أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - مالك بارودي - مشروع الدّستور التّونسي الجديد أو الطّريق إلى الهاوية















المزيد.....



مشروع الدّستور التّونسي الجديد أو الطّريق إلى الهاوية


مالك بارودي

الحوار المتمدن-العدد: 3957 - 2012 / 12 / 30 - 22:50
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


مشروع الدّستور التّونسي الجديد أو الطّريق إلى الهاوية

إطلعت، منذ يومين، على الصّيغة الجديدة لمسوّدة الدّستور التّونسي الجديد (المنشورة بتاريخ 14 ديسمبر 2012)، على صفحات جريدة "الشّروق" (الأحد 16 ديسمبر 2012، العدد 7846، ص 10-13)، وهو الدّستور الذي يدّعي أعضاء المجلس التّأسيسي كتابته منذ سنة والذي بلغت تكاليفه أرقاما مهولة (88 مليون دينار تونسي، حسب ما أدلى به "سامي الرّمادي"، رئيس "الجمعيّة التّونسيّة للشّفافيّة الماليّة"، في برنامج "لاباس" على قناة "التّونسيّة") ويمكن إعتباره أكبر عمليّة تحيّل وسرقة وقعت فيها تونس بعد "الثّورة"... إطّلعت على هذه الوثيقة على صفحات الجريدة المذكورة، ثمّ تحصّلت على نسخة إلكترونيّة منها للتأكّد أكثر من عدم وجود تحريف أو أخطاء مطبعيّة قد تغيّر المعاني، فلم أجد فيها شيئا خارقا للعادة وإستكثرت عليها ما ضاع من وقت وما أنفق من مال كان من الأولى صرفه في أمور أخرى أكثر نفعا، وما أكثرها في تونس اليوم... تونس التي أخشى أن تكون متّجهة إلى أحد أمرين: "الأفغنة" (نسبة لأفغانستان) أو "الصّوملة" (نسبة للصّومال) والتي تدلّ معظم الحقائق والدّلائل على تحوّلها، بفضل بركات "حزب حركة النّهضة" وحكومته الفاشلة، إلى بلد غارق في الدّيون ويعيش على الإعانات والهبات (زيادة على كونه أصبح ينتج ويصدّر الجهل والإرهاب). وما قيمة شعب يعيش على المساعدات في زمننا هذا وفي الظّروف العالميّة الحاليّة...؟ لا شيء.
قلت أنّي إطّلعت على مسوّدة الدّستور الجديد، فتأكّد لي بالدّليل القاطع أنّ المستقبل، في صورة المصادقة على هذه الوثيقة، لن يكون إلاّ خليطا من أفغانستان والصّومال. فهذه الوثيقة تحمل بين السّطور أكثر ممّا يمكن فهمه من كلماتها. في الحقيقة، لست خبيرا في القانون الدّستوري ولا حتّى رجل قانون، لذلك لم تكن قراءتي لهذه المسوّدة من وجهة النّظر القانونيّة، وهذا طبيعي... لكنّني ركّزت على المفردات المستعملة وعلى المفاهيم المدرجة في عموميّتها ومن وجهة نظر لغويّة ومنطقيّة بالدّرجة الأولى، فوجدت فيها خزعبلات إنشائيّة وثرثرة مفضوحة وعبارات فضفاضة لا يصحّ في تقديري أن يتضمّنها نصّ قانوني...
ورد في بداية "التّوطئة" ما يلي: "إعتزازا بنضالات شعبنا، وإستجابة لأهداف الثّورة التي توّجت ملحمة التّحرّر من الإستعمار والإستبداد، وحقّقت إنتصارا لإرادته الحرّة، ووفاء للشّهداء وتضحيات التّونسيّين على مرّ الأجيال، وفي سبيل القطع النّهائي مع الظّلم والفساد والحيف". لكأنّني بصدد قراءة رواية تاريخيّة أو خطبة دينيّة... فهذا الخطاب لا يجوز إلاّ في نصّ أدبي روائي أو مسرحي، أو في إحدى مقالات "الصّحافة الصفراء" المطبّلة في هذا الإتّجاه أو ذاك (حتّى طريقة كتابة الوثائق الإداريّة من مراسيم وأوامر وبرقيّات بعيدة عن هذا النّصّ الدّستوري الفضفاض والثّرثار)، ذلك أنّه يرتكز على العواطف: "إعتزاز"، "وفاء"، وتتعدّد الأمثلة في بقيّة النّصّ... كما يحتوي على عبارات فضفاضة قابلة للفهم والتّأويل في كلّ الإتّجاهات: "أهداف الثّورة"، مثلا. فالشّعار الذي رفع في بدايات الإنتفاضة التّونسيّة في مدينة "سيدي بوزيد" كان يتلخّص في لفظ "الكرامة"، ثمّ مع مرور الوقت وخروج "زين العابدين بن علي" من تونس وسقوط نظامه ودخول أطراف كثيرة في المعادلة، أضيفت ألفاظ أخرى مثل "الحرّيّة" و"العدل في توزيع الثّروات" و"القطع مع سياسة التّهميش"، إلى أن وصلنا إلى سماع أطراف تدّعي أنّ "الإنتصار للقضيّة الفلسطينيّة" و"تجريم التطبيع مع إسرائيل" و"تطبيق الشّريعة الإسلاميّة" من أهداف الثّورة... وقد يقول مريدو وأتباع الشّيخ "وجدي غنيم" في تونس أنّ ختان البنات والنّساء من أهداف الثّورة أيضا... ولا شيء يمنع أتباع الشّيخ "أبي إسحاق الحويني" من إعتبار أنّ إرضاع الكبير أكثر أهداف الثّورة أهمّيّة... فكلّ إناء بما فيه من مصالح يرشح. فهل قامت تلك الإنتفاضة من أجل فلسطين وإسرائيل والشّريعة أم من أجل التّشغيل والتّنمية والكرامة الإنسانيّة أم من أجل أشياء أخرى لا نعلمها؟ أليس تضمين هاتين الكلمتين ضحكا على ذقون المواطنين؟ أليس إختيار كلمة مبتذلة وحمّالة أوجه كهذه دليلا على وجود إرادة خبيثة تريد خدمة مصالحها؟ ألم يكن من المنطقي تفسير المقصود بهذه الكلمة لكي لا يتّخذها زيد أو عمرو تعلّة لتطبيق تفاهات لا توجد إلاّ في دماغه الفاسد؟
في الفقرة الموالية من "التّوطئة"، نقرأ: "وتأسيسا على ثوابت الإسلام ومقاصده المتّسمة بالتّفتّح والإعتدال، وعلى القيم الإنسانيّة السّامية ومبادئ حقوق الإنسان، وإستلهاما من المخزون الحضاري للشّعب التّونسي على تعاقب أحقاب تاريخه...". إذن، فهم يكتبون "دستورهم" هذا "تأسيسا على ثوابت الإسلام ومقاصده"... ما معنى "ثوابت الإسلام ومقاصده"؟ ثمّ من قال أنّ الإسلام يمكن أن يكون أساسا للدّستور؟ أليست هذه فكرة "راشد الغنّوشي" وأتباعه من الإسلامويّين والسّلفيّين؟ ألم تشتعل النّيران مرّات ومرّات في الشّارع وفي المجلس الوطني التأسيسي الفاشل من أجل إدخال الشّريعة في الدّستور ثمّ طلع علينا بدر شيخ العصابة النّهضويّة ليقول بأنّه لن يقع التّنصيص على الشّريعة الإسلاميّة في الدّستور الجديد وأنّ هذا الأخير سيكون دستور الدّولة المدنيّة الجديدة...؟ أليست عودة كلمات مثل "ثوابت الإسلام" أو "مبادئه" أو مقاصده" عودة إلى النّقطة الصّفر ومن قبيل إخراج الشّريعة من الباب وإرجاعها من النّافذة؟ فأين مدنيّة الدّولة من هذا الكلام؟ أليس هذا استبلاها للشّعب وضحكا على الذّقون؟
في نظري وتقديري، هذه عبارة عامة لا يعرف أوّل ما تعنيه ولا آخره. تاريخيّا، توجد آلاف المجازر التي ارتكبت بإسم ثوابت الإسلام ومقاصده. لقد تقاتل عليّ وعائشة وكلاهما كان يزعم أنّه مدافع عن ثوابت الإسلام ومقاصده وكذلك فعل علي ومعاوية والشّيعة والخوارج. وقتلت القاعدة من قتلت وهي تظنّ أنّها لم تحد قيد أنملة عن ثوابت الإسلام. هل معقول أن يكون لنا دستور لا نعرف ما يضبط لنا من حقّ وما يضع لنا من واجب ونبقى في انتظار فقيه في المستقبل ليدلّنا ما ثوابت الإسلام ومقاصده؟
هذا علاوة على أنّ مفهوم عبارة "مبادئ الإسلام ومقاصده" ضبابيّ ويمكن أن ينجرّ عنها تطبيقيّا مشاكل ومخاطر ستهدّد الحرّيّات والحقوق المبيّنة في بقيّة نصّ الدّستور، في صورة الإبقاء عليه كما هو الآن والمصادقة عليه. فهذا المصطلح حمّال لجميع التأويلات والتّفسيرات، بدليل أنّ أشدّ وأخطر التّفسيرات وأكثرها تطرّفا تعتبر ما تدعو إليه من ثوابت الإسلام وتحقيقا لمقاصده المتّسمة بالتّفتح والإعتدال (والتّفتّح والإعتدال قد يصل إلى حدّ العنف والقتل والإرهاب في نظر بعض الأدمغة الفاسدة) وهو ما يجعل بقيّة النّصّ الوارد بعد هذه التّوطئة ذات الأساس العقائدي من حقوق وحرّيّات لا تعدو أن تكون سوى مجرّد تفريعات وهوامش تصبح لا معنى لها متى تناقضت مع الشّريعة الإسلامية.
لكن لنتجاوز هذه الكلمات ولنتابع بقيّة الجملة... بعد بضع كلمات يعترضنا سؤال خطير جدّا ليؤكّد ما لدينا من شكوك ومخاوف: لماذا وقع تأخير "مبادئ حقوق الإنسان" وتقديم "ثوابت الإسلام ومقاصده"؟ سيقول بعضهم أنّه مجرّد ترتيب لا خلفيّة له، لكنّني أشكّ في ذلك وأعتبر أنّ هذا الأمر يتجاوز عمليّة التّرتيب إلى ترتيبات أخرى خفيّة يمهّد لها أصحاب اللّحي ودعاة النّقاب والحجاب، حتّى من يدّعون "التّفتّح والإعتدال" منهم. فهنا، خلف هذا التّرتيب، يخفون للشّعب ثغرة خطيرة يمكن أن يستعملها الإسلامويّون والسّلفيّون وغيرهم من وكلاء الله على الأرض لتطبيق حدود الشّريعة متى أرادوا ذلك، بتعلّة أنّ ما جاء في المرتبة الأولى له الأولويّة على بقيّة المكوّنات المذكورة بعده. هذا زيادة على تعلّتهم المعتادة القائلة بأنّ "الشعب التّونسي مسلم" وأنّ "المسلم لا يخاف من تطبيق الشّريعة لأنّها تطبيق للإسلام"، وتعلّات أخرى لا يصدّقها إلاّ جاهل بدرجة خبث وديكتاتوريّة الإسلام، خاصّة عندما تمتدّ يده إلى السّياسة والسّلطة والمصالح والمال.
أليس هذا دليلا صريحا على رغبة صائغي الدّستور في التّراجع عن المبادئ الكونيّة و تعويضها بوصف "السّامية" الشّيء الذي يفتح باب الإجتهاد والتّلاعب بالتأويلات حول ما هو سامي وما هو وضيع على ضوء الجملة التي سبقتها والتي تحيل على ثوابت الإسلام؟
نقرأ أيضا في "التّوطئة" كلمة خبيثة مأخوذة من القاموس "الغنّوشي" (نسبة إلى "راشد الغنّوشي")، إذ لا يكاد مبتكرها "العبقري" يترك مناسبة دون أن يعرّج عليها، لكن دون تفسيرها أو حتّى محاولة جعل بعض معالمها ومعانيها واضحة في فكر المتلقّي، وهي كلمة "التّدافع" التي تأتي في نصّنا هذا مقترنة بالنّعت "السّياسي". فمنذ أن أنعمت علينا الثّورة برؤية شيخ النّهضة المبارك ذي الأفكار الحلزونيّة والخطاب المزدوج ونحن نسمع عبارة "التّدافع الإجتماعي". فسّر بعض مريديه هذه العبارة بأنّها لا تعني إلاّ "التّنافس" ولكن الواقع يثبت أنّ "التّدافع" في النّظريّة السّياسيّة "النّهضويّة" لا يعني إلاّ العنف والتعنيف والضّرب والتكسير والحرق وحتّى القتل وربّما التّفجيرات أيضا (فتاريخ "حركة الإتّجاه الإسلامي" زاخر بالأعمال الإرهابيّة التي إستهدفت الشّعب التّونسي، ولا أدري لماذا يجب أن نستبعد أن تعيد الكرّة مرّة أخرى مع التّونسيّين وفي عقر دارهم، خاصّة وأنّ النّهضويّين اليوم يعتبرون أنفسهم فوق القانون ويريدون السّيطرة على كلّ شيء ومن ذلك تمسّكهم المحموم بوزارات السّيادة وإعتبارها كسبا لا يمكن التفريط فيه لأيّ طرف كان، مهما كانت درجة حياده وإستقلاليّته عن أحزاب المعارضة). هذا بالنّسبة "للتّدافع الإجتماعي"... فإذا سحبنا الأمر على عبارة "التّدافع السّياسي" سنجد تفسيرا واضحا وجليّا لما يحدث من عنف سياسي بين "حزب حركة النّهضة" والأحزاب المعارضة وخاصّة "حزب نداء تونس" وما يعانيه كلّ معارض للسّياسة "الغنّوشيّة" من قوى المجتمع المدني من تهديد وإستهداف وتشويه وتعنيف، سواء كان ذلك من طرف وزارة الدّاخليّة ذات القيادة النّهضويّة أو من طرف ميليشيات "حزب حركة النّهضة" أو الميليشيات الجديدة المسمّاة "رابطات حماية الثّورة" (فحماية الثّورة تبدأ وتنتهي عندهم بـ"حماية النّهضة من معارضيها") أو حتّى عبر هياكل ومؤسّسات أخرى تابعة للدّولة (يمكن أن نذكر قضيّة سجن المنتج التّلفزي "سامي الفهري"، صاحب قناة "التّونسيّة" بدعوى إتّهامه بالفساد في عهد الرّئيس "زين العابدين بن علي"، في حين نرى رجال أعمال كثيرين ينعمون اليوم بالحصانة والرّاحة والدّعم في حضن "حزب حركة النّهضة" لا لشيء إلاّ لأنّهم دخلوا "بيت الطّاعة النّهضويّ"، وبعد أن كانوا موالين ومطبّلين لـ"بن علي" أصبحوا اليوم موالين لـ"راشد الغنّوشي" ومسبّحين بإسم حزبه، وبينما يتواصل الفساد "الحلال" في تونس اليوم بمباركة "العصابة الحاكمة" وبعونها وتواطؤها بإسم "الثّورة" و"الشّرعيّة" وغيرها من العبارات الزئبقيّة)... فهل يجوز الزّج بلفظ "التّدافع السّياسي" (وأنا لا أفهمه إلا بمعنى "الحرب الأهليّة) في الدّستور الجديد و"دسترة" التّناحر والإعتداء على الآخر وإرساء سياسة الغاب في التّعامل بين الأحزاب السّياسيّة وكافة مكوّنات المجتمع؟ أوليس في اللّغة العربيّة من الألفاظ شيء يمكن أن يعبّر على معاني "التّنافس" حتّى يلجأ أعضاء اللجنة التي قامت بصياغة نصّ التّوطئة إلى لفظ زئبقي فضفاض وليد ثقافة العنف والإرهاب التي كان يمارسها "راشد الغنّوشي" في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي؟ ألهذا الحدّ وصل بنا الفقر اللغوي؟ أكتفي بنسبة ذلك للفقر اللّغوي، على أمل أن أكون مخطئا في تخميناتي وتفسيري لوجود هذا اللّفظ في مسودّة الدّستور هذه، رغم إقتناعي بأنّ كلّ ما قلته صائب مائة بالمائة خاصّة وأن الأحداث قد أثبتت صحّته...
في الفقرة الرّابعة من "التوطئة"، نقرأ: "وبناء على منزلة الإنسان كائنا مكرّما، وتوثيقا لإنتمائنا الثّقافي والحضاري للأمّة العربيّة الإسلاميّة إنطلاقا من الوحدة الوطنيّة القائمة على المواطنة والأخوّة والتّكافل الإجتماعي، وعملا على إقامة الوحدة المغاربيّة، ونحو التّكامل مع الشّعوب الإسلاميّة، والشّعوب الإفريقيّة والتّعاون مع شعوب العالم، وإنتصارا للمظلومين في كلّ مكان، ولحقّ الشّعوب في تقرير مصيرها، ولحركات التّحرّر العادلة وعلى رأسها حركة التّحرّر الفلسطيني ودعما لإرادة الشّعب في أن يكون صانعا لتاريخه..." حين يقولون أن الإنسان كائن مكرّم، أليس هذا خلطا آخر وإحالة أخرى على المرجعيّة الدّينيّة الإسلاميّة؟ خلط يضاف إلى ما قبله وما بعده ليثبت أكثر فأكثر أحد أمرين: أولا، عدم إقتناع صائغي الدّستور بمدنيّة الدّولة وبضرورة فصل الدّين عن السّياسة ورغبتهم الخبيثة الدّائمة في إقحام القاموس الدّيني وزرع ألفاظ منه كلّما وجدوا الفرصة كفخاخ يمكن إستغلالها في المستقبل؛ وثانيا: عدم معرفتهم أصلا للهدف الرئيسي من الدّستور ممّا يجعلهم يضيفون بحماقة كلّ كلمة تخطر على بالهم دون التساؤل حول معانيها وخلفيّاتها وتناسبها مع مكانها في الجملة. لكنّ مواصلة قراءة الجملة "... وتوثيقا لإنتمائنا الثّقافي والحضاري للأمّة العربيّة الإسلاميّة" يذكّرنا حتما بما يعشّش في أدمغة شريحة كبيرة من أعضاء "حزب حركة النّهضة" و"حزب التّحرير" وأحزاب إسلاميّة أخرى من أفكار تدعو إلى إقامة "الخلافة على منهاج النّبوّة" والرّجوع إلى تطبيق الشّريعة، وغيرها من الأفكار التي تجاوزها الزّمن كما تجاوز المنادين بها خاصّة في تونس التي أصبح لها نموذج ثقافي وإجتماعي وحضاري مختلف جدّا عن النّماذج الموجودة في المملكة العربيّة السّعوديّة أو دولة الكويت أو سلطنة عمان وحتّى عن الجماهيرية العربيّة اللّيبيّة ودولة الجزائر المجاورتين... لذلك فإنّي أرى أنّ كلّ هذا الكلام واللّفّ والدّوران مجرّد حشو لا علاقة له بالواقع ولا ينفع بشيء... ولكن يمكنه أن يكون مضرّا إذا تمّ تحويله وتحريفه وتأويله وفهمه من وجهة نظر دعاة "العودة إلى الخلافة"...
ثمّ ما معنى "وإنتصارا للمظلومين في كلّ مكان، ولحقّ الشّعوب في تقرير مصيرها، ولحركات التّحرّر العادلة وعلى رأسها حركة التّحرّر الفلسطيني ودعما لإرادة الشّعب في أن يكون صانعا لتاريخه..."؟ كيف نقرّر نحن كتونسيّين إن كان فلان الذي يعيش في بلد آخر مظلوما أو ظالما ونحن نستقي أخبار العالم من وكالات أنباء مختلفة لها إتّجاهات وإيديولوجيّات متعدّدة معظمها لا يمكن التّحقّق منها مائة بالمائة؟ وكيف نحكم على شعب مّا بأنّه على حقّ وعلى أيّ أساس؟ ولنأخذ مثالا على ذلك ما يجري في "سوريا" اليوم: هل يستطيع أيّ شخص أن يجزم بأنّ الشّعب السّوري يريد قلب النّظام فعلا؟ هل يستطيع أيّ شخص أن يقدّم أدلّة على أنّ ما يحصل في سوريا ليس مؤامرة تشارك فيها أطراف عدّة بعضها يحرّك الخيوط من خلف السّتائر (الولايات المتّحدة الأمريكيّة وقطر، مثلا) والبعض الآخر يتبع القطيع فيثغو عندما يطلب منه الثّغاء ويصمت عندما يؤمر بملازمة الصّمت (تونس، مثلا)؟ أليس هذا الكلام تحريضا صريحا على التّدخّل في شؤون الدّول الأخرى بما يتنافى وسيادتها؟ أليس هذا الكلام متناقضا مع الإتّهامات التي تصدرها السّلطة الحاكمة الآن في تونس في وجه الدّول والمنظّمات والشّخصيّات الأجنبيّة التي تتحدّث سلبيّا عن الأوضاع في البلاد حين تعتبر حديث هؤلاء من قبيل التّدخّل في الشّؤون الدّاخليّة لدولة مستقلّة وذات سيادة؟ فكيف نجيز لأنفسنا التّدخّل في شؤون غيرنا ونحرّمه على الآخرين؟ ثمّ أليس هذا الكلام تحريضا صريحا على المتاجرة بمشاكل الدّول والشّعوب الأخرى في لعبة مفضوحة تحالفات ومؤامرات مفضوحة قد تسيء إلى البلاد وقد تقوّض مصداقيّتها أمام الدّول الأخرى؟ ألا يمكن إستعمال كلام كهذا لإنشاء قواعد لتدريب الجهاديّين والإرهابيّين المتأهّبين لنصرة شعوب الأرض مقابل المال بدعوى أنّ الدّستور التّونسي ينصّ على ذلك؟ أليس في هذا النّصّ تشجيع على تكوين وتصدير الإرهاب؟ آخر الإحصائيّات تقول أنّ أكثر من 40% من الإرهابيّين المنظمّين للجيش السّوري الحرّ تونسيّون، فهل يريد صائغو هذه المسودّة دسترة الحقّ في تصدير الإرهاب...؟
وتتواصل المهزلة في بقيّة الجملة: "وإنتصارا (...) لحركات التّحرّر العادلة وعلى رأسها حركة التّحرّر الفلسطيني ودعما لإرادة الشّعب في أن يكون صانعا لتاريخه..." فما الذي يمكّننا من التّمييز بين الحركات والإحتجاجات وتصنيفها على أنّها "عادلة"؟ أليس هذا تقييما ذاتيّا ورأيا شخصيّا مغرقا في اللاّموضوعيّة؟ فالحكم على حركة ما بأنّها "عادلة" يتطلّب الإحاطة بكلّ المعلومات التي تحيط بها وبكلّ الآراء التي تقال فيها وبكلّ الخلفيّات التي تصدر عنها هذه الحركة ومعرفة كلّ الأيدي التي تحرّك خيوط اللّعبة... فهل بإمكان أيّ شخص أن يلمّ بكلّ هذه العناصر والهوامش ليحكم على حركة بصدد الحدوث حكما عقلانيّا ومحايدا؟ بالطبع لا، فالحكم سيبقى دائما منقوصا وممثّلا لوجهة نظر واحدة تنطلق في أغلب الأحيان من خلفيّة متعاطفة مع هذا الطّرف أو ذاك أو منحازة إلى مصالح معيّنة مع أحد الأطراف المتنازعة... والإنحياز إلى طرف ما في إطار نزاع على السّلطة في أيّ بلد يمكن أن تكون له نتائج كارثيّة على مستقبل العلاقات بين الدّولتين خاصّة في صورة إنتصار الطّرف الثّاني وتغيّر الموازين، حتّى إذا كانت الدّولة المنحازة لـ"حركات التّحرّر العادلة" هذه متكوّنة من عرّافين ومنجّمين يستطيعون قراءة الغيب والتنبؤ بالمستقبل... فهل يمكن أن نكون بهذه الحماقة لنكتب نصّا يدستر "حقّ الدّولة التّونسيّة في إتّباع سياسة هامشيّة وعشوائيّة تحكمها العواطف وقد تقوّض مصداقيّة البلاد وتهدّد مصالحها ومستقبلها"... أليس هذا الكلام في غير محلّه وضربا من البلاهة والجنون؟
ثمّ أنّه من الضّروري طرح السّؤال التّالي: كيف يمكن أن "ننتصر" لحركة التّحرّر الفلسطيني؟ إذا أردنا الرّدّ على هذا السّؤال، سنجد أنفسنا أمام ثلاثة أجوبة ممكنة: الأوّل، أن ننتصر لها بالشّعارات والأغاني والهرج والمرج والمناقشات التي لا تفيد بشيء، وهذا لا يستحق أصلا أن ينصّ عليه الدّستور، لأنّه جزء من الحراك الإجتماعي والثّقافي الذي يمكن أن يحصل في أيّ بلد يحترم حرّيّة التعبير ويمنحها لمواطنيه. الجواب الثّاني: أن ننتصر لها بإرسال المساعدات ومدّ يد العون، وهذا لا يستحق أيضا أن يكتب في الدّستور لأنّ من الأخلاق ومن قواعد التّعايش السّلمي ومن واجبات الإنسان تجاه الآخرين أن يمدّ لهم يد المساعدة، فهو أمر أخلاقي قبل أن يكون شأنا دستوريّا. الجواب الثّالث: أن ننتصر لهم بدعمهم بالمال والأسلحة والمقاتلين، وهذا أمر لا يمكن التّنصيص عليه لأنّه سيعطي للآخرين صورة سلبيّة نحن في أشدّ الغنى عنها، صورة الدّولة المصدّرة للإرهاب، وسيضرّ بمصالح تونس وعلاقاتها مع الدّول الأخرى من أجل نزاع لن يعود علينا بأيّ نفع. فهل نكتب دستورا يرتقي بالبلاد وبصورتها وسمعتها في العالم أم نخطّ وثيقة إدانة لتونس وشعبها...؟ ثمّ ماذا نفعل بهذا الدّستور إذا ما وقع إيجاد حلّ للتّعايش السلمي بين إسرائيل وفلسطين ووافق الكلّ على ذلك؟ هل نرميه في سلّة الفضلات ونعدّ دستورا جديدا أم ننزع عبارة "حركة التّحرّر الفلسطيني" أم نحتفظ به كما هو ونعتبره "وثيقة تاريخيّة" (مع العلم أنّ التأريخ ليس من وظائف الدّستور) فنعوّض زلّة حمقاء بزلاّت أكثر حماقة...؟
ثمّ أنّ الحديث في بقيّة الفقرة عن دوائر السّياسة الخارجيّة أمر لا ينفع بشيء، لأنّ السّياسة الخارجيّة لأيّ دولة تنبني على منطق المصالح مثلما تنبني التّحالفات بأنواعها ومنطق المصالح متغيّر بطبعه... فبماذا ينفع التّنصيص على "إقامة الوحدة المغاربيّة" وهي مجرّد وهم حلم به كثيرون لكنّه لم يتحقق ولن يتحقّق...؟ وكيف نتحدّث في الدّستور عن الوهم الثّاني المتمثّل في "الوحدة العربيّة" التي لم توجد إلاّ في إنشاء "جامعة الدّول العربيّة" وهي، كما يعرف القاصي والدّاني، أشبه بصورة على حائط، لا تتحرّك إلاّ بعد فوات الأوان ولا تفعل سوى التنديد والشّجب، هذا زيادة على إنعدام نفوذها، حتّى أصبح البعض يسمّيها "جامعة النّوم العربيّة"...؟ ثمّ ماذا يعني "التّكامل بين الشّعوب الإسلاميّة"؟ إذا كان من الممكن أن يكون هناك تكامل بين هذه الدّول فلن يكون إلاّ على أساس إقتصادي مبنيّ على المصالح وبموجب إتّفاقيّات تبرم في وقتها وتنتهي بتغيّر المصالح. فلا مكان للمتغيّر في الدّستور إذا كنّا لا نريد العودة إليه بتنقيحات وتعديلات وإستفتاءات في السّنوات القادمة. ولا مكان لتحديد دوائر السّياسة الخارجيّة والعلاقات الدّوليّة لأنّها من أكثر الأمور تغيّرا. أليست "سوريا" دولة تنتمي للعالم العربي الإسلامي وكانت لها مع تونس علاقات إقتصاديّة وإجتماعيّة وسياسيّة وثقافيّة، فكيف نرى علاقتنا معها في ضوء هذه المسودّة الضّبابيّة الممتلئة لغوا وحشوا...؟ ثمّ ما معنى "التّعاون مع شعوب العالم" خاصّة في ذهن من كتبوها؟ هل يمكن لدولة أن تعيش بمعزل عن العالم منغلقة على ذاتها؟ وهل كانت تونس من قبل منعزلة عن الدّول الأخرى وشعوبها؟ عندما أقرأ كلاما مثل هذا لا أستطيع أن أمنع نفسي عن الإستغراب، بل والإستنكار، فهو مثل قولنا أنّه يجب علينا قبول فكرة أن الدّجاجة لا تستطيع أن تطير مثلما يطير الحمام. أيّ ذكاء مفرط هذا الذي يتمتّع به أعضاء مجلسنا الوطني التّأسيسي الكرام...!
في نهاية التّوطئة نقرأ: "فإنّنا بإسم الشّعب نرسم على بركة اللّه هذا الدّستور." عودة جديدة للمرجعيّة الدّينيّة الإسلاميّة يجب تفاديها لأنّ التّونسيّين ليسوا كلّهم مسلمين، ففيهم المسيحيّون واليهود والملحدون واللاأدريّون وغيرهم، وذكر ألفاظ مستقاة من القاموس الإسلامي يجعل هذا الدّستور خاصّا بالمسلمين وبالتّالي فهو يعتدي على حقّ أصحاب الدّيانات الأخرى في رؤية وقراءة دستور محايد يحترم التّعدّديّة الدّينيّة ويجمع بين كلّ التّونسيّين على قدم المساواة وعلى أساس المواطنة. لذلك أرى أنّه من الواجب إنتزاع كلّ الألفاظ الدّينيّة من النّصّ الدّستوري، إذا أردنا فعلا بناء دولة تظمّ كلّ التّونسيّين دون إستثناء أو إقصاء أو تهميش. ثمّ أنّ الحياد والموضوعيّة لا يغضبان أحدا...
ننتقل الآن إلى الباب الأوّل من مسودّة الدّستور، وهو "المبادئ العامّة". في الفصل الأول من هذا الباب نجد أنّ من صاغوه حافظوا على نفس الجملة التي كانت موجودة في "دستور 59": "تونس دولة حرّة، مستقلّة، ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربيّة لغتها، والجمهوريّة نظامها." وهذا شيء جيّد، رغم أنّ ما جاء في "الفيديو المسرّب" منذ مدّة من كلام توجّه به الغنّوشي لثلاثة من شيوخ السّلفيّة (الفيديو الذي أثار عاصفة من الإنتقادات لـ"حزب حركة النّهضة" ومؤسّسها الذي يهوى ممارسة الخطاب المزدوج فتراه يسوّق للشّيء ونقيضه حسب إنتماء المتلقّين) ينبيء بأنّ الخبث "النّهضوي" المتعوّد على قلب الحقائق وتأويل الأمور حسب هوى "المرشد العام" (فـ"جذور الحركة مرتبطة إرتباطا وثيقا بـ"جماعة الإخوان المسلمون" المصريّة وتتبع نفس النّمط والإتّجاه والطّريقة في التّفكير والتّصرّف، رغم بعض الإختلافات البسيطة جدّا) يمكن، بتأويل بسيط لعبارة "الإسلام دينها"، أن ينقلب على هذا الفصل ويتّخذه ذريعة لتحويل وجهة البلاد من المدنيّة والدّيمقراطيّة إلى الشّريعة... فلسان حال "الغنّوشي" في ذلك الفيديو يقول: كيف يمكن لنصّ دستوري أن يمنعني من التّحيّل عليه وليّ عنق كلماته وتأويله حسب رؤيتي ومصالحي؟ وهذا ما يزيد في تعميق شكوكنا بخصوص كثرة إستعمال الألفاظ الدّينيّة في هذه المسودّة... لذلك أرى أنّ هذا الفصل لن يكون ضامنا لعدم تحريف الدّستور وتحويل وجهة البلاد التّونسيّة بإتّجاه دولة دينيّة إلاّ إذا ما تمّ التّنصيص على مدنيّتها. فالصّيغة الأصلح: "تونس دولة مدنيّة، حرّة، مستقلّة، ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربيّة لغتها، والجمهوريّة نظامها."
في الفصل الرّابع نقرأ: "الدّولة راعية للدّين، كافلة لحرّيّة المعتقد، وممارسة الشّعائر الدّينيّة، حامية للمقدّسات، ضامنة لحياد دور العبادة عن الدّعاية الحزبيّة." عندما أقرأ: "الدّولة راعية للدّين"، يتبادر إلى ذهني سؤال: أيّ دين هو المقصود هنا؟ في العبارة ضبابيّة مريبة، خاصّة وأنّ لفظ "الدّين" استعمل في المفرد، وكان من المنطق استعماله في صيغة الجمع، بما أنّ تونس تظمّ أديانا كثيرة. أليس من حقّ التّونسيّين اليهود والمسيحيّين مثلا أن ترعى الدّولة التّونسيّة أديانهم؟ أم أنّ صائغي المسودّة لا يهتمّون إلاّ بالإسلام؟ أم أنّهم من خلال إستعمال كلمة "الدّين" يقصدون الدّلالة على كلّ الأديان دون إستثناء مثلما نقول "الإنسان" للدّلالة على المرأة والرّجل على حدّ سواء؟ أليس المفروض أن يكون الدّستور نصّا جامعا لمختلف مكوّنات المجتمع التّونسي وأن يكون واضحا لا يقبل التّأويل وفي متناول فهم كلّ مواطن؟ أليست هذه العبارة إشكاليّة في حدّ ذاتها يمكن أن تنسف كلّ ما سبقها وكلّ ما يليها من فصول تتعلّق بالحرّيّات والمساواة والمواطنة؟ أليس من الواجب إستعمال الجمع أو تفسير معنى كلمة "الدّين" لرفع اللبس وقطع الطّريق أمام كلّ تأويل، خاصّة ونحن في تونس بعد "الثّورة" أصبحنا نعاني الأمرّين من تيّارات سلفيّة حمقاء وعنيفة وتيّارات إسلاميّة خبيثة النّوايا تهوى التّلاعب بالدّلالات...؟ وعندما نقرأ بقيّة الجملة نقتنع أكثر بأنّ من كتبوا المسوّدة لم يكونوا يفكّرون إلاّ في الدّين الإسلامي... ولمن يشكّك في قراءتنا أطرح هذا السّؤال: كيف يمكن للدّولة التّونسيّة أن تكون "راعية للأديان" (لنأخذ الكلمة في صيغة الجمع)؟ الرّعاية يمكن أن تتّخذ أشكالا متعدّدة مثل: تخصيص الإعتمادات وتنظيم التّظاهرات والإحتفالات وبناء دور العبادة وتكوين الإطارات المشرفة عليها، إلخ... فإذا كانت الدّولة فعلا ترعى كلّ الأديان ستقوم أيضا ببناء الكنائس للتّونسيّين المسيحيّين والمعابد للتّونسيّين اليهود...؟ فهل يأتي يوم نرى فيه جزءا من ميزانيّة وزارة الشّؤون الدّينيّة يخصّص لبناء كنيسة مسيحيّة أو معبد يهودي؟ لا أظنّ. وهل يأتي يوم نسمع فيه أنّ وزارة الشّؤون الدّينيّة قامت بتنظيم محاضرة دينيّة يقدّمها قسّ مسيحي، مثلما كانت وراء إستدعاء دعاة مسلمين مثل "وجدي غنيم" منذ مدّة؟ بالطّبع لا. أليس هذا دليلا قاطعا على أنّ المقصود من خلال كلمة "الدّين" إنّما هو الإسلام لا غير؟
ثمّ ما هي أوجه كفالة الدّولة لحرّيّة المعتقد؟ هل المقصود هنا الكفالة والدّعم المادّيّين أم الكفالة المعنويّة والقانونيّة؟ وكيف ستكون هذه الكفالة وبأيّ آليّات؟ ثمّ هل تكفل الدّولة أيضا حرّيّة "إنعدام المعتقد" أي الإلحاد؟ كلّها أسئلة تتوالد وتتكاثر بسبب ضبابيّة الصّياغة... ثمّ كيف يمكن للدّولة أن تكون حامية للمقدّسات؟ لكن قبل طرح هذا السّؤال الأخير، يجب التّساؤل: ما هو "المقدّس" في نظر من صاغوا هذا الفصل؟ وعلى أيّ أساس وبأيّ مقاييس يمكن القول بأنّه فعلا "مقدّس"؟ وهل هو مقدّس مرتبط بالدّين فقط؟ إذا كانت الإجابة ب،"نعم"، فلأيّ دين يجب أن ينتمي هذا المقدّس لكي يحظى بحماية الدّولة؟ وهل مقدّسات المسيحيّة واليهوديّة أيضا محميّة؟ وماذا عن مقدّسات الأديان الأخرى، سواء كان لها أتباع في تونس أم لا؟ أمّا إذا كانت الإجابة بـ"لا"، فيجب أن نعرف الأنواع الأخرى من المقدّسات التي تحميها الدّولة، طبقا لمسودّة الدّستور هذه... خلاصة القول: المقدّس والمدنّس مصطلحان مرتبطان بالدّين وهما نتيجة حكم لا يخضع للموضوعيّة ولا يمكن حصرهما في تصوّر واضح وجليّ أو إعطاؤهما مفهوما كاملا وشاملا يبيّن ملامحهما وحدودهما ويحدّد طرق التّعامل مع كليهما دون الدّوس على الحرّيّات الشّخصيّة بأنواعها... فما يمكن أن يكون مقدّسا في الإسلام قد يعتبره أتباع دين آخر مدنّسا، وقد يكون في تجريم الإعتداء عليه بنصّ دستوري إعتداء على حرّيّة من سيصبح في قفص الإتّهام في التتّفكير والتّعبير وإبداء الرّأي، إلخ... لذلك فليس من المنطقي أن ينصّ الدّستور على أشياء لا ملامح لها ولا يمكن تعريفها تعريفا يرضي الجميع زيادة على كونها لفرط ضبابيّتها ونسبيّتها قابلة للتّطويع وللتأويل في كلّ الإتّجاهات وبالتّالي يمكن أن تكون مصدرا للفوضى وتعلّة لممارسة العنف وكافة الممارسات التي تدينها الأخلاق والتي تقوّض أسس التّعايش السّلمي في المجتمع...
هناك أيضا عبارة أخرى تخفي وراءها مشكلة كبيرة وهي إعتبار أنّ الدّولة "ضامنة لحياد دور العبادة عن الدّعاية الحزبيّة"... إذا سلّمنا، رغم التّناقضات الكثيرة التي رأيناها في الجزء السّابق من هذا الفصل، بأنّ الدّولة يمكن أن تكون "ضامنة لحياد دور العبادة"، فلماذا وقع إستعمال عبارة "الدّعاية الحزبيّة"؟ الدّعاية الحزبيّة مرتبطة بالأحزاب طبعا، لكن الأحزاب لا تتكوّن إلاّ لأهداف سياسيّة كما أنّ الدّعاية الحزبيّة لا يمكن أن تكون إلاّ سياسيّة. يمكن أن نفهم من هذا أنّه يمنع على الأحزاب، طبقا لمسودّة الدّستور هذه، إستعمال دور العبادة للدّعاية، لكن هل سيمنع هذا الفصل أن يقوم الأئمّة بالدّعاية الحزبيّة في خطبهم ومواعظهم؟ لا، فيمكن لهذا الإمام أو ذاك أن لا يكون منخرطا في حزب معيّن ولكنّه، لغاية في نفسه وفي أنفس آخرين يحرّكون الخيوط من وراء السّتارة، يقوم بالدّعاية لحزب مّا أو يشوّه صورة حزب آخر... ولا أعتقد أنّه يوجد إمام يمكن أن يقوم بالدّعاية لحزب ذي توجّهات إشتراكيّة أو شيوعيّة أو حتّى علمانيّة (خاصّة وخطابات الإسلاميّين في مصر وفي تونس على حدّ سواء تحاول إبعاد النّاس عن العلمانيّة بخبث ومكر وذلك بتقديمها على أنّها دعوة للفحش والزّنا والفساد والإلحاد، مثلما حدث ذلك من قبل مع الشّيوعيّة إلى درجة أنّ من يسمع كلمة "شيوعي" أصبح يقفز إلى تفكيره بصفة آليّة لفظ "ملحد") فجميع الأئمّة يميلون إلى الأحزاب الإسلاميّة وينفرون ويعادون الأحزاب الأخرى على إختلاف إيديولوجيّاتها. وحتّى إذا حاسبت ذلك الإمام على أقواله، فالتّعلّة موجودة وجاهزة: "الإسلام دين كامل وشامل وصالح لكلّ زمان ومكان وفيه الإقتصاد والسّياسة والأدب والأخلاق، وغاية الخطب إرشاد النّاس وتوضيح ما إلتبس عليهم من أمور. وقد ناقشت الموضوع بنظرة شخصيّة بغضّ النّظر عن الأحزاب الموجودة وتوجّهاتها، خاصّة أنّي لا أنتمي لأيّ حزب..." هذا إذا لم يكن الإمام في حدّ ذاته قياديّا في حزب إسلامي حاكم مثلما هو الحال اليوم في تونس مع "حزب حركة النّهضة"... إذن، لماذا وقع إستعمال نعت "الحزبيّة" في حين أنّه لا يحيل إلاّ على جزء مرتبط بممارسات حزب مّا من كتلة أكبر تشمل الدّعاية السّياسيّة بأكملها، بمختلف إتّجاهاتها وبغضّ النّظر عن الشّخص الذي يقوم بها...؟ أليس في ذلك خبث ومكر يستهدفان الأحزاب الأخرى ذات المرجعيّات غير الإسلاميّة بعمليّة إقصائيّة ملتوية...؟
إشكاليّة أخرى وجدتها مع هذا الفصل، فقد ورد كما قلنا في باب "المبادئ العامّة" فقط، بهذه الصّياغة الضّبابيّة والملتبسة التي تبعث على الشّكّ وتثير الكثير من التّساؤلات، إذ لم يقع الرّجوع إليه للتأكيد في باب "الحقوق والحرّيّات"... ألا يدخل هذا في باب "الحرّيّات"؟ أليس غيابه عن هذا الباب مثيرا للشّكّ...؟ بالطّبع، فهذا يضع العديد من نقاط الإستفهام حول النّوايا المبطنة وحول درجة تمسّك صائغي مسودّة الدّستور بهذا الحقّ ودرجة رغبتهم في تطبيقه.
بهذا ننتقل إلى الباب الثّاني المسمّى "الحقوق والحرّيّات"، فنقرأ في الفصل السّادس عشر المنضوي تحته: "الحقّ في الحياة أوّل الحقوق التي لا يجوز المساس به إلاّ في حالات يضبطها القانون". نلاحظ هنا تلاعبا كبيرا بالمفاهيم يجعل تطبيق هذا الفصل الدّستوري المستلهم في بدايته من الميثاق العالمي لحقوق الإنسان ومن جملة من الإتّفاقيّات الحقوقيّة الدّوليّة مشروطا في نهايته بعدم تعارضه مع قوانين محلّيّة خاصّة وسهلة التّغيير. فماذا يعني هذا الذي ينتهي بإستثناء؟ المعنى الوحيد هو أنّ صائغي الدّستور لا يريدون إلغاء عقوبة الإعدام. فالحقّ في الحياة هنا يمكن سحبه من أيّ طرف متّهم في قضيّة معيّنة ويكفي لتنفيذ الإعدام عليه ضبط قانون يحدّد أنّ "عقوبة الجريمة كذا وكذا يمكن أن تصل إلى الإعدام". أليس هذا إستهزاء بمنظومة حقوق الإنسان وسعيا مفضوحا للمحافظة على عقوبات بدائيّة لا تليق بالإنسان ولا ترقى به ولا تحترم تطوّر الزّمن...؟ أليس هذا تمسّكا بشريعة إسلاميّة أقرب إلى الهمجيّة وشريعة الغاب منها إلى إحترام الإنسانيّة والتّفكير في تطوير منظومة حقوق الإنسان؟ أليس هذا محاولة أخرى جديدة ومتجدّدة للزّجّ بالشّريعة الإسلاميّة في دستور أجمعت معظم قوى المجتمع المدني ومعظم الأحزاب التي تحترم نفسها وتحترم الإنسان على رغبتها في أن يكون "دستورا يحقّق آمال الشّعب التّونسي في الحرّيّة والكرامة والعدالة الإجتماعيّة"، دستور دولة مدنيّة ديمقراطيّة...؟ أليس هذا إعتداء سافرا على المنطق والعقل، حين نجعل الدّستور الذي هو أعلى نصّ يخضع في تفسيره وتطبيقه لقانون بسيط قد لا يعيش أكثر من يوم وقد لا يستعمل إلاّ مرّة واحدة؟ فما الأجدر بأن يكون مرجعا: النّصّ الدّستوري أم النّصوص القانونيّة؟ قد يحيل الدّستور على نصّ قانوني لتحديد سنّ وشروط القيام بالخدمة العسكريّة مثلا، فليس هناك أيّ تضارب بين ما يأتي في النّصّين، بل هناك استفاضة وإطناب وتوسّع في الشّرح وتحديد للآليّات المنظّمة لذلك الفصل من الدّستور، بما لا يخالفه ولا يتعارض معه... فمنطقيّا، لا يجب أن يخضع الدّائم والثّابت للوقتي والمتغيّر. وهنا أتساءل: ما هذا الخبث الذي يتعامل به أعضاء المجلس التأسيسي مع هذا الشّعب الذي أعطاهم ثقته فلم يكونوا في مستوى عُشرها وإنتخبهم لصياغة دستور فأتوا به أحمقا سطحيّا ملتويا وضبابيّا معبّرا عن رغبة حاقدة في أنفسهم لا تريد إلاّ صناعة ديكتاتوريّة جديدة أخبث وأعمق من أيّ ديكتاتوريّة أخرى وهي ديكتاتوريّة تجّار الدّين الإسلامي ووكلاء الله على الأرض...؟
إنّ النّفس الديكتاتوري الذي يجري بين سطور مسودّة الدّستور التي بين يدينا يمثل خطرا كبيرا متربّصا بالشّعب التّونسي وبمكتسباته وبمستقبله وبرغبته في العيش بحرّيّة وكرامة. لذلك يجب إعادة صياغة هذه المسودّة صياغة موجزة، محايدة، تسمّي الأشياء بأسمائها وتبتعد عن الثّرثرة إلى أقصى حدّ وتتبع المنطق وتتحاشى لغة العواطف وتتناسب مع العصر ومع وضعيّة الشّعب التّونسي (عوض أن تكون مسخا لا علاقة له بالواقع، يعتمد على الأوهام والأفكار المترسّبة في العقليّة العربية الإسلاميّة منذ قرون والمشوّهة والمحرّفة مثل تاريخهم). ويجب أيضا الإعتماد على نظرة حقوقيّة تتّفق مع ما أجمعت عليه المواثيق والإتّفاقيّات الدّولية على إعتتبار أنّ حقوق الإنسان في عالميّتها وفي ترابطها ببعضها البعض تمثّل كتلة كاملة غير قابلة للتجزئة تحت أيّ تعلّة من التّعلات. فالمقاربة الحقوقيّة المنطقيّة تقتضي الإعتراف بكافة حقوق الإنسان كما أقرّتها وتبنّتها الشّرعيّة الدّوليّة لحقوق الإنسان وخاصّة العهد الدّولي للحقوق المدنيّة والسّياسيّة والعهد الدّولي للحقوق الإقتصاديّة والإجتماعيّة والثّقافيّة وهي إتّفاقيّات دوليّة صادقت عليها الدّولة التّونسيّة وملزمة على المستوى الوطني وتجاه السّلطات التّنفيذيّة والتّشريعيّة والقضائيّة في البلاد على تعاقبها وتداولها على الحكم. كما تقوم هذه المقاربة على الإعتراف بكافة الحقوق لكلّ النّاس وعدم تجزئتها وتجاهل البعض منها أو التّفاضل بينها أو تقييد بعضها الآخر (مثال من مسودّة الدستور الجديد: تقييد التّمتّع بحقّ الحياة بعدم صدور حكم قضائي بالإعدام). وهذا ما نجده مثلا في المادّة 5 من العهد الدّولي الخاص بالحقوق الإجتماعيّة والإقتصاديّة والثّقافيّة التي تنصّ في الفقرة الثّانية على أنّه "لا يمكن فرض أيّ قيد أو أيّ تضييق على أيّ حقّ من حقوق الإنسان الأساسيّة المعترف بها أو النّافذة في أيّ بلد تطبيقا لقوانين أو إتّفاقيّات أو أنظمة أو أعراف بذريعة كون هذا العهد لا يعترف بها أو كون إعترافه بها أضيق مدى". وفي هذا السّياق، تقتضي المادّة 4 "أنّه ليس للدّول الأطراف أن تخضع التّمتّع بالحقوق التي تضمنها طبقا لهذا العهد إلا للحدود المقرّرة في القانون، وإلاّ بمقدار توافق ذلك مع طبيعة هذه الحقوق، وشريطة أن يكون هدفها الوحيد تعزيز الرّفاه العام في مجتمع ديمقراطي".
من ناحية أخرى، نلاحظ أنّ دستور 1959 قد سبق وأقرّ بعلويّة الإتّفاقيّات الدّوليّة على القوانين المحلّيّة وتطبيقها بدلا من التّشريعات المحلّيّة عندما تنتهك هذه التّشريعات حقوق الإنسان أو تقيّد ممارستها بإعتبار أنّ الإتّفاقيّات الدّوليّة المتعلّقة بحقوق الإنسان بصفة عامّة وبحقوق الإنسان للنساء وبحقوق الأطفال أو حقوق المهاجرين تقوم كلّها على إحترام كرامة الإنسان وحرّيّاته الأساسيّة وتنبني على أساس المساواة بين المواطنين وبين المواطنين والمواطنات وبين الأجيال ويمكن أن نضيف بين الجهات بما أنّها ترمي إجمالا إلى تحقيق العدالة الإجتماعيّة. فالعلويّة والأولويّة في التنصيص تكون للمواثيق والإتّفاقيّات الدّوليّة لحقوق الإنسان لأنّها مرجعيّة شاركت في صياغتها شعوب العالم وإتّفقت عليها كما يجب الرّجوع إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والإتفاقيات الدولية التي صادقت عليها الدّولة التّونسيّة عند صياغة الفصول الدّستوريّة الخاصّة بحقوق الإنسان والحرّيات العامة والخاصة وعند تطبيقها وتأويلها أيضا.
لذلك أرى أنّ الحلّ الأنسب والأصلح هو وجوب الإبقاء على ما جاء في دستور 1959 (الفقرة الأولى من الفصل الخامس) والذي نصّه: "تضمن الجمهوريّة التّونسيّة الحرّيّات الأساسيّة وحقوق الإنسان في كونيّتها وشموليّتها وتكاملها وترابطها". فلن يجد أعضاء المجلس التأسيسي، إذا كانوا فعلا من دعاة الدّيمقراطيّة، أفضل من هذه الجملة الشّافية والكافية والمحتوية على كلّ شيء بوضوح. سيقولون أنّ هذا النّصّ هو نتيجة التنقيحات التي قام بها "زين العابدين بن علي" سنة 2002 على دستور 1959، وهذه التنقيحات هي سبب كلّ الفساد، ونحن نريد القطع مع الماضي... لكن المشاكل الكبرى التي تواجه النّصوص القانونيّة، بعد إشكاليّة الصّياغة، تتمثّل في تطبيقها تطبيقا صارما... فإذا وجدت نصوص واضحة وصريحة لا تحتمل التأويل في تنصيصها على الحقوق والحرّيّات، مثل هذا، وطبّق كما هو يصبح تجاوز كلّ النّزعات الدّيكتاتوريّة أمرا طبيعيّا. أمّا إذا كان النّصّ مبهما ومعتمدا على عبارات فضفاضة ومتعلّقا بالعموميّات وبقوانين محلّيّة متغيّرة حسب أهواء الحكّام، فالإنزلاق نحو الدّيكتاتوريّة يصبح سهلا ومتاحا في كلّ خطوة وكلّ لحظة.
في خاتمة حديثنا، أعتقد أنّ مسودّة الدستور الجديد المليء بالثّغرات والإسقاطات والثّرثرة المجانيّة والألفاظ المبهمة أو متعدّدة الدّلالات لا تمثّل إلاّ خطوة مخادعة يقوم بها "حزب حركة النّهضة" والأحزاب الإسلاميّة الموالية له والجارية بالتّوازي معه، نحو إرساء نظام ديكتاتوري جديد على أنقاض النّظام القديم، بل أسوأ وأخطر من الدّستور السّابق بتعديلاته وتنقيحاته أو دونها، إذا أخذنا بعين الإعتبار ما يحدث كلّ يوم من مظاهر تغوّل ورغبة في السّيطرة والتّحكّم. لذلك قد يكون الحلّ الأمثل للإنتهاء من مهزلة الدّستور التي زجّ الشّعب بنفسه فيها أن يعهد إلى لجنة من الخبراء في القانون الدّستوري والحقوقيّين للقيام بتحويرات وتعديلات على نصّ دستور 1959، الأمر الذي لن يتجاوز شهرا أو شهرين على أقصى تقدير، ثمّ يتمّ طرحه على الشّعب للإستفتاء، دون المرور بهذا "المجلس الوطني التأسيسي" الذي أظهر عجزه وفشله في كلّ ما أوكل له من أعمال وتكالب أعضائه على جمع الأموال والتّمتّع بشتّى أنواع المنح والتّسهيلات والرّفاهيّات... أو أن يفتح حوار وطني جاد وشامل يشارك فيه الجميع من أجل صياغة دستور مركّز ومختصر وخال من الثّرثرة والألفاظ الضّبابيّة، قادر على تحقيق الإستمراريّة، يستجيب للقيم الكونيّة ويواكب التّطوّر الحاصل في التّشريعات الدّوليّة، يكون محميّا من مزالق التّأويل ومن مخاطر التّنقيح، ويحمل خصوصيّات الشّعب التّونسي ويترجم طموحه إلى تثبيت حقوقه وتطلّعاته في دستور مدني ديمقراطي عصري... رغم أنّي أشكّ في قدرة "حزب حركة النّهضة"، بخلفيّاتها الإرهابيّة التي لم تفكّر أصلا في التّخلّص منها، على قبول الآخر المختلف والتّحاور معه...



#مالك_بارودي (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصيدة لعصابة ربّي (شعر باللهجة العامّيّة التّونسيّة)
- يحدث أن...
- من أجل أن نكون...
- حدث ذات صباح...
- ماذا فعلت...؟
- في الحديث عن أسباب تخلّف العالم العربي الإسلامي
- إبتسمي...
- حول خطر الإسلام الوهابي والطّريقة الوحيدة للقضاء عليه
- جوابا على ردّ أحد القرّاء لمقالي: هل نكون على موعد جديد مع ا ...
- إقتراح لتصحيح مسار الثّورة والعدالة الإنتقاليّة في تونس: وجو ...
- هل نكون على موعد جديد مع الهمجيّة الإسلاميّة من أجل فيلم -عم ...
- نهضة، يا نكبة تونس
- لم تقم القيامة...
- سؤال
- قصيدة حبّ متجدّدة
- حلم عاشق
- نظرة على الإتهامات المتداولة التي يستعملها بعض المسلمين في م ...
- كيف خاننا الوقت...؟
- رسالة مفتوحة إلى النّساء، منبع الحياة وسرّ جمالها، حول مكانت ...
- الجمهورية التونسية، من الثورة إلى الهاوية؟


المزيد.....




- “خناقة” على تويتر بين ساويرس وبكري وعلاء مبارك.. اتهامات عن ...
- تقرير: الصين تحبس معارضين وسجناء السياسيين في مستشفيات أمراض ...
- عشرات المستوطنين الإسرائيليين يقتحمون المسجد الأقصى
- مستوطنون يقتحمون باحات المسجد الأقصى
- على خلفية حريق الكنيسة في مصر.. تراشق كلامي بين علاء مبارك و ...
- عاجل| وزارة الدفاع الأفغانية: مقتل القائد المنشق عن حركة طال ...
- طالبان تضيف محاضرات إلزامية للدراسات الإسلامية في المناهج ال ...
- الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في مصر: محتوى كنيسة الأنبا بيشوي ...
- إعلامي مصري يجيب على تساؤلات عن وقوع 3 حرائق بالكنائس خلال ي ...
- ليبيا.. القوى الأمنية تقبض على متحرش بقارئات للقرآن لدى دخول ...


المزيد.....

- علي جمعة وفتواه التكفيرية / سيد القمني
- Afin de démanteler le récit et l’héritage islamiques / جدو جبريل
- مستقبل الدولة الدينية: هل في الإسلام دولة ونظام حكم؟ / سيد القمني
- هل غير المسلم ذو خلق بالضرورة / سيد القمني
- انتكاسة المسلمين إلى الوثنية: التشخيص قبل الإصلاح / سيد القمني
- لماذا كمسلم أؤيد الحرية والعلمانية والفنون / سامح عسكر
- ميثولوجيا الشيطان - دراسة موازنة في الفكر الديني / حميدة الأعرجي
- الشورى والديمقراطية من الدولة الدينية إلى الدولة الإسلامية / سيد القمني
- الدولة الإسلامية والخراب العاجل - اللاعنف والخراب العاجل / سيد القمني
- كتاب صُنِع في الجحيم(19) / ناصر بن رجب


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - مالك بارودي - مشروع الدّستور التّونسي الجديد أو الطّريق إلى الهاوية