أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد زكريا توفيق - حوار مع المجلة العلمية أهرام















المزيد.....


حوار مع المجلة العلمية أهرام


محمد زكريا توفيق

الحوار المتمدن-العدد: 3975 - 2013 / 1 / 17 - 23:08
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


حوار مع المجلة العلمية أهرام
فى حوار مع رئيس تحرير المجلة العلمية أهرام، الأستاذ هاني سلام، جاء ما يلي:

هاني سلام ...
د محمد، عرفناك كاتبا برع فى سرد حكايات علمية وقصص عن عالم الحيوان والفلك, فهل يمكننا ان نتعرف على سيادتكم عن قرب، ولتقل لنا من هو د محمد زكريا توفيق ؟

د محمد زكريا...
مصري حتى النخاع، أبا عن جد، وجسدا وروح. أحب الكشري والفتة والملوخية والفول والطعمية. درست على أيدي أساطين الرياضة البحتة المصريين. الدكاترة، ملتيادي حنا وعبد الحميد لطفي وفؤاد رجب وعطية عاشور وراجي مقار.

بعد نكسة يونية عام 1967م، وعدم حاجة الجيش لدفعتنا في التجنيد، وجدت أن هجرتي ستكون أفيد لي وللوطن. كنت أحسبها هجرة مؤقتة، لكنها استمرت أكثر من أربعين عاما. هكذا نشاء، وتشاء الأقدار.

حكم عبد الناصر لم يكن ديموقراطيا. هل كانت ثورة 52 ضرورية؟ نعم. لأن الفساد السياسي والظلم الإجتماعي قبل الثورة كانا يفوقان الوصف. أهداف عبد الناصر فى العدالة الاجتماعية كانت نبيلة ورائعة. خطته في التنمية كانت أكثر من رائعة.

مصر لا ينقصها الكفاءات، بل العكس، هي مزدحمة ومكتظة بالكفاءات لدرجة الإعاقة.

هاني سلام ...
نعود الان ونسأل سيادتكم كيف كانت هجرتكم الى الولايات المتحدة الامريكية ؟

د محمد زكريا ....
في بدايتها، كانت قاسية جدا. الغربة قاسية، ولم أكن أعرف أحدا في الولايات المتحدة. اللغة كانت مشكلة كبيرة. فجيلنا في المدارس الحكومية قد تعلم اللغة الإنجليزية على أيدي مصريين تعلموا على أيدي مصريين. وعندما وصلتنا، لم تعد لغة إنجليزية، وإنما كانت لغة أخرى. يمكن أن تسميها لغة إنجليزية بلكنة صعيدية، لكن للأسف الأمريكان لم تكن تفهم هذه اللغة.

لم يكن يسمح لنا بتحويل دولارات أكثر من 200 دولار للفرد، نفذت كلها في الشهر الأول. فاضطررت للعمل حمّالا في أحد المحلات الكبيرة التي تشبه عمر أفندي في مصر. كان يعمل معي أحد اللاجئين السياسيين من أمريكا الجنوبية. عنده مشكلة في اللغة أيضا. هو لا يعرف سوى اللغة الفرنسية، وأنا أتكلم اللغة الإنجليزية الصعيدية. وكانت المحادثة بيننا تصلح أن تكون مسرحية كوميدية.

لكن لحسن الحظ، عملت في هذه الوظيفة فترة قصيرة. ثم وجدت عملا بعد ذلك في أحد البنوك في قسم الأرشيف. وكان رئيس قسم الكمبيوتر زنجي أسود من أمريكا اللاتينية، عندما علم أنني مصري جامعي، رأف بحالي وأخذني معه في قسم الكمبيوتر وبدأت من أول الطريق.

هاني سلام ...
كيف ترى سيادتكم مصر الآن من الناحية الاقتصادية، وكيف يكون المخرج من الازمات المتتالية ؟

د محمد زكريا ...
الإقتصاد الحر بدون ضوابط، غابة كبيرة يفترس فيها القوي الضعيف. الاشتراكية والاقتصاد الموجه يلزمه حكم استبدادي لفرض العدالة الاجتماعية بالقوة. الحل يأتينا من وسطية أرسطو التي بنى عليها فكره الأخلاقي قبل الميلاد بأكثر من 300 سنة. يلزمنا نظام اقتصادي وسطي يجمع بين النقيضين. يأخذ من كلاهما الأفضل والأنسب، ويترك الأسوأ. ولتكن لنا في اقتصاديات الدول الاسكندنافية كقدوة حسنة نحتذي ونلتزم بها ونسير على خطاها.

بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، توحشت الرأسمالية. ولم تعد تراعي البعد الإجتماعي أو التقارب بين الطبقات. بدأت الشركات في الولايات المتحدة، طلبا لزيادة الربح، في إلغاء برامج المعاشات والتأمينات الصحية والإجتماعية التي كانت تمنحها للعاملين بها.

توسعت الشركات في التخلص من العمالة الزائدة وتصدير الوظائف وفرص العمل إلى خارج البلاد، طلبا للمرتبات المتدنية وتوفير العملة. بدون النظر للجوانب الاجتماعية والأسرية للعمال.

فلا يجب أن ننزلق إلي هذا الدرك الأسفل، تحت بريق شعار الحكم الإسلامي. العناية بالفقراء والضعفاء والمساكين وتقريب الفوارق بين الطبقات، واجب أخلاقي وإنساني قبل أن يكون واجب ديني أو اجتماعي، يجب أن نلتزم به جميعا. الزكاة وحدها لا تكفي. الدستور الجديد كارثي، لأنه لا ينصف الفقراء ولا يقرب بين الطبقات.

هاني سلام ...
هل يمكنك ان تلقى لنا رؤيتك بالنسبة للتعليم بالولايات المتحدة الامريكية ؟

د محمد زكريا ....
الولايات المتحدة هنا تأخذ بنظرية جون ديوي في التعليم. وهي تقول بأن التعليم الحقيقي يبدأ أثناء العمل والوظيفة والحياة. لذلك تهتم الشركات بتدريب وتعليم موظفيها وعمالها. مدارس وبعثات ودورات تدريبية داخلية وخارجية. الشركات لا تتكلف شيئا لأن هذه المصروفات تخصم من الضرائب. والحكومة لا تخسر بل تكسب، لأن الاستثمار في التعليم، هو أفضل استثمار معروف حتى الآن.

الجامعات تشجع البحث والفكر واستقلال الرأي. التعليم هنا لا يعتمد على الحفظ. ليه تحفظ جدول الضرب، الآلة الحاسبة تقوم بهذا العمل أفضل وأدق. الجامعات هنا تعطي دروسا في الأخلاق نادرة المثال. سأذكر حكاية لا تنسي من جملة مئات الحكايات التي مررت بها، لأبين ماذا أعني.

بعد امتحان نصف التيرم، جاء طالب أمريكي كان قد تغيب عن الامتحان. فأعطاه أستاذ المادة الامتحان في ظرف مغلق. ثم طلب منه، عندما يعود إلى منزله، أن يجلس على مكتبه ويفتح الظرف ويبدأ في الإجابة بدون الاستعانة بمساعة خارجية. يعطي لنفسه زمنا قدره ساعتين فقط. ثم يضع الإجابة في ظرف ويرسلها للأستاذ بالبريد. تم ذلك ببساطة شديدة. حدث هذا أمامي ولم أكن أصدق ما أرى أمام عيني. الأستاذ هنا لا يدرس مادته فقط، إنما يعلم ويربي جيل على الثقة المتبادلة واحترام النفس وآدمية الإنسان.

هاني سلام ...
هذا عن التعليم فى الولايات المتحدة فماذا عن التعليم فى مصر ؟

د محمد زكريا ....
التعليم في مصر كارثي. يذهب الطالب إلى المدرسة، وبراءة الأطفال في عينيه. ويتخرج منها وهو خبير تذوير لا يشق له غبار. يكذب ويصبح محترف كذب، حتى ينجو من ضرب المدرس له. يهرب من الحصة مع المدرس، وربما الناظر أيضا والفراشين، وينط من فوق السور ولا أبطال السرك، يبرشم ويغش في الإمتحان ويبتكر طرق وأساليب مبتكرة. فهل نستبعد أن يغش ويزور في الإنتخابات؟

التعليم في بلادنا هو المسؤول عن الكذب والنفاق والسرقات والرشاوي والفهم الخاطئ للدين، واستخدامه في السيطرة والتحكم. لأنه لم يعلم الطالب استخدام العقل. فهو المسؤول عن التخلف الفكري الذي نعيشه اليوم. التعليم يجب أن يتحرر من الخوف والرعب والامتحانات، التي تمثل انتهاكا لآدمية الإنسان.

والشهادات التي لا قيمة لها بعد التخرج، والإعتماد الكلي على الحفظ والتسميع. التعليم يجب أن يركز على الفهم والبحث عن المعلومة وفحصها والشك فيها إذا لم تدعمها الأدلة والبراهين. التعليم يجب أن يركز على تعليم الطالب الشك والتساؤل.

الشك والتساؤل هو الذي يخلق العلماء والفلاسفة. عدم الشك والتساؤل هو الذي يخلق الاستسلام والعبودية والتطرف الفكري والاستبداد السياسي والديني. فلا يجب أن نخاف من الحقيقة. الحقيقة صديقة للإنسان مهما كانت مؤلمة. ضررها أقل بكثير من اخفاءها.

لا يجب أن نقبل أية معلومة، إلا إذا كانت تتفق مع المنطق والعقل. ولا يهم مصدرها أو قداستها. نرفضها إذا لم تستقم، وإذا كانت لا يقبلها العقل. هذا إذا أردنا أن نسود، وأن نحي أمجاد جدودنا الأقدمين.

التعليم يجب أن يكون طول الوقت من المهد إلى اللحد. يجب أن ننمي الرغبة في التعلم في الإنسان المصري، حتى يعشقه ويطلبه طول الوقت. يطلبه مثل طلبه للغذاء والماء والهواء، كما قال أديبنا العظيم الدكتور طه حسين سابقا.

يطلبه الإنسان طلبه للراحة والأمن والمجد والشهرة والحب. يقول العظيم أرسطو معلم البشرية الأول، أنه ليس هناك خير وشر، إنما معرفة وجهل. الناس تفعل الشر، لأنها لا تعرف ضرره وعواقبه. لو عرفت معنى الخير لأدمنته. ولو عرفت فوائد العلم لطلبته.

هاني سلام....
كيف ترى الوضع السياسي في مصر بمنظور رجل مصري مطلع على كل جديد بمصر رغم غربتك عنها ؟

د محمد زكريا ...
قد فوجئت بسلوك الإسلاميين وكنت أتوقع أن يكونوا أفضل من ذلك. لم تعد السياسة وشئون الحكم من اختصاص النخبة فقط. أصبح رجل الشارع يهتم بالسياسة إلى جانب رغيف الخبز.

لقد ذهلت من منظر طوابير الناس في الاستفتاء الأول بعد قيام ثورة 25 يناير. كبار سن ونساء وكراسي متحركة وكهول تستند على عكاز أو على كتف آخرين. شئ مبهر ويدعوا للفخر والأمل.

لكن تضليل الناس باسم الدين، وإيهامهم بأنهم وحدهم هم حاملوا لواء الإسلام والمدافعون عنه، والباقي كفرة خارجون عن الدين القويم، شئ كارثي غير أخلاقي، عاري عن الصواب. لقد بني الإسلام على خمس. ويكفي نطق الشهادة لكي تكون مسلما. قد تكون مسلما عاصيا، لكن لاتزال مسلما مقبول التوبة.

إذن تكفير الناس هو سلاح الغرض منه سياسي، يهدف لاستعباد الناس وامتلاك أرواحهم والتحكم في مصائرهم. فكيف تستعبدونهم وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟ خطورة استخدام الدين في السياسة، وهو موضوع قتل بحثا، هو شطر الدولة المصرية إلى نصفين أو أكثر. هذه سياسة سوف تؤدي حتما إلى تقسيم البلد إلى دويلات متنافرة ومتحاربة.

حدث هذا في الهند عندما كانت دولة واحدة: الآن لدينا، الهند وباكستان وبنجلادش. وحدث ذلك في فلسطين، نتج عنه: إسرائيل وحماس، وهم إخوان مسلمون، والضفة الغربية. وفي السودان، نجد: الشمال، وهم إخوان أيضا، والجنوب ودارفور. ويحدث الآن في العراق: شيعة وسنيون وأكراد. وفي مصر، مسلمون، إخوان وسلفيون، وعلمانيون وأقباط مسيحيون ونوبيون وسيناويون. هذه ليست فنتازيا وتهيؤات، إنما حقيقة واقعة، نراها أمام أعيننا.

هذا يذكرني بقصة جحا والمسخرة. يا جحا المسخرة في بلدكم. أجاب، مادامت بعيدة عن شارعنا فلا أبالي. دي في شارعك يا جحا. مادامت بعيدة عن بيتي فلا أمانع. دي في بيتك. مادامت بعيدة عن مؤخرتي فلا أبالي.

هذا ما نقوله نحن اليوم. مادامت المسخرة بعيدة عن مؤخرتنا جميعا فلا نبالي. لكن المشكلة هي أن المسخرة قد وصلت إلى المؤخرة بالفعل.

أما المعارضة الحقة، وممارسة السياسة بدون سلاح استخدام الدين، وخداع البسطاء وتضليلهم بالفتاوي وأكياس السكر وزجاجات الزيت، فهو شئ مطلوب وجيد. لأن الممارسة السياسية مع عدم سيطرة فصيل معين، تقوي المعارضة وتروض الإسلاميين، وتصنع ثقوبا في جدار عقولهم الفولاذي، يمكن أن يدخل منها النور. وكما يقول هيجل، الجدل يقود إلى الصواب ويصحح الأخطاء. فلا مفر من أن نعيش مع بعض، وهذا قدرنا. سواء أردنا أو لم نرد.

الخوف هو أن يقوم الإخوان أو السلفيون، باستخدام الفتاوي والزيت والسكر والمساجد والكذب على الناس، بالسيطرة على التعليم والإعلام والأزهر والجيش والشرطة. ويبدو أن هذا هو هدفهم الذي لا ينكروه ويسعون لتحقيقه باستماته.

من ثم، يستمرون في إنتاج وتفريخ أجيالا كثيرة مغيبة عن الوعي على شاكلتهم. قد تستمر لعدة قرون. القرون المظلمة والوسطى، ومركزية الأرض وتفلطحها، ومناهضة العلماء وحرق الساحرات، هي فترة استمرت آلاف السنين.

من السهل جدا استمرار الخطأ مدة طويلة، إذا لم نتداركه في وقته ونصححه. العلاج صعب، لأنك تتعامل مع فصيل لا يؤمن بالعقل والحوار. لأنه يعتقد أنه قد امتلك الحقيقة العليا المطلقة.

هاني سلام ....
لقد تذوقت، من خلال متابعتي لما تكتبة في الموقع، أسلوب أدبي راق , وصياغة أدبية رائعة لمواضيع علمية .. فمن أين أتيت بهذا الأسلوب المميز، والخيال الخصب في سرد حكايات وقصص عن العلوم بأسلوب بسيط يشتاق القارئ لتكملة المقال وينتظر مقالكم التالي؟

د محمد زكريا ....
حب القراءة والاطلاع، لا أدري سببه. ربما يكون وراثيا عن جدي. فقد كان يحب القراءة والاطلاع وسماع نشرات الأخبار، وخصوصا إذاعة لندن على الموجة القصيرة. أما والدي، فلم يكن يهتم بقراءة غير أخبار الحوادث في الجرائد. أذكر أنني قبل أن أتعلم القرءة والكتابة، اشتريت كتاب مطالعة للفرجة على الصور بداخله.

بالنسبة لأسلوبي في الكتابة، فهو عادي جدا يقترب من المحادثة والكلام الدارج، ولو أن الأخطاء النحوية لازالت كثيرة. سواء كانت أخطاء لغوية أو بصرية. ربما يكون سبب خصوصية أسلوبي، هو جدية الموضوعات التي أناقشها وأحللها. فأنا أكتب عما أريد أن أعرفه وأبغي فهمه بعمق، أكتب كما أحب أن يكتب الآخرون لي.

لازلت أفضل المقالات والكتب المبسطة والميسرة عن الكتب التي يجاهد ويكابد القارئ المسكين لفهمها. إذا لم يستهويك الكتاب أو المقال، لماذا تضيع وقتك في قراءته؟ اللغة العامية لغة رائعة لا يجب أن نخجل منها أو نتحاشى الكتابة بها.

كلمة "أونطة" مشتقة من كلمة من أصل يوناني بمعنى التفلسف الميتافيزيقي، أنطولوجية، أو التفلسف اللي ما فيهش فايدة. ربما نقلها الأتراك، ونقلناها عنهم. الباسطة يا سيدي البساطة. قالوا ما هو السجع؟ قيل هو ما خف على السمع. قالوا مثل ماذا؟ قيل مثل هذا.

لقد لا حظت من متابعتي للمقالات الصحفية، أن الاهتمام بالألفاظ الفخمة البراقة، يكون في بعض الأحيان على حساب المعنى. فمثلا، عبارة "في سياق متصل"، لا يخلو منها مقال صحفي اليوم. وأصبحت أكلشيه، تقال في نشرات الأخبار. المشكلة أنها تحشر حشرا وتستخدم في سياق غير متصل.

لقد تعلمت من الثقافة الأمريكية البساطة في التعبير، ومن الفيلسوف الإنجليزي بيرتراند راسل البساطة والدقة في التعبير، ومن الفيلسوف الفرنسي فولتير الروح المرحة في الكتابة، ومن أرسطو الأمانة والصدق. ومعجب بأسلوب الجاحظ وابن المقفع والمازني. وأعتقد بسبب قراءتي للمازني في شبابي، أنه هو الذي شكل أسلوبي في الكتابة. فجمله بها موسيقى داخلية بديعة، نادرا ما تجدها في أسلوب كاتب غيره.

كنت ولا زلت أحب وأعشق السينما. أعتبرها أرقى الفنون كلها. لسبب بسيط، هو أنها تشمل كل أنواع الفنون تقريبا. الرواية والمسرح والتصوير والديكور والرقص والأوبرا والموسيقى...إلخ. السينما ليست تسلية فقط ومكان نهرب إليه من همومنا ومشاغلنا. السينما منذ بدايتها، كان هدفها إلى جانب التسلية والامتاع، وضع الحقيقة في صورة جديدة للمشاهد، تجعل من السهل عليه فهمها واستيعابها.

عندما كبرنا وكبر الزمان، أصبحت نظرتنا للأفلام نظرة ناقدة. أنا الآن لا أشاهد الأفلام لكي أستمتع بها كما كان الأمر في طفولتي. ولكن أشاهدها لكي أنقدها وأبين عيوبها الفنية. لكن هذه النظرة التحليلية في مشاهدة الأفلام، أفقدتني البراءة ومتعة المشاهدة التي كنت أستمتع بها وأنا طفل صغير. لا أنسى مشهد الشجيع وهو مسجون في الزنزانة والماء يتدفق ويرتفع رويدا رويدا إلى أن يصل إلى مستوى رأسه. وهو يجاهد لرفع رأسه فوق سطح الماء.

لدي ما يقرب من 3000 كتاب ومرجع تزحم البدروم عندي، ولا أدري كيف أشحنهم إلى مصر عند العودة النهائية، إذا أراد الله. هذا غير الكتب الإلكترونية التي ليس لها عدد.

عندي ما يزيد على 40000 أغنية وقطعة موسيقية من جميع البلاد ومن كل العصور وكل الألوان. وأستمع للموسيقى وأنا أكتب وأنا أقرأ وأنا آكل. فالموسيقى غذاء الروح، وطريقة للتقرب إلى الخالق. لأنها تحول المخ من حالة إلى حالة، تجعل الدعاء والخشوع أعمق وأجل.

قد كان النبي داود يناجي ربه بالمزمار والموسيقي. آيات الذكر الحكيم، بها موسيقى داخلية. الله سبحانه خلق الكون بالكلمة، كن فيكون. والكلام نوع من الموسيقى. فكيف تكون الموسيقى حرام. قال الفيلسوف نيتشة، الكون بدون موسيقى خطأ لا يغتفر.

هاني سلام .....
هذا يأخنا الى حال المثقفين بمصر .. فماذا عن حال المثقفين بمصر؟

د محمد زكريا ....
يرثى لها. أنظر إلى علاء الأسواني أو بهاء طاهر أو الغيطاني أو الأبنودي وغيرهم، قمم أدبية وثقافية تتمناها أية دولة، لكنهم مطاردين ومنبوذين، لأنهم لم يكرسوا أقلامهم لخدمة من في السلطة. مصر تستحق أكثر من جائزة نوبل في الأدب. ولديها الآن ذخيرة أدبية كبيرة، لا أريد أن أذكرهم حتى لا أنسى بعض الأسماء المضيئة.

لقد قابلت أديب أمريكي هنا في نيويورك في الثمانينات ووجدته يعرف أدب طه حسين ويعشقه. وقد كان الفيلسوف الأديب العظيم اليوناني كازنزاكس مؤلف رواية زوربا اليوناني، معجبا ب طه حسين وعلى اتصال به.

مشكلة المثقفين عندنا، تأتي من استقطاب الثقافة إلى علمي وأدبي، وهذا يرجع إلى أسلوب تعليمنا أيضا. فلدينا منذ المرحلة الثانوية، قسم علمي، وقسم أدبي. لا يعرف أيا منهما عن الآخر شيئا. وتزداد الحالة سوءا في الجامعة. المهندس يطلق الأدب بالثلاثة. وكلية الآداب والحقوق لا تعترف بالفيزياء والكيمياء.

الكل يهرب من الفلسفة والمسرح والموسيقى والفنون، إلا في حالات التخصص وأكل العيش. ابنتي هنا في الولايات المتحدة، عندما كانت تدرس علوم الكبيوتر في الجامعة، كانت تدرس معها الفلسفة والموسيقى الكلاسيكية والفنون الجميلة من رسم ونحت وعمارة. الهدف من التعليم هو بناء الشخصية المتكاملة، لا الشهادة للوظيفة.

الأدباء عندنا في النادر ما يهتمون بالعلوم. العلماء في النادر ما يهتمون بالأدب. الصحافة والمجلات العلمية نادرة. من هنا تأتي أهمية "المجلة العلمية أهرام"، التي أرجوا لها دوام النجاح. هذا الاستقطاب، يجعل الرؤى غير واضحة. أهمية القانون الثاني في الديناميكا الحرارية، الإنتروبيا، لا تقل عن أهمية مسرح شكسبير في الأدب.

كم من الأدباء يفهم النسبية العامة لأينشتين بعمق، أو نظرية الكم أو نظرية التطور لداروين أو مبدأ عدم اليقين لهيزنبرج، أو تركيبة الذرة والخلية الحية؟ وهي كلها موضوعات هامة، قمت بنشرها في صورة مقالات مبسطة تباعا في موقع الحوار المتمدن.

فهم الأدباء والكتاب لهذه الموضوعات بعمق، يثري ويعمق كتاباتهم ويبعث فيها الحياة والطاقة. حاجة العلماء للأدب لا تقل عن حاجة الأدباء للعلوم. لأن الأدب يربطهم بالحياة والمجتمع ويخفف من غرورهم وتعاليهم.

هاني سلام ....
بمناسبة الحديث عن الصحافة العلمية والمجلات العلمية .. متى نرى جهات رسمية ترعاها ؟

د محمد زكريا ..........
هذا يتوقف بالطبع على خطة الدولة وماذا تريد أن تفعله بالناس. إذا كان الهدف هو تحويل الشعب المصري إلى إخوانجية وسلفيين، فلا حاجة لنا بكل هذه الموبقات وأسلحة الشياطين.

لما فتحت أرض فارس ووجدوا فيها كتبا كثيرة كتب سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب ليستأذنه في شأنها وتلقينها للمسلمين. فكتب إليه عمر أن اطرحوها في الماء. فإن يكن ما فيها هدى فقد هدانا الله بأهدى منه وإن يكن ضلالا فقد كفانا الله. فطرحوها في الماء أو في النار وذهبت علوم الفرس فيها عن أن تصل إلينا.

ألم تحرق مكتبة الإسكندرية؟ حيث جعلت كتبها العامرة وقودا للحمامات لأربع سنوات كاملة، ربما لنفس السبب.

لأن حرق الكتب والمكتبات كانت سنّة غير حميدة سار عليها إثنان من الخلفاء الراشدين. فقد أحرق عمر بن الخطاب صُحُفا جُمعت فيها أحاديث الرسول على ما ذكره ابن سعد في الطبقات الكبرى. وبعده أحرق عثمان المصاحف الستّة الأخرى فيما يروي المفسرون والإخباريون وبينها مصحف أبيّ بن كعب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعليّ بن أبي طالب... إلخ.

ألم يحرق فقهاء "الجنة الضائعة" مكتبة ابن رشد، ومن قبله مكتبة ابن حزم الأندلسي الذي أضحت مكتبته في ذلك العصر من بين أضخم المكتبات الخاصة في الأندلس؟

ألم يحرق البرلمان المصري في سبعينات القرن الماضي ألف ليلة وليلة؟

ألم يحرق آية الله أحمد جنتي مئات الكتب التي سمحت رقابة الدولة الدينية الإيرانية الصارمة بنشرها وأحرق دور النشر التي أصدرتها؟

أما إذا كان هدف الدولة هو نشر الثقافة والنهوض بالعصر، فيجب أن نتتبع خطى أرسطو وجون ديوي وأحمد لطفي السيد وطه حسين وثروت عكاشة. في هذه الحالة، سنقوم بتشجيع الفكر والأدب وحماية الرأي وتأمين القلم ودعم الصحافة والإذاعة الصوتية والمرئية، وخصوصا الصحافة والمجلات العلمية الوليدة.

هاني سلام ....
ما هو رأي سيادتكم في مجلتنا المتواضعة. وهل تعتقد أننا نسير على الطريق الصحيح ؟ أم إننا نعيش في عالم آخر ليس لة علاقة بارض الواقع !

د محمد زكريا ...
أستاذ هاني، هذا يتوقف على مفهومك للنجاح. ولا تنس أن الأنبياء والحكماء والفلاسفة، كانوا أفقر الناس وأقلهم حظا في الحياة. المسيح ولد، لا مؤاخذة، في زريبة. الرسول تيتم وهو طفل وكان فقيرا. سقراط اتهم بإفساد الشباب وسب الآلهة، وتم اعدامه. أرسطو هرب من أثينا حتى لا تأثم أثينا مرتين ضد الفلسفة. مرة ضده، لو أمسكوا به، ومرة سابقة عندما أعدموا سقراط.

الكندي فيلسوف العرب، جلد 60 جلدة في ميدان عام وسط تهليل الغوغاء. الرازي ضرب على رأسه بكتبه حتى فقد البصر. الفارابي وابن سينا اتهما بالكفر. ابن خلدون وابن رشد حرقت دارهما وكتبهما وفرا خوفا من الموت.

عارف حكاية سكة السلامة وسكة الندامة بتاعة الشاطر حسن. لو مشي الشاطر حسن في سكة السلامة كل مرة، فقدت الحكاية بريقها وجمالها. جمال القصة ينبع من اختيارنا للصعب عندما يستسهل كل الناس السهل ويطلبوا السلامة. ويركنوا للحظ ليكمل الحكاية.

هاني سلام ....
لا يسعنا إلا توجيه الشكر لسيادتكم أن أفسحت لنا مساحة من وقتك وفكرك لنسعد ونستمتع بالحوار مع سيادتكم.







قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
التحولات في البحرين والمنطقة ودور ومكانة اليسار والقوى التقدمية، حوار مع الكاتب البحريني د. حسن مدن
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة خلق الكون
- هل التطور يتعارض مع الإنتروبيا؟
- كيف كانت بلادنا حلوة؟
- قضاة في شكاير
- حكم الجماعات الدينية والمليشيات
- لقد قبل الإخوان الحكم وبلعوا الطعم
- دولة دينية أم حرب أهلية
- السلطة مفسدة
- كيف كانت القاهرة وكيف أصبحت
- حقيقة الأديان
- دولة دينية أم دولة مدنية
- لماذا أشعر بالقلق من حكم الإخوان؟
- ما يقوله العلم عن نشأة الحياة
- مشكلة الأديان مع العلوم
- الفن مين يعرفه
- عادل إمام وحرية الرأي
- قصة الأخلاق عند سقراط
- قصة التقويم الشمسي وحساب الزمن
- قصة الملك ميداس ولجنة كتابة الدستور
- من أقوال مؤسسي الدستور الأمريكي


المزيد.....




- مسيرات حرس الثورة الاسلامية والانتخابات السورية وتعذيب سجناء ...
- الشرطة الإسرائيلية تجبر المعتكفين على الخروج من المسجد الأقص ...
- مجدي أحمد حسين بعد خروجه من السجن: تجربة النخبة الإسلامية في ...
- بابا الفاتيكان: كوكب الأرض أصبح على حافة الهاوية
- شقيقة اليهودية سارة حليمي التي قتلت في فرنسا تسعى لمحاكمة ال ...
- كتائب حزب الله في العراق: الحشد الشعبي لن يحل واذا حدث ذلك ...
- المقرئ الإدريسي: خطاب القرآن عالمي ومشروع الإسلام للبشرية جم ...
- منازل الروح: علاقة التوكل على الله بالهمة
- منابع الإيمان: سؤال الروح
- الحرس الثوري الإيراني: انهيار أعداء الإسلام قريبا


المزيد.....

- أفيون الشعب – الكتاب كاملاً / أنور كامل
- الطاعون قراءة في فكر الإرهاب المتأسلم / طارق حجي
-  عصر التنوير – العقل والتقدم / غازي الصوراني
- صفحات من التاريخ الديني والسياسي للتشيع / علي شريعتي
- أوهام أسلمة الغرب عند المسلمين / هوازن خداج
- جدل الدنيوية العقلانية والعلمانية الإلحادية / مصعب قاسم عزاوي
- كتاب النصر ( الكتاب كاملا ) / أحمد صبحى منصور
- الماركسية والدين / ميكائيل لووي
- الجيتو الاسلامى والخروج للنهار / هشام حتاته
- الكتاب كاملا :( مسلسل الحُمق في ذرية : علىّ بن أبى طالب ) / أحمد صبحى منصور


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد زكريا توفيق - حوار مع المجلة العلمية أهرام