أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية - حسن بشير محمد نور - من الذي يرعي الخرطوم؟















المزيد.....

من الذي يرعي الخرطوم؟


حسن بشير محمد نور

الحوار المتمدن-العدد: 4475 - 2014 / 6 / 7 - 17:00
المحور: العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية
    


أ.د. حسن بشير محمد نور
من الذي يرعي الخرطوم؟
اذا اخذنا الخرطوم (العاصمة المثلثة بمدنها الثلاث الخرطوم، امدرمان والخرطوم بحري) فسنجدها نموذج حي يجسد حياة المواطن السوداني ونمط عيشه وانواع معاناته. اذا اخذنا واقع الحياة اليومي واسقاطه علي ما يجب ان يكون عليه الحال فسنجد مفارقات مذهلة تكاد لا تصدق لانسان يعيش في القرن الحادي والعشرين، عصر التكنولوجيا ونظم المعلومات والحكومات والمعاملات الالكترونية. ماذا سنجد اذن؟ بتحليل معياري بسيط يضع في اعتباره ما يجب ان يكون عليه حال مواطن يعيش في عاصمة بلاده، سنجد ان هذه العاصمة بتعداد سكانها الذي يصل الي حوالي سبعة ملايين شخص تفتقر الي ابسط مقومات الحياة ، التي اصبحت من بديهيات العيش اليومي منذ بداية القرن العشرين، بل حتي ان نفس هذه العاصمة كانت تتمتع بالكثير من المزايا ومقومات الحياة العصرية في ستينيات القرن الماضي.
كثير من الناس لا يصدقون ان هذه العاصمة بتعداد سكانها الكبير تفتقر الي البنيات التحتية الرئيسية للحياة، مثل شبكة للصرف الصحي ومجاري تصريف مياه الامطار، التي تهطل فيها بكميات متواضعة. لا يمكن التصديق بان (ارقي) احياء العاصمة التي يبلغ سعر المنزل الواحد منها عدة ملايين من الدولارات، لا تملك شبكة منتظمة للمياه تضمن امداد مستمر دون الحاجة لسهر الليالي لتصيد فترة حضور المياه قبل ساعات الفجر ولزمن محدود، فيقوم الساقي بتدوير طلمبات المياه التي قد تفلح في اصطياد مياه كافية لليوم التالي وقد لا تنجح في ذلك ، فيلجأ للاستعانة بوسائل بدائية تسبب التلوث مصحوبا بامراضه المتعددة وترتفع تكلفة العلاج والتكاليف الاجتماعية لذلك النوع من امراض التخلف. قد لا يصدق الناس ان نفس تلك الاحياء (الراقية) تفتقر للطرق المعبدة فيخوض سكانها في الاوحال بعرباتهم ذات الموديلات الاحدث عالميا ويتعايشون مع الذباب والناموس بمجرد ان يفتحوا ابوابهم او نوافذهم وبدلا عن استنشاقهم لهواء حدائقهم تجبرهم روائح المياه الراكدة في الخريف لاغلاق النوافذ والعيش علي مكيفات الهواء. الامثلة كثيرة وتثبتها المشاهدات اليومية بالعين المجردة.
ضربنا مثلا بحياة قلة من المنعمين فما بالكم بالبؤساء والاكثر بؤسا ، وهم السواد الاعظم؟ تلك القلة من المنعمين لا يستهان بها في حسابات العرض والطلب والقدرة علي الضغط في تلبية احتياجاتهم. هذه القلة تتكدس في العاصمة نسبة لتمركز السلطة والثروة والنفوذ ، كما ان الخدمات - قدر المتاح منها- يتمركز فيها ايضا، وبالتالي فان الحصة الاكبر من الانتاج والاستهلاك وفرص التسويق والتسوق تتمركز في الخرطوم.
في الخرطوم العاصمة القومية كم هائل من المتاجر والبقالات الصغيرة ، اضافة لعدد كبير من السيوبر ماركت واثنين من (المولات ، عفراء والواحة)، هناك العديد من الفنادق يمختلف درجاتها والمطاعم والاسواق المركزية والطرفية، اضافة للمستشفيات، المراكز الصحية، الصيدليات، المدارس الخاصة والعامة والجامعات التي تعج بالدارسين والدارسات. كل تلك المحال والمرافق الخاصة والعامة تمتليء بالمكونات والمحتويات حسب نوعها وتخصصها.
السؤال هو كيف تمون تلك المحال ومن الذي يقوم بالامداد؟ من الذي يطعم سكان العاصمة ويسقيهم؟ من الذي يشرف علي الاحتياجات العاجلة والآجلة؟ من المفترض في الاجابة ان تنقسم وظيفة الامداد والتموين الي قسمين ، الاول هو من صميم اختصاصات ووظائف الدولة بحكم وظيفتها في تخصيص الموارد وتوزيعها، اضافة لوظائف الرقابة والتنظيم، ضبط المقاييس والمواصفات، كذلك وظيفتها في توفير جزءا مهما من السلع والخدمات الاجتماعية، ان لم يكن عن طريق الانتاج العام فبواسطة التوفير العام كما يحدث في جميع دول العالم التي ترعي حكوماتها مصالح شعوبها. ام الشق الثاني فيقع ضمن آلية السوق التلقائية المحكومة بالعرض والطلب وقوانين المنافسة والتنافسية. لكن للمفارقة فحتي آلية السوق تحتاج للضبط والرقابة والتنظيم من قبل الحكومات.
ما يجب ان يكون عليه الحال هو الضبط والانتظام وحوكمة الاداء، الا ان الواقع يشير الي العكس تماما. هناك العديد من السلع التي لا يعرف مصدرها ولا تحدد مواصفاتها، كما ان سلع اخري كثيرة قد تجاوزت فترة صلاحيتها او اصبحت غير صالحة للاستعمال بسبب سوء التخزين او بقائها في الثلاجات وهي تغلي بسبب فصلها عن الكهرباء ليلا او بسبب انقطاع التيار الكهربائي دون وجود بديل له. اما الخدمات فحدث ولا حرج فهي غالية التكلفة متدنية الجودة حتي في افضل المستشفيات والمدارس الخاصة (بالرغم من ان المدارس في حدود المتاح هي افضل حالا لشدة المنافسة التي تستدعي جذب المزيد من التلاميذ لضمان الربح)، اما المستشفيات والصيدليات فالكثير منها لا يبالي لان المريض اما مضطر واما لا يعلم ببواطن الامور الطبية المعقدة.
اذا تأملت في محال واسواق الخرطوم تجد العجب العجاب. تجد الفواكه الشامية من تفاح وعنب وبرقوق وخوخ، كما تجد البرتقال المصري والجنوب افريقي، كذلك البطيخ البرازيلي وعندما تذهب الي المخبز المجاور تجد ان الخبز قد انتهي، وهو في نفس الوقت خبز لا تحكمه مواصفة ولا قياس بدليل تباين احجامه وانواعه وكمياته من مخبز لاخر لنفس الثمن. تجد في الخرطوم السكر الهندي والبن الحبشي والشاي الكيني والجبن الدنماركي والبان المراعي والشكولاته السويسرية ، لكن عندما تذهب للصيدلية المجاورة طالبا دواء من اقصي ضروريات العلاج تجد اجابة جافة بان هذا الدوء (قاطع).
تجد في محال الخرطوم ارقي انواع المنظفات ومعطرات الهواء وبالمقابل تمتليء الشوارع بالاوساخ المكدسة والكوش العامرة بمختلف انواع النفايات ، كما تمتليء المجاري بالمياه الراكدة منتجة الذباب والناموس ناشرة لامراض فتاكة.
تجد بائع الخضر ياتيك كل يوم بسعر جديد للطماطم والبطاطس اما لارتفاع الدولار او لان التجار قد رفعوا الاسعار دون سبب او ربما بسبب آفة التوت التي وصلت الي الخرطوم.
تنتشر في الخرطوم مقاهي الهواء الطلق ، علي الطرقات ، بجوار المنازل او المنشآت وعلي شاطيء النيل ، هبة الله العظمي للخرطوم تلك الثروة المهدرة. تلك المقاهي تقدم لزبائنها ما يطلبون ابتدأ من سوق (قندهار) للحوم الطازجة وصولا الي سوق ((بروس ، البروس هو نوع من الثمار والطيبات التي تنمو علي الطبيعة دون زراعة او تنظيم وتكون صالحة للاستخدام البشري، لذلك تجد السودانيون يقولون "زرعوك ولا قمت بروس")) ، هذا السوق اكثر الاسواق منطقية اذ بدون رعاية ستجد الاشياء كلها (بروس). بذلك يصبح البروس هو الحالة (الوضعية الايجابية) المعبرة عن الواقع السوداني، الخرطوم كنموذج حي له.
مع ان البضائع تأتي من كل مكان الا ان لا احد يعلم يقينا هل الذي يشتريه هو فعلا ما يريد وهل دفع الثمن المستحق له ، وهنا تسود حالة من الشك مردها الي ان لا تدخل حكومي واضح يؤكد حرص الدولة علي حماية مصلحة المواطن وتوفير احتياجاته ، ولا فاعلية محكمة لآلية منظمة للسوق تضمن تلبية تفضيلات المستهلكين بافضل شكل ممكن ، والنتيجة فوضي في المعاملات اليومية وسوء في الخدمات وبالتالي فان حياة الناس تسير في خط متدحرج من التدهور.
يحدث كل ذلك في ظل الاقتصاديات المركبة التي تسود في عالم اليوم، تقوم علي ملايين المعاملات المنظمة بشكل مباشر من الدولة او عبر آلية الاسواق. حياة الناس من المفترض ان تتجه نحو الافضل ، اذ يستطيعون الحصول علي احتياجاتهم من سلع وخدمات بشكل بسيط، عالي الجودة ومضمون ، باسعار معيارية حسب المواصفات وبناءا علي اوضاعهم الاجتماعية، كل يجد ما يريد حسب طلبه المدعوم بقدرته الشرائية.
العلم اختصر المسافات واقتصد الوقت وقلل التكاليف، يوفر لك المعلومات ويمكنك من الوصول الي تفضيلاتك وبالتالي يمكنك ان تحول تسوقك الي متعة ، او ان تنجز تلك المهمة وانت متكي علي اريكة مريحة وامامك مشروبك المفضل.
تلك اشياء تعتبر مؤشر لمتوسطات الاعمار ودرجة رفاهية الانسان "قفز متوسط عمر المواطن الامريكي خلال القرن العشرين من 47 عاما الي 77 عاما" ولا غرابة في ذلك اذ ان قانون المواصفات والعلامات التجارية قد بدأ العمل به منذ العام 1904م.اذا كان الاقتصاد حسب جون برنارد شو هو "فن الاستفادة القصوي من الحياة" فان علم الاقتصاد هو "دراسة كيفية تحقيق ذلك الهدف" اما السياسة الاقتصادية فهي التطبيق العملي للنظريات الاقتصادية، لكن من الذي يعي وينفذ تلك القواعد البديهية؟.
والحال كما ورد اعلاه فان الاجابة علي تساؤلنا حول "من الذي يرعي الخرطوم؟" ستكون : لست ادري. ربما يقول اخرون من الافضل زيادة معدلات التلوث لتنشيط غسل الكلي وامراض السرطان حتي تزدهر تجارة العاملين في مجالها، او من الجيد مد الناس بالمياه والاطعمة الملوثة منتهية الصلاحية لزيادة الارباح من علاج وادوية النزلات المعوية والامراض من شاكلتها.الي متي يستمر هذا الحال مع منهجية الانكار السائدة؟، ايضا لست ادري. مع ذلك نقول ان العناية الالهية هي وحدها التي ترعي الخرطوم في شكلها المترهل الهش الحالي وترعي بالتالي اهل السودان، وحسبنا بالله وكيلا.






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لقد ثكلت الاغاني المتكأ
- السيسي علي طريق دغول - ايزنهاور
- عواصف في العصب الحيوي
- العودة لسيادة حكم القانون
- مانديلا ، في مقررات العلوم الانسانية
- فائض قيمة استرداد ثورة
- مستجدات القرن الافريقي ومستقبل الامن القومي السوداني
- اسطنبول ، بداية الخروج من الفوضي
- ازدراء العمل الفكري
- الحكومة والعمل والعمال
- ايدولوجيا المصالح، تغييب القيم وانتهاك الحقوق
- مشكلة المعرفة في انظمة (الربيع العربي)
- الاسلام السياسي، مأزق البدائل الاقتصادية
- (الربيع العربي) بين الاحتواء والاجهاض
- التكاليف الاجتماعية للازمات المالية العالمية
- الاثار الجانبية لغزوات (الناتو)


المزيد.....




- حزب التجمع يسأل الحكومة:إتاوات المحليات مستمرة والمواطنون يص ...
- مفتاح: مواضيع السيتكومات من المجتمع .. وهذه قصة -قيسارية أوف ...
- المغرب يندد بالدعاية الكاذبة للجزائر والبوليساريو بشأن الوضع ...
- بيان المجلس الوطني لشبيبة النهج الديمقراطي
- الحجر عند الفقراء
- زيادة في أعداد إصابات كورونا في سوهاج وعجز في المستشفيات وتض ...
- إخلاء سبيل محمد رمضان آخر متهمين قضية ” أحداث 20 سبتمبر” بال ...
- احمد ناشر: راهن كثيرون على اخراج الاشتراكي من المعادلة السيا ...
- دبي تنظم مزادا فنيا خيريا يضم قطعة من كسوة الكعبة وقطعا فنية ...
- البوليساريو تكشف لـ-سبوتنيك- مطالبها من مجلس الأمن وتتوقع تع ...


المزيد.....

- الماركسية والتحالفات - قراءة تاريخية / مصطفى الدروبي
- جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ودور الحزب الشيوعي اللبناني ... / محمد الخويلدي
- اليسار الجديد في تونس ومسألة الدولة بعد 1956 / خميس بن محمد عرفاوي
- من تجارب العمل الشيوعي في العراق 1963.......... / كريم الزكي
- مناقشة رفاقية للإعلان المشترك: -المقاومة العربية الشاملة- / حسان خالد شاتيلا
- التحالفات الطائفية ومخاطرها على الوحدة الوطنية / فلاح علي
- الانعطافة المفاجئة من “تحالف القوى الديمقراطية المدنية” الى ... / حسان عاكف
- ما هي مساهمات كوريا الشمالية في قضية الاستقلالية ضد الإمبريا ... / الصوت الشيوعي
- كيف ساعدت كوريا الشمالية الشعب الفيتنامي في حربه الثورية؟ / الصوت الشيوعي
- كيف ساعدت كوريا الشمالية الثورة الكوبية؟ / الصوت الشيوعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية - حسن بشير محمد نور - من الذي يرعي الخرطوم؟