أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ميثم الجنابي - الهوية العراقية ومشروع البديل الوطني (8)















المزيد.....

الهوية العراقية ومشروع البديل الوطني (8)


ميثم الجنابي
(Maythem Al-janabi)


الحوار المتمدن-العدد: 4045 - 2013 / 3 / 28 - 16:19
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


الطائفية السياسية والقومية العرقية- مصدر الانحطاط الشامل للهوية الوطنية.

ليس بعيدة عن الأذهان والذاكرة الصيغة الأوسع انتشارا لتحديد المعالم "الجغرافية" لاحتراب الطائفي الأول الذي وجد تعبيره فيما أطلق عليه عبارة "المثلث السني". وهو "مثلث" لم يكن معزولا عن تراكمه الواقعي العام وخصوصية انعكاسه في صراع القوى الاجتماعية والسياسية في الربع الأخير من القرن العشرين من جهة، وكيفية تأطيره السياسي والدعائي في المواقف الأمريكية قبيل الغزو من جهة أخرى. فقد أدت أحداث الحرب العراقية الإيرانية و"عاصفة الصحراء" و"الانتفاضة الشعبانية" و"المنطقة الآمنة للأكراد" إلى نتوء الوعي السياسي الذاتي الانعزالي، بحيث وجد تعبيره فيما ادعوه بالتكتل الشيعي السياسي، والانعزال الكردي العرقي، والطائفية السياسة السلطوية. ووجد هذا الواقع انعكاسه في "منظومة" الرؤية السياسية الأمريكية تجاه العراق باعتباره كيانا مكونا من مثلث الشيعة – السنة – الأكراد. بعبارة أخرى، لقد احتل الأمريكيون العراق وفي تصورهم وخططهم فكرة "المثلث" (الشيعي – السني – الكردي). وهي المقدمة التي أدت لاحقا بسبب نوعية التحولات التي جرت على بينة الدولة والسلطة والقوى المشاركة وحجمها الفعلي في التحكم بمجريات الأمور إلى ظهور "مثلثات" كثيرة اصغر فاصغر، أي أكثر توسعا وتراكما في "منظومة" التجزئة. بمعنى أوسع وأكثر تجذرا في الوعي والممارسة بحيث لم تعد تقف عند حدود "الحياة السياسية" بل وأخذت تطفو على مختلف مستويات الوجود الاجتماعي. إذ لا يعني ظهور رمز "المثلث السني" و"المثلث الإرهابي" و"مثلث المقاومة" ثم "مثلث الموت" وما شابه ذلك في العراق سوى الصيغة التي تجعل من أكثر الأشكال هندسية ودقة ووضوح محل خلاف واختلاف لا يكتب حروفه ولا يمسحها سوى الدم! وعندما يصبح سيان من كان ساكبه شرطا وحيدا للبرهنة والتدليل على "المواجهة" و"التحدي" و"المقاومة"، فان ذلك مؤشر دون شك على واقع انحطاط القيم والمفاهيم والرموز، ومن ثم خراب وتخريب أساليب الوعي والممارسة الاجتماعية والسياسية.
إن هذا الانحطاط والانتهاك، شأن كل خراب واستعداد على التخريب له مقدماته التاريخية ونماذجه "الملهمة". فهو بشير عموما إلى واقع الانقسام والتجزئة المتفسخة في بنية الوعي الاجتماعي والأخلاقي، كما انه يشير إلى انحلال بنية الفرد والمجتمع والدولة والثقافة. بمعنى انحلال الحد الضروري الذي يكفل لكل منهم حق الوجود والعمل ضمن معايير المصلحة العامة. وهو انحلال رفعته التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية إلى مصاف "المرجعية" المتحكمة في كل جزيئات ومسام الوجود الاجتماعي.
طبعا، إن الانقسام والتجزئة سواء بمعناها الاجتماعي والسياسي والطائفي والقومي والجهوي في العراق ظاهرة لها جذورها ومقدماتها التاريخية. ويمكننا إرجاعها من الناحية التاريخية إلى ما بعد سقوط بغداد في منتصف القرن الثالث عشر حتى بداية ظهور العراق الجديد في بداية القرن العشرين، أي بعد سبعة قرون من الغيبوبة والخمول. وهي مرحلة تاريخية هائلة أدت إلى تفتيت قواه الداخلية وإنهاك قواه الذاتية. بحيث أرجعت العراق بما في ذلك "جغرافيا" إلى ما قبل الطوفان السومري. إلا أنها أبقت من الناحية الشكلية على معالمه المحفورة في الذاكرة والتاريخ والجغرافيا، بوصفه موطن ووطن الساميين القدماء والجدد (العرب)، بمعنى الإبقاء على وحدة سومر وبابل ونينوى. وهي الحدود التاريخية والطبيعية الأولية، التي تشكل الأساس المادي والمعنوي لوحدة وجوده الثقافي والسياسي والقومي أيضا. بمعنى أن كل ما تشكل من مآثر وإنجازات كبرى مادية وأثرية وثقافية في تاريخ المكونات الدولتية للعراق منذ القدم هي الجزء الحيوي منه وله. وهي حقيقة رسختها تقاليد الخلافة العربية الإسلامية. وكل ما جرى بعد ذلك هو مجرد حالات عارضة.
وهو الأمر الذي جعل من حقيقة العراق وكيفية تكونه التاريخي هوية ثقافية وليست عرقية. وفي هذه الحقيقة كان يكمن استعداده لان يكون موطن الائتلاف الممكن والتمازج الثقافي والانفتاح الفعلي على النفس الآخرين. وهي حقيقة يمكن تتبعها ورؤيتها في كل الإبداع النظري والعملي لتاريخه الثقافي. ولم تغير حقيقته هذه بما في ذلك حقبة القرون السبعة المظلمة من تاريخه. فهي الحقبة التي جعلت من الانحطاط أسلوب وجود الزمن فقط، مما افرغ العراق من تاريخه الذاتي. وهو انحطاط ترسخ في التجزئة المفتعلة لكينونته العربية. ولعل مفارقة الظاهرة تقوم في أن العرب الذين صنعوا تاريخ المنطقة وقوام وجودها الفكري والروحي أصبحوا في العراق أفلاكا تتحكم بها مراكز التركية العثمانية والفارسية الصفوية. ومع أن هذا الصراع لم يكن قوميا ولا طائفيا بالمعنى التقليدي والمعاصر للكلمة إلا انه اتخذ هذه الصيغة المتخلفة في العراق الحديث. بحيث تحول المركز (العراقي) إلى أطراف، والأطراف (فارس وتركيا) إلى مراكز. وهي حالة مخزية تعيد إنتاج نفسها بعد سقوط التوتاليتارية والدكتاتورية.
فقد أدت التوتاليتارية والدكتاتورية، وبالأخص في مجرى العقدين الأخيرين إلى استفحال التجزئة الجهوية والقومية والطائفية للعراق والعراقيين في مختلف نواحي ومستويات الحياة. مما أعطى لهذه التجزئة أبعادا مركبة ومتشابكة في الاجتماع والاقتصاد والسياسية والفكر والأيديولوجية ونمط الحياة والنفسية الاجتماعية. وهي تجزئة اخذ حجمها بالتوسع في مجرى التغيرات الراديكالية التي رافقت سقوط التوتاليتارية والدكتاتورية.
فقد وقف العراق أمام امتحان صعب للغاية يقوم فحواه فيما إذا كان قادرا بالفعل على تذليل هامشية وجوده الذاتي بالاستناد إلى فكرة الوطنية العراقية. بمعنى هل هو قادر فعلا على تذليل تقاليد التركية الفارسية (العثمانية الصفوية) وذيولها التاريخية والمذهبية في التجزئة المفتعلة لعرب العراق بوصفهم هوية واحدة في الجوهر، وتذليل تقاليد التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية في تجزئتها المفتعلة للكينونة العراقية عندما زاوجت بصورة فجة ومدت خطوط الموازاة المسطحة للجغرافي والقومي والطائفي في تقييمها وتصنيفها لعرب العراق، أي كل ما أدى قبيل سقوطها وبعده إلى ظهور ما يسمى بالمثلث السني والشيعي. وهو تقسيم وتقييم يعيد إنتاج التجزئة المفتعلة لحقيقة العراق بوصفه كينونة رافيدينية عربية إسلامية. بمعنى إعادة خلخلة حقيقة مكونه العربي. فعرب العراق هم هوية واحدة في الجوهر. وهم أصل العراق وجذره، كما انهم كينونته التاريخية والثقافية ومظهر وجوده الفعلي. إلا أن بروز "المثلث السني" فيه على خلفية انحلال الدولة المركزية وصعود الاطرافية والطائفية وتجسدهما السياسي و"القانوني" في "مجلس الحكم الانتقالي" واستمراره في مختلف الأشكال والأصناف والمستويات يشير إلى استمرار بنية الانحطاط المادي والمعنوي للعراق وقواه السياسية بالأخص.
إننا نقف أمام واقع انحطاط وتخلف للبنية الاجتماعية من جهة، وتصدع الفكرة الوطنية العراقية من جهة أخرى. وإذا كان من الممكن الإقرار نظريا بأنه انحطاط وتصدع قابل للرأب، باعتباره نتاجا لحالة سياسية أولا وقبل كل شيء، بلغت ذروتها في سياسة التوتاليتارية والدكتاتورية المقبورة، فان الأحداث التاريخية في مجرى السنوات الأربع على سقوط الدكتاتورية تشير إلى استمرار وإعادة إنتاج واقع التجزئة بصورة "منظمة" و"منظومبة".
فالتجزئة الهائلة التي أحدثتها التوتاليتارية والدكتاتورية في الكينونة العربية للعراق من خلال استفراد أطرافه (عوجة تكريت) التي تحولت إلى مركز العراق بما في ذلك "حق" تمثيل العروبة، هو الذي أدى في نهاية المطاف إلى ظهور ما يسمى "بالمثلث السنّي" في العراق. تماما كما نرى الآن استفراد أطراف جديدة (النجف والسليمانية!) التي أخذت تتحول إلى مراكز العراق، هو الذي أدى وسوف يؤدي إلى تعميق الشرخ الفعلي في التجزئة العراقية، ومن ثم ظهور "المثلث الشيعي". وهو مثلث آخذ في "التكامل" من خلال تحوله إلى صيغة إيديولوجية وعلنية في إعلاء فكرة الطائفية السياسية والطائفية القومية ووضعها في صلب المواقف العملية تجاه إشكاليات العراق الكبرى والصغرى. وهو توجه يساهم أكثر من غيره في تفتيت الهوية الوطنية والعربية للعراق.
فمن حيث حقيقة الهوية العربية والوطنية لا يوجد في العراق "مثلثا سنيّا" لا بالمعنى الجغرافي ولا بالمعنى الثقافي ولا بالمعنى الطائفي، كما لا يوجد "مثلثا شيعيا" فيه لا بالمعنى الجغرافي ولا بالمعنى الثقافي ولا بالمعنى الطائفي. فكلاهما "مثلثا" التخلف والانحطاط، الذي يمكن وصفه "بالمثلث الهمجي" في التاريخ العراقي المعاصر. وهو "مثلث" فعلي وقائم بذاته وله حدوده الخاصة به التي جرى "أدلجتها" و"دمجها" في "بنية السلطة" الصدامية.
إننا نقف أمام "مثلث شيعي" (النجف – كربلاء – الكوفة) و"مثلث كردي" (سليمانية – أربيل – دهوك)، أي أمام "مثلثات" تعيد إنتاج الصدامية التي صادرت هوية العراق العربية والوطنية من خلال طائفية سياسية جهوية وجدت تعبيرها الدعائي في تجزئته إلى "محافظات الغدر والخيانة" و"محافظات الولاء والوفاء"، بطائفية مذهبية وعرقية تمتثل لرذيلة النفسية الصدامية. الأمر الذي يعطي لنا إمكانية القول، بأن الذي تغير في المعادلة أطرافها لا غير وبقي المركز العراقي، أي حقيقة الهوية الوطنية خارج مضمون التحول المنشود من التوتاليتارية إلى الديمقراطية.

***






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الهوية العراقية ومشروع البديل الوطني (7)
- الهوية العراقية ومشروع البديل الوطني (6)
- الهوية العراقية ومشروع البديل الوطني (5)
- الهوية العراقية ومشروع البديل الوطني (4)
- الهوية العراقية ومشروع البديل الوطني (3)
- الهوية العراقية ومشروع البديل الوطني (2)
- الهوية العراقية ومشروع البديل الوطني (1)
- في نقد الراديكالية السياسية العربية (6)
- في نقد الراديكالية السياسية العربية (5)
- في نقد الراديكالية السياسية العربية (4)
- في نقد الراديكالية السياسية العربية (3)
- في نقد الراديكالية السياسية العربية (2)
- في نقد الراديكالية السياسية العربية (1)
- التصنيف العقلي والثقافي للفلسفة والأديان عند الشهرستاني
- الفلسفة والكلام الإسلامي في منهج الشهرستاني
- الفلسفة وموقعها في المنهج التصنيفي والبحثي للشهرستاني
- المنهج النقدي والتدقيق العلمي للفكرة الفلسفية عند الشهرستاني
- -الحقيقة العقائدية- وقلق البحث عن اليقين في الموسوعات الإسلا ...
- -الحقيقة العقائدية- وقلق البحث عن اليقين في الموسوعات الإسلا ...
- الشهرستاني ومنهج تأسيس أهمية العلم الفلسفي (2-2)


المزيد.....




- رئيس وزراء إثيوبيا: لا نية للإضرار بمصر والسودان.. والتعبئة ...
- رئيس وزراء إثيوبيا: لا نية للإضرار بمصر والسودان.. والتعبئة ...
- مفتي مصر السابق: الحشيش والأفيون طاهرين لا ينقضان الوضوء وال ...
- خروج قطار عن القضبان في مصر.. ووقوع إصابات في صفوف الركاب (ف ...
- توجه عراقي لمنح جواز خاص للملقحين الراغبين بالسفر
- 3 قتلى جراء إطلاق نار داخل حانة في ويسوكنسن الأمريكية
- مظاهرات في العاصمة الأرجنتينية بوينس ايرس للتنديد بالقيود ال ...
- فرنسا تفرض حجرا صحيا على الوافدين من البرازيل والأرجنتين وال ...
- توتر بين أوروبا وروسيا إثر ظهور أدلة تربط بين المخابرات الرو ...
- فرنسا تفرض حجرا صحيا على الوافدين من البرازيل والأرجنتين وال ...


المزيد.....

- (المثقف ضد المثقف(قراءات في أزمة المثقف العربي / ربيع العايب
- نحن والجان البرهان أن الشيطان لا يدخل جسد الإنسان / خالد محمد شويل
- الذات بين غرابة الآخرية وغربة الإنية / زهير الخويلدي
- مكامن الانحطاط / عبدالله محمد ابو شحاتة
- فردريك نيتشه (1844 - 1900) / غازي الصوراني
- الانسحار / السعيد عبدالغني
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- سيرورة التطور والنضج العقلي عند الأطفال - أسس الرعاية التربو ... / مصعب قاسم عزاوي
- ازدياد التفاوت بين الطبقات الاجتماعية / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ميثم الجنابي - الهوية العراقية ومشروع البديل الوطني (8)