أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - شرق المتوسط ل-عبد الرحمن منيف-















المزيد.....



شرق المتوسط ل-عبد الرحمن منيف-


رائد الحواري

الحوار المتمدن-العدد: 4414 - 2014 / 4 / 4 - 17:30
المحور: الادب والفن
    


شرق المتوسط
عند أول صدور لهذه الرواية تناولها البعض من اليسار العربي بالنقد السلبي، لما فيها من وصف لحالة الانهيار والهزيمة التي يقوم بها بطل الرواية "رجب إسماعيل" فهم اخذوا المفهوم الشكلي من الرواية والذي يتناقض مع المدرسة الاشتراكية في الأدب، والتي تفضل الشخصيات الايجابية وليس السلبية، والصامدة وليس المهزومة، فقد تعاملوا معها وكأنها دعوة لتبرير الانهيار والاستسلام أمام الجلاد، وهذا التحليل الشكلي للرواية أعطا صورة غير موضوعية عنها، فرغم تناولها لشخصية "رجب" المنهزم، إلا أن حديثها السهب عن نفسية المنهزم، تجعل المتلقي يتأكد تماما بان الانهيار أمام الجلاد سيكون أكثر ألما ووجعا بمئات المرات من الوجع والألم الناتج عن التعذيب السابق، من هنا هي تدعونا ـ بطريقة غير مباشرة ـ بان لا نكون منهزمين أبدا.
هذا الفكرة تجاهلها البعض واقتصر النقد على الشخصية المنهزمة فقط، دون أن يربطوا الأحداث والصور الروائية بعضها ببعض.
هذه الرواية الرائدة في تناول حالة القمع الرسمي العربي، فقد صدرت الطبعة الأولى عام1975 /بيروت، والطبعة التي بين أيدينا هي الطبعة السادسة عام 1986، صادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، فرغم أن هناك العديد من الأعمال الروائية ـ لاحقا ـ تناولت هذا الموضوع وبطرق فنية جديدة وأيضا بأسلوب أدبي مميز، كما هو الحال في رواية "ألهؤلاء" لمجيد طوبيا، إلا أن شرق المتوسط لها وضعية خاصة عند كل من قرأها، فهي تتناول التفاصيل الدقيقة لعملية التعذيب، والحالة النفسية التي يمر بها "رحب إسماعيل" وأيضا تحدثنا عن عائلة المعتقل، وما يمرون به من هواجس وخوف على ابنهم، والرواية تحدثنا عن الأم التي كان لها الفضل الأكبر في صمود "رجب" فهي البطل الحقيقي في الرواية، فرغم أن "أنيسة" و"رجب" هم من روا أحداث الرواية، لا أن الأم كانت حاضرة في كل حدث منها، وحضورها لم يكن شكليا وإنما حضورا قويا وفاعلا في الأحداث الحالة والمستقبلية، فمن أسباب نهوض "رجب" مرة ثانية، هو عندما علم بأنها قد قتلت على يد رجال النظام، سيتذكر كلماتها الصلبة "الحبس ينتهي أما الذل فلا ينتهي، لا تقل شيئا عن أصدقائك" ص144، إذا تتبعنا ذكر الأم في الرواية سنجدها حاضرة في كافة الأحداث، حتى بعد وفاتها كانت حاضرة، فكلماتها وسلوكها علم "انسيه" كيف تقاوم وتكون أما وزوجة مناضلة.

الحديث عن الرواية يأخذ جوانب متعددة ومتشعبة، فرغم أن موضوعها عن الاعتقال وما يفعله رجال النظام الرسمي العربي في الشعوب العربية، لا أن الكاتب استطاع أن يعطينا جوانب أخرى، فمثلا حديثه عن الحياة في مرسيليا أو باريس، كان يشير إلى الهوة السحيقة بين النظام العربي والدول الأوروبية، فقد استخدم عبد الرحمن منيف خلاصة فكره وقدم لنا عملا خالدا، يعري ويفضح سلوك وعمل النظام الرسمي العربي اتجاه المواطن، ليس المعارض وحسب بل المواطن العادي أيضا، ستبقى رواية "شرق المتوسط" وثيقة إدانة لهذه الأنظمة التي لم تحافظ على أيا من حقوق الإنسان في المنطقة العربية.
رجب إسماعيل وأشكل التعذيب
سنتحدث عن شخصيات الرواية، والحالة السلوكية والنفسية التي مرت بها، سنتكلم أولا عن "رجب إسماعيل" الشخصية المحورية في الرواية، "رجب" شاب مثقف يقرأ الكتب العادية ثم ينتقل إلى الممنوعات التي تتحدث عن حقوق المواطن وتطالب بتحقيق العدالة الاجتماعية، يتعرض للاعتقال، يقوم رجال النظام باستخدام كافة أساليب وأنواع التعذيب ويبقى صامدا، ولمدة تزيد عن الأربع سنوات، "ـ هذه المرة ماء، إذا سمعت صوتك مرة أخرى أغرقتك في البول!
لم انم.. ظللت طوال الليل ارتجف، حاولت كثيرا، فكرت بطرق لا حصر لها من اجل أن أتخلص من الماء، لكن ذهب محاولاتي دون جدوى" ص86، هذا الاستقبال كان في اليوم الأول ل"رجب" فكان يوما قاسيا لا يمحى من الذاكرة أبدا، وكل من دخل إلى سراديب الأجهزة الأمنية العربية يعرف حقيقة هذا الأمر، يستخدمون أنواع وأشكال شيطانية في تعذيب الإنسان، فناك "لا عينا رأت ولا أذنا سمعت ولا خطر على قلب بشر" هم الجحيم الذي لا يرحم، فكل من يدخله مغضوب وغضيب.
"أتذكر قلت لهم: لا اعرف شيئا، ولن أقول لكم يا كلاب!
انهالت علي آلاف الضربات بالكرابيج والأحذية، ضربوني بأحذيتهم على وجهي المتدلي، قفز واحد منهم على كتفي، كانت يدي مربوطتين وراء ظهري،... وضعوا عصا غليظة بين اليتين، ضحكوا وأنا أتلوى، بصقوا علي، أحسست بماء ساخن فوق ظهري.. هل كانت دمائي تتفجر في مكان ما وتترنح بسخونتها؟ هل قطرات من البول؟ هل كانت شيئا آخر!؟" ص90و91، استخدام التعذيب الجسدي من خلال الكرباج، والمعنوي من خلال البصاق والتبول على "رجب" واستخدام النوع الشرقي بامتياز "العصا بين الليتين" ليعطي الهدفين معا، الم جسدي ونفسي في آنا واحد، فيا لهم من مبتكري للإبداع!.
لن تتوقف الأساليب عند هذه الأنواع، فقد تحدث عنها "رجب بإسهاب وتفاصيل، فهو يمتهن حرفة التعرية لهؤلاء، يريدنا أن نكفر بهم، أن لا نستغرب من أي شيء يقومون به.
وضعوني في كيس كبير، ادخلوه في رأسي، وقبل لن يربطوه من أسفل، ادخلوا قطتين.. كانت يدي مربوطتين إلى الخلف، كنت مستلقيا على وجهي أول الأمر، وكلما ضربوا القطط وبدأت تنهشني، وحاولت أن انقلب على جنبي، أحس برجل ثقيلة فوق كتفي، على وجهي، وأحس الأظافر تنغرز في كل ناحية من جسدي" ص94 هذه الصورة التي تقشعر لها الأبدان لم تكفي، رغم قسوتها ليس على الضحية وحسب بل على أي إنسان يقرأها، لكن شراسة وتخلف رجال النظام الرسمي توغلت أكثر في غياهب الظلام فقامت في نفس جلست التعذيب هذه ب "لما فكوا الكيس، تراكضت القطط مذعورة، كأنها خرجت من الجحيم، كنت دامي الوجه وأحسست بالنزيف من عيني ليسرى. ضحكوا كثيرا.. لما رأوا دمائي.. استلقى نوري على ظهري، كان يضحك من الفرح واللذة، وبعد أن مسح عينيه من أثار الدموع، قال لي:
ـ ما رأيك بهذه الحفلة؟ ألا تعترف؟" ص94 الكاتب كان موضوعيا في رسم صورة هؤلاء القتلة، فهو تعمد أن يرسمهم على حقيقتهم، بدون أي مغالاة، إن كانت سلبا أم إيجابا، هم هكذا، طبيعتهم سادية ومتخلفة، رجال الماكينات لا تعرف شيئا من المشاعر الإنسانية.
أيضا في نفس جلست التعذيب يضيف عبد الرحمن منيف قائلا "ـ عندي ألاف الوسائل التي تجعلك تتكلم مثل بغاء، .. امسك أصابعي بقوة، ودفعها بين شقي الباب وبدأ يغلقه بهدوء، لما صرخت بصق في وجهي، وقال بتشف:
ـ هل رأيت؟ هذه واحدة من ألف!" ص94، صور مزعجة للمتلقي، لن يستطيع متابعة جلسة التعذيب هذه، لكنهم يريدون الاستمرار حتى الوصول إلى الاعتراف من "رجب" "امسك مثل طبيب بخصيتي، بدأ يضغط بهدوء أول الأمر، ثم شدهما بعنف إلى أسفل، أحسست بروح تخرج من حلقي، لا يمكن لإنسان احتمال هذا الألم كله.. تركهما أحسست بهما ثقيلتين، وبدأ يتسرب الألم إلى أمعائي حادا مثل سيخ النار.. لا اعرف من أين أتى بذلك الدبوس الكبير، كان اكبر دبوس رأيته في حياتي.. أشعل دود ثقاب، أشعل سيجارة ووضع الدبوس فوقها، تمنيت في تلك اللحظة أن يغرس الدبوس في قلبي.. لو فعل لأنهى كل شيء، لكن إبليس المجنون العابث لا يريد أن يقتلني.. من جديد رأيته يمسك خصيتي ويغرز الدبوس الأحمر" ص95 و96، ما ليفت النظر في كل ما حدث هو أن "رجب" يتمنى الموت في تلك الحالة، لكن الجلاد يستمتع بما يقول به، وكأنه يمارس عملا ممتعا. كل هذا التعذيب لم يزحزح رجب قيد أنملة عن موقفه الرافض للاعتراف عن رفاقه، فهو قرر بان يكون رجلا حقيقيا.
الأم
كانت أم "رجب" تلعب الدور الأهم في صموده، فهي لم تكن أما عادية، تبكي وتنوح عند اعتقال ابنها، بل كانت صلبة وقوية وتتحدى الجلاد، قولا وفعلا، وهي من قدم الغذاء الفكري والروحي لكي يكون "رجب" قويا، قالت له: "الحبس ينتهي أما الذل فلا ينتهي، لا تقل شيئا عن أصدقائك" ص144، هذه الكلمات كانت الطاقة التي تغذيه في كل لحظة من لحظات التعذيب، فهو يعي بان ما وراءه صلب كالصخر، ولا مجال للدخول عليه من باب "أمك المريضة تنتظرك" فهي من حسم الأمر منذ البداية، لا مجال للتراجع، "الحبس يا ولدي ينقضي.. افتح عينا وغمض عينا تمر الأيام، وتبقى رافعا رأسك. إذا اعترفت فكلهم سيقولون خائن، ولا تستطيع أن تنظر في وجه احد" ص30، حكمة تصلح لكل إنسان. فالخيانة مسألة في غاية القبح، وهي لا تمحى، تبقى ما بقى صاحبها، إلا إذا تظهر منها بالدم، الدم فقط يغسلها، ويزيل نجاستها.
وأثناء زيارة "رجب" في السجن كانت تعيد وصيتها، للتذكير وأيضا لإعطاء دفعة أضافية من والقوة ومقومات الصمود، "الدنيا حياة وموت يا رجب، وصيتي لك لا تضر أحدا، تحمل يا ولدي" ص32، النهج الذي سارت عليه استمرت به، فهي رغم أنها أم وتحن لابنها وتشتاق له، لا أن الواجب كان اكبر في نظرها من عاطفتها، من هنا توصي "رجب" بشكل دائم بعدم التراجع.
هذه المرأة ربت ولدها بطريقة جيدة، منذ أن كان صغيرا، من هنا نشأ يحمل صفات الرجولة، " انكسرت يدي حين كنت في العاشرة، بكيت بتوجع...
ـ لو رآك أبوك تبكي مثل النساء لكسر يدك الثانية.. ماذا حصل لتبكي هكذا؟" ص33، إذن هي من علم "رجب" الجلد والصبر، هي من أعطاه أول جرعات الرجولة، من هنا سيكون "رجب" رجلا يعرف كيف يقارع رجال النظام.
أثناء قدوم رجال النظام لاعتقال "رجب" وقفت في وجوههم بكل قوة "أمي تقف في وجه الباب تمنعهم من الدخول، جاءوا عند الفجر، سمعنا صوت أمي، كانت تصرخ في وجوههم، لكن دفعوها بقوة ودخلوا" ص47، إذن الأم تمارس المواجهة فضلا عن تعليم ولدها الرجولة والصلابة، فهي تتماثل مع "أم سعد" التي رسمها غسان كنفاني في روايته، وبعد أن اخذوا "رجب" قامت بالتعبير عن سخطها على اعتقال ابنها من خلال "لما اخذوا رجب، ولولت أمي وركضت وراءهم، تجمع الناس في الزقاق، لكن احدهم وقف وهو يرفع مسدسه وهدد كل من يتقدم، حتى أمي، لم تستطع أن تتابع، امسكها الرجل ثم تدخل الناس وقالوا كلمات اقرب إلى الخشونة" ص48، فهي لا تستسلم بسهولة وتعمل كل ما تستطيع للحد من الخطر الذي يهدد "رجب" فهي الحريصة عليه، وستفعل المستحيل لكي يسلم من الأذى.
النظام القمعي العربي لم يكن يعطي أي حقوق للمعتقل، فهو كان أشبه بالمفقود في غياهب تلك السجون، لا احد يدري عنه شيئا، وكل من يسأل عن المعتقل، يوضع في الخانة الحمراء، ومن ثم تدور الدائرة عليه، لكن أم "رجب" كأي أم، تحن وتشتاق، وستفعل كل ما بوسعها للاطمئنان عليه، "كانت أمي تخرج من الفجر ولا تعود إلا بعد الغروب، لم تترك مركزا إلا وذهبت إليه، لكن دائما ينتظرها نفس الجواب:
ـ ليس عندنا احد بهذا الاسم!" ص48 إنها تعلم بأنها تبحث عن إبرة في كومة قش، ومع هذا لم تيأس واستمرت في البحث حتى استنفذت جميع المراكز، وهنا كانت شبه مقتنعة بان "رجب" قتل، فهناك العديد من حالات القتل تتم في سجون الجلاد.
اعتقد بأن إحدى أهم ميزات هذه الرواية هي تناولها لمشاعر وأحاسيس عائلة المعتقل، فهم عمليا يكونوا أكثر ألما ووجعا من المعتقل نفسه، ولو قارنا وضعية "أم رجب" ب"رجب" لكان وضعه أفضل كثيرا من أمه، فهو يمتلك صك الصمود سلفا، وقد اخذ جرعات عديدة لكي يكون رجلا حقيقيا، أما الأم الممتلئة حنانا وعاطفة، لا تعرف عن مصيره شيئا، كما أن قلقلها عليه كان يتوازى مع التعب الجسدي الذي يقع على كاهلها كلما ذهب للبحث عنه، كما أن القليل من الأمهات اللواتي يتعرض لمثل حالتها، فليس جميعهن يعتقل أبناءهن، من هنا كانت حالتها فريدة، خاصة عندما تجد نفسها من دون الأمهات من يتألم هذا الألم، ويتعب هذا التعب.
في حالة اليأس يلجئ الإنسان إلى التشبث بأي شيء، من ها بدأت تقترح أن تذهب إلى "الواسطات" وذوي المكانة عند النظام، كل هدفها الاطمئنان بان "رجب" ما زال حيا، وفي أي مركز اعتقال هو، ليس أكثر من هذا، "ـ أنيسة .. ماذا تقولين لو ذهبنا إلى الحاج مصطفى الغزواي، انه يعرف أناسا كثيرين، ويمكن أن يساعدنا؟" ص48 و49، هذا الخيار الصعب على أم تعلمت كيف تصبر وتصمد، لكن فقدان المعلومات عنه، ومصيره المجهول، جعلها تفكر بهذه الطريقة، فهي أم وستفعل المستحيل للاطمئنان عليه.
في هكذا حالة سيكون وضع الأم صعبا للغاية، فالإرهاق النفسي والفكري والجسدي اخذ منها الكثير، خاصة لمدة تزيد عن الأربعة شهور، "أربعة شهور كاملة ولا احد يعرف عن رجب شيئا، لبست أمي طرحة سوداء وعصبت جبينها بشريط اسود، عافت الأكل وقالت بيأس مميت: "قتلوه أربعة شهور وهم يضربونه، لو كان جملا لقتلوه، وأثر السهر والقلق على صحتها، تحولت إلى شبح، لا تعرف للراحة طعما، وإذا كانت في البيت تشق الباب وتتطلع إلى الشارع، لعل أحدا يأتي ويقول لها كلمة، فإذا يئست جلست في الركن صامته لا تكلم أحدا" ص49، من خلال هذه الوصف يتأكد لنا بان وجعها كان اكبر من وجع ابنها، هي فاقده الأمل، لكن ليس تماما، تتشبث بشيء مجهول، بخيط رفيعا جدا، لا يقوى على سحب بضع غرامات، فكيف سيسحب "رجب"!.
لكن هي أم، تخلق من الذرة جبلا، وتحول القليل إلى فائض. بعد أن تعلم بان "رجب" حي تتغير حالتها إلى النقيض، فعند معرفتها بوجوده، تكون في حلة جديدة، تشع فرحا وبهائا، " لكن هذه المعرفة لم تأتي مجانا، بل كانت نتيجة عمل شاق ومضني قامت به "وحدثتني كيف ذهبت إلى السجن، وظلت هناك ساعات طويلة، حتى رأت ذلك الشرطي الذي يشبه ابن عمتي محمود، هجمت عليه تريد تقبل قدميه ورجته أن يساعدها فقط في معرفة ما إذا كان رجب داخل السجن.. رق قلبه.. وانتظرت من الثامنة والنصف حتى الرابعة، وكانت اكبر بشرى في حياتها حين قال لها انه في السجن" ص50، لا شيء يقدم بالمجان، لا بد من دفع الثمن، ولولا إصرار "أم رجب" وحثها المستمر والدائم لما عرفت مصيره أبدا، وظل مجهولا لفتر لا يعلمها إلا الله.
وهنا تبدأ بسلوك جديد بين ثناياه التعب الجسدي والنفسي معا، فكيف سيكون وضعها عندما ترى ابنها وراء القضبان وفي حالة بائسة؟
"وقبل طلوع الشمس هيئات صرة صغيرة وضعت فيها ملابس وبعض الأكل وذهبت!
وظلت تعود كل يوم وهي تحمل نفس الصرة، كانت تبقي الملابس، أما الأكل فتخرجه، لتهيء غيره لليوم التالي" ص50 يا لها من أم، القليلات هن مثل "أم رجب" لا تعرف اليأس أبدا، تتشبث بأضعف الأشياء، تسعى لهدفها، تتعامل مع العوائق وكأنها ليس لها وجود، ومن يقرأ عنها يجد أرادتها متجددة في كل يوم، فهي كالعامل، الذي يذهب لعمله كل يوم بمعنوية جديدة، متناسيا تعب وإرهاق اليوم الفائت.
بعد موت وزجها وتخلي ابنها "أسعد" عن مساعدة العائلة تحولت إلى كائن جديد، يفعل كل شيء، دون أن يشتكي أو يتلكأ فهي بالإضافة إلى عملها في المنزل تحولت إلى عاملة خياطة وفلاحة ومربية دواجن، لكي تلبي احتياجات العائلة، ولا تمد يدها لأحد، "بدأت أمي تخيط الثياب، كانت تخيط الثياب ونحن نيام، بعد أن تنتهي من أعمال البيت الشاقة، كانت تقوم بأعمال لا يقوم بها الرجال، كانت تبني سور البيت إذا أنهدم، تكسر الحطب، تنقله إلى الداخل، كانت تزرع الخضروات وتعتني بالدجاج، ... تسهر الليل لكي تنتهي منها بسرعة وتحصل على غيرها.. لم تكن تشكو، لم نسمع منها كلمة شتيمة" ص122، الأم هنا كائن أشبة الأسطورة منها للحقيقة، لكن من يعرف الأمهات يعرف أنهن يفعلن هذا وأكثر، فهن جمل المحامل، ونبع العطاء الذي لا ينضب، تعمل بأكثر من مجال في سبيل لقمة العيش، تتجاهل ابنها "أسعد" رغم قدرته على المساعدة في مصاريف البيت، تتحمل هذا الأمر وتتجاهله ولا تبدي أي كلمة شكوى أو تظهر الغضب من "أسعد" تتجلد وتعمل بصمت وهمة عالية، فأي كائن هي!.
هذه الأعمال قامت بها الأم، فأثناء حضورها عززت المفاهيم الأخلاقية عند "رجب و أنيسة" وجعلتهما يشعران بأنهما يعيشان في عائلة محترمة، لها خصوصيتها، رغم الفقر وقلة المال، كانت "أم رجب" تخترع وسائل جديدة لتأمين احتياجات البيت، لكن هذه الأم بعد رحيلها استمر حضورها وتأثيرها على "رجب وأنيسة" كأنها حاضرة، فعندما يتحدث احدهما لا بد أن يذكرها كتأكيد على استمرار وجودها الايجابي، فهي كانت المثل الذي يحتذى به، وهي المعلمة والملهمة لهما.
موت الأم
"أم رجب" ماتت كشهيدة قتلها رجال النظام، كانت تفعل المستحيل لإطلاق سراح ابنها، فعندما طلب منها ومن أمهات المعتقلين الذهاب المقابلة وزير الداخلية، ورفض مقابلتهن، قمن بما يشه الاعتصام وعندها تدخل رجال الشرطة وقاموا بقمع الأمهات بطريقة وحشية، "وقد صممت كل واحدة منهن أن تموت.. بدوا بالضرب، بالصراخ، لكن لا فائدة، ولما حاول الوزير الخروج هجمن عليه، ويبدو أن الضربة التي تلقتها على أضلاعها عجلت في نهايتها.
قبضوا عليها وقبضوا على عشرات أخريات، وفي النظارة كانوا وحوشا، ضربوها، أهانوها، شتموها..وأبقوها حتى اليوم التالي،.. عادت عصر يوم الجمعة وبدا لي كل شيء منتهيا" ص45، "أم رجب" كانت تعاني من عدة أمراض، لكل اعتقال "رجب" والضغط النفسي والجسدي الذي تعرضت له أثناء البحث عنه، وما بعد معرفة مكان وجوده، وذهبها يوميا من الثامنة صباحا وحتى الغروب إلى السجن لرؤيته، حامله (زوادة) الطعام والملابس، كلها جعلها تضعف أكثر، فالهم قاتل لا يرحم، وبعد عملية الضرب المبرح الذي تعرضت له أصبحت نهايتها حتمية، " إصابتها الحمى، منذ تلك الليلة، وكانت صحتها تزداد سوءا، وتنهار كل يوم، ولم تتكلم إلا قليلا، كانت تشتم وتدخن، وبعض الأكل أحيانا، احضر حامد ثلاثة أطباء، أعطاها الأول ابراً، والثاني طلب أجراء تحاليل لها ثم اقترح أن تنقل إلى المستشفى، أما الثالث، فقد وصل بعد أن ماتت بخمس دقائق" ص45، بهذا الشكل ماتت "أم رجب"، فهي لم تمت بسب المرض ولكل بسبب رجال النظام، هم من قتلوها، لم يراعوا سنها الكبير ولا ضعفها، وعاملوها كمجرمة.
"أم رجب" وهي تحتضر كانت تتجاهل مرضها وتدعوا ل"رجب" بالخير والسلامة "وفي اليومين الأخيرين، عندما كانت تصحوا من الغيبوبة، كانت ترفع يديها إلى السماء وتقول: "اللهم قو رجب، وأعم عنه عيون الظلام" وتشتم" ص45، أنها أم عظيمة التي تذكر ولدها في مثل هذا الوقت، الدعاء له بالثبات والصبر، والدعاء على النظام بالعمى.
رحيل الأم ترك هوة كبيرة عند "أنيسة ورجب" فكلاهما شعر بان هناك سقفا عاليا سقط، ولم يعد موجودا، فها هي أنيسة تقول عند والدتها عندما خرج "رجب" من المعتقل "تمنيت لو أن أمي تراه للحظة واحدة ثم تموت، لو كانت موجودة الآن لحملت عنا اللحظة الثقيلة المشحونة بالخطر، لجنبتنا الدموع وآلاف المشاعر المضغوطة.
لقد رحلت حين كان يجب أن تبقى، رحلت دون عودة، هي الآن تراقبنا، تراقب أيدينا، عيوننا، لهاثنا، خفقات قلوبنا، تراقب لتعرف كيف نتصرف، كيف نواجه لحظات ضعفنا المدمرة، كانت لا تحب أن تبكي أمامه، وصتني آلاف المرات أن احبس دموعي، حتى لو اختنقت ولا تبكي أمامه، كانت تقول "البكاء يهد اكبر الرجال، وأقسى ضربة توجه لرجل أن يرى أمه أو أخته تبكي أمامه" " ص76، بهذا الحضور الكبير والقوي كانت "أم رجب"، تتكلم كعالمة اجتماع، تعرف نفسيات الرجال، تعرف ماهية الدموع وما تأثيرها على الابن أو الأخ، حتى في لحظة الفرح غير الكامل كانت حاضرة، يتم استحضارها وكأن هناك عمود من البيت ناقص، اعتقد بان التوصيف السابق كان يعطي حقيقة "أم رجب" والمساحة التي شغلتها، فهي من كان يحمل على كاهله كافة المسائل العاطفية، وكيفية التعامل مع هذه المواقف الإنسانية، ففي غيابها اكتشف الخلل في التعامل مع هكذا مواقف.
هكذا كان حضور الأم بالنسبة ل"أنيسة" أما "رجب" فقد كان رحيلها يشكل بالنسبة له خرابا وهزيمة، فهو يرجع سبب سقوطه إلى رحيلها، فقد الدعم والمساندة التي كانت تمنحها له، فلم يستطع الصمود، علما بأنه بقى في السجن لمدة تزيد عن الأربع سنوات صامدا، لكن عندما رحلت كانت هناك هزة كبيرة، زلزلت الأرض من تحت أقدامه، فسقط، "لماذا مت يا أمي؟ لماذا تركتي أنيسة الضعيفة لتكون نافذتي على هذا العالم؟" ص30، بهذه الندب يندب "رجب" نفسه يعطنا احد أسباب هزيمته، الأم القوية رحت، فمن الطبيعي أن يضعف من يتلقي منها القوة، وهذا الربط بين صموده ووجودها، كانت بمثابة توحيد دورها مع دور "رجب" ـ إن لم يتفوق عليه ـ في مواجهة النظام والاعتقال، وهنا تكمن عبقرية الكاتب، الذي لم يكن إلا صادقا وواقعيا في رسم صورة الأم العربية في ظل النظام الرسمي العربي، فهي في حقيقة الأم تتحمل أكثر من أي شخص آخر ما يجري في العائلة، لأنها بطبيعتها معطاءة.
ويؤكد "رجب" ارتباط صموده بوجود أمه قائلا "لو ظلت أمي، لظللت شابا وصامدا" 34، إذن هناك أكثر من قول عن دورها في عملية الصمود أمام الجلاد، فهي من يمنح "رجب" القوة والصبر.
سيحدثنا "رجب" عن أمه، بالطريقة التي توضح لنا حقيقة هذه الأم العظيمة، فمن خلال الأوراق التي كتبها لأخته "أنيسة" سنجد المكانة التي تحتلها في وجدانه، "قبر أمي يا أنيسة... لماذا تركتموه شقيا منبوذا هكذا؟ ألا تعني شيئا لك؟ يجب أن تعرفي تماما أنها تعني لي شيئا كثيرا، كثيرا ومتزايدا، ففي كل يوم جديد أراها تشمخ وتكبر، حتى أني لا أبالغ إذا قلت لك أني أراها أكثر حياة الآن من أي وقت سابق.
أنت لا تعرفين أني كنت ازور قبرها كل يوم، لم اقل لأحد، وحتى أنت وأنا اكتب لك الآن، أبدو مترددا حزينا، وقد دفعني التردد والحزن إلى تمزيق هذه الرسالة.
كل ما أريده منك يا أنيسة أن تبني قبر أمي، وإذا لم تفعلي، وفي وقت قريب، فسوف يقتلني الحزن، كنت أريد أن اكفر وأنا ابكي فوق قبرها، كنت أعفر وجهي بالتراب واصرخ، لعلها تسمعني وتغفر لي.. والآن، ومن مكاني البعيد، لا أنام قبل أن أوجه لها رسالة، رسائلي إليها صغيرة، بسيطة، ولا تتعدى طلب الغفران، أتمنى لو كنت قريبا الآن وازور قبرها.. اعملي من اجلي شيئا يا أنيسة، ولا تحكمي العقل في هذا الأمر أبدا، انه أمر يخص القلب، ويجب أن لا تفسره لغة العقل" ص121، "رجب" اليساري الذي يمنطق كل فعل، يدعو أخته لتجاوز العقل فيما يتعلق بأمه، وكأنه هنا يتخلي ـ جزئيا ـ عن معتقده الفكري لصالح العاطفة التي ما زالت مرتبطة بشيء انتهى، فالعلاقة بأمه تتجاوز المنطق إلى ما بعد المنطق، أي، شيء فوق المنطلق، وهذا مؤشر على أنها يمكن أن تقلب كافة التحاليل المادية، خاصة تلك التي تتعلق بالعلاقة بينها وبين أبنائها.
البكاء وكثرة الدموع كانت تعطي حقيقة الارتباط بين "رجب" وأمه، وارتباطه الوثيق بها، فزيارة قبرها يعد أمرا مهما ويمنح الراحة، ويعطي النفس شيئا من التكفير عن الذنب الذي أقترفه.
أما حديثه عن حضورها شامخة رؤيته لها بعد الموت، فهذا أمر منطقي وطبيعي، فكل إنسان يتعلق بأمه بهذه الصورة، لا بد أن يكون وجودها حاضرا وقويا أثناء إي عمل يقوم به، خاصة عند الشدائد، ففي حالة "رجب" الذي خرج بعد سقوطه لا بد أن يكون لأمه حضوراً لكي تمنحه القوة ويستدل على الدرب السلم.
اعتقد بأننا إذا ربطنا صورة الأم في هذه الرواية وأي رواية عربية أخرى سيكون حضور وفاعلية "أم رجب" أقوى كثير من صورة أي أم، وحتى إذا ما قارناها برواية "أم سعد" لغسان كنفاني" سنجد أن "أم رجب" تتفوق عليها كثيرا، ففي "أم سعد" كانت الحركة إلى الأمام، بمعنى أن "أم سعد" وجدت طريقة للعمل يسلكه العديد من الأفراد، فلم تواجه تيارا معاكسا يحد من حركتها المتجه إلى الأمام، فهي جزء من تيار يجري، حتى لو كان هذا التيار ضعيفا بعض الشيء، إلا انه يعطيها موضع قدم يمكنها أن تخطو فيه، أما في رواية "شرق المتوسط" ف"أم رجب" تجري عكس التيار، بمعنى أن الكثير من الأشخاص يقبلون الحالة الراهنة، ولا يتعاطون بالسياسة فهي من المحذورات والمحرمات، من هنا عندما وجدت ابنها قد سلك هذا الدرب، ورغم تحذيرها من خطورته، وقد حاولت أكثر من مرة أن تمنع ابنها عن هذا الدرب، مستخدمه كل الوسائل المتاحة، من الحوار إلى البكاء و(الحرد) والامتناع عن الكلام، لكن كل هذا تحول إلى تأيد ومؤازرة لابنها أثناء الاعتقال وما بعد الاعتقال، وتحولت إلى شخص مرتبط وملتحم ومتحد مع ابنها، فكانت العامل الأهم في صموده، وما حديث "رجب" عن سقوطه بعد موتها، إلا تأكيد على أهمية دورها وحيويته.
حالة المنهزم النفسية
كما قلنا سابقا، تعد هذه الرواية من أهم الروايات التي تناولت مسألة الاعتقال، فهي لا ترسم لنا صورة فوتوغرافية مجردة لا حياة فيها، بل قدمت لنا المشاعر والأفكار والهواجس التي تلازم النفس الإنسانية في حالة الانهزام والانكسار، وهذا ما جعلها أنجيلا لكل سياسي أو مثقف عربي، لم تترك فكرة، مهما كانت صغيرة إلا وتناولتها، المشاعر المضطربة والمتصارعة لتبرير السقوط، أو تلك التي تجلد النفس وتؤنبها وتحملها مسؤولية الهزيمة، تطرق لها الرواية بكل دقة ووضوح، حتى أنها لم تترك شيئا من الأفكار والمشاعر إلى وتحدثت عنه.
أول ردا فعل وكب عملية السقوط هو "ظللت انظر إلى الأرض... ظللت صامتا، كنت أحس نفسي عاريا" ص9، هذا الوصف لحالة المنهزم عند أول خطوة يخطوها نحو الهاوية، يعد دعوة لكل من يفكر بالسقوط لكي يتريث قليلا ويفكر بمثل هذه الصورة الممسوخة، لكي لا يقع تماما، ويعود إلى جادة الصواب، لان السقوط سيجعل النفس عارية، وهذا أمر يرفضه الرجال.
"لم أكن اشعر بالندم قبل أن أوقع، لكن ارتجفت حين سمعت صوت القلم، كانت رائحة الحبر كريهة، ونزت يدي عرقا" ص13، فكرة السقوط قبل أن تنفذ تكون كأي فكرة ـ رغم أنها فكرة غير عادية ـ إلا أنها فكرة، كأي فكرة مجنونة نفكر بها، أو تخطر على البال، لكن عند التنفيذ، حتى في ابسط الأشياء، الأشياء العادية التي نستخدمها بشكل يومي وعادي، ستتحول إلى كائنات جهنمية تتربص بنا عند التنفيذ، وستهددنا وستكون غول يطاردنا حيثما كنا وأينما وصلنا.
"لما عدت بعد الموافقة على التوقيع، لم استطع أن أمد يدي إلى بقايا الأكل" ص17، حالة عزوف النفس عن الطعام تواكب حدوث أي اضطراب نفسي، وهنا كانت نفسية "رجب" في حالة من عدم الانسجام مع ذاتها، فالأفكار التي يحملها، والتاريخ الذي سطره خلال ما يزيد عن أربعة أعوام، والرفاق الذين وثقوا به وبصموده، كل هذا جعل من نفسية "رجب" في حالة من عدم الاستقرار أو الانسجام مع ما أقدم عليه.
لنستمع كيف يتحدث "رجب" النوم، وهل فعلا يستطيع الإنسان أن يقرر متى ينام؟ "لم انم طوال الليل، رأيت امجد ثلاث أو أربع مرات يرفع رأسه مثل الذئب وينظر إلي، لم ادعه براني مرة واحدة مفتوح العينين، كنت ذئبا عجوزا أغمض عينا وافتح الأخرى، كنت أستدير واهرب من مراقبته، في المرة الرابعة اقترب مني تماما وخذ يراقب تنفسي، كان يقول باستمرار:
ـ لا يمكن معرفة النائم إلا من تنفسه، النائم يتنفس بانتظام" ص17، إذن المهزوم يعيش في حالة من الاغتراب عن الذات وعن الرفاق معا، فيظهر عليه حالة من الاضطراب وينعكس كل ذلك على سلوكه، فلا يأكل ولا يستطيع النوم، يشعر انه مراقب من اقرب الناس عليه، هو يظهر ويشعر بتغيره قبل أن يراه الآخرين، من هنا نجد يعرف بعدم سوية سلوكه.
هذا على صعيد الأكل والنوم، أما كيف سيقابل الرفاق الذي عاشوا معه اشد الظروف صعوبة، "كانوا يحسون بطريقة ما أن شيئا قد حصل، يحسون بذلك من الهواجس، من طنين الآذان، وربما من الحزن الذي يأتي فجأة!
خيم الحزن كظل ثقيل، فقدنا القدرة على أن نقول شيئا، كنت أريد أن أصرح، أن ارتمي على كتف امجد وابكي" ص18، مجموعة التغيرات فرضت نفسها على "رجب" أولا ثم على الرفاق، فهو اظهر مجموعة من الأعمال غير العادية، مما جعل الرفاق يبدون الاستغراب، من هنا بدا هذا الأمر واضحا عليهم، واخذوا يفكرون بطريقة الشك اتجاه "رجب".
أما هو الذي أقدم على فعل السقوط، فكان يعلم بقراره نفسه بأنه قد أقدم على جريمة كبرى، من هنا نجده قد فكر في الاعتراف والبكاء على كتف امجد، كل هذه السلوكيات والمشاعر والأفكار والهواجس، تكون مواكبة لفعل الهزيمة، فهل يقدم على فعلها أحداً هو سوي؟.
هذه السلوكيات كانت بعد التوقيع على الهزيمة في المعتقل، فكيف ستكون حالة "رجب" في البيت؟ "انظري .. انظري يا أنيسة.. ليس رجب هو الذي تراه عيناك الآن، مات رجب، وقع بنفسه شهادة الوفاة، كانت الساعة السادسة ، عندما ارتجفت يده لثانية صغيرة ثم سقط، الإنسان الممدد على السرير الآن، المطفأ العينين، الصامت، لا علاقة له بذاك الذي كان قبل" ص30، إذن حالة الصراع والشعور بالندم ما زالت موجودة وتتصاعد إلى أعلى، فهو يعرف بان "رجب" القديم انتهى، وما هو موجود الآن شخص ـ في شكله يحمل صورة "رجب" لكن في جوهره فليس بينهما لقاء. الأول كان رجل والثاني شبح، جلد النفس وتعذيبها باللوم، عدم الاقتناع بكافة التبريرات ـ التي أوجدها لنفسه ـ والتي أدت به إلى السقوط، جعلته شخص قريب من المازوشية، لكنه يجلد نفسه ليس ليتلذذ بل ليزداد آلامه ووجعه، ليكفر عما أقدم عليه، فهو من خلال إبداء هذه المشاعر والأحاسيس كأنه يكفر عن ذنبه ويريد المغفرة من نفسه قبل أن يطلبها من عائلته أو من رفاقه.
في حالة العودة من الغياب، إن كان سفرا أو اغتربا أو اعتقالا يأتي المهنئون ليقوموا بواجب التهنئة، هكذا هي عادات المنطقة العربية، ولن تختلف في حالة "رجب" لكنه لم يعد ذاك ال"رجب" الذي كان، من هنا نجده "أن رجب الآن ليس رجب الذي اعرفه .. تغير كثيرا.. رفض استقبال احد من أصدقائه، كان فظا وهو يصرح في وجه عادل، ويطلب منه أن يقول للذين جاءوا بأنه غائب ولن يعود قبل منتصف الليل" ص37، اعتزال الناس، حتى الأصدقاء منهم، الإحساس بأنه غير أهل لها الاستقبال، فهو ليس هو، الموجود يختلف عن الذي اعتقل، يجد نفسه لا يستحق هذه التهنئة، التهنئة بالهزيمة؟، من هنا نجده لا يعرف طعما للنوم والأرق يبعد عنه السكينة، فهو يعاني ويتألم، يفكر بما فعل، يحمل هما كبيرا فوق رأسه، فأين يجد النوم، ".. ورجب رفض أن يخرج إلى الغداء، ورفض أن يقول كلمة. طل يدخن ويشرب القهوة، ولما جاء حامد ودخل غرفته رأى بقايا دموع في عينيه!
...كان يجلس في سريره مثل كرة، وما كاد يراني حتى انتفض. شعرت أن ملامح وجهه تنخفض دفعة واحدة، تصبح غاضبة" ص37، كيفية تعامله السابقة، جعلته يعي بأنه أمسى إنسانا لا يحسن التعامل مع الآخرين، من هنا كان يجلس بطريقة القوقعة، الهيئة التي هو فيها توحي لنا بان صاحبها يعاني نفسيا، حالة من العزلة والتقوقع على الذات، يبكي بمرارة دون أن يصدر عنه تجهش، وهنا ذروة المرارة والألم، الألم بصمت يعنى مزيدا من الألم.

خلق التبريرات
لكل منهزم تبريراته، فنحن في المنطقة العربية نشكل مثلا في هذا الأمر، نبرر وننسب عجزنا وسقوطنا إلى الآخرين، مبرئين أنفسنا من أية عجز أو تقصير أو مسؤولية، وهذا ما أقدم عليه "رجب" حمل الآخرين مسؤولية هزيمته، فهو ـ من خلال تبريره ـ لم يكن إلا ضحية، "ومات.. أنيسة لا تشبه أمي، الملامح، الصوت، نظرة العيون، كل شيء مختلف، كانت كل واحدة تحب بطريقة مختلفة، كل واحدة تعبر عن حبها بطريقتها الخاصة، آه لشد ما كنت قويا في السنوات الأولى.. وفي تلك السنوات تحملت من الضرب والاهانات ما لا يحتمله بشر، وصمدت، وبعد أن رحلت أمي، تغير كل شيء في: الآلام، الخوف من الموت ومن عالم الحرية، الكراهية. لقد أصبحت إنسانا جديدا" ص31، العودة إلى الماضي كتبرير عن حالة العجز الحالية مسألة متبعة كثير عند المنهزمين، فنحن بشكل يومي نستمع إلى أمجاد الماضي، فنعطي بذلك التعزية لحالتنا الراهنة، وأيضا نمنح أنفسنا شيئا من المخدر ـ من خلال ذلك الماضي الزاهي ـ لكي ننسجم أو لنتناسى حالة الانكسار الحالية ، هذا ما قام به "رجب" ونجد في تبريراته نسب هزيمته لأخته "أنيسة" وكأنها هي من دفعه إلى السقوط، فمن خلال المقارنة بين أمه و"أنيسة" كان يختلق الأفكار المنطقية لكي يتنصل من المسؤولية.
فقدان الأم وتبرير السقوط
لا احد ينكر أن الوحدة قاتلة، ومن صعب جدا مواجهة الآخرين منفردا، لكن رجب لم يكن وحيدا، من المفترض أن يكون رحيل الأم دافعا إضافيا لصموده، فلم يعد هناك من يحمل همه، كما أن فرحتها بخروجه قد ماتت معها، فلن تفرح به، كما انه في المعتقل يبقى له عزاء في عجزه عن تكريمها، لكن "أم رجب" بمواقفها وطبيعة العلاقة بينها وبين وابنها كانت شيء يتجاوزه المنطق، هذا ما اخبرنا به "رجب" علاقة روحية أعلى من التفسير العقلي، "كانت أمي صخرة.. كانت اصلب من كل الصخور، غدا سأقبل التراب مئات المرات، آه لو استطيع أن أرى وجهها لثانية واحدة، لثانية.. وهي تطل على من وراء القضبان وتقول بصوتها المجروح:
ـ الدنيا حياة وموت يا رجب، وصيتي لك أن لا تضر أحدا، تحمل يا ولدي." ص32، رغم أن كلماتها تحمل القوة وترفع المعنوية، إلا أن غيابها جعل "رجب" في حالة نفسية صعبة، فعدم توديعها قبل الرحيل، ومشاهدة وجها المعطاء جعله يعاني كثير ويضطرب في قراراته، كما أن حديثه عن الذهاب لقبرها وتقبيل التراب يدل على ارتباطه بها، ويرد أن يفرغ الطاقة العاطفية التي يحملها، فهو مترع بها ويرد تفريغها.
"غدا سأنام عند القبر، سأقول لها أن جسدي هو الذي خانني يا أمي، أنت التي بنيت هذا الجسد، وإذا انهار فلأنه ضعيف هكذا.. وأنا لست مسؤولا، لم يكن جسدي ضعيفا بهذا المقدار عندما كنت حية.
كانت تأتي لزيارتي كل أسبوع، بعد موتها فجأة تغير جسدي، أصبح هشا مستعدا لاستقبال الألم، أصبح عبئا علي، لا يتركني أنام، لا يتركني أتذوق الأكل، له فوق ذلك طلبات كل يوم" ص32، إذا توقفنا عند كلمات "رجب" سنجد ضمنا اعترافه بالسقوط، "سأقول لها أن جسدي هو الذي خانني يا أمي" فهو بريء من الخيانة، لان مسؤوليتها تقع على الجسد الذي لم يعد قادرا على التحمل، أما "رجب" فهو ما زال صامد، لكن الجسد اجبره على أن يتبعه إلى حالته الجديدة.
أثناء وجودها كان الجسد صلبا وبعد رحيلها ضعف، منطق عقلي، يطرحه "رجب" فغياب الأم أثر عليه نفسيا ولوجود علاقة وثيقة بين الحالة النفسية والجسدية للإنسان، كان لا بد من أن يكون الجسد بحالة سيئة، وإذا تتبعنا المقطع الأخير سنجد بان هناك توحد بين الأم وقوة الجسد، فهي من كانت تعطي "رجب" القوة التي هو بدوره يقدمها لجسده والروحة، لكن بفقدانها توقف هذا العطاء فضعفت الروح ثم الجسد، فكان عرضة للضعف ثم الانهيار.
المقطع السابق يعطي مفهوما غير أخلاقي للنظام الرسمي، فعدم أعطاء المعتقل فرصة لمشاهدة أمه وهي تحتضر وحضوره مراسم دفنها يعد جريمة بحق هذا النظام، فرغم أن النص يحمل فكرة الحقوق المغيبة للإنسان في المنطقة العربية، لا إن الحديث عن المشاعر النفسية التي يحملها "رجب" بهذا الشكل، جعل النص يأخذ تفرعات عديدة في التفسير والتحليل، وهنا يكمن عظمة الكاتب، يعطي صورة تحمل عدة قضايا في عين الوقت، وكلها ذات أهمية بالغة، إن كانت على صعيد الشكل الفني أم المضنون الفكري.
يعود "رجب" إلى الحديث عن موت أمه، فموتها يشكل له حالة من الفراغ النفسي، انه يعاني كثيرا يريد أن يفعل لها شيئا، حتى بعد رحيلها، فهل كان توقيعه على الورقة خطوة باتجاه ورد الجميل لها؟ أم انه لم يعد له شيء يفرحه بعد خروجه، فشعر بعبثية سجنه وفقد معنى أهمية الحياة؟ من هنا شعر بأنه وحيدا ليس عليه دين لأحد، فقط أمه كان من سيدفع لها الثمن، فرحتها بعد خروجه، لكن بعد رحيلها فقد أصبح هذا الثمن ملغي، ولم يعد صاحبه يطالب به، "لم تمت أم أي منهم .. أمي الوحدة هي التي ماتت وأنا سجين.. أما الآخرون، فإنهم ظلوا يتدفأون بذلك الحنين الرائع، وهم يتذكرون أمهاتهم.. كانوا متأكدين أن السجن سينتهي يوما، ويعودون إلى بيوت تملؤها الأمهات بالدفء، الأمهات يعنين شيئا خارقا، شيئا يعرفه أكثر من يعرف أولئك الذين فقدوا أمهاتهم" ص22 و23، بهذا الكلام نستوضح الحالة التي يمر بها "رجب" فهو فقد أهم إنسان بالنسبة له، يحدثنا عن البيوت العامرة بحنان الأمهات، يقول بان فقدان الأم يعد كارثة على الأبناء، ولا احد يعرف قيمة الأم إلا من فقدها.
إذا رجعنا إلى الكلمات السابقة نجد "رجب" استخدم كلمة الأم خمس مرات، كما أن الأفعال التي تواكب وجودها ذكرت أربع مرات ـ يتدفأون، يتذكرون، متأكدين، تملؤهاـ إذن حضورها كان قويا وفاعلا وغيابها كان كارثيا عليه، فهو كان يشعر بأن بقاءه في السجن يعطي أمه شيئا كبيرا، فهي أم مناضل صلب وصاحب فكر تحرري، من هنا كانت العلاقة جدلية بينهما، هي تعطيه القوة والحنان، وهو يعطيها بالمثل، من هنا أقدم على خوض معركة وزير الداخلية، فهي وهو كانا متوحدين بروح واحدة لكن بجسدين.

الخروج إلى بلاد الحرية وتأنيب الضمير
يسافر "رجب" إلى أوروبا بحجة لعلاج من متخلفات التعذيب، فجسده منهارا تماما، وإذا لم يخضع لبرنامج صارم في الغذاء والشراب والجنس، سيكون عليه خطر شديد، في تلك البلاد التي تنعم بالحرية والكرامة يجد الفرق بين المكانين، شرق المتوسط وغرب المتوسط، عالمين مختلفين، ليس بينهما تلاقي أبدا.
يبدأ يفكر في الذهاب إلى جنيف وتقديم كافة الأوراق التي كتبها إلى المنظمة العالمية لحقوق الإنسان لفضح النظام، وهناك تكون أمه حاضرة أيضا، ويقول عنها "هل يمكن كتابة كلمة وفاء على قبر دون أن تؤدي إلى متاعب أو إزعاج؟ أتصور ذلك لو كانت في بلادنا حرية، أدنى درجات الحرية، لكتبت على القبر كلمات .. "صمود امرأة في وجهة الطغيان" أو "صمود عجوز في وجه الجلادين" أو هنا ترقد المرأة التي تحدت الجلادين دون سلاح، سوى الغضب!" ص136، إذن هو ما زال يحمل جثة أمه ويرد أن يأخذ حقها وثأرها من القاتل، فمن خلال الكلمات التي يفكر بكتابتها على شاهد قبرها، تعطينا بان الأم ما زالت تعطي "رجب" الضوء لكي يسير في الطريق الصحيح، وهذا يشير إلى تأثره بها حتى بعد رحيلها، فكأنه يقول بأنها من عوامل التي ساعدت على تقدمه في الطريق الصحيح والابتعاد عن الهاوية.
"لم اترك الوقت يمر دون أن احلم، كنت أقول في نفسي: سأفضحهم، سأقول لكل الناس، أن البشر بالنسبة لهؤلاء الأبالسة ارخص الأشياء، أتفه الأشياء" ص142 و143، إذن الصحوة قادمة، و"رجب"يستعد للنهوض والعمل.
أثناء وجود "رجب" في أوروبا، يتعرض زوج أخته "حامد" لمضايقات عديدة من رجال النظام، ترسل له "أنيسة" رسالة تدعوه إلى العودة مباشرة بعد انتهاء العلاج، تزداد الضغوطات على "حامد" الذي يرسل المصروف" ل"رجب" فيحولها عن طريق صديق له وليس عن طريق البنك، هذا الصديق يعرف الأوضاع الصعبة التي تمر بها عائلة "حامد"، فيرسل رسالة إلى "رجب" يشرح له الأوضاع الصعبة التي تمر بها عائلة "حامد" في تلك الفترة يكون قد قرار أن يبدأ هجومه من جديد والوقوف في وجه النظام "لقد أخطأت مرة، سقط مرة، والآن تتاح لي الفرصة مرة أخرى لان انهض، لان اصرخ، لن اتركهم حتى يقتلوا حامد" ص165، إذن الحركة إلى دائرة الصراع تسير من كلا الطرفين، "رجب" يستعد للهجوم والنظام يعمل في زيادة التوتر، مما يعطيه دفعة بالإسراع في اتخاذ القرار الصحيح، كما أن الظروف الإنسانية والحضارية التي وجدها في غرب المتوسط جعلته يندفع أكثر في تصحيح الخطأ التي يرتكب في تلك المنطقة من شرقه، فهو وجد هناك رجال دفعوا ثمنا باهظا للحرية التي يتمتعون بها.

الاغتراب
"رجب" الذي سافر إلى بلاد الحرية، وجد هناك الهوة الشاسعة بين الغرب والشرق، فكشف عليه الاغتراب الذي كان فيه، عالم يعيش ذروة الحرية، وعالم يعيش أحط عصور العبودية، فيقول متأثرا عما شاهده في باريس من مظاهر للحرية والكرامة الإنسانية: "باريس لم تخلق لي.. لا استحق شيئا في باريس، حتى الماء الذي اشربه يبدو لي أكثر مما استحق، بعد غد أعود إلى مرسيليا لأرى الدكتور فالي، يجب أن أبقى معه فترة طويلة لأسأله عما يجب أن افعل في فرنسا من اجل الناس الذين ينامون الآن في السجون" ص156، الحياة في ظل الحرية جعل "رجب" يندفع بسرعة نحو تصحيح خطأه، فهو يفكر برفاقه الذين ما زالوا في غياهب سجون الشرق، فالواقع الحالي في باريس، يجعله يعود إلى الوراء، في الشرق، وهنا تكون المفارقة بين العالمين.
يعطينا مزيد من مشاهد الحرية التي تدفعه مجبرا لمقارنتها مع الشرق البائس "المدن الساحلية، مدن الحرية والعنف"
...لكن في باريس رأيت أمورا أعجب. الأحزاب لها مراكز مكتوبة عليها الأسماء بوضوح، يدخلها الناس دون خوف، يدخلون دون أن ينظروا وراءهم، ويتكلمون في الشارع، بصوت عال.. أما الجرائد فإنها تنشر كل شيء.. الأفكار وحوادث القتل والطرق أحديثة في العلاقات الجنسية.. والناس يقرأون .. أما الكتب فلا بد أن الإنسان يعجز عن معرفة ما يصدر منها، لكثرتها" ص155ضمن هذه الواقع تتقهقر الذاكرة إلى الشرق وما يحدث فيه من جرائم بحق الإنسان، فيستذكر قائلا :"وجدنا لدى تفتيش بيت الموقوف، الأدوات الجرمية المرفقة.." ويذكرون أسماء الكتب، آه يا هل باريس، لو جئتم بكتابكم إلى شاطئ المتوسط الشرقي، لقضيتم حياتكم كلها في السجون، سيأكلكم الندم، سوف تكفرون بكل شيء، واحذروا أكثر أن تفكروا بالأحزاب، لان أية كلمة تجد من يلتقطها ويجعلها مؤامرة وتخريبا، وتدفعون ثمن كلمات حياتكم كلها في السجون الصحراوية، هناك تصابون بالسل والتيفوس وتموتون!" 155، نفسية "رجب" الذي عانى في الشرق كافة أنواع القهر والتعذيب، جعلت من المكان الطبيعي ـ باريس ـ يستحضر ماضيه المؤلم، وكأن الشرق مرض معدي لا يمكن الشفاء منه إلا بالموت، وهنا نطرح سؤال، أليس من المفترض أن تكون الأوضاع الجديدة، الرائعة والجميلة، دافعا لكي يتخلص "رجب" من متخلفات الماضي القاسي؟ ولماذا هذه العودة التي تنغص عليه هذه المتعة؟ وهل هي نوع من المازوشية التي تفرض نفسها على الشرقيين؟ أم أن فكرة الثورة والواجب ما زالت هي من يتحكم فيه؟
اعتقد بان كل هذه تجتمع في نفسية "رجب" المريض جسديا ونفسيا، فهو لا يستطيع أن يتناسى جسده المريض، والعذاب الذي وجده في الشرق، والألم النفسي الذي تعرض له، وفقدان أمه التي قتلها رجال النظام، والتي يعتبرها جزءا منه والروح التي يتنفس منها، ويستمد منها عناصر قوته.
الحياة الكريمة التي وجدها في الغرب، جعلته يوقن بان هذه الحياة التي ينعم بها الغرب دفع ثمنها باهظا، من هنا ليس من حقه أن يشاركهم هذه الحرية، حيث انه لم يحققها في الشرق.
كما أن الثقافة الشرقية دائما تربط الحصول على السعادة بالتعب والعذاب، وكأن كلمات الرب لآدم تتحقق في الشرق فقط "وتأكل بعرق جبينك" وهناك العديد من الأمثال والأقوال التي تجعل الشرقي أسير فكرة الترابط من الآلام بالسعادة.
ولا شك بان "رجب" مبدئي، من هنا نجده يعود للموت بيده، لينقذ "حامد" وأيضا لينتقم لنفسه ولامه ولرفاقه معا.
حالة الاغتراب لم تكن على المستوى السياسي والفكري وحسب، بل تعدتها إلى الفنون "ونحن نتطلع إلى لوحة غارينكا:
ـ أتعرف لو أن رساما عندنا رسم هذه اللوحة لضربوه بالحجارة! أتعرف لماذا؟
ـ لا
ـ لان الحضارة سلم ليس له نهاية، ويجب على الشعوب أن تبدأ من أول السلم، وشعبنا لم يكتشف بعد السلم ولم يسمع بشيء اسمه حضارة، لذلك كل محاولة لإقناعه بغير ذلك خطأ" ص161، الفجوة الثقافية لم تقتصر على النظام وحسب، بل أيضا ذوق الجماهير وطريقة تفكيرها يجعلان الإنسان في حالة من عدم الانسجام في الشرق، فلا النظام ولا الناس يتفهمون الفنون والأفكار الجديدة.
الإنسان العظيم
يقدم لنا "رجب" صورة عن الرجال العظماء الذي يقهرون الجلاد وينتصرون عليه، فهم بصمودهم يعطون أنموذج للصلابة، وعلى أن الإنسان يستطيع أن يفعل المعجزات، فيحدثنا عن "هادي" المناضل الصلب فيقول "لما تعبوا من هذا الأسلوب، بدوا أساليبهم الأخرى: السجائر الأجنبية، فناجين الشاي، المعاملة الجيدة.. وبعد أسبوع : ماذا تقول يا هادي، هل حان الوقت الذي تقول فيه كلمتين وتخرج؟ وأصمت..
وتعبوا أيضا.. وبعد ذلك هل تعرفون ماذا حصل؟ الإنسان أيها الأصدقاء، أقوى من الصخر، يحتمل كل شيء.. جربوا الضرب، التعليق، الكهرباء، جربوا المنفردة والمرحاض، جربوا الأضواء وأصوات التعذيب والغناء.. وأقول لهم: لن تصلوا يا أنذال إلى ظفر هادي ولن تظفروا بشيء!" ص82، الأشكال المتعددة للتعذيب والأساليب المختلفة الانتزاع الاعتراف، لا تجدي مع الرجال العظام، فهم يعرفون ما يقومون به، متمسكون ومتوحدون ومنسجمون ما بين النظرية والتطبيق، فلا نجد أي مساحية بين القول والفعل، هم الاثنين معا، يعطون صور عن قدرة الإنسان على التحمل، فهنا يتماثل هادي بصلابته مع (لوليس فوتشيك) في كتابه "تحت أعواد المشانق".
"ـ لا تصدقوا .. أن اكبر قوة على الأرض، لا يمكنها إرغام الإنسان على الاعتراف.. اقصد إذا أراد الإنسان. بعض الناس يموت ولا يعترف. القضية متوقفة على الإرادة، وعلى البداية، إذا قرار الإنسان أن لا يعترف، إذا صمم، وتحمل لحظات العذاب الأولى، يصبح كل شيء بعد ذلك سهلا" ص89، "هادي" يعطي الرفاق نصائح وأفكار عن طبيعة الإنسان، فهو قادر على فعل الصمود إذا امتلك الإرادة، واستطاع أن يتجاوز المراحل الأولى من التعذيب، وبعدها سيكون الجسد قد مات ولن يجدي فيه أي شيء.
البكاء
في مثل هذا العمل الروائي المترع بالعاطفة والمشاعر الجياشة كان لا بد من وجود مشاهد للبكاء، فهناك صور عديدة لفعل البكاء، إن كان من "رجب" أو "أنيسة" أو الأم، كلهم كانوا يبكون، ومن خلال فعل البكاء أراد عبد الرحمن منيف أن يقول لنا بان أبطال روايته هم إنسانيون وليسوا خارقون، (سوبر) وهذا ما جعلنا نتعاطف وننحاز لهم، عندما تحدثت "أنيسة ورجب" عن الأم فاضت الدموع منهما "ودفنت رأسي في الفراش وأخذت ابكي. لا أتذكر أني بكيت هكذا في حياتي كلها. وفي لحظة تجمعت آلاف المواكب الحزينة،... ولما رفعني ومسح دموعي، أحسست انه استغل لحظات بكائي، وأنا ادفن رأسي في الفراش، وبكى هوا لآخر، كانت عيناه حمراوين، لكن لم يكن فيهما دموع، وكان وجهه مختنقا من الألم وشدة الاصفرار" ص44، الناس بطبيعتهم يبكون، لكن كثرة البكاء تعطي دلالة على الحزن والشقاء،
الجسد والإرادة
فكرة "رجب" عن الجسد والإرادة، فكرة استثنائية، "الإنسان يقول انه لن يقول شيئا، أما إذا بدأوا يضربونه، إذا استخدموا أساليبهم، فانه سيقرر في تلك اللحظات .. كيف يقرر؟ أن جسده هو الذي يقرر، الإرادة في تلك اللحظات تموت، تخبو، والجسد وحدة هو الذي يفعل كل شيء!" ص70 هو يعتبر بان الإرادة ليس لها علاقة بالجسد، والجسد وهو الذي يقود الإنسان إما إلى الصمود وإما إلى السقوط، فمن خلال التبريرات التي وضعها لسقوطه، نجده نسب هزيمته إلى جسده الذي اعتبره "خائن" إما هو أو إرادته فليس لهما علاقة بالأمر، من هنا هذه الفكرة تتناقض مع ما قاله "هادي" عن الإرادة التي هي العامل الأهم في الانتصار "ـ لا تصدقوا .. إن اكبر قوة على الأرض، لا يمكنها إرغام الإنسان على الاعتراف.. اقصد إذا أراد الإنسان. بعض الناس يموت ولا يعترف. القضية متوقفة على الإرادة، وعلى البداية، إذا قرار الإنسان أن لا يعترف، إذا صمم، وتحمل لحظات العذاب الأولى، يصبح كل شيء بعد ذلك سهلا" ص89، من خلال هذين الرأيين نجد الرواية قدمت لنا رؤية كلا من "هادي" الصامد الذي يعتبر الإرادة أهم عنصر في التحدي والانتصار، ورؤية "رجب" الذي يقول بان الجسد هو أساس الصمود.
لكن "رجب" الذي صمد لأكثر من أربع سنوات يقول عن تلك الفترة بما يتفق مع رؤية "هادي" فكرته الأصيلة كانت هي عين فكرة "هادي" لكن بعد السقوط كان لا بد له من إيجاد تبريرا لما آلت إليه الأمور "السجن في أيامه الأولى حاول أن يقتل جسدي.. لم أكن أتصور أني احتمل كل ما فعلوه، لكن احتملت.. كانت إرادتي هي وحدها التي تتلقى الضربات، وتردها نظرات غاضبة وصمتا.. وظلت كذالك.. لم أرهب، لم أتراجع: الماء البارد.. ليكن. التعليق لمدة سبعة أيام، ليكن. التهديد بالقتل بالرصاص حولي يتناثر، ليكن" ص145، نستدل إذن من هذه الأفكار بان الإرادة هي القوة الأهم في انتصار الإنسان ومهما كان الجسد ضعيفا فهو يقدر أن يصمد إذا وجدت الإرادة، والعكس ليس صحيح، فمهما كان الجسد قويا، بدون الإرادة يسقط مدويا، لأنه مادة، والمادة قابلة للفناء والتغير ، فالجسد دون روح، يكون دون طاقة، فيمكن كسره بسهولة، والروح تكمن في الفكر الذي سيخلق الإرادة لتجعل المستحيل حقيقة.
اعتقد بان هذه الفكرة لها علاقة بما جاء في رواية "كيف سقينا الفولاذ" لنوقولاي اوستروفسكي، والكاتب عندما قدم لنا هاتين الفكرتين كان يردنا أن نفكر، أيهما الصوب، وقد نجح في جعلنا ننحاز إلى فكرة الإرادة وليس الجسد.
الخطوة الأولى نحو القمة
اعتقد بان هذه الرواية كانت البداية التي انطلق منها "عبد الرحمن منيف" نحو القمة، فهي الخطوة القوية والصحيحة في اتجاه عالم الكتابة، فمنها نستدل على انه كان يعد العمل لمجموعة من الروايات والأعمال الفكرية، فهو يذكر لنا " ـ سأحتفل الآن على الطريقة المجوسية.. لقد وضعت في هذه الأوراق أثمن ما عندي، ولن أقدمها قربانا للنار" ص137، اعتقد بان الكاتب كانت لدية أفكار عن طرح ما وجد في الغرب من حرية من خلال الإقدام على عمل روائي بهذا الاسم "قصة حب مجوسية" وقد فعل ذلك.
كما نجد هذه الفاتحة في الكتابة عندما ذكر "ابن الندواي" ص64 الذي سيكون بطل رواية "حين تركنا الجسر" فهذه الشخصية التي جاء المرور عليها عابرا هنا، تحولت إلى ما يماثل "رجب" نفسيا وحنق على النظام وعلى النفس معا، فكلاهما " رجب وزكي الندواي" كان يعطيان فكرة الإنسان المقهور، الأول منهزم في المواجهة مع النظام، والثاني أطاع أوامر النظام فكانت هزيمة أمة.
كشف كتابة الرواية
كلنا يعلم بان أي كاتب يضع شيئا من نفسه في أعماليه الأدبية، ولا بد أن نجد في الأدب بعضا من أفكار أو أحداث تركت أثرا في حياة الكاتب، ففي هذا الرواية كشف "عبد الرحمن منيف" نفسه في الرواية عندما قال على لسان "رجب" "سأدفع أليك يا أنيسة الأوراق يا أنيسة لتقرأيها وحدك، لن أتطلع إلى عينيك، ولن أسالك بعد ذلك، ماذا سأفعل بالأوراق؟ أأحرقها كما فعلت في المرات السابقة؟ ثقي أني لا ادري، الشيء الوحيد الذي يسيطر علي الآن أن أقول بضع كلمات قبل أن انتهي، وكما قلت لك في رسالتي مع عبد الغفور، لا يمكن لأي إنسان أن يكتب كل شيء، فعذاب الكلمة أقسى من أن يحتمله إنسان بمفردة، ولذلك فكرت بتلك الطريقة المجنونة، أن يتكلم عدد من الناس، في وقت واحد، وبأصوات مختلفة، وبعد أن يتكلموا، دون رابط، دون نظام، ليكن أي شيء.. هل ما قالوه رواية أم هذيان.. لا يهم" 168، اعتقد بان الكاتب من خلال هذا التوضيح أعطانا حقيقة هذه الرواية، فهي رغم أنها عمل أدبي، إلا أن فيها شيئا حقيقيا قد حدث، وما حديث "رجب" عن نيته أن يكتب عما يجري في شرق المتوسط من أعمال بشعة بحق الناس، إلا دليلا على التأثير الكبير الذي تركته تجربة الاعتقال في نفسه ـ إن كانت شخصية أم لأحد أصدقائه ـ
الحكم والقول البليغ
"التطرف بداية السقوط" ص19، كل من تعاطا العمل السياسي كان يستكشف بان من يرتفع عاليا بشعاراته وبصوته، يكون أول من يسقط، وكأن الإنسان عبارة عن برميل من الوقود كلما اشتعل أكثر استنفذت الطاقة منه أكثر، فمنهم من يعطي تلك الطاقة بهدوء وروية، فيستمر ويبقى على الدرب، ومنهم من يقدمها بالكلام الكبير والشد على الذات، وما أن يخطو بضع خطوات ولفترة وجيزة، حتى يخر على الأرض.
"أن الإنسان مهما كان قويا، لا يعادل ذبابة إذا كان وحيدا" ص71، الوحدة قاتلة لكل إنسان، ولكل ما فيه هو من أفكار، مشاعر، قوة.

"أن أقوى الناس وأكثرهم قدرة على التصرف، يفقدون في لحظات معينة قدرتهم على أن يتصرفوا منفردين" ص77، الوحدة قاتلة للإبداع وتحد منه.
" آه ما أتعس الإنسان عندما يداهمه العجز" ص143، العجز الجسدي أو الفكري أو الروحي الإيماني، يعد خطرا على فاعلية الإنسان.
"أريدك أن تكون حاقدا وأنت تحارب. الحقد هو أحسن المعلمين، يجب أن تحول أحزانك إلى أحقاد، وبهذه الطريقة وحدها يمكن أن تنتصر، أما إذا استسلمت للحزن
فسوف تهزم كانسان، سوف تنتهي كقضية" ص159، نصائح لدكتور"فالي" كمجرب للنضال وكمنتصر أيضا.
"إن صرصارا يكفي لان يهدم سمعة اكبر المطاعم" ص29، طرح واقعي وأيضا يمكن أن يكون رمزيا، فوجود فاسق واحد في مجموعة يمكن أن يخربها
الكتاب والقراءة
في العديد من الأعمال الأدبية يتناول الأديب فكرة القراءة وأهميتها للإنسان، فهناك العديد من الأدبيات دعوة لهذا الفعل الإنساني الخالص "وعندما بدأ يقرأ، بدا مجنونا، وكأنه اكتشف القراءة صدفة، واكتشفها وحده دون مساعدة احد.
بدأ يقرأ دون توقف،
ـ أنيسة .. هذه الرواية رائعة يجب أن تقرئيها!" 124بهذه الدعوة كان يدعو "رجب" كافة الناس لكي يتعرفوا ويتعلموا كيف يحبون وكيف يبنون، وكيف يقاتلون الطغاة ويزيلون الخراب.
الحيوانات
على النقيض من الصورة البهية التي قدمها "أبن المقفع" في كتاب "كليلة ودمنة" نجد كتابنا المعاصرين يعطون الحيوانات صور بشعة، ترمز إلى القرف أو الضعف أو يعطوها صور للتحقير "أن صرصارا يكفي لان يهدم سمعة اكبر المطاعم" ص29، صورة القرف من وجود كائن مقرف في وقت من المفترض فتح الشهية.
" الثيران المخصية" ص24، هذه الكلمات كانت في المعتقل عندما كان الحديث يدور حول المرأة التي تجعل الرجال يضعفون إذا ما فكروا فيها.
"بدأوا يشدونها كما لو أنها ذنب كلب" ص147، هذا أيضا تتحدث عن "الحاج رسمي" الذي تعرض للتعذيب، فنجد بان المكان الحقير والمؤلم يتم ذكر فيه الحيوانات مما يجعلها رديفة المكان أو الحدث السيئ
رائد الحواري






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
التحولات في البحرين والمنطقة ودور ومكانة اليسار والقوى التقدمية، حوار مع الكاتب البحريني د. حسن مدن
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نبوءة العرافة -رجب أبو سرية-
- النزيل وأمله -بابلونيرودا-
- الوحدة
- مصرع احلام مريم الوديعة -واسيني الاعرج-
- الدار الكبيرة محمد ديب
- المراوحة في المكان
- مع كابي وفرقته -ريمي-
- ملكوت هذه الارض -هدى بركات-
- أستمع أيها الصغير
- خربشات عربية
- طريقة تفكير العربي
- مسرحية الإستثناء والقاعدة بريخت
- المرأة بكل تجلياتها في رواية -الوطن في العينين- لحمدة نعناع
- الحضارة الهلالية والتكوين التوراتي (النص الكامل)
- الحضارة الهلالية (الفلاح والراعي)
- قصة حب مجوسية
- الحضارة الهلالية (الجنة)
- الحضارة الهلالية (البعل راكب السحب)
- اللغة في غير محلها
- سفر الموت في -مفتاح الباب المخلوع


المزيد.....




- لشكر: هذا مقترحنا لمعالجة ملف أساتذة التعاقد
- مسلسل -بابا علي- يحقق مشاهدات عالية على قناة تامزيغت
- -ديزني- تعرض أفلام -سوني- على محطاتها التلفزيونية ومنصاتها ل ...
- -ديزني- تعرض أفلام -سوني- على محطاتها التلفزيونية ومنصاتها ل ...
- زعيم الانفصاليين ينتحل هوية مزورة للاستشفاء باسبانيا
- التصوير الفوتوغرافي: صورة جوية لحديقة زهور خاصة تفوز بمسابقة ...
- الفنانة حلا شيحة تعتبر تعدد زيجات زوجها معز مسعود -قسمة ونصي ...
- منحوتات تحاكي الآثار وتعاقب الحضارات.. متحف -الكهف- في ريف إ ...
- الفنان السوري أركان فؤاد يعتزم مقاضاة رامز جلال
- 4 من أجمل الأفلام العائلية الجديدة المرشحة لتسلية الصغار في ...


المزيد.....

- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - شرق المتوسط ل-عبد الرحمن منيف-