، بلا استثناء، مرشحون للموّت بطريقة عبثية تماماً، لا يعرف أحد منهم متى يحدث ذلك، ولكن دوي الانفجارات القريبة والبعيدة، يضع الموت على رأس قائمة الاحتمالات.
لا بطولة في الحرب، أو الموت. والأسوأ من الموت انتظاره. البطولة الحقيقية هي ما يفعله مليون وسبعمائة ألف من بني البشر، أربعا وعشرين ساعة في اليوم، سبعة أيام في الأسبوع، وستين دقيقة في الساعة، وستين ثانية في الدقيقة، للبقاء على قيد الحياة، وتفادي الإصابة بالجنون، أو فقدان الخيط الرفيع، الذي يصنع في حالات بعينها، الفرق بين الإنسان والحيوان.
لا توجد في بيوت غزة غرف محصّنة، ولا فيها ملاجئ آمنة يهرع إليها السكّان، ولا صفّارات للإنذار تحذرهم من اقتراب الطائرات المغيرة، ولا قبة حديدية، أو مضادات للطائرات، ولا طواقم طبية مجهزة بأحدث المعدات الطبية، وبكل ما يخطر ولا يخطر على البال من أجهزة وتقنيات إنقاذ الحياة، وعلاج الصدمات، وتقديم المساعدات الإنسانية، والحماية الاجتماعية.
إذا انهار البيت على رؤوس ساكنيه حلّت المشكلة نفسها، وإذا مات البيت وظل ساكنوه على قيد الحياة، ففي انتظارهم عذاب جديد عنوانه البحث عن مأوى. مكشوفون وعراة.
مليون وسبعمائة ألف من بني البشر. مكشوفون وعراة تحت سماء من حديد، وعلى أرض تحترق. لا فائدة من الكلام عن العجز العربي، فقد قيل هذا الكلام منذ زمن بعيد. ولا فائدة من التذكير بصمت العالم، وغيبوبة الضمير العالمي، فقد قيل هذا الكلام منذ زمن بعيد. ولا فائدة حتى من الكلام عن إجرام الدولة الإسرائيلية، وارتكاب جرائم حرب بحق المدنيين، فقد قيل هذا الكلام منذ زمن بعيد.
مفردات العجز، والضمير، والصمت، والإجرام، كلها من حواضر البيت، يعود إليها الكاتب، والمحلل والمُعلّق كلما وجد نفسه مضطراً للكتابة في موضوع استنفد كل ما يخطر، ولا يخطر على البال، من تحليل وتعليق وتأويل. فما الجديد في الأمر، وبماذا ولماذا تختلف الحرب الحالية على غزة عن التي سبقتها، والأهم عن التي ستليها، بعد عام وربما أكثر أو أقل.
لا قيمة لهذا كله في نظر مليون وسبعمائة ألف من بني البشر يطل عليهم صباح، وليس في الوجود كله ما يثبت أنه لن يكون الأخير، أو يغمرهم ليل، وليس في الوجود كله ما يضمن وصولهم سالمين إلى أعتاب صباح جديد.
لا يعرف الناس حقيقة ما يعيشونه من أهوال إلا بعد التقاط الأنفاس، عندئذ يمكنهم الكلام عن معنى ومبنى العيش في الجحيم، واكتشاف بطولة الحياة اليومية بكل ما فيها من العابر، والمألوف، والمُبتذل: بطولة التصرّف، والكلام، بطريقة عادية، أو ينبغي أن تكون عادية بين أم وأبنائها في ظل موت محتمل، وبطولة الآباء إذا ما نظروا إلى أبناء وبنات لا يستطيعون حمايتهم من موت منتظر، لكنهم يريدون الحفاظ على بعض ما تبقى من مكانة الأب.
كلنا، وبدرجات متفاوتة، سقطنا في شرك سرديات بطولية تجعل من البشر العاديين وسائل إيضاح لمعنى الوطنية والقضية، ولم نكن ندري أن شركاً كهذا يجرّد البشر العاديين من حقهم في بطولة لا يُعترف لهم بها إلا إذا تحوّلوا إلى رموز، وكفوا عن كونهم عاديين، بينما لا يتجلى المعنى الحقيقي والبطولي لوجودهم إلا بقدر ما فيهم من العادية. فبقدر ما تنقص السياسة يزيد الإنسان.
سينتهي هذا كله بعد قليل.
وقبل انتهاء هذا القليل، سيموت مرشحون للموت، ويعيش آخرون، بلا سبب وجيه في الحالتين. وبعد قليل، سينسى المعلقون والمحللون ما حدث لأن شيئاً آخر في مكان قريب أو بعيد حدث، وتحتل مشاهد جديدة عن موت جديد في مكان جديد شاشة التلفزيون، وتسافر وكالات الأنباء، ويسافر المراسلون والمصوّرون إلى أماكن أخرى، ويعاني الناطقون والمُصرّحون من بطالة مؤقتة.
وفي الأثناء، سيخرج مليون وسبعمائة ألف من بني البشر من غمامة البارود، والهواء الساخن، والهباء، وموت الصدفة، ولكن إلى حين. سنضع حواضر البيت من مفردات وإنشاء وبلاغة على الرف، وننسى بطولة الناس العاديين، أيضاً، ولكن إلى حين.



#حسن_خضر (هاشتاغ)       Hassan_Khader#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تفصيل صغير في مشهد الخليفة..!!
- أحبتْ يهودياً، وما علاقة محمود درويش بالأمر؟
- مريض بالقلب وميكانيكي سيّارات!!
- الحق والبطلان في الفرق بين أتاتورك وأردوغان..!!
- هل الأرض كروية..!!
- عن غزة واستراحة المُحارب..!!
- حروب داعش والغبراء..!!
- المصالحة والمصارحة..!!
- غارسيا ماركيز في غزة..!!
- ربحنا باكستان وخسرنا الهند..!!
- عن العلمانية وأسلوب الحياة..!!
- كل يسار وعشائر وأنتم بخير..!!
- سورية: حرب مفتوحة وأفق مسدود..!!
- محمود درويش ومعرض الكتاب في الرياض..!!
- القليل منها يشفي القلب..!!
- حماس، أسئلة في فضاء مفتوح..!!
- أهلاً، يا نجلاء، في البيت..!!
- خلاف حماس والأونروا..!!
- في جينات العرب مضادات حيوية..!!
- الكلام الفارغ عن الرأي والرأي الآخر..!!


المزيد.....




- لحظة انقطاع كابل لعبة -المقلاع- في الهواء بمدينة ملاهي في إس ...
- كيف سيكون الأثر المباشر على الإمارات بخروجها من أوبك؟ سهيل ا ...
- ماذا يعني انسحاب الإمارات من -أوبك- للولايات المتحدة؟
- الرئيس التونسي يقيل وزيرة الطاقة وسط مساعٍ حكومية لتمرير قوا ...
- الجنائية الدولية تقر تعويضات لآلاف الضحايا في -قضية الحسن- و ...
- تفجير نفق بكميات كبيرة من المتفجرات.. إسرائيل تتعهد بتدمير ك ...
- تحت غطاء المسيرات.. 20 آلية إسرائيلية تتوغل في درعا وتفتش مق ...
- كيف أذكت حرب إيران المزاعم الزائفة عن -سرقة الغيوم-؟
- -حبوب مسروقة؟- توتر أوكراني -إسرائيلي والاتحاد الأوروبي يدخل ...
- إندونيسيا: 14 قتيلا على الأقل إثر تصادم قطارين بالقرب من الع ...


المزيد.....

- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسن خضر - بطولة الناس العاديين..!!