أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - منعم زيدان صويص - عصْرُ البرابرة















المزيد.....

عصْرُ البرابرة


منعم زيدان صويص

الحوار المتمدن-العدد: 4257 - 2013 / 10 / 26 - 02:37
المحور: الارهاب, الحرب والسلام
    


كشفت التطورات الحديثة في المنطقة العربية جانبا آخر من نفسيات شعوبنا كان مخفيا منذ قرون عديدة، وأعني به إستهتارنا بالتمدن، والثقافة، والتراث، قديما كان أم حديثا، عربيا إسلاميا أم غير ذلك. فلم أرَ في التاريخ الذي تعلمناه في المدارس مثل هذا التدمير المتعمّد لدور العبادة، مسيحية كانت أم إسلامية، فالهجوم على المساجد في العراق وسوريا أصبح مرضا مستشريا، وخاصة عندما تغص بالمصلين، وفي يوم الجمعة بالذات. أما الهجمات على الكنائس فأصبحت طريقة للتسلية و"فشّ الغل" عندما لا يجد بعض الثوريين ما يصنعونه. وقد سهلت وسائل الحرب الحديثة على هؤلاء الجهلة كل هذا التدمير الشامل والقتل الجماعي، ولم يتورعوا عن إستعمال الأسلحة الكيماوية لقتل إبناء بلادهم حالما وقعت هذ الأسلحة بين أيديهم.

نذكر في التاريخ الإسلامي كيف رمى الحجاج بن يوسف الثقفي الكعبة بالمنجنيق، ولا ندري لماذا فعل هذه الفعلة الشنيعة التي لا هدف من ورائها، إلا إذا كان يظن أن عبد الله إبن الزبير مختبئا بداخلها. لم يحصل أن المساجد كانت أهدافا في التاريخ الإسلامي. أما في العصر الحديث فقد دُمّر في العراق أقدس مكان للشيعة وهو مرقد الإمامين العسكريين في سامراء، ومساجد عديدة جميلة لا شك أن بعضها تاريخي بني قبل مئات السنين. وفي سوريا دمرت مساجد كثيرة وآثار دينية عزيزة على قلوب الكثيرين ومتاحف وأبنية عريقة تبرهن على غنى وتنوع الثقافة العربية الإسلامية. ترى لماذا بقي تمثال أبي العلاء المعري سالما حتى ظهر "البرابرة الجدد" وحطموه؟ لم يفكر في تحطيمه العباسيون، أعداء الأمويين، الذين حكموا سوريا قرونا طويلة، أو السلاجقة، أو الأتراك، الذي حكموا المنطقة أربعة قرون، والذين لم يهتموا بأي نوع من الثقافة، أو حتى المغول الذين إكتسحوا بلاد الشام قبل العثمانيين، أو الفرنسيون الذين حكموا سوريا بعد العثمانيين. لم يفكر أي منهم أن يذهب إلى معرة النعمان ليحطم رأس المعري -- حتى لو كان من حجر -- الذى كان متقدما من الناحية الثقافية والفلسفية قرونا عديدة عن المفكرين الأوروبيين. طوال هذه العصور لم يفكر رجل دين أو فيلسوف يختلف مع المعري في الرأي أن يذهب لتدمير تمثاله بحجة أن إيمان المعري بالدين كان ضعيفا.

لم يدمر الفاتحون العرب المسلمون آثار الفراعنة في مصر، ولكنهم أبقوا عليها، وخلال حكمهم لمصر حموْا الكنائس القبطية، وكانوا مثال العدالة مع الأقباط -- متى إستعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا، كما قال عمر إبن الخطاب لوالي مصر -- وبنوا المساجد العظيمة وأسسوا الجامع الأزهر الذي سمي لاحقا بالجامعة، وهكذا تجمع لمصر تراث عظيم لم يشهد التاريخ الإنساني له مثيلا، وهو الآن -- أو الأصح كان حتى وقت قريب -- مصدر دخل هائل للشعب المصري من السياحة التي لن يستطيع المصريون الإستغناء عنها.

عندما فتح العثمانيون القسطنطينية عام 1453 لم يدمروا كنيسة أياصوفيا وإنما تركوها قائمة، ولكنهم حولوها إلى مسجد وذلك ببناء أربعة مآذن حولها، ولا أدري إذا كان هذا إلهاما من الله، لأنهم برهنوا أنهم، إلى درجة معينة، متحضرون ومستنيرون. وبقيت الكنيسة -- التي كانت قبلة المسيحيين التابعين للكنيسة الشرقية قرونا طويلة -- سالمه كبيت من بيوت الله. على الأقل هكذا إعتبرها العثمانيون ومحمد الثاني الفاتح. وفي القرن العشرين حوّلها حكام تركيا الحديثة إلى ما يشبه المتحف وصارت مزارا للمسيحيين والمسلمين وللسياح من جميع أنحاء العالم، إلى جانب المعالم الكثيرة وقصور السلاطين المدهشة التي يؤمها الناس من كل حدب وصوب ومن كل الثقافات والديانات والمعتقدات. وبمناسبة الحديث عن تحويل أماكن العبادة من دين لآخر، يجب أن نذكر أن المسيحيين في إسبانيا حولوا كثيرا من المساجد الى كنائس، ولكن بقيت كل معالم الحضارة العربية والقصور المدهشة ماثلة للعيان، تشهد على عظمة الذين بنوها إلى الآن، ويزورها السياح من جميع أنحاء العالم. لم يفكر سكان أفغانستان المسلمون بتدمير واحد من أعظم الآثار الإنسانية، وهو تمثال بوذا، حتى جاء برابرة القرن الحادي والعشرين ليفعلوا ذلك. يجب أن نعترف بأننا نخاف من هولا البرابرة، وأننا لا نجرؤ على تحدّيهم.

ماذا يمكن أن نسمي قطع الرؤوس الآدمية بسكاكين "باذحة" في عمليه تستغرق وقتا طويلا لإطالة عذاب الضحية؟ ماذا عسانا أن نسمي المذابح التي ترتكب، عموما بدون سبب، ضد النساء والأطفال؟ لقد وصف طبيب بريطاني، عمل مع منظمة أطباء بلا حدود في سوريا، في مقابلة مع ال (BBC) في 23 من هذا الشهر، كيف يقتل الأطفال وتبقر بطون النساء الحوامل بطريقة متعمدة لقتل الأجنة. هذا الطبيب كان محايدا تماما ولم يلم أي من الجانبين المتحاربين، ولكنه قال أنه نادرا ما كان يعالج جنودا أو محاربين بل نساءا وأطفالا، وأن الهجوم على المستشفيات يتم بطريقة منظمة. ماذ يمكن أن يكون مستقبل الأطفال الذين شاهدوا الناس، وشاهدوا أهلهم، يُذبحون أمام أعينهم؟ هل نتوقع منهم أن لا يصبحوا برابرة عندما يكبرون؟

ماذا يمكن أن نسمي القتلة في العراق الذين يفجرون السيارات المفخخة يوميا في الأماكن المكتظة بالسكان وخاصة المساجد والمقاهي ومواكب الجنائز وبيوت العزاء؟ عندما كان عند الناس أخلاق، لم يكن المحاربون يعتدون على فرق الإسعافات الأولية والممرضين والأطباء، أما الآن فهم ليس فقط يهاجمون هؤلاء بل إنهم يركبون سيارات الإسعاف ليفجروها بين الناس الذين يعتقدون أن هذه السيارات قادمة لتسعفهم.

ماذا نسمي هدم أضرحة ونبش قبور من يوصفون بأنهم أولياء الله، وتفجير مساجد تحمل أسماءهم، وخاصة في شمال إفريقيا؟ لقد رأينا على شاشات التلفزة صورا لمساجد وأضرحة سويت بالأرض، وكانت قبل أسابيع او أيام تُحفا فنية تشهد على جانب مضيء من مخلفات الحضارة والثقافة الإسلامية. ماذ نسمي تفجير ضريح العالم الصوفي الشيخ عبد السلام الأسمر، الذي عاش في القرن التاسع عشر، وأضرام السلفيين النار في مكتبة مسجد؟

قبل الغزو الأمريكي لأفغانستان بدأت حكومة طالبان تُهدّد بتفجير تمثال بوذا الهائل، وثار العالم المتمدن على هذه النوايا، فذهب شيخ الجزيرة، يوسف القرضاوي، على رأس وفد من كبار علماء المسلمين ليحاول إقناع زعماء طالبان بالعدول عن عزمهم تدمير التمثال، ويا ليته لم يذهب. ففي مقابلة مع قناة الجزيرة في المطار، بعد عودته مباشرة، امتدح القرضاوي طالبان ولم يعارض تدمير التمثال، قائلا انه شرح لزعماء طالبان انه يتفق معهم على مبدأ الهدم "ولكنّ الظرف غير مناسب."






التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا
الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الضجّة حول البرنامج النووي الإيراني جَمّدتْ قضية فلسطين لمصل ...
- -الجزيرة- الأمريكية
- الإقتراح الروسي طوق نجاة للإدارة الأمريكية وللنظام السوري
- دروس الربيع العربي
- الجزيرة تُخضِع سياسات قطر للبحث والتمحيص !!
- التغيير في قطر وحُكْمُ العجائز
- هل حسّن التقدم العلمي وثورة المعلومات والإتصالات الحديثة من ...
- هل سيتقرر مصير حزب الله في الحرب السورية؟
- الجمود ومقاومة التغيير وغياب المرونة أهم أسباب الفشل في حل ا ...
- أين وصل الإسلام السياسي؟
- كيف إستُخدمت قضية فلسطين أداة لفرقة العرب
- المصالحة الحقيقية الحلّ الوحيد لسوريا والعراق
- يا أسود يا أبيض
- من الغزو اللغوي إلى الغزو الثقافي
- أوقفوا تسليح المعارضة السورية
- هل قَتلُ الإرهابيين يقضي على الإرهاب؟
- هل بإمكاننا أن نكون أقل تشاؤما؟
- من قتل محمد سعيد البوطي؟
- طفح الكيل وبلغ السيل الزبى!!
- فشل دول الخليج في سوريا وبهلوانيات قطر


المزيد.....




- الاحتلال يشن 100 غارة على غزة والقسام تقصف تل أبيب وبئر السب ...
- إسرائيل تقصف منزل زعيم حماس بغزة مع دخول القتال يومه السابع ...
- حمدوك يأمر بإرسال تعزيزات عسكرية إلى جنوب دارفور بعد أنباء ع ...
- حمدوك يأمر بإرسال تعزيزات أمنية إلى جنوب دارفور عقب مقتل شرط ...
- تزامنا مع قصف غزة.. اشتباكات مسلحة بين فلسطينيين وقوات الاحت ...
- الولايات المتحدة.. مظاهرات مؤيدة للفلسطينيين تناشد بايدن بال ...
- سفارة السعودية في القاهرة تصدر تنبيها للمواطنين الراغبين في ...
- إعلام: اشتباكات عنيفة بالرصاص الحي بين الجيش الإسرائيلي وفلس ...
- صحة غزة: مقتل شخصين و25 جريحا معظمهم أطفال ونساء جراء الغارا ...
- بالفيديو.. تبادل إطلاق نار كثيف بين فلسطينيين وقوات إسرائيلي ...


المزيد.....

- الانتحاريون ..او كلاب النار ...المتوهمون بجنة لم يحصلوا عليه ... / عباس عبود سالم
- البيئة الفكرية الحاضنة للتطرّف والإرهاب ودور الجامعات في الت ... / عبد الحسين شعبان
- المعلومات التفصيلية ل850 ارهابي من ارهابيي الدول العربية / خالد الخالدي
- إشكالية العلاقة بين الدين والعنف / محمد عمارة تقي الدين
- سيناء حيث أنا . سنوات التيه / أشرف العناني
- الجدلية الاجتماعية لممارسة العنف المسلح والإرهاب بالتطبيق عل ... / محمد عبد الشفيع عيسى
- الأمر بالمعروف و النهي عن المنكرأوالمقولة التي تأدلجت لتصير ... / محمد الحنفي
- عالم داعش خفايا واسرار / ياسر جاسم قاسم
- افغانستان الحقيقة و المستقبل / عبدالستار طويلة
- تقديرات أولية لخسائر بحزاني وبعشيقة على يد الدواعش / صباح كنجي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - منعم زيدان صويص - عصْرُ البرابرة