أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صبري يوسف - احمرار السواقي ـ قصّة قصيرة














المزيد.....

احمرار السواقي ـ قصّة قصيرة


صبري يوسف

الحوار المتمدن-العدد: 1148 - 2005 / 3 / 26 - 08:02
المحور: الادب والفن
    


كنّا نتواصل معهم عبر خيطٍ من الدُّموع .. نسمع نحيبهم المتواصل فتتلظّى قلوبنا من الاحتراقات المتفاقمة هناك حول مهودِ الأطفال.
آهٍ وألف آه .. أيَّتها النّيران المتربِّصة بأرواحِ الشبَّان! وأنتِ أيَّتها المعارك الغادرة، لماذا أرخيتِ جسدكِ الثقيل بوحشيّةٍ بربريّة على أقدامِ الأطفالِ الطريّة، تهشِّمينَ أصابعهم الرَّفيعة تارةً، وتهرسينَ أجنحتهم المخضوضرة تارةً أخرى؟
توغَّلَ الحزنُ شيئاً فشيئاً في جذوعِ الأشجارِ، وارتعشَتْ شفاه الطبيعة من الغضب، والكهول! .. غاصوا في بحرٍ من القلقِ والاغتياظ وأعلنوا حدادهم، رافعين أيديهم للسَّماء، مستنجدين بالآلهة، لكنَّ الآلهة كانت منهمكة بجنازات هذا العالم!

تناهى نحيب النساء إلى مسامعِ الأشجار. الأشجار التي تكسَّرَت أجنحتها الشَّامخة وبدأت هي الأخرى تبكي كالأطفال، وترمقُ التراب المخضَّب بالدماء بحزنٍ عميقٍ .. عميق!
وقفَتِ الأمَّهات بجانبِ إحدى السواقي الفائرة بدماءِ الشَّباب. الشَّباب الَّذين طحنتهم المعارك الحمقاء تحتَ عجلاتها الثقيلة، تاركةً خلفها عيون الأمَّهات متورِّمةً ومحدِّقةً في الفراغِ .. الفراغ!
إزاء هذه السيمفونيّة الألميّة أعلنَتِ السَّماء بكاءها المستديم، وغضبَتْ من الشرارات الملتهبة التي أدمَتِ خاصرةَ المساءِ الحنون.
أشارَت إحدى النِّساء بيدها المرتجفة نحوَ ساقيةٍ مخضّبة بالدماء قائلةً:
هوذا ابني، هوذا ابني! .. ثمَّ توجَّهَتْ باندفاعٍ غامض نحوَ السَّاقية.
اندهشَتِ النِّساء وغمرهنَّ البكاء متسائلات: أين هو ابنكِ يا أختاه؟
أجابت بقلبٍ منكسر، أما رأيتم ذلكَ الشَّاب الّّذي كان يطفو فوق الدماءِ الجارية، مادَّاً يديه نحونا بتلهُّفٍ كبير؟
هزَّتِ النِّساء رؤوسهنَّ ناحباتٍ، وأخذهنَّ الشرود بعيداً. شعرَتِ الأمُّ في تلكَ اللحظة أنَّها روحٌ بلا جسد .. وجسدٌ بلا روح، ثمَّ اقتربَت من السَّاقية وعيناها تقدحانِ ألماً .. رفعَت يديها للسماء مردِّدةً:
اللعنة عليكِ أيَّتها الحرب الغادرة .. الغادرة! .. وملعونٌ كل مَنْ كان سبباً في تشكيلِ احمرارِ السَّواقي. (اجتاحَتِ الأشجار موجةً من البكاء!).

كانتِ الطيورُ آنذاك مترامية على امتدادِ السَّاقية .. كم كانت عطشى! .. لكنّها أبَتْ أن تشربَ من مياهِ السَّاقية الممزوجة بالدِّماءِ السَّميكة!
مزَّقَتْ أصوات الدبّابات والطائرات أغشية الآذان، وتوغَّلَت في مخِّ العظام. الشَّباب في خنادقهم الضَّيقة يتخيَّلونَ شبحَ الموت يحومُ حولهم، ويتمنَّونَ العبور في باطنِ الأرضِ، بعيداً عن مخالبِ الإنسان!
وفيما كانَ الشَّباب ينتظرونَ الموت، كانت قامات آبائهم وأمَّهاتهم تتماثل أمامهم فتكتملُ معهم سيمفونية الموت على إيقاعات هذا الزمن المجنون!
وأمَّا فراخُ الطيورِ! فكانت تفتحُ مناقيرها الغضَّة، تنتظرُ أمَّهاتها كي تبلِّلَ ريقها الجاف، ولكنَّ أمَّهات الطيور ماتَتْ وهي في طريقها إلى فراخها.
مَنْ سيبلِّغُ الفراخ على موتِ الأمَّهات؟
ومَنْ سيبلِّلُ ريقها الجاف بعدَ موتِ الأمَّهات؟

فجأةً تكسَّرَتْ أغصان الأشجار وبدأت تتهاوى على الحشائش المحروقة، وسقطَتْ أعشاش الطيور وتكسَّرَت بيوضها قبل أن ترى النُّور!
.. وعلى امتدادِ الأقبية العميقة، كانت الخرائط الطبوغرافية ترتعدُ تحتَ الأيدي القاسية. أحدهم أشارَ إلى أحدِ الأمكنة يريدُ اختراقه وابادته تماماً. وآخرون ترتجف قلوبهم، ويهزُّون رؤوسهم نحو اليمينِ واليسار، ويتخيَّلون الأطفال الَّذينَ هناك، يمدُّونَ أعناقهم نحو أثداءِ أمَّهاتهم.

دقَّتْ أشجارُ النَّخيل ناقوس الموتى .. وأعلنَتْ نفيرها العام بغضبٍ شديد. نهضَت الأمّهات الثُّكالى وبدأنَ يرتِّلنَ ترتيلةَ الأحزان، فجاءت ترتيلتهنَّ كأنَّها صدى لخريرِ السواقي الّتي تراكمت فيها أجنحةِ الشباب المهروسة وجماجم الأطفال الغضَّة، مفقوءة العيون و ...
آهٍ يا أيُّها الزَّمن الأحمق! .. لماذا يأكل الإنسان بعضهُ بعضاً؟!
وهناك! .. بجانبِ أحدِ الشَّواطئ البعيدة، وقفَ جنرالٌ أهوج يمسكُ (قصبةً) وينظر إلى وجهِ المياه .. ينتظر اهتزازات الخيط المتدلِّّي في الماء .. وعلى مقربةٍ منه راديو صغير. كان المذيع يقرأ نشرةَ الأخبار .. وكان الجنرال الأهوج يمعن النَّظر في صفحةِ المياه ويقهقهُ بأعلى صوته وكأنَّ الجماجمَ البشريّة التي أكلتها نيران الحرب دُمى خشبيّة يتسلّى بها كما يتسلّى (بقصبته) على شواطئِ البِّحار!!

غوثيمبورغ: صيف 1990
صبري يوسف
كاتب وشاعر سوري مقيم في ستوكهولم
[email protected]



#صبري_يوسف (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وللزهورِ طقوسُها أيضاً ـ قصّة قصيرةً
- الذبذبات المتوغِّلة عبر الجدار ـ قصّة قصيرة
- فراخُ العصافير ـ قصّة قصيرة
- أنشودةُ الحياة ـ 5 ـ ص 500
- أنشودةُ الحياة ـ 5 ـ ص 499
- ترتيلةُ الرَّحيل
- أنشودةُ الحياة ـ 5 ـ ص 498
- أنشودةُ الحياة ـ 5 ـ ص 497
- أنشودةُ الحياة ـ 5 ـ ص 496
- أنشودةُ الحياة ـ 5 ـ ص 495
- أنشودةُ الحياة ـ 5 ـ ص 494
- أنشودةُ الحياة ـ 5 ـ ص 493
- أنشودةُ الحياة ـ 5 ـ ص 492
- أنشودةُ الحياة ـ 5 ـ ص 491
- أنشودةُ الحياة ـ 5 ـ ص 490
- أنشودُة الحياة ـ 5 ـ ص 489
- أنشودُة الحياة ـ 5 ـ ص 488
- أنشودُة الحياة ـ 5 ـ ص 487
- أنشودُة الحياة ـ 5 ـ ص 486
- أنشودُة الحياة ـ 5 ـ ص 485


المزيد.....




- ذاكرة الشاشة المصرية: كيف شكلت البرامج الثقافية وعي الأجيال؟ ...
- باربرا سترايساند تعتذر عن عدم حضور تكريمها بمهرجان كان السين ...
- -كانال+- توقف التعاون مع 600 عامل سينما بعد توقيعهم عريضة ضد ...
- المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي: التقت الفرق ا ...
- من الذكاء الاصطناعي إلى غبار غزة.. نشاط الصالون الثقافي بمعر ...
- بحرينية ترصد آلاف الأعمدة الصخرية الشاهقة بالصين بمشهد كأنه ...
- إشارة سينمائية ساخرة من بقائي إلى ترامب: لا تعترف بالهزيمة ا ...
- اقتلاع للأحجار وزحف عشوائي.. سور تعز التاريخي يواجه خطر الان ...
- معركة -ذات الفنون- والمقدس الثقافي
- محمد رمضان يطالب وزيرة الثقافة بـ-اعتذار رسمي لصعيد مصر-


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صبري يوسف - احمرار السواقي ـ قصّة قصيرة