أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعيد الوجاني - القرامطة وافلاطون















المزيد.....

القرامطة وافلاطون


سعيد الوجاني
كاتب ، محلل سياسي ، شاعر

(Oujjani Said)


الحوار المتمدن-العدد: 3634 - 2012 / 2 / 10 - 19:56
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


قد يتساءل سائل ما العلاقة التي تربط القرامطة الثوار بفلسفة أفلاطون الإصلاحي ، وهو تساؤل لا يعني نوع العلاقة التي كانت تجمع بينهما ، لكن المغزى منها هو الجذور الثقافية التي تأثرت بها الحركة القرمطية في صياغة مشاريعها السياسية والإيديولوجية ، وهو ما يفيد ان الحركة القرمطية لم تكن فقط حركة ثوار يغيرون على القلاع التي ينتشر فيها الاستبداد والظلم والطغيان ، بل كانت حركة ثقافية بدرجة أولى ، وهذا ما يفيد ان الحركة وثوارها أفادت من ارث الأفكار المستنيرة في النظم والنظريات الشرقية والغربية على السواء ، وكيفتها بما يتفق وطبيعة العصر دون ما تعارض مع تعاليم الإسلام . ونعتقد ان الحركة القرمطية أفادت في نشر دعوتها وتنظيم مجتمعها من النهضة العلمية وحركة الاستنارة في هذا العصر سواء اعتمادهم على علم الفلك في بناء حركتهم السرية ، او عند إرساء نظمهم السياسية والاجتماعية بالاعتماد على الآراء التي طرحها أفلاطون في جمهوريته ، والتي تأثرت بها الفلسفة الشرقية والغربية على السواء فيما بعد ، ووجدت صداها في الفلسفة الإسلامية حتى ليذهب سباين (تطور الفكر السياسي ج 1 ص 78 ) إلى ان كتاب الجمهورية لأفلاطون كان كتاب كل عصر استلهمت منه العصور اللاحقة أكثر اتجاهاتها تنوعا .
لقد حاول أفلاطون في الجمهورية تقرير الأصول الضرورية او ضع التخطيط الأمثل لقيام جمهورية مثالية او مدينة فاضلة تنتفي فيها كل الشرور والآثام التي زخرت بها المجتمعات المعروفة في عهده ، بحيث تعم الفضيلة وتسود العدالة ويحدث الوفاق بين سكانها ( تاريخ الفكر الاجتماعي وتطوره ص 25 مصطفى الخشاب ) ، ومع أن افلاطون أفرط في في مثاليته فكانت جمهورية يوتوبية صعبة التحقيق ، ومع انه تخلى عن الكثير من آراءه عندما وضع كتابه " القوانين " استئناسا بهذا الإفراط ، فقد احتدا الفلاسفة المسلمون حذوه وتأثروا بأفكاره الى حد بعيد . وإذا كانت جماعة إخوان الصفا التي نشأت في منتصف القرن الرابع الهجري ، أي بعد قيام الدولة القرمطية ، قد صاغت كثيرا من رسائلها بوحي من آراء أفلاطون في الجمهورية ، فان فيلسوفا إسلاميا كالفارابي ألف كتاب " آراء أهل المدينة الفاضلة " ، قبل ظهور الدعوة القرمطية على غرار جمهورية أفلاطون . وغني عن القول ان الفارابي مزج بين آراء أفلاطون وفلسفة أرسطو ومبادئ الإسلام بما لا يدع للشك سبيلا وقدم صورة جديدة ليوتوبيا اجتماعية صعبة التحقيق . اما القرامطة فقد كانوا أول من طبق إعطائها صبغة إسلامية مميزة ، وهذا يتضح من رصد أوجه التقارب والاتفاق بين آراء أفلاطون الطوبوية وبين التجربة القرمطية .
لقد بنى أفلاطون فلسفته على ساس فهمه للنفس الإنسانية التي تجمع حسب تصوره بين قوى ثلاث : الناطقة والغضبية والشهوانية . لذلك رأى تقسيم العمل داخل جمهوريته بين طوائف ثلاث : جماعة الحكام وجماعة الحراس ، وجماعة المنتجين . ان هذه الجماعات الثلاث يجب إعدادها وتنشئتها منذ الطفولة ، حيث يجب إعداد الحكام إعدادا خاصا حتى يكتسبوا فضيلة الحكمة والحزم فيصيروا فلاسفة . والحراس يجب ان يغرس فيهم فضيلة الشجاعة والمخاطرة ، والمنتجون ينشئون على فضيلة العمل والعفة والاعتدال . ان هذه الجماعات جميعها ترتبط برباط الأخوة والمساواة والتعاون على ما يكفل سعادة الجميع ليس إلا . أما التفرقة بينها فهي قائمة على أساس تقسيم العمل على اعتبار ان أفلاطون يرى ان العدالة لا تتحقق مع وجود مبدأ الملكية ، لذلك فهو دعا الى إلغائها باعتبارها شرا مستطيرا ، كما نادى بالشيوعية الجنسية بين طبقة الحراس ، لكنه عدل عنها بعد ذلك في كتاب القوانين ، وأشاد بالنظام الأسري واكدد على تعزيز الروابط العائلية
السؤال : الى أي مدى انعكست هذه الفلسفة على التجربة القرمطية ؟ تطالعنا المصادر بوجود طبقة مستنيرة عاقلة بيدها زمام السلطة ومقاليد الحكم ، رئيسها عادل غير مستبد يسترشد بجماعة الشورى التي عرفت بالعقدانية ، أي أصحاب الحل والعقد ، ومبدأ الشورى الذي هو عصب الديمقراطية السياسية في الإسلام " وشاورهم في الأمر " و " آمرهم شورى بينهم " . فالحاكم يجب ان يحكم بالعدل والإنصاف ووفق نصيحة اقرأنه والمحيطين به ما أهل العلم والتقوى . والسؤال أليست هيئة الحكم هذه شبيهة بحكومة الفلاسفة عند أفلاطون التي أدركت المعاني الكلية للعدل والجمال والخير الاسمي ، بحيث لا ينفرد واحد منهم بالسلطة ، بل تتولى جماعة الفلاسفة المشورة ؟
والى جانب الحقل السياسي عند القرامطة تولى شؤون القتال عندهم كذلك جماعة خاصة من المحاربين الثوار الذين كانوا يعدون منذ الطفولة أعدادا عسكريا صرفا وفق نظام للتربية متعارف عليه ، فكانوا يجمعون في دور خاصة ويركبون الخيل ويتعلمون الفروسية وحمل السلاح ويذكر المقريزي ( اتعاظ الحنفا ص 216 ) ان الجماعة المقاتلة في الإحساء بلغت عشرين ألف جندي على استعداد للتضحية والفداء ، وكانوا في شجاعتهم في القتال مضرب الأمثال . لقد اتسمت حروب القرامطة بالعنف والقسوة ، وذلك يرجع الى حماسهم الشديد لدعوتهم من ناحية ، ولما عانوه من بطش وتنكيل أعدائهم من ناحية أخرى . أذن من الواضح أن القرامطة تأثروا في هذا الصدد بآراء أفلاطون فيما يتعلق بطبقة الحراس التي كانت تعد منذ طفولتها إعدادا رياضيا ، فإذا بلغوا الثانية عشرة يزاولون التدريب العسكري ويتفرغون للحرب تفرغا تاما
أما قطاع المنتجين في المجتمع القرمطي فكان ينهض برسالته على خير وجه ، وقد ذكر ناصر خسرو ان ثلاثين ألفا كانوا يعملون جماعة بالزراعة وفلاحة البساتين ، وان العمال المهنيين كانوا ينتظمون في جماعات متخصصة ، وحتى النساء والأطفال لهم أعمالهم المحددة كما أشار النويري الى ذلك
كما ان القرامطة كانوا يقدمون العون والمساعدة لكل صاحب صناعة ينزل دولتهم ويعدون بيوتا خاصة لسكناهم على حساب المجموع ، فوجه الشبه إذن قائمة بين القوى العاملة بنظامها في المجتمع القرمطي وبين آراء أفلاطون عن تكريس طبقة خاصة للمنتجين تقوم على أساس من التفاني والعفة والتعاون والاعتدال

والوضع السامي الذي حظيت بع المرأة في المجتمع القرمطي ومساواتها بالرجل في تحمل المسؤوليات والأعباء يقابله حرص أفلاطون على مبدأ المساواة بين الجنسين . فلم يميز في نظامه التربوي بين البنين والبنات ، وأدرك ضرورة استغلال كافة قوى المجتمع وتكريسها لخدمة الدولة
لذلك يمكن القول بان القرامطة تأثروا الى حد بعيد بآراء أفلاطون حين أقاموا تجربتهم الاشتراكية في العراق والبحرية المشتعلين هذه الأيام بعد تكييفها مع الواقع الاجتماعي وإكسابها طابعا مميزا يستند بالدرجة أولى على مبدأ العدالة في الإسلام مادام ان العدل هو أساس الملك






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني
حول آفاق ومكانة اليسار ، حوار مع الرفيق تاج السر عثمان عضو المكتب السياسي - الحزب الشيوعي السوداني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بلشفيك الاسلام . هل هم قادمون ؟
- الديمقراطية بين دعاة الجمهورية ودعاة الخلافة
- التوجه السياسي للمهدي بن بركة ( 8 )
- التوجه السياسي للمهدي بن بركة ( 7 )
- التوجه السياسي للمهدي بن بركة ( 6 )
- التوجه السياسي للمهدي بن بركة ( 5 )
- التوجه السياسي للمهدي بن بركة ( 4 )
- منتصف الطريق فالإجهاض
- التوجه السياسي للمهدي بن بركة ( 3 )
- التوجه السياسي للمهدي بن بركة ( 2 )
- التوجه السياسي للمهدي بن بركة ( 1 )
- مقاطعة الانتخابات في المغرب ( الخطر قد يقترب )
- ردا على مزاعم بعض المشارقة بخصوص الاستفتاء بالصحراء
- ملف حول قيام الدولة الفلسطينية والقضية الكردية وحقوق الأقليا ...
- استثناء الاستثناء المغربي
- مقاطعة الاستفتاء على الدستور
- هل تم تعبيد الطريق الى فلسطين ؟
- نقد مقولة الصراع الطبقي بالمغرب
- تيارات سياسية مؤتمرات أوطمية
- مراوحة السياسة التكنولوجية العربية بين النقل والتبعية


المزيد.....




- أحمد السعدني يعلن انسحابه من -كله بالحب- ويصف ما حدث بـ-المه ...
- ناصر جودة يرد على -مشككين- بعد ظهور الملك عبدالله والأمير حم ...
- ناصر جودة يرد على -مشككين- بعد ظهور الملك عبدالله والأمير حم ...
- فون دير لاين تعلق للمرة الأولى على -فضيحة الأريكة- في أنقرة ...
- بحث جديد يربط انسداد الأنف المزمن بالتغييرات في نشاط الدماغ! ...
- صحفيو وكالة الأنباء الرسمية في تونس? ?يحذرون من المساس باستق ...
- الولايات المتحدة تعزز وجودها العسكري في ألمانيا بعد حقبة ترا ...
- الأزمة الأوكرانية: تصاعد التوتر بين الغرب وروسيا.. وموسكو تت ...
- محاكمة جماعة متطرفة في ألمانيا بتهمة -التخطيط لمهاجمة مسلمين ...
- قناة السويس: محكمة مصرية تأمر بالتحفظ على سفينة -إيفرغيفن- ح ...


المزيد.....

- في مواجهة المجهول .. الوباء والنظام العالمي / اغناسيو رامونيت / ترجمة رشيد غويلب
- سيمون فايل بين تحليل الاضطهاد وتحرير المجتمع / زهير الخويلدي
- سوريا: مستودع التناقضات الإقليمية والعالمية / سمير حسن
- إقتراح بحزمة من الحوافز الدولية لدفع عملية السلام الإسرائيلى ... / عبدالجواد سيد
- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكر والسياسة والاقتصاد والمجتمع ... / غازي الصوراني
- استفحال الأزمة في تونس/ جائحة كورونا وجائحة التّرويكا / الطايع الهراغي
- مزيفو التاريخ (المذكرة التاريخية لعام 1948) – الجزء 2 / ترجم ... / جوزيف ستالين
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزء الأول / مبارك وساط
- مسودات مدينة / عبداللطيف الحسيني
- اطفال الفلوجة: اللغز الطبي في خضم الحرب على العراق / قصي الصافي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعيد الوجاني - القرامطة وافلاطون